المسيحية في شمال افريقيا, الوندال في شمال أفريقيا

اضطهاد الوندال لمسيحيي شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

اجتاح الوندال شمال إفريقيا خلال القرن الخامس الميلادي، وكانوا يعتنقون الديانة المسيحية وفق المذهب الآريوسي، مما دفعهم إلى محاولة إجبار جميع رعاياهم على اعتناق عقيدتهم. وقد أسفر ذلك عن حملة اضطهاد قاسية استهدفت المسيحيين من السكان الأصليين في شمال إفريقيا، حيث قُتل آلاف المؤمنين لرفضهم التخلي عن إيمانهم والتحول إلى الآريوسية.

السياق التاريخي

كان الوندال، شأنهم شأن الشعوب الجرمانية الأخرى، يعتنقون الآريوسية، وهي عقيدة اعتبرتها الكنيسة المسيحية الرسمية “هرطقة”. ومع وصول الوندال إلى شمال إفريقيا، وجد الأهالي المسيحيون أنفسهم في حالة من التخبط أمام هذه العقيدة الدخيلة التي لم يألفوها من قبل. ورغم أن أوغسطينوس أسقف هيبون كان قد وضع كتاباً يدحض فيه الآريوسية، إلا أن قلة قليلة من السكان كانت لا تزال تتقن اللاتينية بما يكفي لقراءته.

وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض من القوط الذين كانوا آريوسيين أيضاً لكنهم اتسموا بالتسامح مع الطوائف الأخرى، سعى الوندال إلى فرض عقيدتهم على جميع رعاياهم، فمارسوا الاضطهاد ضد مسيحيي شمال إفريقيا، بشقيهم الكاثوليكي والدوناتي. وقد أُعدم مئات المسيحيين لتمسكهم بعقيدتهم خلال العهد الوندالي، كما تعرضت العديد من الراهبات للاعتداء. وقد ترك لنا الأسقف فيكتور الفيتي (من فيتا/بني دراج)، الذي عاصر هذه الأحداث، كتاباً مفصلاً يوثق فيه هذه المرحلة.

التسلسل الزمني للاضطهاد الوندالي

كودفولتديوس أسقف قرطاج

عقب سقوط قرطاج، نُفي الأسقف كودفولتديوس (والذي يعني اسمه “ما يريده الله”) برفقة أغلب أساقفة شمال إفريقيا. وقد حُشروا في قارب متهالك بلا أشرعة ولا مجاديف، لكنه تمكن من عبور البحر وصولاً إلى نابولي. استقر الأساقفة المنفيون في إيطاليا، وأصبح أحدهم، ويدعى غاوديوسيوس، أسقفاً لنابولي.

ظلت أسقفية قرطاج شاغرة لسنوات طويلة بعد هذا النفي. وفي عام 454، وتحت ضغط من الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث، سمح الملك الوندالي جنسريك أخيراً بتعيين ديوغراتياس أسقفاً جديداً لقرطاج. وبعد قيام الوندال بنهب روما، أقدم الأسقف ديوغراتياس على بيع ممتلكات الكنيسة لافتداء الرومان الذين اختُطفوا وبِيعوا كعبيد في قرطاج، ووفر لهم المأوى في كنائس المدينة الكبرى قبل إعادتهم إلى روما. وبوفاته عام 457، عاد الشغور ليضرب المنصب الأسقفي من جديد.

وتبرز في تلك الحقبة قصة “أوليفيا”، وهي شابة مسيحية تنحدر من صقلية، اختطفها الوندال وباعوها كأمة في تونس، ثم أُعدمت لتمسكها بعقيدتها. ويُعتقد أن ضريحها هو الموقع الحالي لجامع الزيتونة بتونس العاصمة.

وخلال عهد جنسريك، صاغ فيكتور الكارتيني (أسقف كارتينا/تنس في الجزائر الحالية) رداً يفند فيه الآريوسية أهداه للملك جنسريك. ورغم ضياع هذا المُؤَلَّف، إلا أن اسم الكاتب ورد في كتاب “مشاهير الرجال” (De Viris Illustribus) لـ جيناديوس المارسيلي، وهو تجميع لسير ذاتية موجزة لشخصيات مؤثرة.

يودوكيا
قطعة نقدية تحمل صورة هونريك

تفاقم الاضطهاد خلال فترة حكم هونريك (477-484)، نجل جنسريك. ففي مستهل حكمه، سعى لتهدئة التوترات في مملكته بالسماح بانتخاب أوجين أسقفاً لقرطاج بعد 24 عاماً من الشغور. لكنه سرعان ما عاد لانتهاج سياسات والده القمعية. أدت سياساته الدينية إلى نشوب خلافات حادة مع زوجته يودوكيا (ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث)، التي كانت تدين بالكاثوليكية، وانتهى بها المطاف بالفرار إلى القدس حيث توفيت.

وفي عام 483، استدعى هونريك 466 أسقفاً كاثوليكياً من شمال إفريقيا إلى سيكا (الكاف) لعقد مناظرة علنية مع الأساقفة الآريوسيين، محاولاً إجبارهم على التراجع عن عقيدتهم. وأمام رفضهم، أمر باعتقالهم. ويروي فيكتور الفيتي كيف اضطر لرشوة الحراس ليتمكن من زيارة هؤلاء السجناء، الذين تم ترحيلهم لاحقاً إلى الصحراء؛ فمات جلهم في الطريق، وأُعدم الناجون منهم فور وصولهم.

