المسيحية في شمال افريقيا, بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة

فولجانتيوس الأسطوري: الاستعارات الميثولوجية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة مريمة أڭرام

في أواخر العصور القديمة، كان سكان عالم البحر الأبيض المتوسط يتساءلون عن كيفية فهم الأساطير والحكايات القديمة التي شكّلت، على مدى قرون، أساس ثقافتهم، ولا سيما بعد أن أصبحوا مسيحيين ولم يعودوا يؤمنون بآلهة أسلافهم. وكان فولجانتيوس ، وهو مؤلف من شمال إفريقيا عاش في عهد الوندال، قد ألّف عدة كتب اقترح فيها قراءة رمزية للأساطير اليونانية والرومانية، مستخلصًا منها رسائل أخلاقية وروحية.

رسالة خفية وراء أساطير عصر غابر

كان عالم الشعراء القدماء، أمثال هوميروس وهسيودوس، عالمًا خارقًا للطبيعة، مليئًا بالسحر والمخلوقات العجيبة والحيوانات الناطقة والبشر الذين يتحولون إلى حيوانات أو أحجار. كما أن الآلهة التي تعيش بين البشر في هذا العالم الأسطوري كانت تتحلى بأهواء بشرية للغاية؛ فهي قتلة ومغتصبون وزناة ولصوص وكاذبون، وترتكب شتى أنواع الجرائم. وقد شعر أكثر رجال عصرهم عقلانية، ولا سيما الفلاسفة، بالحرج إزاء ما تتسم به هذه الأساطير من عبثية ولا أخلاقية. ولتفسير ذلك، حاولوا البحث عن معنى أعمق يكمن وراء تلك الحكايات المتخيلة.

وكان الفلاسفة الأفلاطونيون الجدد على وجه الخصوص من أكثر المهتمين بإعادة النظر في الأساطير القديمة في ضوء فهمهم الأكثر تطورًا للعالم، بحثًا عن معنى خفي وراء ألفاظها.

أوديسيوس وكيركي

يمكن توضيح منهجهم على أفضل وجه من خلال مثال. ففي ملحمة الأوديسة لهوميروس، يصل البطل أوديسيوس ورفاقه إلى جزيرة الساحرة كيركي. وعندما يندفع رفاق أوديسيوس، وقد أنهكهم الجوع، نحو مائدة كيركي، تحوّلهم جميعًا إلى خنازير. وفي طريقه لإنقاذ رفاقه، يلتقي أوديسيوس بالإله هرمس، الذي يمنحه عشبة سحرية ويزوده بتعليمات تساعده على التغلب على الساحرة. فتحمي العشبة السحرية أوديسيوس من سحر كيركي. وفي النهاية، توافق كيركي على إعادة رفاقه إلى هيئتهم البشرية.

وبالنسبة إلى الأفلاطونيين الجدد، فإن تحوّل رفاق أوديسيوس إلى خنازير يرمز إلى انحطاط الإنسان؛ فعندما نستسلم لغرائزنا الأولى وللملذات الحسية المفسدة، نصبح شبيهين بالحيوانات البرية. أما أوديسيوس، فيحميه علم الحكماء، الذي يمنحه القوة اللازمة لمقاومة السحر المدمر الذي تمارسه الساحرة.

صور فولجانتيوس : صور من العصور الوسطى مستوحاة من فولجانتيوس الأسطوري

ازدادت القراءة الرمزية للأساطير حضورًا وأهمية في العصر المسيحي. فقد أتاحت للمسيحيين في العالم اليوناني الروماني استعادة تراث الأساطير الوثنية القديمة، التي اكتشفوا فيها دروسًا أخلاقية تعلّمهم كيفية عيش حياة فاضلة، بل ودروسًا روحية تتعلق بالله وبخطته لهم. وكان فولجانتيوس الأسطوري، وهو مؤلف مسيحي من شمال إفريقيا، من أبرز الكتّاب الذين طوّروا هذه القراءة المسيحية الرمزية للنصوص الأسطورية.

من هو فولجانتيوس الأسطوري؟

كان فابيوس بلانكيادس فولجانتيوس (Fabius Planciades Fulgentius) مؤلفًا مسيحيًا من شمال إفريقيا، عاش وكتب في عهد الوندال، خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن السادس الميلاديين. ولا يُعرف سوى القليل جدًا عن حياته، حتى إن موطن إقامته في شمال إفريقيا غير معروف على وجه اليقين. وتشير كتاباته اللاتينية، ومعرفته باليونانية، وإلمامه الواسع بالمؤلفين الكلاسيكيين والعبادات الشعبية، إلى أنه كان على الأرجح قد تلقى تكوينًا في البلاغة أو النحو. كما كان يفهم اللغة الليبية القديمة ويستطيع قراءة أبجديتها، مما يشير إلى أنه ربما كان من أصول أمازيغية. ويذكر المؤلف في مقدمة كتابه الأساطير أنه كان متزوجًا.

فولجانس دي روسبي

منذ العصور الوسطى، عرّف بعض النُّسّاخ فولجانتيوس الأسطوري بأنه فولجانس دي روسبي، وهو أسقف من شمال إفريقيا عاش في الحقبة نفسها، وكان قائد المقاومة المسيحية في شمال إفريقيا ضد الآريوسية الوندالية. غير أن هذا التطابق بين الشخصيتين موضع خلاف بين الباحثين المتخصصين في العصر الحديث.

يُؤرَّخ عمل فولجانتيوس الأسطوري تقليديًا إلى أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس الميلادي. غير أن مقطعًا من أحد أعماله يشبه بيتًا شعريًا لكوريبوس، وهو مؤلف آخر من شمال إفريقيا كتب نحو عام 550م، أي بعد استرداد البيزنطيين للمنطقة. ويرى بعض الباحثين أن فولجانتيوس اقتبس من كوريبوس، وهو ما يعني أنه كتب أعماله بعده. بينما يرى آخرون أنه كان أقدم من كوريبوس، وأن التشابه بين النصين محض مصادفة. وإذا ثبت بالفعل أنه اقتبس من كوريبوس، فإن ذلك سيؤكد أن فولجانتيوس الأسطوري لا يمكن أن يكون هو فولجانس دي روسبي، لأن الأخير توفي سنة 527م.

حظيت أعمال فولجانتيوس الأسطوري بشعبية كبيرة طوال العصور الوسطى، وكان لها تأثير قوي في كتّاب الأساطير المسيحيين في العصور الوسطى.

مؤلفات فولجانتيوس الأسطوري

أشهر أعمال فولجانتيوس الأسطوري هو كتابه «الأساطير» (Mythologies)، وهو مؤلف يتألف من ثلاثة كتب، تضم في مجموعها خمسين فصلًا. يروي كل فصل أسطورة، ثم يقدم تفسيرًا رمزيًا لها، مستخلصًا منها رسالة أخلاقية وروحية. ويعتمد فولجانتيوس في تفسيراته على الاشتقاق اللغوي لأسماء الشخصيات، وهي اشتقاقات يعتريها الشك في كثير من الأحيان، إلا أن هذا الأسلوب كان شائعًا في عصره. ويوضح المؤلف في مقدمة الكتاب أنه أراد تجريد الأساطير اليونانية الكلاسيكية من عناصرها الخيالية، من أجل الكشف عن الحقائق الغامضة التي تنطوي عليها. وعلى الرغم من أن دافعه كان مسيحيًا، فإن الدروس التي يستخلصها من الأساطير تتسم بطابع عام، ويمكن تطبيقها على الناس كافة.

وفي عمل آخر، يقدم فولجانتيوس الأسطوري قراءة رمزية لملحمة الإنيادة للشاعر الروماني فيرجيل، ويرى فيها رمزًا للحياة الإنسانية بأسرها. وفي هذا الكتاب، يظهر شبح فيرجيل للمؤلف، برفقة ربات الفنون (الموسيات)، ليشرح له الحقائق الكامنة في ملحمة الإنيادة. ويخاطب فيرجيل المؤلف بنبرة متعالية، ويسخر من ميل القراء إلى قراءة قصيدته قراءة حرفية دون إدراك المعنى الأعمق الكامن وراء كلماتها.

وكانت التأويلات الرمزية لأعمال فيرجيل شائعة بالفعل في ذلك الوقت، ومن بينها تأويل وضعه النحوي الروماني الإفريقي إيليوس دوناتوس، غير أن فولجانتيوس الأسطوري كان أول من قدّم هذا النوع من التأويل من منظور مسيحي.

كما ألّف فولجانتيوس الأسطوري كتابًا بعنوان شرح الكلمات البالية، يقدّم فيه شرحًا لاثنتين وستين كلمة لاتينية قديمة وردت في الأدب الكلاسيكي، فضلًا عن كتاب تاريخي بعنوان في عصور العالم والناس.

ستاتيوس

وأخيرًا، نُسب إلى فولجانتيوس الأسطوري، أيضًا، تفسير رمزي لملحمة الثيبايد (Thebaid)، وهي قصيدة للشاعر الروماني ستاتيوس الذي عاش في القرن الأول الميلادي. غير أن نسبة هذا العمل إلى فولجانتيوس كانت على الأرجح خاطئة، إذ كُتب العمل في فترة لاحقة، خلال العصور الوسطى، وقد قلّد مؤلفه أسلوب فولجانتيوس الأسطوري في الكتابة.

وكان ستاتيوس معاصرًا للمسيحيين الأوائل، وقد نشأ في العصور الوسطى تقليد لا يستند إلى أي أساس تاريخي، مفاده أنه اعتنق المسيحية سرًا، وأن أعماله تتضمن رسالة مسيحية خفية. وقد ورد هذا الادعاء أيضًا في الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي.

المسيحية في شمال افريقيا

فولجانس دي روسبي: رسول الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هند لفتى

بعد الغزو الوندالي في القرن الخامس الميلادي لشمال إفريقيا، وجدت هذه الأخيرة، التي كانت تُعد من بين أكثر المناطق تشبثاً بالديانة المسيحية في العالم الروماني، نفسها أمام أزمة دينية خطيرة؛ حيث نُفي أساقفتها وأُجبر سكانها على تبني المذهب الآريوسي التي يتَّبعه الوندال. وفي هذا السياق، عُرف الأسقف فولجانس دي روسبي بصفته المدافع الأول عن المسيحية في شمال إفريقيا. فعلى مدى أزيد من عشرين عامًا، واصل التبشير بالمذهب الكاثوليكي بتفانٍ، وواجه سلطات الوندال، وخاض مناظرات علنية مع الأساقفة الآريوسيين. ورغم نفيه مرارًا، ظل يدافع عن معتقداته من خلال مؤلفاته. فلولا تأثيراته لما تمكنت كنيسة شمال إفريقيا من التصدي للاحتلال الوندالي.

السياق

الأسقف كودفولتديوس القرطاجي المنفي من قبل الواندال

اتَّبع الوندال الدين الآريوسي، وهو مذهب تعتبره الكنيسة المسيحية الرسمية هرطقة، حيث أصيب المسيحيين في شمال إفريقيا بالاضطراب بسبب هذا المذهب الجديد الذي لم يألفوه من قبل؛ فألَّف أوغسطينوس من هيبون كتابًا ضد الآريوسية لكن لم يكن هناك سوى قلة قليلة تجيد اللغة اللاتينية بما يكفي لقراءته. كما سعى الوندال إلى فرض عقيدتهم على جميع رعاياهم، فاضطهدوا المسيحيين الأصليين في شمال إفريقيا، سواء الكاثوليك منهم أو الدوناتيين. وقُتل أكثر من ألف شخص من أبناء شمال إفريقيا لرفضهم اعتناق الآريوسية.

