Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة إبراهيم أيت دامي
في القرون الأولى من العصر المسيحي، كانت شمال إفريقية من مدنها الكبرى العامرة بالحضارات إلى قراها النائية تربة خصبة لانتشار رسالة المسيحية. وقد برز منها ثلاثة من أعاظم شخصيات المسيحية في تلك الحقبة، وكان من بينهم قبريانوس أسقف قرطاج، أحد أعظم رجال الكنيسة في زمانه.

وُلِدَ تاسيوس كايسيليوس قبريانوس في قرطاج نحو سنة 210م، في أسرةٍ أمازيغيةٍ ثرية. تلقّى في شبابه تعليماً في القانون، وعمل محامياً وأستاذاً في فنّ الخطابة. وكان قبل اعتناقه المسيحية عضواً بارزاً في جماعة من فقهاء قرطاج.
اعتنق المسيحية في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، وبعد تعميده باع منزله ووزّع ثمنه على الفقراء، عملاً بتعاليم الكنيسة آنذاك بشأن المؤمنين الأغنياء. تأثّر أصدقاؤه بموقفه هذا، فتعاونوا على شراء المنزل وإهدائه له من جديد.
بعد عامين من تحوّله، نحو سنة 248م، تُوفِّي أسقف قرطاج، فاختير قبريانوس لخلافته. رفض في البداية متواضعاً، لكنه قبل بعد إلحاح. ورغم شعبيته، فإنّ رجال الدين في قرطاج لم يرضوا بتولية رجلٍ حديث العهد بالمسيحية، فعارضوه طيلة فترة أسقفيته، غير أنّه أصبح مع ذلك من أبرز أساقفة زمانه.
وبعد تولّيه بفترة قصيرة، اندلعت حملة اضطهاد جديدة بأمر الإمبراطور ديسيوس، الذي فرض على جميع الرعايا تقديم القرابين لآلهة الرومان، ملوِّحاً للمسيحيين بين خيارين: الارتداد أو الاستشهاد. فاختبأ قبريانوس، لكنه واصل تشجيع أتباعه عبر الرسائل. وعندما اتُّهم بالجبن، دافع عن نفسه قائلاً إنه لم يهرب خوفاً على حياته، بل ليبقى راعياً لجماعته في زمن المحنة.

عقب كل موجة اضطهاد، واجهت الكنيسة معضلةً شائكة: كيف تتعامل مع اللابسِي، أي أولئك الذين ضعفوا أمام التهديد فأنكروا عقيدتهم ثم ندموا وسعوا إلى العودة؟ فدعا قبريانوس إلى مجمعٍ يضم أساقفة إفريقيا الرومانية للبتّ في الأمر. وبعد نقاشٍ بين المتساهلين الذين أرادوا قبولهم فور توبتهم، والمتشددين الذين رفضوا إعادتهم، تقرّر أن يخضع كل واحدٍ منهم لفترة توبةٍ محدّدة تُراعَى فيها ظروفه، بإشراف الأسقف. وأوصى قبريانوس بالتفريق بين من أنكر خوفاً على نفسه أو أهله، وبين من قدّم القرابين للآلهة طوعاً دون إكراه. كما قرّر المجمع أن العائدين إلى الكنيسة لا يمكنهم تولي أي منصبٍ ديني بعد ذلك.
وفي تلك الفترة ظهرت جماعاتٌ من المسيحيين خالفت قبريانوس في هذه القضايا وغيرها، فانفصلت عن الكنيسة الرسمية. وقد رأى قبريانوس في ذلك خروجاً على وحدة الكنيسة، وكتب في مؤلَّفه في وحدة الكنيسة: «لا يستطيع أحدٌ أن يكون للرب أب ما لم تكن الكنيسة أمَّه». ولهذا كان يصرّ على إعادة تعميد من يعود من الكنائس المنفصلة، معتبراً أن المعموديات التي جرت خارج الكنيسة الرسمية باطلة. ودخل بسبب ذلك في خلافٍ مع أسقف روما استيفانوس، الذي كان يرى أنّ أولئك قد نالوا المعمودية بالفعل ولا حاجة لإعادتها. تمسّك قبريانوس بموقفه دفاعاً عن مبادئه ورفضاً لتدخّل أسقف آخر في شؤون إقليمه.

استند قبريانوس في آرائه إلى مفهومه الخاص للكنيسة، بوصفها مؤسسة مقدّسة أسّسها المسيح، لا يجوز الانفصال عنها دون أن يستوجب ذلك سخط الرب. ولم يفرّق بين الكنيسة الجامعة التي تضم المؤمنين جميعاً، والكنيسة المؤسسية التي تُدار بواسطة الأساقفة. وقد أصبحت رؤيته هذه أساساً من أسس اللاهوت الكاثوليكي اللاحق.
كان لقبريانوس أيضاً أثر كبير في تنظيم الكنيسة وتثبيت هياكلها الإدارية، إذ حوّلها من جماعات بسيطة يعتمد أفرادها على العطاء الطوعي إلى مؤسسةٍ ذات نظام هرمي وإدارةٍ مستوحاةٍ من النظم الرومانية، يتصدرها الأسقف ممثلاً للمسيح. ومع ذلك، ظلّ متمسّكاً باستقلال كل كنيسةٍ محلية، مؤكداً أنّ الأساقفة جميعاً متساوون في المقام، ولا سلطة لأحدٍ على الآخر، حتى أسقف قرطاج نفسه. ويُظهر خلافه مع أسقف روما أنه رفض فكرة وجود “أسقفٍ أعظم” للكنيسة كلها.
وأثناء فترة أسقفيته، ضرب الطاعون مدينة قرطاج والإمبراطورية بأسرها، فبادر قبريانوس ومجتمعه إلى رعاية المرضى، سواء كانوا مسيحيين أم غير ذلك. وكتب مؤلفاً بعنوان عن الموت، حاول فيه تفسير سبب السماح الإلهي بمثل هذه الأوبئة. وسلوكه في تلك المحنة زاد من مكانته بين الناس.

وفي أواخر سنة 256م، تجدّدت الاضطهادات. مثل قبريانوس أمام الحاكم الروماني ورفض أن يقدّم القرابين للأصنام، فنُفِيَ إلى مدينة كوربيس (قُربا الحالية)، حيث واصل مراسلة أتباعه. وبعد عامٍ أُعيد إلى قرطاج ووُضع تحت الإقامة الجبرية، ثم أُعدم بقطع الرأس في الرابع عشر من سبتمبر سنة 258م، أمام جمعٍ من الناس الذين شهدوا مقتله. وقد ورد أنه أوصى قبل موته بإعطاء خمسٍ وعشرين قطعةٍ ذهبيةٍ للجلّاد الذي نفّذ الحكم.