ورغم أن أعداد الضحايا قد تكون مبالغاً فيها في المصادر، إلا أن الوقائع التاريخية ثابتة. ولم تُحفظ أسماء سوى اثنين من هؤلاء الضحايا: فيليكس أسقف أبير جرمانيكيانا (هنشير النعام)، وكبريانوس أسقف أونيزيبيرا (هنشير زمبرة). كما أشار فيكتور الفيتي إلى ابنة أسقف زوريتانا (عين جور) التي سُجنت مع ابنها.

فرومينتيوس وفيكتوريان

شهد عام 484 تنفيذ حكم الإعدام في حضرموت (سوسة) بحق كل من فرومينتيوس، وهو تاجر من قرطاج، وفيكتوريان، والي حضرموت، بسبب تمسكهما بعقيدتهما.

وفي العام ذاته، أُحرق ليتوس، أسقف نيبتا (نفطة)، حياً بأمر من الملك. وتروي الأساطير أنه بعد مرور 50 عاماً، ظهر ليتوس في منام الإمبراطور البيزنطي جستينيان، ليناشده تخليص شمال إفريقيا من الوندال.

أما أهالي تيبازة، الذين رفضوا اعتناق الآريوسية، فقد تعرضوا لقطع أياديهم اليمنى وألسنتهم. ووفقاً لـ فيكتور الفيتي، فقد استمروا بأعجوبة في التحدث والاعتراف بإيمانهم. كما أورد المؤرخ ذاته قصة إعدام سبعة رهبان في قفصة لنفس السبب.

إضافة إلى ذلك، باع الوندال عدداً من الأهالي كعبيد لقبائل أمازيغية في الداخل الإفريقي. ويذكر فيكتور الفيتي أن بعض هذه القبائل اعتنقت المسيحية لاحقاً بفضل هؤلاء الأسرى، وعلى رأسها قبيلة “كابرابيكتي” في الجنوب التونسي. ومن المحتمل أن تكون الجذور المسيحية المروية في التراث لبعض القبائل الأمازيغية، مثل صنهاجة الريف أو رڭراڭة في شمال الصويرة، عائدة إلى هؤلاء الأسرى.

تراجع سياسة القمع

مع اعتلاء الملك غونتاموند (484-496) العرش خلفاً لهونريك، وضع حداً لسياسات الاضطهاد. ومن المرجح أن كتاب فيكتور الفيتي قد دُوِّن خلال فترة حكمه.

فولجانس دي روسبي

لاحقاً، أصدر الملك ترازاموند (496-523) قراراً يحظر تعيين أساقفة جدد ليحلوا محل الأساقفة المتوفين، آملاً بذلك القضاء على الكاثوليكية تدريجياً دون اللجوء إلى العنف. وفي حوالي عام 504، أقدم الأسقف فيكتور الفيتي على ترسيم فولجانس أسقفاً لروسبي (هنشير السبية). وعقاباً له على انتهاك الحظر الملكي، نُفي فيكتور الفيتي إلى سردينيا حيث توفي قرابة عام 510.

خلال العقود التالية، برز فولجانس دي روسبي كأكثر الشخصيات تأثيراً في الأوساط الكاثوليكية بشمال إفريقيا، حيث دخل في مناظرات علنية مع الأساقفة الآريوسيين وألّف كتباً لدحض مذهبهم. ورغم نفيه عدة مرات، استمر في نشاطه حتى وفاته عام 527.

وفي عام 523، آل حكم الوندال إلى هلدريك (523-530)، نجل هونريك ويودوكيا. وبفضل تأثره بوالدته الكاثوليكية، انتهج سياسة التسامح الديني؛ فتم تعيين بونيفاسيوس أسقفاً كاثوليكياً جديداً لقرطاج، وسُمح لفولجانس دي روسبي بالعودة من منفاه. وخلال عهد هلدريك، بدأت أعداد من الوندال في اعتناق المذهب الكاثوليكي.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

ماجوريان: الإمبراطور الروماني الذي سعى لاستعادة شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، حين غزا الوندالُ المنطقةَ. وبعد نحو ثلاثين عامًا، قاد إمبراطورٌ جديد، هو ماجوريان، حملةً مكّنته من استعادة السيطرة على إسبانيا. وأراد بعد ذلك استرجاع شمال أفريقيا، لكنه لم يملك الوسائل الكافية لذلك.

السياق

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أفيتوس

بعد نهب روما على يد الوندال عام 455، غدا الإمبراطورية الرومانية أضعفَ من أي وقت مضى. فرَض ثيودوريك الثاني، ملك القوط، أفيتوسَ، وهو شيخ مجلس شيوخ من أصل غاليّ مقرَّبٌ منه، إمبراطورًا جديدًا. وخلال حكم أفيتوس، غزا القوطُ إسبانيا، بحجّة إعادتها إلى السيطرة الرومانية، لكن في الحقيقة لأنفسهم. وإذ تخلّى عنه ثيودوريك، قُتِل أفيتوس عام 456، بعد سنةٍ واحدة من الحكم.