حياة فولجانس

فولجانس دي روسبي

وُلِد فابيوس كلوديوس جورديانوس فولجانس زهاء سنة 465م في تلابت (المدينة القديمة، بالقرب من فريانة، في ولاية القصرين، تونس) لأسرة رومانية مسيحية. كان جدّه عضواً في مجلس شيوخ قرطاج لكن تعرّض إلى النفي إلى إيطاليا فصودرت جميع أملاكه عقب الغزو الوندالي لإفريقيا. وبعد وفاته عاد ابناه الإثنان إلى إفريقيا حيث فقدا منزل العائلة، لكن تمكنا من استرجاع بعض الأراضي في بيزاسينا (جنوب تونس) فاستقرا هناك. توفي والد فولجانس وهو ما يزال طفلًا، فتولت والدته تربيته، وعلّمته اليونانية واللاتينية. كما حفظ مؤلفات هوميروس كاملة عن ظهر قلب في سن مبكرة جدًا.

حظيت أسرة فولجانس باحترام كبير، كما مكّنته سمعته الحسنة، بعد أن بلغ سن الرشد، من تولي وظيفة جابي ضرائب. وبينما كانت أمامه آفاق واسعة لحياة مهنية ناجحة، دفعه تدبره للنصوص الدينية ولا سيما موعظة لأوغسطينوس في شرح المزمور 36 إلى الزهد في الدنيا وتكريس حياته للرب. فقرر أن يصبح راهبًا بعد بلوغ قرابة الثانية والعشرين من عمره.

دير في بيزاسينا (صورة من توليد ChatGPT)

وفي تلك الفترة، أنشأ الأسقف فاوستوس، الذي طرده الملك الوندالي هونريك من أبرشيته، ديرًا في بيزاسينا. وطلب فولجانس من فاوستوس أن يقبَلَه راهبًا مبتدئًا. حاول فاوستوس في البداية أن يثنيه عن عزمه بسبب ضعف صحته، غير أنه وافق في النهاية بعد إصرار فاوستوس الشديد. فكرّس فولجانس حياته للصلاة مع رهبان آخرين بعيدًا عن المجتمع.

وبعد مدة وجيزة، اضطر فولجانس إلى مغادرة الدير على إثر هجمات الآريوسيين، فانتقل إلى دير آخر تولى فيه مسؤوليات أخرى. وفي سنة 499م، فرّ إلى مدينة سيكا (الكاف) خلال موجة جديدة من الاضطهاد. وفي العام الموالي، سافر إلى روما ثم عاد إلى بيزاسينا، حيث أسس ديره الخاص، فبدأ سيطه يذيع شيئا فشيئا.

وفي سنة 504م، أصبح فولجانس أسقفًا على مدينة روسبي (هنشير السبية، قرب المهدية). كان الملك الوندالي ترازاموند آن ذاك قد أصدر قرارًا يمنع تعيين أي أسقف جديد بعد وفاة الأسقف الحالي. فنُفي فولجانس إلى جزيرة سردينيا مع نحو ستين أسقفًا. وألّف خلال منفاه كتبًا لتثبيت المسيحيين الأفارقة على إيمانهم، لاسيما عن طريق دحض أخطاء المذهب الآريوسي.

نقش يشير إلى الملك ترازاموند على سرداب كنيسة في هنشير القوصي، بولاية القصرين، تونس

وفي سنة 515م، عاد فولجانس إلى إفريقيا بدعوة من الملك ترازاموند للمشاركة في مناظرة علنية مع أحد الأساقفة الآريوسيين، فانبهر الملك بسعة علمه وأذن له بالإقامة في قرطاج دون العودة إلى بيزاسينا. وهناك واصل الكتابة عن العقيدة الكاثوليكية والدعوة إليها، غير أنه نُفي مرة أخرى عام 520م.

توفي ترازاموند سنة 523م، وخلفه هلدريك، الذي كانت أمه كاثوليكية، فانتهج سياسة تقوم على التسامح الديني. وأُذن لفولجانس بالعودة من منفاه واستئناف مهامه باعتباره أسقفًا لروسبي. وبعد عودته، عمل على إنهاء التجاوزات التي انتشرت في الكنيسة أثناء غيابه. كما كان خطيبًا بليغاً ذو تأثير كبير، حتى إن أسقف قرطاج بونيفاتيوس كان يبكي كلما استمع إلى عظاته، ويشكر الله علانيةً على إرسال مثل هذا الواعظ إلى كنيسته.

لطالما كان فولجانس منجذبا لحياة الرهبنة والعزلة أكثر من أعباء الأسقفية، ففي أواخر حياته اعتزل في دير يقع بجزر سيرسينا (جزر قرقنة). غير أن تأثيره في مدينة روسبي كان بالغًا لدرجة أن استدعوه المؤمنين للعودة، فواصل عمله باعتباره أسقفا على روسبي حتى وفاته عام 527.

المسيحية في شمال افريقيا, الوندال في شمال أفريقيا

اضطهاد الوندال لمسيحيي شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

اجتاح الوندال شمال إفريقيا خلال القرن الخامس الميلادي، وكانوا يعتنقون الديانة المسيحية وفق المذهب الآريوسي، مما دفعهم إلى محاولة إجبار جميع رعاياهم على اعتناق عقيدتهم. وقد أسفر ذلك عن حملة اضطهاد قاسية استهدفت المسيحيين من السكان الأصليين في شمال إفريقيا، حيث قُتل آلاف المؤمنين لرفضهم التخلي عن إيمانهم والتحول إلى الآريوسية.

السياق التاريخي

كان الوندال، شأنهم شأن الشعوب الجرمانية الأخرى، يعتنقون الآريوسية، وهي عقيدة اعتبرتها الكنيسة المسيحية الرسمية “هرطقة”. ومع وصول الوندال إلى شمال إفريقيا، وجد الأهالي المسيحيون أنفسهم في حالة من التخبط أمام هذه العقيدة الدخيلة التي لم يألفوها من قبل. ورغم أن أوغسطينوس أسقف هيبون كان قد وضع كتاباً يدحض فيه الآريوسية، إلا أن قلة قليلة من السكان كانت لا تزال تتقن اللاتينية بما يكفي لقراءته.

وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض من القوط الذين كانوا آريوسيين أيضاً لكنهم اتسموا بالتسامح مع الطوائف الأخرى، سعى الوندال إلى فرض عقيدتهم على جميع رعاياهم، فمارسوا الاضطهاد ضد مسيحيي شمال إفريقيا، بشقيهم الكاثوليكي والدوناتي. وقد أُعدم مئات المسيحيين لتمسكهم بعقيدتهم خلال العهد الوندالي، كما تعرضت العديد من الراهبات للاعتداء. وقد ترك لنا الأسقف فيكتور الفيتي (من فيتا/بني دراج)، الذي عاصر هذه الأحداث، كتاباً مفصلاً يوثق فيه هذه المرحلة.

التسلسل الزمني للاضطهاد الوندالي

كودفولتديوس أسقف قرطاج

عقب سقوط قرطاج، نُفي الأسقف كودفولتديوس (والذي يعني اسمه “ما يريده الله”) برفقة أغلب أساقفة شمال إفريقيا. وقد حُشروا في قارب متهالك بلا أشرعة ولا مجاديف، لكنه تمكن من عبور البحر وصولاً إلى نابولي. استقر الأساقفة المنفيون في إيطاليا، وأصبح أحدهم، ويدعى غاوديوسيوس، أسقفاً لنابولي.

ظلت أسقفية قرطاج شاغرة لسنوات طويلة بعد هذا النفي. وفي عام 454، وتحت ضغط من الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث، سمح الملك الوندالي جنسريك أخيراً بتعيين ديوغراتياس أسقفاً جديداً لقرطاج. وبعد قيام الوندال بنهب روما، أقدم الأسقف ديوغراتياس على بيع ممتلكات الكنيسة لافتداء الرومان الذين اختُطفوا وبِيعوا كعبيد في قرطاج، ووفر لهم المأوى في كنائس المدينة الكبرى قبل إعادتهم إلى روما. وبوفاته عام 457، عاد الشغور ليضرب المنصب الأسقفي من جديد.

وتبرز في تلك الحقبة قصة “أوليفيا”، وهي شابة مسيحية تنحدر من صقلية، اختطفها الوندال وباعوها كأمة في تونس، ثم أُعدمت لتمسكها بعقيدتها. ويُعتقد أن ضريحها هو الموقع الحالي لجامع الزيتونة بتونس العاصمة.

وخلال عهد جنسريك، صاغ فيكتور الكارتيني (أسقف كارتينا/تنس في الجزائر الحالية) رداً يفند فيه الآريوسية أهداه للملك جنسريك. ورغم ضياع هذا المُؤَلَّف، إلا أن اسم الكاتب ورد في كتاب “مشاهير الرجال” (De Viris Illustribus) لـ جيناديوس المارسيلي، وهو تجميع لسير ذاتية موجزة لشخصيات مؤثرة.

يودوكيا
قطعة نقدية تحمل صورة هونريك

تفاقم الاضطهاد خلال فترة حكم هونريك (477-484)، نجل جنسريك. ففي مستهل حكمه، سعى لتهدئة التوترات في مملكته بالسماح بانتخاب أوجين أسقفاً لقرطاج بعد 24 عاماً من الشغور. لكنه سرعان ما عاد لانتهاج سياسات والده القمعية. أدت سياساته الدينية إلى نشوب خلافات حادة مع زوجته يودوكيا (ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث)، التي كانت تدين بالكاثوليكية، وانتهى بها المطاف بالفرار إلى القدس حيث توفيت.

وفي عام 483، استدعى هونريك 466 أسقفاً كاثوليكياً من شمال إفريقيا إلى سيكا (الكاف) لعقد مناظرة علنية مع الأساقفة الآريوسيين، محاولاً إجبارهم على التراجع عن عقيدتهم. وأمام رفضهم، أمر باعتقالهم. ويروي فيكتور الفيتي كيف اضطر لرشوة الحراس ليتمكن من زيارة هؤلاء السجناء، الذين تم ترحيلهم لاحقاً إلى الصحراء؛ فمات جلهم في الطريق، وأُعدم الناجون منهم فور وصولهم.

ورغم أن أعداد الضحايا قد تكون مبالغاً فيها في المصادر، إلا أن الوقائع التاريخية ثابتة. ولم تُحفظ أسماء سوى اثنين من هؤلاء الضحايا: فيليكس أسقف أبير جرمانيكيانا (هنشير النعام)، وكبريانوس أسقف أونيزيبيرا (هنشير زمبرة). كما أشار فيكتور الفيتي إلى ابنة أسقف زوريتانا (عين جور) التي سُجنت مع ابنها.

فرومينتيوس وفيكتوريان

شهد عام 484 تنفيذ حكم الإعدام في حضرموت (سوسة) بحق كل من فرومينتيوس، وهو تاجر من قرطاج، وفيكتوريان، والي حضرموت، بسبب تمسكهما بعقيدتهما.

وفي العام ذاته، أُحرق ليتوس، أسقف نيبتا (نفطة)، حياً بأمر من الملك. وتروي الأساطير أنه بعد مرور 50 عاماً، ظهر ليتوس في منام الإمبراطور البيزنطي جستينيان، ليناشده تخليص شمال إفريقيا من الوندال.

أما أهالي تيبازة، الذين رفضوا اعتناق الآريوسية، فقد تعرضوا لقطع أياديهم اليمنى وألسنتهم. ووفقاً لـ فيكتور الفيتي، فقد استمروا بأعجوبة في التحدث والاعتراف بإيمانهم. كما أورد المؤرخ ذاته قصة إعدام سبعة رهبان في قفصة لنفس السبب.

إضافة إلى ذلك، باع الوندال عدداً من الأهالي كعبيد لقبائل أمازيغية في الداخل الإفريقي. ويذكر فيكتور الفيتي أن بعض هذه القبائل اعتنقت المسيحية لاحقاً بفضل هؤلاء الأسرى، وعلى رأسها قبيلة “كابرابيكتي” في الجنوب التونسي. ومن المحتمل أن تكون الجذور المسيحية المروية في التراث لبعض القبائل الأمازيغية، مثل صنهاجة الريف أو رڭراڭة في شمال الصويرة، عائدة إلى هؤلاء الأسرى.

تراجع سياسة القمع

مع اعتلاء الملك غونتاموند (484-496) العرش خلفاً لهونريك، وضع حداً لسياسات الاضطهاد. ومن المرجح أن كتاب فيكتور الفيتي قد دُوِّن خلال فترة حكمه.

فولجانس دي روسبي

لاحقاً، أصدر الملك ترازاموند (496-523) قراراً يحظر تعيين أساقفة جدد ليحلوا محل الأساقفة المتوفين، آملاً بذلك القضاء على الكاثوليكية تدريجياً دون اللجوء إلى العنف. وفي حوالي عام 504، أقدم الأسقف فيكتور الفيتي على ترسيم فولجانس أسقفاً لروسبي (هنشير السبية). وعقاباً له على انتهاك الحظر الملكي، نُفي فيكتور الفيتي إلى سردينيا حيث توفي قرابة عام 510.

خلال العقود التالية، برز فولجانس دي روسبي كأكثر الشخصيات تأثيراً في الأوساط الكاثوليكية بشمال إفريقيا، حيث دخل في مناظرات علنية مع الأساقفة الآريوسيين وألّف كتباً لدحض مذهبهم. ورغم نفيه عدة مرات، استمر في نشاطه حتى وفاته عام 527.

وفي عام 523، آل حكم الوندال إلى هلدريك (523-530)، نجل هونريك ويودوكيا. وبفضل تأثره بوالدته الكاثوليكية، انتهج سياسة التسامح الديني؛ فتم تعيين بونيفاسيوس أسقفاً كاثوليكياً جديداً لقرطاج، وسُمح لفولجانس دي روسبي بالعودة من منفاه. وخلال عهد هلدريك، بدأت أعداد من الوندال في اعتناق المذهب الكاثوليكي.

المسيحية في شمال افريقيا

بولينوس من نولا: أسيرٌ لدى الوندال في شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان بولينوس من نولا عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني، ثم أصبح أسقفًا لمدينة نولا في إيطاليا. ووفقًا لإحدى الروايات التقليدية، فإنه أثناء إحدى غارات الوندال على جنوب إيطاليا، باع نفسه عبدًا لهم مقابل إطلاق سراح ابن أرملة كان قد أُسر. ثم عمل بستانيًا في خدمة صهر ملك الوندال، قبل أن يُطلق سراحه عندما اكتشف سيده هويته الحقيقية.

من هو بولينوس من نولا؟

بولينوس من نولا

كان بونتيوس ميروبيوس بولينوس من كبار الأرستقراطيين الرومان. وُلِد سنة 352 في بورديغالا (بوردو الحالية)، ونشأ في أسرة ثرية ونافذة كانت تمتلك أراضي في بلاد الغال وإسبانيا وجنوب إيطاليا. وقد تلقّى تعليمه على يد الشاعر الغالو-روماني الشهير أوسونيوس.

في شبابه، بدأ بولينوس، شأنه شأن معظم أبناء طبقته، مسيرةً في الإدارة الرومانية. ففي سنة 377، عيّنه الإمبراطور غراتيان قنصلًا، ثم أصبح سنة 380 حاكمًا لإقليم كامبانيا في جنوب إيطاليا. وفي سنة 384، تزوّج من ثيراسيا، وهي سيدة نبيلة من أصل إسباني، وانتقل للإقامة معها في إسبانيا.

تمثال بولينوس من نولا

كان بولينوس مسيحيًا، وقد تعمّد على يد أسقف بورديغالا، ثم درس اللاهوت في ميلانو على يد الأسقف أمبروسيوس. وبعد زواجه، أخذ هو وزوجته يتأثران أكثر فأكثر بدعوة المسيح للشاب الغني في الأناجيل: “اذْهَبْ، بِعْ كُلَّ مَا عِنْدَكَ، وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَعَالَ اتْبَعْنِي.” وبعد وفاة طفلهما الوحيد، بعد ثمانية أيام فقط من ولادته، قرّرا الاستجابة لهذه الدعوة. فباعا أراضيهما وجميع ممتلكاتهما، ووزّعا الأموال على الفقراء، واعتزلا حياة الدنيا. ومنذ ذلك الحين، كرّسا بقية حياتهما لخدمة المسيح.

في سنة 395، غادر بولينوس وثيراسيا إسبانيا واستقرا في مدينة نولا في كامبانيا. وكان بولينوس يعتبر القديس فيليكس، وهو أسقف نولا الذي قُتل بسبب إيمانه حوالي سنة 260 في عهد الإمبراطور دقيانوس، قدوته ومثله الأعلى، إذ كان فيليكس قد باع هو أيضًا جميع ممتلكاته ووزّع ثمنها على الفقراء. وبعد وصوله إلى نولا، أشرف بولينوس على ترميم وتوسعة الكنيسة المكرسة للقديس فيليكس، وكان يؤلف كل عام قصيدة تكريمًا له.

توفيت ثيراسيا حوالي سنة 410، وبعد ذلك بوقت قصير، رُسِم بولينوس أسقفًا على نولا. وقضى ما تبقى من حياته في هذه المدينة، إلى أن توفي سنة 431.

بولينوس من نولا في إفريقيا؟

بولينوس من نولا عبدًا في إفريقيا – صورة أنشأها ChatGPT

تروي إحدى الروايات المسيحية أن بولينوس، عندما كان أسقفًا على نولا، استخدم كنز الكنيسة لافتداء سكان المنطقة الذين استعبدهم الوندال خلال إحدى غاراتهم على جنوب إيطاليا. ثم جاءت إليه أرملة كان ابنها قد اختطفه الوندال، لكن أموال الكنيسة لم تعد تكفي لدفع فديته، فاختار بولينوس أن يبيع نفسه عبدًا مقابل إطلاق سراح ابنها.

وعندما وصل إلى إفريقيا وسُئل عن المهنة التي يُجيدها، أجاب بأنه ماهر في البستنة. فأُعطي عبدًا لصهر ملك الوندال (وربما كان الملك جنسريك) الذي كان مولعًا بالحدائق. وبعد مدة، اكتشف الملك هوية هذا العبد من خلال حلم، فأمر بإطلاق سراحه.

وقد أورد هذه القصة البابا غريغوريوس الأول، الذي عاش بعد بولينوس من نولا بأكثر من قرن. ولذلك تبقى صحتها التاريخية غير مؤكدة، لكنها تبدو معقولة في ضوء الروايات الأخرى التي تتناول حياة بولينوس من نولا.

المسيحية في شمال افريقيا

مجمع قرطاج: تحديد قانون الكتاب المقدس المسيحية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي

خلال القرون الأولى من العصر المسيحي، أصبحت شمال إفريقيا—من مدنها الكبرى المتعددة الثقافات إلى مناطقها الريفية البعيدة—أرضاً خصبة لنموّ المسيحية الناشئة. وقد تحوّلت قرطاج، عاصمة إفريقيا الرومانية، إلى مركز مسيحي بالغ التأثير. وفي سنة 397، تمّ في مجمع عُقد بقرطاج تحديد قانون العهد الجديد، أي قائمة الكتب التي اعترفت بها الكنيسة باعتبارها وحياً إلهياً.

لماذا نتحدث عن هذا الموضوع؟
رغم أن المجتمعات في شمال إفريقيا مسلمة اليوم، فمن المفيد التذكير بأن أجدادنا لم يكونوا كذلك دائماً.
ثم إن الحديث عن الكتب المقدسة عند الآخرين لا يتعارض مع الإسلام، بل إن القرآن نفسه يذكر باحترام كبير الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء السابقين، مثل توراة موسى، وزبور داود (المعروف بالمزامير)، وإنجيل عيسى، ويحضّ المسلمين على تدبّرها. وكل هذه الكتب واردة في الكتاب المقدّس.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكتاب ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكتاب ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكتابهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا
سورة النساء، الآية 136

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
سورة يونس، الآية 94

أصول الكتاب المقدَّس

الكتاب المقدَّس العبري

كُتبت النصوص المقدسة العبرية، المعترف بها لدى اليهود والمسيحيين، باللغة العبرية (مع بعض المقاطع بالآرامية، وهي لغة سامية أخرى). وتقسمها التقاليد اليهودية إلى ثلاثة أقسام: التوراة، الأنبياء، والكتابات. وتُعرَف مجتمعة باسم التناخ.

يتمحور قانون الكتاب المقدس العبري حول التوراة، أقدم نص مقدس، التي كانت سلطتها معترَفاً بها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. أما بقية الكتب فقد تبلور الإجماع حولها تدريجياً. وأقدم قائمة معروفة هي قائمة يوسيفوس فلافيوس نحو سنة 95م، وتشمل كل الكتب المتداولة اليوم.

مخطوطة السبعينية

في القرن الثالث قبل الميلاد، قامت الجماعة اليهودية في الإسكندرية بمصر بترجمة الكتاب المقدس العبري إلى اليونانية. وتُعرف هذه الترجمة باسم السبعينية نسبةً إلى السبعين مترجماً الذين أنجزوها. وتمثل السبعينية منعطفاً لاهوتياً مهماً: إذ إن ترجمة النصوص المقدسة إلى اليونانية، لغة العالم المتوسطي آنذاك، جعلت اليهودية تنتقل من ديانة ذات طابع قومي إلى ديانة ذات رسالة عالمية. تجسدُ الترجمة السبعينية قطيعة لاهوتية أساسية في اللاهوت اليهودي: مع ترجمة كتاباتها المقدسة إلى اليونانية، وهي اللغة العامية في عالم البحر الأبيض المتوسط، انتقلت اليهودية من ديانة قبلية تتمحور حول الوحي الإلهي الممنوح لشعب واحد، إلى ديانة عالمية تتوجه رسالتها إلى جميع البشر.