ماجوريان: لنجعل روما عظيمةً من جديد

الأراضي التي استعادها ماجوريان – اضغط لتكبير الصورة

قرّر القائد ماجوريان، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا، إطلاقَ حملةٍ واسعة لاسترجاع الأراضي التي خسرتها روما. فبدأ بطرد البرغنديّين من جنوب بلاد الغال، ثم هاجم القوط في إسبانيا. وفي ثلاث سنوات، استعاد السيطرة على معظم إسبانيا. كما أرسل ضابطه مارسيلينوس لاستعادة صقلية من الوندال.

أراد ماجوريان أن يتّخذ من إسبانيا قاعدةً لمهاجمة الوندال في أفريقيا. لكن أثناء حملته في إسبانيا، تمكّن الوندال من تدمير السفن التي كان يُعِدّها للغزو. فحُرِم ماجوريان من أسطوله، واضطُرّ إلى إلغاء خططه. وفي عام 460، عقَد اتفاق سلام مع الملك الوندالي جِنْسِريك، وحلَّ جيوشه.

وعند عودته إلى إيطاليا، أسَره ريسيمر، وهو قائد رومانيٌّ من أصل جرماني. واغتِيل ماجوريان عام 461.

بعد ذلك

خاتم ريسيمر

في السنوات التالية، ظلّ ريسيمر، الذي لم يستطع أن يصبح إمبراطورًا بنفسه بسبب أصله الجرماني، السيّدَ الحقيقيَّ للإمبراطورية، حتى وفاته عام 472. أمّا الأباطرة الذين حكموا خلال تلك السنوات فلم يكونوا سوى دُمًى. وكان أحدهم، أوليبريوس، مرتبطًا بمصاهرةٍ بالملك الوندالي جِنْسِريك.

وفي عام 476، خلَع الزعيمُ الجرماني أودواكر آخرَ إمبراطور روماني، رومولوس أوغستولوس: وكانت تلك نهاية الإمبراطورية الرومانية.

الوندال في شمال أفريقيا

جِنْسِريك: مَلِكُ الوَنْدال الذي غَزا أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، في نهاية المطاف حين غزا الوندالُ، وهم شعبٌ من أصل جِرماني، المنطقةَ. ففي عام 429، نزل الوندال بقيادة ملكهم جِنْسِريك في طنجة. وبعد عشر سنوات، فتحوا قرطاج حيث أسّسوا مملكةً لهم. في هذا المقال، نتعرّف على حياة جِنْسِريك، صانع الفتح الوندالي لشمال أفريقيا.

قطعة نقدية تحمل صورة جِنْسِريك

الأصول

جِنْسِريك هو الابن غير الشرعي لملك الوندال غوديجيزيل ولأَمَةٍ رومانية. ويعني اسمه “القويّ بالرمح”. وُلِد عام 389 قرب بحيرة بالاتون في المجر الحالية. وفي تلك الحقبة، كان الوندال، شأنهم شأن قبائل جرمانية أخرى، يهاجرون نحو الأراضي التي كانت تسيطر عليها الإمبراطورية الرومانية.

كان جِنْسِريك يافعًا حين عبَر الوندالُ نهرَ الراين عام 406 للاستقرار في بلاد الغال. وأثناء هذا العبور، مات أبوه في معركة ضد الفرنجة. فخلَفه أخوه غير الشقيق غوندريك على العرش، وأصبح جِنْسِريك ثاني أقوى رجل في قبيلته. وقد أدّى دورًا مهمًّا في نهب بلاد الغال، ثم في غزو إسبانيا عام 409.

يُوصَف جِنْسِريك بأنه رجلٌ متوسط القامة، قليل الكلام، سريع الغضب، شديد الطمع في الثروة. وكان أعرجَ بسبب سقوطه عن فرس في شبابه. وكان، كسائر الوندال، على المذهب الآريوسي، وهو عقيدةٌ تعدّها الكنيسة الرسمية هرطقةً.

حُلِيٌّ وندالية من ذهب

مات غوندريك عام 428 فخلَفه جِنْسِريك على العرش. وأسباب وفاة غوندريك غير واضحة؛ فمن المحتمل أن يكون جِنْسِريك قد اغتاله. وفي وقت لاحق، أمر جِنْسِريك بإعدام أرملة غوندريك، إذ أُلقيت حيّةً في وادي الرُّمّال قرب قسنطينة وحجرٌ حول عنقها.

في إسبانيا، أضعفت هجماتُ القوط، وهم قبيلة جرمانية أخرى أكثر عددًا، الوندالَ. فأدرك جِنْسِريك أنه لم تعُد له قوّةٌ على المقاومة، فقرّر التخلّي عن إسبانيا لخصومه والبحثَ عن أرضٍ جديدة لشعبه.

الوندال في أفريقيا

جِنْسِريك في طريقه إلى أفريقيا

في تلك الحقبة، كان بونيفاتيوس، حاكم أفريقيا الرومانية، على خلافٍ مع الأسرة الإمبراطورية. فاغتنم جِنْسِريك الفرصة لغزو شمال أفريقيا. ففي عام 429، عبَر ثمانون ألفًا من الوندال مضيقَ جبل طارق ونزلوا في طنجة.