تضم السبعينية كتباً إضافية أحدث عهداً غير موجودة في الكتاب العبري. ولم يعترف بها اليهود ككتب لها نفس سلطة التوراة والأنبياء والكتابات، لكن تُطبَع في بعض النسخ تحت اسم الكتب القانونية الثانية.

الكتاب المقدس المسيحي

تعني كلمة Evangelion اليونانية “البشارة” أو “الخبر السار”

اعتمد المسيحيون الأوائل الترجمة اليونانية السبعينية، وأطلقوا على هذه المجموعة اسم العهد القديم، أي “العهد الأول” بين الله والبشر، مقابل العهد الجديد الذي جاء به المسيح.

إلى جانب الكتب التي ورثوها من اليهود، ظهرت لدى المسيحيين نصوص مقدسة جديدة، كلها باليونانية: الأناجيل (المذكورة في القرآن)، وأعمال الرسل، ورسائل كتبها الحواريون الأوائل. وتشكل هذه جميعاً العهد الجديد، القسم الثاني من الكتاب المقدس المسيحي.

نقل المخطوطات

مخطوط كتابي قبطي

منذ بداياتها، كانت الديانة المسيحية قائمة على الدعوة إلى إعلان البشارة بخلاص المسيح لجميع الناس في كل أنحاء العالم. ولذلك، أينما ذهب المسيحيون، كانوا يحملون معهم مخطوطات منسوخة يدوياً من نصوصهم المقدسة. وكان الوعّاظ يشجعون المؤمنين الجدد على نسخ مخطوطاتهم بأنفسهم. ولهذا السبب عُثر على عدد كبير من المخطوطات في مختلف أنحاء العالم الروماني وما بعده: فإضافة إلى 5800 مخطوط وجزء يوناني معروف، يوجد أكثر من 10000 مخطوط لاتيني، وأكثر من 9000 مخطوط بلغات أخرى، مثل القبطية (1000–1500 مخطوط) أو السريانية.

البردية 52: أقدم مخطوط معروف للعهد الجديد (المصدر)

أقدم جزء معروف من العهد الجديد، اكتُشف في مصر سنة 1935، ويعود تاريخه إلى 125–150م، ويحتوي على آيات من إنجيل يوحنا. (المصدر) نُسِخ هذا المخطوط بعد بضعة عشرات من السنين فقط من كتابة الأصل. ومع ذلك، كان قد وصل بالفعل إلى مصر!

قد يكون أحد عشر جزءًا من المخطوطات عائداً إلى القرن الثاني من العصر المسيحي (أي أقل من قرن بعد كتابة النصوص الأصلية)، مع أن أربعة فقط من بينها قد تم تحديد تاريخها من تلك الحقبة بيقين من قبل المتخصصين. (المصدر)

أقدم مخطوط شبه كامل لأحد الأناجيل هو البردية 66، التي عُثر عليها في مصر. وهي مؤرخة بحوالي سنة 200 (أي بعد أكثر بقليل من قرن من كتابة الأصل)، وتحتوي على معظم إنجيل يوحنا. (المصدر)

مخطوط من الفاتوس لاتينا

إلى جانب نشر المخطوطات، كان المسيحيون الأوائل نشطين أيضاً في ترجمة نصوصهم المقدسة إلى لغات جديدة، لتمكين جميع شعوب العالم من قراءتها بلغاتهم الأم. ويُحتمل أن تكون أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللاتينية، المعروفة باسم فاتوس لاتينا (Vetus Latina)، قد أُنجزت في قرطاج في بداية القرن الثالث. أما الترجمة إلى البونية واللّيبية (الأمازيغية القديمة) فليست موثَّقة، لكنها تبقى ممكنة. (المصدر)

كانت أقدم المخطوطات تُكتب على أوراق البردي، وهي نوع من الورق يُصنع في مصر من سيقان نبات البردي الذي ينمو على ضفاف النيل. ويصعب حفظ البردي لفترات طويلة، مما يفسّر سبب كون جميع أقدم المخطوطات شديدة التفتت. وفي القرنين الثالث والرابع، استُبدل البردي بدعامة كتابة جديدة أكثر متانة، هي الرقّ المصنوع من جلود الحيوانات. ولذلك، ابتداءً من تلك الفترة، بدأ العثور على مخطوطات أكثر اكتمالاً.

المخطوطة الفاتيكانية: أقدم مخطوطٍ كتابي كامل

تُعَدّ ثلاثة مخطوطات محفوظة بشكلٍ جيد، تعود إلى القرنين الرابع والخامس، من أقدم النسخ الكاملة للكتاب المقدّس المسيحي. المخطوطة الفاتيكانية (Codex Vaticanus)، المؤرَّخة بين 300 و350، محفوظة في مكتبة الفاتيكان. أمّا المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus) – الظاهرة في صورة الغلاف لهذا المقال – والمؤرَّخة بين 325 و360، فقد كانت في مصر، في دير القدّيسة كاترين عند سفح جبل سيناء، إلى أن “اكتشفها” (وبحسب رواية الدير: سرقها) العالمُ الألماني المتخصّص في الدراسات الكتابية قسطنطين تيشندورف في القرن التاسع عشر. وهي محفوظة اليوم في المكتبة البريطانية في لندن. أمّا المخطوطة الإسكندرانية (Codex Alexandrinus)، المؤرَّخة بين 400 و440، فهي من أصلٍ إسكندري ومحفوظة أيضاً في المكتبة البريطانية.

موثوقية المخطوطات

مع نصوص نُسِخت يدويًا عددًا لا يُحصى من المرات، وغالبًا على يد مؤمنين لم يكونوا بالضرورة متعلمين تعليمًا عاليًا، تصبح الأخطاء أمرًا لا مفر منه. توجد اختلافات بين المخطوطات، بما في ذلك بين المخطوطات الثلاثة الكبرى المذكورة أعلاه. فكيف يمكن إذن أن نعرف ما إذا كانت النصوص التي نملكها اليوم مطابقة للأصل؟

مخطوطات خربة قمران

فيما يتعلق بالكتاب المقدّس العبري، يمكن ذكر مخطوطات البحر الميت. ففي سنة 1946، اكتشف رعاة بدو بالصدفة في قمران بفلسطين لفائف من البردي داخل كهف بالقرب من البحر الميت. وعندما جاء علماء الآثار لفحص هذا الاكتشاف، عثروا على مجموعة تضم أكثر من 900 مخطوط تعود إلى الفترة من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. كانت هذه اللفائف تعود إلى الطائفة اليهودية المعروفة باسم الأسينيين، وتضم أقدم المخطوطات المعروفة لجميع أسفار الكتاب المقدّس العبري، بما في ذلك الأسفار القانونية الثانية، إضافة إلى نصوص دينية يهودية أخرى. وتُعَدّ مخطوطات خربة قمران من أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. ولا توجد فروق جوهرية بين هذه المخطوطات وبين الكتب المقدسة كما نعرفها اليوم.

بالنسبة للكتاب المقدّس المسيحي، تكمن الإجابة تحديدًا في العدد الكبير جدًا من المخطوطات الموجودة. فقد تم العثور على أكثر من 5000 مخطوطة يونانية للكتاب المقدّس، دون احتساب الترجمات. ويسمح هذا العدد الكبير من المخطوطات بمقارنة النصوص بعضها ببعض. إضافة إلى ذلك، فإن أقدم هذه المخطوطات قريب جدًا زمنيًا من النصوص الأصلية: إذ تعود أقدم المخطوطات الكاملة إلى بعد ثلاثة قرون فقط من الأصل، كما أن بعض الأجزاء أقدم من ذلك، مما يدل على موثوقيتها.

الدراسة النقدية للمخطوطات الكتابية، أو النقد النصي، هي علم معقّد جدًا يهدف إلى مقارنة المخطوطات الموجودة من أجل تحديد الأخطاء وتصحيحها، وإعادة بناء النص الأصلي قدر الإمكان. فعلى سبيل المثال، إذا كان عدد قليل فقط من المخطوطات يحتوي على اختلاف مقارنةً بالغالبية العظمى منها، يمكن الاستنتاج أن القراءة الغالبة هي الأصلية. وإذا ظهر اختلاف في مخطوطات حديثة فقط، يمكن الاستنتاج أنه خطأ وأن المخطوطات الأقدم هي الأدق. وبذلك تمكن الباحثون من إعادة بناء أكثر من 99% من النص الأصلي بدرجة عالية من اليقين. أما بالنسبة للاختلافات القليلة المتبقية بين المخطوطات الأكثر موثوقية، فلا يتعلق أي منها بعقيدة رئيسية.

تكوُّن قانون الكتاب المقدّس

الوثيقة الموراتورية

كما هو الحال مع الكتاب المقدّس العبري، اضطرّ المسيحيون الأوائل إلى تحديد أيّ الكتب، من بين العديد من الكتب التي كانت بحوزتهم، يجب اعتبارها موحى بها من الله. وكانت معايير الاختيار بسيطة جدًا: إذ يجب أن يكون الكتاب الموحى به قد كُتب بواسطة رسول أو شخص عرف الرسل، وفي زمن الرسل، وأن يكون متوافقًا مع تعليم الرسل. وتُسمّى قائمة الكتب المعترف بها على أنها موحى بها القانون، وهي كلمة يونانية κανών تعني قضيبًا من القصب يُستخدم لقياس الطول.

معظم الكتب، ولا سيما الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، ورسائل الرسول بولس، كانت معترفًا بها دائمًا من قِبل جميع المسيحيين. وكانت هناك كتب أخرى موضع نقاش، مثل رسالة العبرانيين (لأنها مجهولة المؤلف) وسفر الرؤيا. وأخيرًا، كان بعض المؤمنين يعتبرون كتبًا أخرى موحى بها، لكنها لم تُعتمد في النهاية، وغالبًا لأنّها لم تُكتب من قِبل الرسل، بل من الجيل الذي تلاهم.

القانون الموراتورية

أقدم قائمة معروفة للكتب المقدّسة المسيحية واردة في الوثيقة الموراتورية، وهو نص كُتب نحو سنة 170–200 من قِبل كنيسة روما. تذكر هذه القائمة 21 كتابًا من أصل 27 كتابًا في العهد الجديد الحالي، مع كتابين لا ينتميان إليه. ومعظم الكتب غير المذكورة قصيرة جدًا، ولذلك يُرجَّح أنها لم تكن معروفة في كل الأماكن في ذلك الوقت. كما يذكر الوثيقة الموراتورية أيضًا كتبًا يرفضها.

اللاهوتي أوريجانوس الإسكندري، أبو التفسير الكتابي، لم يترك لنا قائمة بالكتب التي كان يعتبرها مقدسة، لكنه كتب شروحًا لجميع كتب الكتاب المقدس الحالي.

بعد التحول القسطنطيني، اضطرت الكنيسة إلى تحديد الكتب التي تعترف بها رسميًا على أنها مقدسة. إن المخطوطة الفاتيكانية والمخطوطة السينائية، وهما أقدم نسختين كاملتين من الكتاب المقدّس، تحتويان على جميع كتب الكتاب المقدّس الحالي، مما يدل على أن هذه الكتب كانت محلّ إجماع. كما أن رسالة الأسقف أثناسيوس الإسكندري، التي كُتبت سنة 367، تتضمن أيضًا القائمة نفسها من الكتب.

مجمع قرطاج – صورة مُنشأة بواسطة ChatGPT

ومع ذلك، فقد اتُّخذ القرار النهائي في شمال إفريقيا: ففي سنة 393، وافق مجمع محلي من الأساقفة المجتمعين في هيبّون (عنابة) رسميًا على قانون الكتاب المقدّس المسيحي كما هو عليه اليوم. وفي ذلك الوقت، لم يكن أوغسطينوس بعدُ أسقفًا لهيبّون، لكنه كان يعمل كاهنًا في المدينة، ومن المؤكد أنه شارك في ذلك المجمع. وقد تم تأكيد قرار هذا المجمع في سنة 397 من قِبل مجمع قرطاج، ثم أُرسل إلى كنيسة روما للحصول على موافقتها.

في الفترة نفسها تقريبًا، عمل اللاهوتي المسيحي جيروم الستريدوني لأكثر من عشرين عامًا، من 382 إلى 405، على إعادة ترجمة الكتاب المقدس بالكامل إلى اللاتينية. لهذا العمل، استقر في بيت لحم، في كهف يُعتقد أنه مكان ميلاد المسيح، حيث بُنيت لاحقًا كنيسة المهد. وبالنسبة للعهد القديم، فقد ترجم النصوص العبرية الأصلية، وليس الترجمة اليونانية السبعينية، وهو نهج اتبعه منذ ذلك الحين مترجمون آخرون للكتاب المقدس. وتُعرف ترجمته باسم الفولغاتا، وهي الكتاب المقدس الرسمي للكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم. يُعتبر جيروم شفيع المترجمين.

الكتاب المقدّس في شمال إفريقيا اليوم

لم ينتهِ تاريخ الكتاب المقدّس في شمال إفريقيا مع مجمع قرطاج، ولا حتى بعد وصول الإسلام. ففي أبريل الماضي، نشرت مجموعة من المترجمين المغاربة أول ترجمة كاملة للكتاب المقدّس إلى الدارجة المغربية. (المصدر) هذه الترجمة للكتاب المقدّس إلى الدارجة، وهي ثمرة ثلاثين عامًا من العمل، موجَّهة في المقام الأول إلى الأقلية المسيحية المغربية، وكذلك إلى جميع المغاربة الراغبين في الاطلاع على نص يُنظر إليه بتقدير كبير في القرآن، وهو الكتاب الأكثر قراءة في العالم خلال آخر ألفي سنة. ويمكن قراءتها عبر هذا التطبيق.

المسيحية في شمال افريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

سينيسيوس القوريني: فيلسوف أفلاطوني محدث من قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هند لفتى

يُعد سينيسيوس القوريني، الفيلسوف الأفلاطوني المحدث المنحدر من إقليم قورينائية، آخرَ الأعلام الكبار الذين أنجبتهم منطقة كانت فيما مضى ذات تأثير واسع. وكان أصله من مدينة بلاغراي (البيضاء)، فمثّل قورينائية باعتباره سفيرًا لدى البلاط الإمبراطوري. وعقب مسيرة سياسية حافلة بالمجد، انتهى به الأمر في أواخر حياته إلى اعتلاء أسقفية بَطْلَمَيْس (طلميثة). وقد انصرفت مؤلفاته إلى التوفيق بين الفكر اليوناني-اللاتيني الكلاسيكي وعلم اللاهوت المسيحي.

الأصول

سينيسيوس القوريني

وُلد سينيسيوس نحو سنة 370، على مقربة من بلاغراي (لبيضاء)، وكان أكبر أبناء أسرة عريقة ذات أصول يونانية، تدّعي الانتساب إلى ملوك إسبرطة. ونشأ في ضيعة أسرته في الجبل الأخضر بين أحضان الطبيعة ومباهج الحياة الريفية، وتلقّى في الوقت نفسه تعليمًا رفيعًا في قورينة، ثم في الإسكندرية.

وكانت قورينائية، في تلك الحقبة، قد أخذت في التراجع بعد ازدهارٍ سابقٍ؛ إذ أضعف زلزال سنة 365 مدينة قورينة، وزادها وهنًا جراء ما تعرّضت له من غارات متكررة من القبائل الأمازيغية المتاخمة، فاستُبدلت ببَطْلَمَيْس (طلميثة) التي غدت حاضرة الإقليم. وفي هذا السياق، تبيّن للشابّ سينيسيوس وجهته في الحياة، فجعلها تتمحور حول صونَ الحضارة اليونانية-الرومانية في قورينائية.

هيباتيا الإسكندرية

في ريعان شباب سينيسيوس، أرسلته أسرته إلى الإسكندرية ليُتمم تعليمه مع أخيه يوپتيوس، وهناك تتلمذ على الفيلسوفة الشهيرة هيباتيا الإسكندرية، التي عرّفته بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة. وظل يكن لها احتراما عميقًا طوال حياته. ومن رسائله إليها ما يشتمل على أوّل إشارة لـالهيدرومتر (المِكثاف)، وهو أداة لقياس كثافة السوائل يُنسب إليها صنعها.

نحو سنة 395م، رحل سينيسيوس إلى أثينا، وكان يعلّق على هذه الزيارة آمالًا عريضة، غير أنّه رجع بخفي حنين إلى قورينة، إذ كشفت له الرحلة عن تراجع التقليد الفكري اليوناني.

المهمّة إلى القسطنطينية

وفي حدود سنة 398، أوفد سينيسيوس مبعوثًا عن قورينائية إلى البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، ليعرض قضية أبناء قومه ويلتمس من الإمبراطور إعفاءً ضريبيًا يمكِّن المنطقة من النهوض من عثرتها. وفي خطابه إلى الإمبراطور أركاديوس، أسدى إليه النصح بخصوص الحكم بحكامة، مؤكّدًا على ضرورة محاربة الفساد. وبعد مفاوضات دبلوماسية طويلة، كُتب لمهمّته النجاح. غير أنّه خرج من هذه التجربة بنفورٍ شديد من دسائس البلاط الإمبراطوري، مما نغّص على الفيلسوف الشابّ مثاليته.

الأسطرلاب

في القسطنطينية، اتّصل سينيسيوس بالقائد العسكري بايونيوس، أحد رجال حاشية الإمبراطور، وكان هذا الأخير يُبدي اهتمامًا بالتجارب العلمية التي عُرفت بها هيباتيا الإسكندرية، فأهدى إليه، على سبيل التقديم والتعريف، أداةً علمية كان قد صنعها في الإسكندرية، وهي الإسطرلاب، المخصّص لقياس مواقع النجوم. علاوة على هذه الهدية، كتب رسالة حثّ فيها أصحاب السلطة، مدنيين وعسكريين، على العناية بالعلوم والفلسفة.

ويُرجح أنّ إقامته هذه في القسطنطينية كانت أيضًا مناسبةً لاحتكاكه الأوّل بالمسيحية، التي كانت قد غدت ذات تأثير واسع على البلاط الإمبراطوري. فقد كان معظم العالم الروماني، بما في ذلك قورينائية، قد اعتنق هذا الدين الجديد، في حين ظلّت أسرة سينيسيوس جزءا من النخبة المحافظة المتمسّكة بالتقاليد الدينية القديمة. ومع ذلك، لم يؤد اكتشافه للمسيحية إلى القطيعة مع هذا الإرث؛ بل على العكس من ذلك، فقد حمله على السعي إلى صون الفكر اليوناني-الروماني، من خلال إدماجه ضمن إطار الفكر المسيحي.

مهنة في الإسكندرية وقورينائية

الإسكندرية

عاد سينيسيوس القوريني إلى قورينا سنة 402، وفي العام الموالي تزوّج في الإسكندرية، بزوج لم يُنقل إلينا اسمها، إلا أنها معتنقة للديانة المسيخية وتنتمي إلى أسرة إسكندرية ذات نفوذ. وقد رُزقوا بثلاثة أبناء، غير أنّهم تُوفّوا جميعًا في حياته. كما عبّر سينيسيوس في رسائله على شدّة تعلّقه بزوجته وأسرته، حتى إنه نظم قصيدة تكريما لها.

وخلال السنوات التالية، قضى سينيسيوس حياته بين الإسكندرية، حيث كانت تقيم أسرته، وبين موطنه الأصلي في قورينائية. وكان الدفاع عن مدن قورينائية في وجه هجمات القبائل الأمازيغية هو شاغله الأكبر. في سنة 409، أرسل رسالة إلى ترويلوس فيلسوف بلاط الحاكم أنثيميوس، يستنجد به وهذا الأخير لحماية قورينائية من تلك الهجمات. أمّا في الإسكندرية، فقد توطدت صلته بالأسقف ثيوفيلس الإسكندري، ويُحتمل أنّه هو الذي أشرف على مراسم زواجه.

وفي مسيرته الروحية، أخذ سينيسيوس يقترب تدريجيًا من الديانة المسيحية، دون أن يتخلى عن جذوره اليونانية. ولا ريب أنّ إيمان زوجته، إلى جانب صداقته لثيوفيلس الإسكندري، كان لهما أثرٌ حاسم في هذا التحوّل المتدرّج. ومع ذلك، ظلّ وثيق الصلة بالفيلسوفة هيباتيا الإسكندرية، التي على الرغم من وثنيتها، عُرفت بسماحتها تجاه المسيحيين، كما كانت تشرف على العديد من التلاميذ المسيحيين. وبعد أعوام قليلة من زواجه، طلب سينيسيوس أخيرًا أن يُعمَّد.

أسقف بَطْلَمَيْس

بقايا كنيسة في بَطْلَمَيْس

في سنة 410، اختار الأسقف ثيوفيلس الإسكندري صديقه سينيسيوس القوريني ليتولّى أسقفية بَطْلَمَيْس، وكان في هذا المنصب، بوصفه أسقف عاصمة قورينائية، صاحبَ سلطة على سائر أساقفة المقاطعة. وقد بدا هذا التعيين مفاجأً؛ فرغم كون سينيسيوس فيلسوفًا كلاسيكيا متمرّسًا، إلا أنه كان ذو علم محدود في شأن النصوص المقدسة المسيحية، إذ من المرجح أنه لم يكن قد تعمد بعد! ومع ذلك، ارتأى لثيوفيلوس أن الكنيسة في حاجةٍ إلى قادة بمثل تعليمه، يتولّون تدبير إدارة النفوذ المسيحي المتنامي في المجتمع. ولم تكن حالة سينيسيوس حالة استثنائية؛ فقد تولى العديد من النبلاء الشباب الآخرين حديثي الاعتناق مسؤوليات في الكنيسة في نفس الفترة تقريبًا.

تردد سينيسيوس القوريني في قبول هذا المنصب. وهذا راجع أولاَ لكون معظم القادة المسيحيين في ذلك العصر غير متزوجين، ولم يكن مستعدًّا للتخلّي عن حياته الأسرية. كما أن بعض آرائه، وفي مقدّمتها الإيمان بأزلية الروح، وهو أصلٌ راسخ في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، يصطدم بما استقر عليه المذهب المسيحي الرسمي. ومع ذلك، انتهى إلى القبول، مشترطًا ألّا يفارق زوجه، وألا يُحمل على الإقرار بعقائد لا يؤمن بها، كخلق النفس، وبعث الأجساد، وفناء العالم في آخر الزمان. ومقابل هذه التنازلات، تعهد بعدم المجاهرة بآرائه. كما يدل قبول هذه الشروط على المرونة العقائدية لسلطة الكنسية المسيحية آن ذاك.