وفي أقل من عام، بسط الوندال بقيادة جِنْسِريك سيطرتهم على كامل موريطانية، وهاجموا نوميديا. وفي عام 430، ألحقوا هزيمةً قاسية بالقوات الرومانية بقيادة بونيفاتيوس في معركة كالاما (قالمة). ثم حاصروا هيبّون (عنّابة) ودمّروا المدينة؛ ومات الأسقف أوغسطينوس الهيبّوني أثناء الحصار.

أرسل الرومان نجداتٍ عام 432 بقيادة القائد أسبار. فانتصر وندالُ جِنْسِريك من جديد. وأُسِر الإمبراطور الروماني المستقبلي مارقيان أثناء هذه الحملة.

في عام 435، وقّع جِنْسِريك معاهدة سلام مع الرومان. فاعترفت روما بالسيادة الوندالية على موريطانية ونوميديا، وفي المقابل التزم الوندال بدفع جزية. وأُرسِل هونريك، ابن جِنْسِريك، رهينةً إلى روما.

نقض جِنْسِريك الهدنة وعاد إلى الهجوم عام 439؛ فهاجم الوندال قرطاج على حين غِرّة واستولوا على المدينة دون مقاومة. وأسّس جِنْسِريك مملكة الوندال في أفريقيا، وجعل قرطاج عاصمةً لها. وبسط الوندال سيطرتهم على بيزاكينا (جنوب تونس) وطرابلس.

كوودفولتديوس، أسقف قرطاج

وإذ أراد جِنْسِريك أن يحوّل جميع رعاياه إلى المذهب الآريوسي، اضطهد مسيحيّي شمال أفريقيا، الكاثوليكَ والدوناتيّين على السواء. وبعد فتح قرطاج، نُفِي الأسقف كوودفولتديوس (ومعنى اسمه “ما يريده الله”) مع أغلب أساقفة شمال أفريقيا الآخرين. وقد أُركِب هؤلاء الأساقفة سفينةً قديمة بلا شراعٍ ولا مجاذيف، فتمكّنت لحسن الحظ من عبور البحر حتى نابولي. فاستقرّ الأساقفة المنفيّون في إيطاليا، وصار أحدهم، وهو غاوديوسيوس، أسقفًا لنابولي.

وعند فتح الوندال قرطاج، استولى جِنْسِريك على جزء كبير من الأسطول الروماني الراسي في ميناء قرطاج. ثم جهّزت المملكة الوندالية أسطولها الخاص الذي غدا يهدّد الإمبراطورية الرومانية في البحر الأبيض المتوسط. فاستولى الوندال على صقلية وسردينيا وكورسيكا وجزر البليار. ويُروى أن جِنْسِريك، إذ كان عاجزًا عن ركوب الخيل لِعَرَجه، كان يُطفئ ظمأه إلى المجد في البحر.

نهب روما

أُبرِمت معاهدة سلام جديدة بين روما والوندال عام 442. والتزم الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث بتزويج ابنته يودوكيا من هونريك، ابن جِنْسِريك.

نهب روما على يد جِنْسِريك

في عام 455، اغتِيل فالنتينيان، وأرغم قاتلُه يودوكيا على الزواج من ابنه. فاتّخذ جِنْسِريك من ذلك ذريعةً لغزو روما ونهب المدينة. وخطف يودوكيا مع أمّها وحملهما إلى قرطاج، حيث تزوّجت هونريك. وقد عجّل نهبُ روما على يد جِنْسِريك كثيرًا بانحدار المدينة، حتى السقوط النهائي للإمبراطورية الرومانية.

نهاية الحكم

خلال ما تبقّى من حكمه، صمد جِنْسِريك في وجه محاولاتٍ رومانية عدّة لاستعادة شمال أفريقيا. وقُرب نهاية حياته، حاول حتى أن يفتح شبه جزيرة بيلوبونيز، لكنه أخفق.

مات عام 477 عن سبعٍ وثمانين سنة، بعد عامٍ من سقوط الإمبراطورية الرومانية. وخلَفه ابنه هونريك. وسيكون جميع ملوك الوندال من بعده من نسله، لكن لن يكون لأيٍّ منهم السلطةُ نفسها التي كانت له على رعاياه.

بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة, شمال إفريقيا الرومانية

مارتيانوس كابيلا: الكاتب الشمال إفريقي الذي ترك بصمته على العصور الوسطى

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يُعد مارتيانوس كابيلا من كُتّاب المدرسة الأفلاطونية المحدثة في مطلع القرن الخامس، وتعود أصوله إلى مدينة ماداوروس (مداوروش) في إفريقيا الرومانية. وقد أسست أعماله لمفهوم “الفنون الحرة السبعة”، والذي كان له أثر بالغ على النظام التعليمي طوال فترة العصور الوسطى.

وُلد مارتيانوس كابيلا في ماداوروس (مداوروش) بإقليم نوميديا؛ وهي المدينة ذاتها التي أنجبت كاتباً رومانياً إفريقياً بارزاً آخر هو أبوليوس، صاحب أول رواية لاتينية. وضع مارتيانوس كابيلا مؤلفاته في أوائل القرن الخامس، وتحديداً بعد نهب روما على يد ألاريك الأول ملك القوط الغربيين عام 410م – وهو الحدث الذي أشار إليه في كتاباته – ولكن قبل الغزو الوندالي لشمال إفريقيا عام 429م.