بقايا كنيسة في بَطْلَمَيْس

بصفته أسقفا ل َبطْلَمَيْس، سينيسيوس عارض أندرونكوس، حاكم قورنية الطاغي الذي ألحق العذاب بالأبرياء من رعيته. لكن اتخذ قرار طرده من الكنيسة بعد أن عرض عليه التوبة عدة مرات، إذ هو قرار بمثابة نعي لسينيسيوس، إلا أنه وقف صامدا في وحه ما شهده من تعسفات أُلحقت بأهل بلده. كما يذكر في احدى رسائله، أنّه كاد، في خضمّ هذه المواجهة، أن يتنازل عن منصبه الأسقفي، ولا سيّما حين زُجّ بأحد أصحابه، وهو أمين بيت المال، في السجن بأمر من أندرونكوس. غير أن هذه المحن لم تزده إلا ثباتًا وعزمًا على المضي فيما عزم عليه.

كما كُلِّف أيضا بتسوية نزاع قائمٍ بين أسقفي درنيس (درنة) وإريثروم (الأثرون) بشأن كنيسة تقع على حدود أبرشيتيهما. وقد أعطت خبرته في تدبير الشؤون المدنية أُكلها في هذا الشأن، إذ كان لوساطته أثر في تسوية الخلاف، وهو ما يدلّ على ما كان يوليه من عنايةٍ لوحدة الكنيسة وانسجامها.

وفي سنة 411، حلّ على َبطْلَمَيْس هجوم من القبائل الأمازيغية فدمّروها. وكتب سينيسيوس، وهو في منفاه، عمله الكاتاستاسيس، رثاء سقوط قورينائية.

 ففي سنة 413، فقد ابنه الثالث والأخير، فكان ذلك من أشدّ ما نزل به من المصائب. ولم يعمر بعد ذلك طويلا، إذ وافته المنية سنة 414، وقد ناهز الرابعة والأربعين من عمره. وهو على فراش الموت، كتب رسالة إلى هيباتيا؛ التي ما انقضى عام حتى لحقت به قتيلةً.

الأعمال

تُعدّ أشهر أعمال سينيسيوس القوريني تسابيحه التسع، وهي قصائد ذات إلهامٍ أفلاطونيٍّ محدث، تصوّر مسيرة النفس الإنسانية في تطلّعها إلى الاتحاد مع الله. وقد أتم أوّلها قبل اعتناقه المسيحية، ثم جاءت اللاحقة شاهدةً على تطوّر فكره، حيث أخذ يدمج المعاني المسيحية مع روحانيته الأفلاطونية الحديثة. وعلى الجملة، تمثّل أعماله تركيبًا فريدًا يجمع بين الفكر المسيحي والفلسفة الأفلاطونية المحدثة.

وتُستمدّ معرفتنا بحياته، في المقام الأوّل، من رسائله التي بلغ عددها 159 رسالة، وجّهها إلى زوجه، وأخيه، وإلى هيباتيا الإسكندرية، وإلى ثيوفيلس الإسكندري، وسائر الأساقفة وغيرهم. وتكشف هذه الرسائل عن ملامح شخصيته النبيلة.

إحدى رسائله تُعَدّ آخرَ ذِكرٍ لنبات السِّلْفِيوم؛ إذ يكتب أن هذا النبات لم يعد موجودًا في زمانه، وأن اختفاءه كان من أسباب تدهور قورينائية، مسقط رأسه.

كما تُحيل هذه الرسائل إلى قصائد نظمها ولم يصلنا منها شيء.

وقد تقدّم ذكر خطبته في الحُكم الإمبراطوري التي وجّهها إلى الإمبراطور أركاديوس، فضلًا عن رسالته في صناعة الإسطرلاب. وأثناء إقامته في القسطنطينية، كتب أيضًا قصيدة رمزية في الحرب بين الإمبراطورية الرومانية والقوط، ضمنها تأملاتٍ في مسألة الشر وأسباب إمهال الله له.

وكان سينيسيوس، طوال حياته، شديد الافتتان بعالم الرؤى، يعدها سبيلًا تنكشف به للنفس حقائق خفية، وتتصل من خلاله بالخالق. وفي زهاء سنة 405، ألّف رسالة في تعبير الرؤيا.

ومن أعماله عمل فكاهي، عمله عن الصلع، حيث يذهب إلى تفضيل الصلع على الشعر، محتجًّا بأن الرأس الأملس أشبه بالكرة، وهي أكمل الأشكال.

إذ وصلتنا عظتان كنسيتان من عهده في الأسقفية، حيث تقدمان فكرة عن الطريقة التي كانت تُفسر بها النصوص المقدسة المسيحية.

ولمّا خُرّبت بطليميس، كتب عمله الكاتاستاسيس، رثاء سقوط قورينائية.

وأخيرًا، ألف كتابًا فُقد في تربية كلاب الصيد، إذ كان الصيد أحبّ الهوايات إليه، ولم يكفّ عنه إلا حين لم تعد أعباء مسؤولياته تسمح له بممارستها.

المسيحية في شمال افريقيا, اليونانيون في شمال أفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

هيباتيا: آخر فلاسفة الإسكندرية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كانت هيباتيا الإسكندرانية فيلسوفة وعالمة رياضيات وفلكية من أتباع المذهب الأفلاطوني المحدث، وقد قادت المدرسة الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين. اشتهرت بعلمها وحظيت باحترام الجميع لحكمة تعاليمها ونصائحها. وهي أول عالمة رياضيات وثقت حياتها بهذا الشكل الدقيق.

وُلدت هيباتيا بين عامي 355 و370 ميلاديًا حسب بعض المصادر. وكانت ابنة عالم الرياضيات ثيون الإسكندري، الذي كان مديرًا للمتحف الأفلاطوني المحدث ذي الشهرة الواسعة. ورغم كثرة الخاطبين، لم تكن مهتمة بالرجال ولم تتزوج قط (وتقول الأسطورة إنها أعطت أحد الخاطبين المُلحّين منديلًا مُبللًا بدم حيضها).

درّست هيباتيا الرياضيات والفلك لطلاب من مختلف أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط. ورغم أنها كانت وثنية، إلا أنها كانت متسامحة للغاية مع المسيحيين، وكان لديها العديد من الطلاب المسيحيين، بمن فيهم أساقفة المستقبل. وكان أشهر طلابها سينيسيوس القوريني الذي كان يكنّ لها إعجاباً كبيراً.

أما عن مؤلفاتها، فقد كتبت شرحًا لكتاب الحساب لديوفنطس الإسكندري، ورسالة أبولونيوس البرغي في القطوع المخروطية. ويُرجح أنها شاركت أيضًا في طبعة والدها لكتاب المجسطي لكلاوديوس بطليموس. كانت تجيد صنع الأسطرلابات (أجهزة تُستخدم لحساب التاريخ والوقت بناءً على مواقع الكواكب) والهيدرومترات (أجهزة تُستخدم لتحديد كثافة السوائل). وفي علم الفلك، كرست نفسها في الغالب لحساب موعد الاعتدالين.

لوحة تصويرية لهيباتيا، من أعمال ألفريد سيفيرت

كانت هيباتيا شخصيةً مرموقةً وذات مكانةٍ رفيعةٍ في الإسكندرية. وقد أشاد بها المؤرخ المسيحي سقراط سكولاستيكوس إشادةً بالغة، قائلاً: “كانت هناك امرأةٌ في الإسكندرية تُدعى هيباتيا، ابنة الفيلسوف ثيون، بلغت من العلم والأدب ما يفوق جميع فلاسفة عصرها. وبعد أن ارتقت إلى مدرسة أفلاطون وأفلوطين، شرحت مبادئ الفلسفة لجمهورها، الذي كان كثيرٌ منهم يأتون من أماكن بعيدةٍ لتلقّي دروسها. وبفضل رباطة جأشها وحسن تصرفها، اللذين اكتسبتهما نتيجةً لتهذيب عقلها، كانت تظهر في كثيرٍ من الأحيان أمام العامة، لا سيما أمام القضاة. ولم تكن تشعر بالحرج من حضور مجالسهم، بل كان الناس يُعجبون بها أكثر لما تتمتع به من وقارٍ وفضيلةٍ عظيمتين.” ومع ذلك، فقد وقعت ضحيةً للتعصب المتزايد في  الإسكندرية المسيحية، التي كانت تتوق إلى تغيير النظام القديم.

في عام 412، توفي أسقف الإسكندرية ثيوفيلوس، وخلفه ابن أخيه كيرلس. وبينما يبدو أن ثيوفيلوس كان على علاقة طيبة مع هيباتيا، إلا أن كيرلس لم يكن يثق بها. في عام 414، وبعد عدة حوادث عنيفة بين اليهود والمسيحيين في الإسكندرية، أمر الأسقف كيرلس بإغلاق جميع معابد المدينة وطرد السكان اليهود. أثارت هذه الإجراءات صدمة أوريستيس، حاكم المدينة، الذي كان صديقًا مقربًا لهيباتيا. كان أوريستيس، الذي اعتنق المسيحية حديثًا، يشارك هيباتيا رغبتها في التعايش السلمي بين المسيحيين واليهود والوثنيين. كما كان قلقًا من أن الأسقف يتجاوز صلاحياته ويتعدى على سلطات الدولة، بدعم من الطبقات الشعبية في الإسكندرية، التي كانت مسيحية متشددة وتزداد تعصبًا.

تفاقم الخلاف بين الأسقف والحاكم إلى اشتباك عنيف. وفي هذا الصدام، كان بإمكان كيرلس الاعتماد على دعم رهبان صحراء نيتريا، جنوب غرب الإسكندرية. وخلال أعمال شغب، ألقى راهب يُدعى أمونيوس حجرًا على أوريستيس، فأصابه في رأسه. غضب أوريستيس غضبًا شديدًا، فأمر بتعذيبه تعذيبًا مبرحًا حتى مات. أراد كيرلس إعلانه شهيدًا، لكن معظم المسيحيين عارضوا هذه الخطوة، مما زاد من حدة التوتر.

موت هيباتيا

في هذا السياق، بدأت الشائعات تنتشر بأن هيباتيا، التي كانت تُقدّم المشورة للحاكم، كانت تُعرقل أي مصالحة بينه وبين الأسقف. فثار الرهبان غضبًا، وألقوا القبض عليها وقتلوها. يروي سقراط سكولاستيكوس تفاصيل مقتلها قائلًا: “لذلك، انطلق بعضهم، مدفوعين بحماسة شديدة وتعصب، وكان زعيمهم قارئًا يُدعى بطرس، واعترضوا طريقها وهي عائدة إلى منزلها، وسحبوها من عربتها، واقتادوها إلى كنيسة تُدعى قيصرية، حيث جردوها من ثيابها تمامًا، ثم قتلوها بالبلاط. وبعد أن مزّقوا جسدها إربًا، أخذوا أطرافها المشوّهة إلى مكان يُدعى سينارون، وأحرقوها هناك.”