ويُعتبر كتابه الرئيسي، “زواج فقه اللغة وعطارد”، عملاً ذو طابع رمزي. يروي الكتاب قصة زواج عطارد، إله التجارة، من “فيلولوجيا” (فقه اللغة)، التي تُجسد حب الآداب والعلوم، والتي رفعها الآلهة لتصبح إلهة. وكهدية لزفافهما، يُهدى الزوجان سبع فتيات ليصبحن خادمات لفيلولوجيا. وتقوم كل فتاة منهن، عند تقديمها، بشرح مبادئ العلم الذي تمثله.

كَتب مارتيانوس كابيلا في ظل إمبراطورية رومانية يغلب عليها الطابع المسيحي، واعتماده على الأساطير لا يعني بالضرورة أنه كان وثنياً؛ فقد استلهم الكُتّاب المسيحيون بدورهم رموز الحكمة الإنسانية من التراث الأسطوري. ومع ذلك، فإن الغياب التام لأي إشارات مسيحية يوحي بأن الكاتب كان وثنياً وليس مسيحياً، وهو أمر لم يمنع أعماله من اكتساب شعبية واسعة في الأوساط المسيحية خلال العصور الوسطى.

حظيت أعمال مارتيانوس كابيلا بانتشار واسع خلال القرون اللاحقة، وتركت أثراً عميقاً في العصور الوسطى، خاصة في مجالي التعليم والتربية. وفي النظام التعليمي الكلاسيكي، قُسمت “الفنون الحرة السبعة” إلى “المقدمات الثلاث” أو التريفيوم (البلاغة، والنحو، والمنطق) و”التعاليم الأربع” أو الكوادريفيوم (علم الفلك، والحساب، والهندسة، والموسيقى).

المسيحية في شمال افريقيا

المسيحية خار جحدود أفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يرتبط تاريخ المسيحية في شمال أفريقيا، كما في سائر المناطق، ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الإمبراطورية الرومانية. غير أنه منذ القرون الأولى للحقبة المسيحية، كان ثمة مسيحيون أيضاً بين قبائل الأمازيغ خارج الحدود الرومانية، في جبال الأطلس وصحراء الصحراء الكبرى. وقد اكتُشفت آثار كنائس في قرى صغيرة لم تكن مُدرَجة حتى في سجلات الإدارة الرومانية.

البدايات

ترتليان القرطاجي، أول شاهد على حضور مسيحي أفريقي خارج الحدود الرومانية

يعود أول ذكر للحضور المسيحي في أفريقيا خارج اللايمس الروماني إلى مطلع القرن الثالث الميلادي، حين تحدّث الكاتب المسيحي ترتليان القرطاجي عن مختلف أجناس الجيتول، وحدود الموريين المتعددة، […] العصيَّة على الرومان، لكن المستسلِمة للمسيح. وكان في عصره إذاً مسيحيون بين الجيتول وموريي الجنوب، خارج موريتانيا الرومانية.

كيف انتشرت المسيحية في هذه المناطق؟ في الغالب، كان التجار الأمازيغ الذين يأتون لبيع بضائعهم في المدن الساحلية، أو العمال الزراعيون الذين يشتغلون في مزارع أفريقيا الرومانية، يكتشفون الإيمان المسيحي ثم يعودون لينقلوه إلى عائلاتهم وقبائلهم. وأحياناً كان مسيحيون وقعوا في الأسر خلال غارات على الحدود الرومانية ينشرونها وسط القبائل التي باتوا يعيشون بينها.

وأحياناً أيضاً، كانت السلطات الرومانية تنفي بعض القادة المسيحيين إلى واحات ومناطق معزولة من الصحراء، فينشرونها وسط سكان تلك المناطق. وهكذا وصلت المسيحية إلى واحة سيوة.

كانت المدينة الرئيسية لموريتانيا الجنوبية خارج الحدود الرومانية هي تاموسيغا (الصويرة). لم يُعثر على أي أثر لجماعة مسيحية في تاموسيغا في العهد الروماني، غير أن الروابط مع موريتانيا الرومانية تجعل مثل هذا الحضور محتملاً. وكذلك، لم يثبت حضور مسيحي لدى أمازيغ الغوانش في جزر الكناري، وإن كان محتملاً في ضوء الروابط بين الجزر والقارة.

خارج المدن الكبرى المُستعرَبة، كان أمازيغ شمال أفريقيا يُناهضون السلطة الرومانية التي كانت تضطهد المسيحيين أيضاً. وهكذا نظر الأمازيغ إلى المسيحية باعتبارها دين مقاومة لروما.

القطيعة

بعد تنصّر الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الرابع الميلادي، باتت كنيسة أفريقيا الرومانية أكثر انشغالاً بالحفاظ على مكانتها الجديدة كدين رسمي من أن تحمل الرسالة المسيحية إلى ما وراء الحدود الرومانية. وقد كفّت المسيحية، المرتبطة حينئذٍ بالإدارة الرومانية، عن إغراء “الأحرار” في الداخل.