هل كان الأسقف كيرلس نفسه وراء مقتل هيباتيا؟ هل تصرف الرهبان بناءً على أوامره أم بمبادرة شخصية؟ لا يزال هذا الأمر محل نقاش بين المختصين. وسواءً أكان كيرلس قد أمر بقتل هيباتيا أم لا، فإن الإجراءات المتشددة التي اتخذها ساهمت بلا شك في خلق جو مسموم دفع الرهبان إلى ارتكاب فعلتهم تلك.

مع أن سقراط سكولاستيكوس لا يدّعي أن كيرلس هو من أمر بقتل هيباتيا، إلا أنه يشير إلى أن موتها أضرّ بشدة بشعبية الأسقف: فقد كان معظم مسيحيي الإسكندرية يكنّون لها تقديرًا كبيرًا، وصُدموا بمقتلها.

المسيحية في شمال افريقيا

المسيحية خار جحدود أفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يرتبط تاريخ المسيحية في شمال أفريقيا، كما في سائر المناطق، ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الإمبراطورية الرومانية. غير أنه منذ القرون الأولى للحقبة المسيحية، كان ثمة مسيحيون أيضاً بين قبائل الأمازيغ خارج الحدود الرومانية، في جبال الأطلس وصحراء الصحراء الكبرى. وقد اكتُشفت آثار كنائس في قرى صغيرة لم تكن مُدرَجة حتى في سجلات الإدارة الرومانية.

البدايات

ترتليان القرطاجي، أول شاهد على حضور مسيحي أفريقي خارج الحدود الرومانية

يعود أول ذكر للحضور المسيحي في أفريقيا خارج اللايمس الروماني إلى مطلع القرن الثالث الميلادي، حين تحدّث الكاتب المسيحي ترتليان القرطاجي عن مختلف أجناس الجيتول، وحدود الموريين المتعددة، […] العصيَّة على الرومان، لكن المستسلِمة للمسيح. وكان في عصره إذاً مسيحيون بين الجيتول وموريي الجنوب، خارج موريتانيا الرومانية.

كيف انتشرت المسيحية في هذه المناطق؟ في الغالب، كان التجار الأمازيغ الذين يأتون لبيع بضائعهم في المدن الساحلية، أو العمال الزراعيون الذين يشتغلون في مزارع أفريقيا الرومانية، يكتشفون الإيمان المسيحي ثم يعودون لينقلوه إلى عائلاتهم وقبائلهم. وأحياناً كان مسيحيون وقعوا في الأسر خلال غارات على الحدود الرومانية ينشرونها وسط القبائل التي باتوا يعيشون بينها.

وأحياناً أيضاً، كانت السلطات الرومانية تنفي بعض القادة المسيحيين إلى واحات ومناطق معزولة من الصحراء، فينشرونها وسط سكان تلك المناطق. وهكذا وصلت المسيحية إلى واحة سيوة.

كانت المدينة الرئيسية لموريتانيا الجنوبية خارج الحدود الرومانية هي تاموسيغا (الصويرة). لم يُعثر على أي أثر لجماعة مسيحية في تاموسيغا في العهد الروماني، غير أن الروابط مع موريتانيا الرومانية تجعل مثل هذا الحضور محتملاً. وكذلك، لم يثبت حضور مسيحي لدى أمازيغ الغوانش في جزر الكناري، وإن كان محتملاً في ضوء الروابط بين الجزر والقارة.

خارج المدن الكبرى المُستعرَبة، كان أمازيغ شمال أفريقيا يُناهضون السلطة الرومانية التي كانت تضطهد المسيحيين أيضاً. وهكذا نظر الأمازيغ إلى المسيحية باعتبارها دين مقاومة لروما.

القطيعة

بعد تنصّر الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الرابع الميلادي، باتت كنيسة أفريقيا الرومانية أكثر انشغالاً بالحفاظ على مكانتها الجديدة كدين رسمي من أن تحمل الرسالة المسيحية إلى ما وراء الحدود الرومانية. وقد كفّت المسيحية، المرتبطة حينئذٍ بالإدارة الرومانية، عن إغراء “الأحرار” في الداخل.

أوغسطينوس الهيبوني يتناقش مع الدوناتيين

في المقابل، حقّقت المسيحية الدوناتية التي اعتبرتها الكنيسة الرومانية هرطقةً نجاحاً أوسع بكثير، لا سيما لأنها كانت تُعبّر عن الإيمان المسيحي بالغات المحلية، في حين اقتصرت الكنيسة الرومانية على اللاتينية وحدها. في القرنين الرابع والخامس، كان الدوناتيون أكثر عدداً بكثير من المسيحيين الرومان، مع جماعات دوناتية في أرجاء شمال أفريقيا كلها. وكانت الدوناتية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالقومية الأمازيغية: طالما اضطهد الرومان المسيحيين، اعتنق الأمازيغ المسيحية بكثافة؛ وحين أراد الرومان إلزامهم بمسيحية رومانية، فضّلوا مسيحيةً مغايرة.

ما تلا ذلك

بعد الغزو الوندالي، حوّل مسيحيون باعهم الوندال عبيداً لقبائل نائية سادتَهم الجدد إلى المسيحية. ومن هؤلاء قبيلة الكاپراپيكتي جنوب تونس. ولعل الجذور المسيحية الأسطورية لبعض القبائل الأمازيغية، كصنهاجة الريف أو رِگراگة شمال الصويرة، تعود إلى تأثير أمثال هؤلاء الأسرى.

فتح استرداد البيزنطيين لشمال أفريقيا في القرن السادس الميلادي آفاقاً لزخم تبشيري جديد نحو داخل القارة. وقد نشر مسيحيون قادمون من طرابلس الرسالة المسيحية في واحتَي  غدامس وأوجلة. وفي عام 569م، اعتنق الغرامانت في فزّان المسيحيةَ. وفي الحقبة ذاتها، تغلغلت المسيحية جنوب الجزائر والمغرب الحاليين، إلى ما وراء حدود رومانية لم تعد قائمة.

الآثار

كانت كثير من القبائل الأمازيغية في جبال الأطلس أو السهول الساحلية للمغرب الحالي مسيحيةً. وقد ترك بعض زعماء القبائل للأجيال اللاحقة شواهد على انتمائهم للمسيحية. ففي نقش اكتُشف على طريق قسنطينة – جيجل ورد ذكر ملك الأوكوتاماني (كتامة)، الذي كان يحكم منطقة القبائل، بلقب “عبد الله”.

شاهد جرف التربة؛ الشخص على اليمين يمسك صليباً

في جرف التربة بولاية بشار الجزائرية، يضم نصب أثري شُيّد نحو أواخر القرن الخامس أو مطلع القرن السادس الميلادي سلسلةً من الشواهد، إحداها تُصوّر رجلاً يمسك صليباً بيده. (المصدر)

كذلك تحتوي الجدّدار الشهيرة، وهي ثلاثة عشر ضريحاً جنائزياً جنوب تيارت في الجزائر، على رموز مسيحية تشهد على أن بنّاءها من ملوك الأقيلود الموريين في القرن الخامس كانوا مسيحيين. (المصدر)

فضلاً عن هذه الآثار، تُوجد نقوش مسيحية أبسط حتى في واحة فگيگ وسهل سوس.

المسيحية في شمال افريقيا

الدوناتيون: مسيحية أخرى من شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

في القرنين الرابع والخامس، كانت الغالبية الساحقة من سكان شمال أفريقيا مسيحيين، لكنها كانت تنتمي إلى تيار ديني اعتبرته الكنيسة الرسمية هرطقة، وهو الدوناتية، الذي نشأ في أفريقيا كحركة احتجاج من السكان الأصليين ضد هيمنة الرومان على الشؤون الدينية.

السياق

في مطلع القرن الرابع، تعرّضت الكنيسة المسيحية في الإمبراطورية الرومانية لموجة جديدة من الاضطهاد، كانت الأسوأ على الإطلاق. فقد دُمّرت أماكن العبادة المسيحية، وأُحرقت نصوصهم المقدسة، وقُتل أكثر من ثلاثة آلاف مؤمن بسبب إيمانهم. وكانت كنيسة أفريقيا الرومانية من أكثر الكنائس تضرراً، مما أكسبها لقب “كنيسة الشهداء”.

قسطنطين، أول إمبراطور مسيحي

في عام 311، أصدر الإمبراطوران غاليريوس في الشرق وقسطنطين في الغرب مرسوماً بالتسامح وضع حداً للاضطهادات؛ وللمرة الأولى في التاريخ أصبح بإمكان المسيحيين ممارسة شعائرهم بحرية. وفي العام التالي، أي سنة 312، اعتنق الإمبراطور قسطنطين نفسه المسيحية.

وقد استقبل مسيحيو الإمبراطورية الرومانية هذه التغيرات بارتياح كبير، لكنها حملت أيضاً نتائج غير متوقعة: فبعد أن أصبح الإمبراطور مسيحياً، أخذت الكنيسة تتأثر أكثر فأكثر بالسياسة الإمبراطورية الرومانية على حساب مهمتها الروحية. ولم يرقَ هذا التطور للشعوب التي كانت، مثل الأمازيغ في شمال أفريقيا، معادية للهيمنة الرومانية ومتمسكة بحريتها.

نشأة الدوناتية

بدأ الجدل المتعلق بالدوناتية كخلاف لاهوتي حول الموقف الذي يجب أن تتخذه الكنيسة تجاه المؤمنين الذين أنكروا إيمانهم تحت الإكراه أثناء الاضطهاد. وكانت هذه المسألة قد شغلت الكنيسة من قبل، في القرن السابق، في زمن الأسقف قبريانوس القرطاجي.

رسم متأخر لدوناتوس

في عام 311، بعد انتهاء الاضطهادات مباشرة، اختير شماس من قرطاج يُدعى کیسیلیانوس أسقفاً جديداً للمدينة. غير أن بعض المسيحيين احتجوا على هذا التعيين، إذ اتُّهم کیسیلیانوس بأنه سلّم نصوصاً مقدسة للسلطات الرومانية أثناء الاضطهاد ليتم حرقها. فبالنسبة لخصومه، كان من المستحيل أن يتولى شخص ارتكب مثل هذا الفعل مسؤوليات في الكنيسة. اجتمع سبعون أسقفاً من نوميديا سراً في قرطاج واختاروا أسقفاً آخر هو منسوريوس. وبعد وفاته بقليل، اختير دوناتوس، الذي كان أسقف كاساي نيغراي (نقرين الحالية في ولاية تبسة بالجزائر)، خلفاً له. وسيصبح دوناتوس، ذو الشخصية القوية، زعيم للحركة.

أطلال كنيسة في تيبازة، الجزائر

بعد عامين، أدان مجمع كنسي برئاسة أسقف روما الدوناتية. وتمت تبرئة کیسیلیانوس من التهم الموجهة إليه والاعتراف به بوصفه الأسقف الشرعي الوحيد لقرطاج. كما أكد المجمع أن صحة الأسرار الكنسية لا تعتمد على صلاح الشخص الذي يقوم بها، بل على الله الذي يعمل من خلاله؛ وبالتالي، حتى لو كان کیسیلیانوس مذنباً، فإن ذلك لا يمنع الله من أن يواصل إظهار نعمته عبر الكنيسة من خلاله.