أوغسطينوس الهيبوني يتناقش مع الدوناتيين

في المقابل، حقّقت المسيحية الدوناتية التي اعتبرتها الكنيسة الرومانية هرطقةً نجاحاً أوسع بكثير، لا سيما لأنها كانت تُعبّر عن الإيمان المسيحي بالغات المحلية، في حين اقتصرت الكنيسة الرومانية على اللاتينية وحدها. في القرنين الرابع والخامس، كان الدوناتيون أكثر عدداً بكثير من المسيحيين الرومان، مع جماعات دوناتية في أرجاء شمال أفريقيا كلها. وكانت الدوناتية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالقومية الأمازيغية: طالما اضطهد الرومان المسيحيين، اعتنق الأمازيغ المسيحية بكثافة؛ وحين أراد الرومان إلزامهم بمسيحية رومانية، فضّلوا مسيحيةً مغايرة.

ما تلا ذلك

بعد الغزو الوندالي، حوّل مسيحيون باعهم الوندال عبيداً لقبائل نائية سادتَهم الجدد إلى المسيحية. ومن هؤلاء قبيلة الكاپراپيكتي جنوب تونس. ولعل الجذور المسيحية الأسطورية لبعض القبائل الأمازيغية، كصنهاجة الريف أو رِگراگة شمال الصويرة، تعود إلى تأثير أمثال هؤلاء الأسرى.

فتح استرداد البيزنطيين لشمال أفريقيا في القرن السادس الميلادي آفاقاً لزخم تبشيري جديد نحو داخل القارة. وقد نشر مسيحيون قادمون من طرابلس الرسالة المسيحية في واحتَي  غدامس وأوجلة. وفي عام 569م، اعتنق الغرامانت في فزّان المسيحيةَ. وفي الحقبة ذاتها، تغلغلت المسيحية جنوب الجزائر والمغرب الحاليين، إلى ما وراء حدود رومانية لم تعد قائمة.

الآثار

كانت كثير من القبائل الأمازيغية في جبال الأطلس أو السهول الساحلية للمغرب الحالي مسيحيةً. وقد ترك بعض زعماء القبائل للأجيال اللاحقة شواهد على انتمائهم للمسيحية. ففي نقش اكتُشف على طريق قسنطينة – جيجل ورد ذكر ملك الأوكوتاماني (كتامة)، الذي كان يحكم منطقة القبائل، بلقب “عبد الله”.

شاهد جرف التربة؛ الشخص على اليمين يمسك صليباً

في جرف التربة بولاية بشار الجزائرية، يضم نصب أثري شُيّد نحو أواخر القرن الخامس أو مطلع القرن السادس الميلادي سلسلةً من الشواهد، إحداها تُصوّر رجلاً يمسك صليباً بيده. (المصدر)

كذلك تحتوي الجدّدار الشهيرة، وهي ثلاثة عشر ضريحاً جنائزياً جنوب تيارت في الجزائر، على رموز مسيحية تشهد على أن بنّاءها من ملوك الأقيلود الموريين في القرن الخامس كانوا مسيحيين. (المصدر)

فضلاً عن هذه الآثار، تُوجد نقوش مسيحية أبسط حتى في واحة فگيگ وسهل سوس.

شمال إفريقيا الرومانية

الرومانسية الإفريقية: لغة لاتينية في شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

كان سكّان شمال إفريقيا في العصور القديمة—كما هو الحال اليوم—يتحدّثون عدّة لغات مختلفة. وقد سعى البونيقيون والإغريق والرومان، الذين سيطروا على المنطقة عبر مراحل تاريخية متعاقبة، إلى الإضافة والإثراء لا إلى الهدم والإلغاء؛ فعملوا على نشر لغاتهم وتعليمها دون القضاء على اللغة الأمازيغية (اللغة المحلية الأصلية). وفي حدود القرن الثالث الميلادي ظهرت في المنطقة لغة جديدة مشتقّة من اللاتينية. وقد ظلّت هذه اللغة، المعروفة باسم الرومانسية الإفريقية (roman africain)، متداولةً لقرون عدّة حتى بعد الفتوحات العربية.

نقش لاتيني من القرن الخامس الميلادي، منتدى لبدة الكبرى

كانت الشعوب الأصلية في شمال إفريقيا تتحدّث لهجات متعدّدة من تمازيغت، وكان الرومان يسمّون هذه اللغة الليبية. وكانت البونية) لغة الإمبراطورية القرطاجية القديمة (منتشرةً كذلك. وفي العصر الروماني تبنّت الجماعات الحضرية اللاتينية وبعض العادات الرومانية. لكن “الرومنة” لم تكن كاملة؛ فسكان مدن شمال إفريقيا مثل قرطاج وسيرتا لم يكونوا يتحدّثون لاتينيةً “خالصة”، بل كانوا يمزجونها بلغاتهم الموروثة. ومع مرور الزمن تشكّلت لغة جديدة: جذورها لاتينية، لكنها تضمّ كثيرًا من الكلمات والتأثيرات القادمة من الأمازيغية والبونية.

كانت اللاتينية لغة الإدارة الإمبراطورية والتعليم، كما استُخدمت أيضًا في العبادة المسيحية في المدن الكبرى. وهكذا كان الشابّ في شمال إفريقيا يتعلّم اللاتينية في المدرسة، ويستعملها في المعاملات والإجراءات الرسمية، ويتحدّث بها في الكنيسة؛ لكنه داخل الأسرة ومع الأصدقاء كان يتكلّم لاتينية دارجة/لهجية. وكلّما كانت المدينة أصغر، كانت لهجتها أبعد عن اللاتينية الكلاسيكية. أمّا في المناطق الريفية فكانت تمازيغت هي الغالبة. ومع الوقت أصبحت هذه اللاتينية الدارجة في شمال إفريقيا لغة قائمة بذاتها.

ويرى عدد من الباحثين أنّ الرومانسية الإفريقية كانت على الأرجح قريبة جدًا من اللغة السردينية، وهي لغة ما تزال تُتحدّث إلى اليوم في جزيرة سردينيا. وصورة الغلاف المذكورة في هذا المقال هي إحدى أقدم المخطوطات بالسردينية، وربما أقرب ما نملكه إلى تصورٍ عمّا كان يمكن أن يكون عليه مخطوطٌ مكتوبٌ بالرومانسية الإفريقية.

وقد صمدت الرومانسية الإفريقية بعد الفتوحات العربية في القرن السابع الميلادي، إذ كانت لا تزال تُتحدّث في القرن الثاني عشر على سواحل البحر المتوسط، وربما استمر وجودها حتى القرن الخامس عشر في بعض المناطق الداخلية المعزولة. ويُحتمل أن عددًا من الكلمات في الدارجة المغاربية وفي الأمازيغية، وخاصة أسماء الشهور، يرجع أصلها إلى الرومانسية الإفريقية. كما كان حرف v في اللاتينية يُنطق b في الرومانسية الإفريقية، وهي سمة نلاحظ أثرها إلى اليوم في الدارجة عند نطق بعض الكلمات الدخيلة من اللغات الأوروبية. وتضم صفحة ويكيبيديا الإنجليزية جدولًا لكلمات أمازيغية يُرجَّح أن أصلها روماني-إفريقي.

المسيحية في شمال افريقيا

لاكتانتيوس والتسامح الديني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يُعدّ لاكتانتيوس أحد أبرز كتّاب وخطباء شمال إفريقيا في القرن الرابع للميلاد حيث انطلقت مسيرته الفكرية في موطنه الإفريقي، قبل أن ينتهي به المطاف مستشارًا للإمبراطور الروماني قسطنطين. وقد كان لتجربته الشخصية، بوصفه مسيحيًا عايش الاضطهاد الديني في عهد أسلاف قسطنطين، أثرٌ عميق في أفكاره، إذ أسهم في توجيه سياسة أول إمبراطور مسيحي نحو إقرار مبدأ التسامح الديني بين رعايا الدولة، على اختلاف معتقداتهم، مسيحيين كانوا أم يهودًا أم وثنيين.

سيرة لاكتانتيوس

Lactance

وُلد لوسيوس كايكيليوس فيرميانوس، المعروف باسم لاكتانتيوس، نحو سنة 250م في إفريقيا الرومانية، في أسرة يُرجَّح أن أصولها أمازيغية أو بونيقية، بحسب اختلاف الروايات. ولا يُعرف على وجه اليقين موضع مولده، غير أن نقشًا وُجد في مدينة سيرتا، قسنطينة الحالية، يذكر شخصًا يحمل الاسم ذاته، دون أن يُحسم ما إذا كان المقصود به هو لاكتانتيوس نفسه.

تلقّى تعليمه في البلاغة على يد أرنوبيوس من سيكا، ولا يزال الغموض يلفّ مسألة اعتناقه المسيحية، أكان ذلك بتأثير أستاذه أم قبل لقائه به. ثم اشتغل بالتدريس في مدينته، قبل أن يستدعيه الإمبراطور دقلديانوس، حوالي سنة 300م، للتدريس في البلاط الإمبراطوري. وهناك تعرّف إلى عدد من كبار رجال الدولة، من بينهم قسطنطين، الذي سيغدو لاحقًا إمبراطورًا.

في سنة 303م، أصدر دقلديانوس مرسومًا شديدًا ضد المسيحيين، قضى بهدم أماكن عبادتهم، وإحراق كتبهم المقدسة، ومنع تجمعاتهم، وإقصاء المسيحيين العاملين في أجهزة الدولة. وكان لاكتانتيوس قد أدرك قرب صدور هذا القرار، فآثر الاستقالة من منصبه قبيل إعلانه. وخلال السنوات التالية، قُتل الآلاف من المسيحيين في مختلف أنحاء الإمبراطورية، وكان لإفريقيا نصيب وافر من تلك الاضطهادات. وقد عايش لاكتانتيوس هذه الأحداث عن قرب، وخلّف لاحقًا مؤلفًا يوثق تلك المرحلة القاسية.

تنازل دقلديانوس عن الحكم سنة 305م، وخلفه غاليريوس الذي واصل سياسة الاضطهاد، قبل أن يضطر، تحت ضغط متزايد من قسطنطين، إلى إصدار مرسوم للتسامح سنة 311م، قبل وفاته بقليل. وبذلك، أصبحت المسيحية، لأول مرة في التاريخ الروماني، ديانة معترفًا بها رسميًا.

في بلاط قسطنطين

قسطنطين

اعتنق قسطنطين المسيحية سنة 312م، غير أن اهتمامه بها سبق ذلك بسنوات، إذ اختار لاكتانتيوس، وهو مسيحي، ليكون مربّيًا لابنه منذ سنة 310م، في زمن كانت فيه الاضطهادات لا تزال قائمة. وبعد اعتناق الإمبراطور للدين الجديد، أصبح لاكتانتيوس أبرز مستشاريه في شؤون السياسة الدينية.