كنيسة دوناتية في سبيطلة، تونس

ومع ذلك، أصر الدوناتيون على رفض الخضوع لأسقف يرونه غير جدير. وفي أنحاء أفريقيا الرومانية انضم عدد متزايد من الأساقفة إلى معسكرهم مع أتباعهم، كما التحقت بهم جماعات مسيحية منشقة قبل ذلك. وهكذا انقسمت الكنيسة المسيحية في شمال أفريقيا: ففي كثير من المدن يمكن اليوم العثور على أطلال كنيستين، واحدة كاثوليكية (رومانية) والأخرى دوناتية، وغالباً ما تكونان متجاورتين. ولم يكن الخلاف لاهوتياً فقط؛ بل كان أيضاً رفضاً من المسيحيين في شمال أفريقيا لأن تُفرض عليهم قرارات كنيسة روما.

كان كل من الدوناتيين والكاثوليك يعتبرون أنفسهم ورثة ترتليان و قبريانوس القرطاجي: فالأولون استندوا إلى تشديدهما على القداسة والتشدد في مواجهة الخطيئة، بينما استند الآخرون إلى تعليمهما حول وحدة الكنيسة.

وبينما استخدم الكاثوليك اللغة اللاتينية فقط في العبادة، استخدم الدوناتيون اللغات الأمازيغية المحلية، وهو ما يفسّر على الأرجح نجاحهم.

ومع مرور الوقت أخذت حشود متزايدة تتدفق إلى الكنائس الدوناتية: عبيد فارون، فلاحون بلا أرض، وأمازيغ من الأرياف يعادون الوجود الروماني في أراضيهم. وسرعان ما أصبحت الدوناتية التيار الغالب في شمال أفريقيا. وفي تلك الفترة بلغ انتشار المسيحية أبعد مدى داخل القارة. لكن مع شعبيتها، فقدت الحركة شيئاً من طابعها الروحي؛ فمع أن معظم الدوناتيين كانوا مؤمنين صادقين على الأرجح، إلا أنهم تورطوا في قبول أشخاص بدوافع اجتماعية وسياسية أكثر من كونها دينية. وسرعان ما دخلوا حتى في تحالفات مع السلطة السياسية.

الختان

الختان

كانت الختان أو اللاهوت جماعات عنيفة تناضل ضد الظلم الذي تعرّضت له ساكنة الأرياف في شمال أفريقيا. كانوا يطالبون بتحرير العبيد وإلغاء الديون، لأن الفقراء كانوا في الغالب هم من يراكمون الديون لفائدة كبار ملاك الأراضي. وكانوا يجولون بالأرياف، يحرقون المزارع بها ويهاجمون المسافرين وكل من يعتبرونه عدواً.

في البداية كانت حركتهم مجتمعية بحتة، لكن نحو سنة 340 تحالفوا مع الدوناتيين. ومع هذا التحالف تبنّوا فكرة الاستشهاد المسيحية، فصاروا يهاجمون المواقع العسكرية الرومانية مسلحين بعصي بسيطة، أملاً في أن يموتوا شهداء. وكان شعارهم الحربي باللاتينية Laudate Deum أي “الحمد لله”.

لم يكن كثير من الدوناتيين يؤيدون تجاوزات الختان، وأراد قادة الدوناتيين في قرطاج النأي بأنفسهم عنهم، لكنهم خافوا من انقسام حركتهم، لأن أساقفة نوميديا وموريطنية كانوا يدعمونهم.

حوالي سنة 345، وبعد أن بدأ الختان تمرداً واسعاً ضد ملاك العبيد والدائنين، تدخلت السلطات الرومانية أخيراً لقمعهم. وبالنسبة للرومان لم يكن هناك فرق بين الدوناتيين والختان؛ فكلاهما اعتُبر مثيراً خطيراً للاضطرابات يجب القضاء عليه.

ثورة فرموس

بترا (مكلو)، حصن فيرموس

بعد الختان، وجد الدوناتيون حليفاً جديداً بالصدفة، تحالفاً سيضر بهم في النهاية.

في سنة 370 تمرّد الأمير الموري فرموس على الرومان وأعلن نفسه ملكاً على موريطنية. دعمه الدوناتيون أملاً في التحرر من السيطرة الرومانية. لكن فرموس هُزم، فتضررت سمعة الدوناتيين

الختم

مع مرور الزمن بدأ عدد متزايد من الدوناتيين يشعرون بخيبة أمل من تطور الحركة. فحوالي 370–380 طُرد اللاهوتي تيكونيوس من الحركة لأنه انتقد تطرفها. وحوالي 385 كتب الأسقف الكاثوليكي أوباتوس الميليفي مؤلفاً ضد الدوناتيين أعاد كثيراً من المعتدلين منهم إلى الكنيسة الكاثوليكية.

أوغسطينوس أسقف هيبون

أما أوغسطينوس الشهير، أعظم لاهوتيي أفريقيا الرومانية، فقد تعرّف على الجدل الدوناتي بعد تعيينه أسقفاً بهيبو سنة 395. ورغم أن الدوناتيين كانوا يشكلون الأغلبية في مدينته، فقد أقنع معظمهم بالعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية بالحوار وروح المحبة التي كان يتحلى بها. وكان يلتقي العديد من الأساقفة الدوناتيين من مدن أخرى، ورغم الاختلاف معهم، يتحدث عنهم باحترام ويصفهم بأنهم رجال أتقياء مستقيمون.

ومن أبرز شخصيات الدوناتية المتأخرة الأسقف أوباتوس من تاموقادي (تيمقاد)، الذي دعم سنة 395 ثورة غيلدون، شقيق فرموس، ضد الإمبراطور.

وفي سنة 411 قرر الإمبراطور هونوريوس عقد مؤتمر في قرطاج لحسم النزاع نهائياً. اجتمع 286 أسقفا كاثوليكياً و279 أسقفاً دوناتياً للنقاش حول ما يختلفون حوله. مثّل الكاثوليك أوغسطينوس أسقف هيبّون، بينما مثّل الدوناتيين بتيليانوس، أسقف قسنطينة الدوناتي، الذي في السابق محامياً مشهوراً. وترأس الجلسات مارسيلينوس، حاكم أفريقيا الرومانية.

أوغسطينوس يناقش الدوناتيين

اتسم النقاش بموقف تصالحي من الكاثوليك، إذ كانوا مستعدين للسماح للدوناتيين بالاحتفاظ بأساقفتهم وكنائسهم إذا عادوا إلى الكنيسة الكاثوليكية، في حين اتسم الدوناتيون بعجرفتهم الرافضة لأي تسوية. وفي النهاية حُكم عليهم بالعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية: فمَن قبل منهم سُمح له بالاحتفاظ بكنيسته، أما من رفض فكان عرضة للسجن.

انضم معظم الدوناتيين إلى الكنيسة الكاثوليكية، بينما تعرض الذين استمروا في مقاومتهم للاضطهاد من السلطات الرومانية بمساندة السلطات الكنسية الكاثوليكية. وتُظهر القصة المؤلمة لهذا الاضطهاد كيف يمكن لدينٍ كان مضطهداً قبل وقت قصير أن يصبح مضطهداً للآخرين عندما يرتبط بالسلطة السياسية.

استمرت بعض المجتمعات الدوناتية الصغيرة في الأرياف حتى زمن الاحتلال الوندالي، ثم شهدت نوعاً من الانتعاش في العصر البيزنطي. وربما ساهم وجودهم في تسهيل الفتح العربي للمنطقة، إذ كان اليهود والمسيحيون الدوناتيون المضطهدون من البيزنطيين يرون في المسلمين القادمين محررين.

تأثير الدوناتية

فسيفساء الدوناتيين في سبيطلة، تونس

تكشف قضية الدوناتيين عن التوتر الدائم بين دين يطمح إلى العالمية وله مؤسسة مركزية، وبين تعبيره المحلي داخل ثقافة معينة. ويذكّرنا الدوناتيون بحركات الخوارج التي ازدهرت في شمال أفريقيا بعد قرون، حين طرحت فكرة “إسلام أمازيغي” في مقابل الإسلام “العربي”. وفي العالم المسيحي يشبه رفضهم الخضوع لكنيسة رسمية اعتبروها “غير طاهرة” ومتواطئة مع السلطة السياسية موقف الإصلاحيين البروتستانت في القرن السادس عشر.

المسيحية في شمال افريقيا

البازيليكا السيفيرية: مبنى مدني روماني تحوّل إلى كنيسة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة فادي حفيظي

بعد أن أصبحت الإمبراطورية الرومانية مسيحية، تم تحويل العديد من المعابد والمباني المدنية الرومانية إلى كنائس. كان المسيحيون يرون في ذلك وسيلة لاستعادة عبقرية روما القديمة، من خلال تسخير أجمل منجزاتها المعمارية لخدمة إيمانهم. ويُعدّ مثالًا واضحًا على ذلك البازيليكا السيفيرية، وهي مبنى رمزي في مدينة لبدة الكبرى الليبية.

البازيليكا السيفيرية

بُنيت البازيليكا السيفيرية على يد الإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس، الذي وُلد في لبدة الكبرى. ويرتبط تاريخها بقوس سيبتيموس سيفيروس؛ فحين زار الإمبراطور المدينة سنة 203م، قامت السلطات المحلية ببناء القوس تكريمًا له. وردًا على ذلك، أمر الإمبراطور ببناء هذه البازيليكا، مستوحاة من بازيليكا أولبيا في روما. وبعد وفاته، أكمل ابنه وخليفته قَرَقَلَّة أعمال البناء.

حَنِيَّةٌ شمالية في البازيليكا

كان طول البازيليكا حوالي 95 مترًا، وعرضها 35 مترًا. وكانت مقسّمة إلى ثلاثة أروقة تفصل بينها صفوف من الأعمدة. صُنعت الأعمدة من الغرانيت الأرجواني المصري والرخام الأخضر القادم من جزيرة إيوبويا. وعلى الجانبين وُجدت حنيات نصف دائرية، تضم منصات كان يقف عليها القضاة. وقد استُخدمت البازيليكا كمحكمة عامة، إضافة إلى وظائف أخرى.

ويحتوي عمودان من أعمدتها على زخارف مميّزة للغاية: أحدهما يصوّر هرقل، والآخر ديونيسوس.

منبر البازيليكا بعد تحويلها إلى كنيسة

في عام 533م، وبعد أن كانت البازيليكا قد تضررت بشدة خلال الاحتلال الوندالي، جرى ترميمها. ثم تحوّلت إلى كنيسة مسيحية كُرّست للسيدة مريم، أمّ يسوع.

وقد بُني منبر الكنيسة باستخدام حجارة مذبح قديم داخل البازيليكا، في إشارة رمزية إلى عجز الأصنام الوثنية وانتصار الإله المسيحي. كما شُيّدت معمودية على شكل صليب. وباستثناء هذه العناصر الضرورية للعبادة المسيحية، تُرك المبنى الروماني القديم في معظمه دون تغيير. فالمسيحيون الرومان لم يروا إيمانهم قطيعة مع الماضي، بل سعوا إلى الحفاظ على كل ما شكّل مجد روما القديمة، مع إزالة ما كان يتعارض مباشرة مع عقيدتهم فقط.