كان السياق الذي مارس فيه لاكتانتيوس هذه المسؤوليات بالغ الخصوصية والتعقيد؛ فالمسيحيون لم يعودوا عرضةً للاضطهاد، بل إن الإدارة الإمبراطورية نفسها باتت تميل إلى دعم الديانة الجديدة، في حين ظلّت الغالبية الساحقة من سكان الإمبراطورية وثنية. أما النخبة، على وجه الخصوص، فكانت لا تزال متشبثة بالتقاليد الدينية القديمة. في هذا الواقع المستجد، وجد الإمبراطور نفسه أمام تساؤل حاسم: كيف ينبغي أن يتعامل مع رعاياه الذين لا يشاركونه إيمانه؟ هل يسعى إلى فرض عقيدته بالقوة، فيضطهد الوثنيين كما اضطهد أسلافه الوثنيون المسيحيين من قبل؟

كان موقف لاكتانتيوس على النقيض من ذلك تمامًا، إذ نصحه بانتهاج سياسة تقوم على التسامح الديني، أساسها الطابع الاختياري للعبادة. فالإكراه، في نظره، لا يصنع مؤمنين جدد، وإنما لا يُنتج إلا نفاقًا خاليًا من الصدق.

مخطوطة المؤسسات الالهية

يعرض لاكتانتيوس تصوّره للتسامح الديني في الكتاب الخامس من مؤلَّفه «المؤسسات الإلهية». وفيما يلي مقتطفات تُجمل فكره وتلخّص موقفه: “لا ينبغي اللجوء إلى القوّة، لأن الدين لا يكون إلا حرًّا. ينبغي استعمال الكلمة بدل الضرب، حتى يقبل من يقبله عن طواعية واختيار. […] فبين القسوة والتقوى بون شاسع، إذ لا تجتمع الحقيقة والعدل مع الشدّة ولا مع العنف. […] يجب الدفاع عن الدين لا بقتل الآخرين، بل بالموت في سبيله، لا بقسوة العذاب، بل بالصبر، لا بالجرائم، بل بالإيمان. ولما كان الدين خيرًا في ذاته، فإنه لا يقبل أن يُدافَع عنه بالشر. فإذا سعيتم إلى حمايته بسفك الدماء، وممارسة القسوة، وارتكاب الجرائم، فإنكم لا تدافعون عنه، بل تنتهكون حرمته. وليس شيء أَولى بالاختيار الحرّ من الدين، إذ إنّه يفسد كلّ الفساد متى أُكره من يقدّم عبادته على غير إرادته. وأفضل وسيلة للدفاع عن الدين هي أن يموت المرء من أجله؛ فبهذا يُثبَت أمام الناس، وفي الوقت نفسه تُحفَظ الأمانة التي وُهِبت لله. […] إن الإيمان الذي نحفظه لله تعقبه مكافأة أشدّ ثباتًا وأعظم إشراقًا، لأنه لا يدوم بقدر هذه الحياة الحاضرة، وهي قصيرة، فحسب، بل بقدر الحياة الآتية، وهي أبدية.”

وينطلق هذا التصور من فهم مسيحي لله والإنسان، حيث يُدعى الإنسان إلى عبادة الله عن قناعة وصدق، لا عن خوف وإجبار. فالعبادة القسرية، في نظره، عبادة باطلة، لأن الإيمان فعل ضمير. كما اعتبر أن لجوء الوثنيين إلى اضطهاد المسيحيين دليل على خطئهم، إذ إن العنف يتنافى مع عدالة الله.

حرص قسطنطين، إلى حدٍّ كبير، على ترجمة هذه المبادئ في سياسته الدينية. فقد أكدت قوانينه وخطاباته الرسمية صدق المسيحية، دون أن تفرض عقوبات على من رفض اعتناقها. كما عوقب أولئك المسيحيون الذين استغلوا نفوذهم الجديد للإساءة إلى اليهود أو الوثنيين. ولم تكن هذه سياسة حياد ديني بالمفهوم الحديث، بل تصورًا للحرية الدينية قائمًا على الاعتراف بحق الإنسان في الخطأ.

ويجد هذا المبدأ ما يوازيه في الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ كما تجلّى عمليًا في عهد عمر بن الخطاب مع الجماعات المسيحية واليهودية في بلاد الشام، حيث ضُمنت حقوقهم الدينية في إطار الدولة الإسلامية. غير أن لاكتانتيوس يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى الدين شأنًا فرديًا خالصًا، مرتبطًا بضمير الإنسان، لا بمجرد انتمائه إلى جماعة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول حدود الحرية الدينية.

وجوب صيام رمضان: مسألة نقاش دائم في المجتمعات المغاربية

في عالمنا المعاصر، حيث يعود عدد متزايد من أبناء شمال إفريقيا المقيمين في الخارج إلى بلدانهم بسبب تصاعد التمييز ضد المسلمين في الغرب، وفي وقت تعالت فيه الأصوات المطالِبة باحترام الحريات الفردية وحرية المعتقد داخل مجتمعاتنا، تكتسب أفكار لاكتانتيوس، راهنية خاصة. فهي تقدم نموذجًا تاريخيًا بديلًا للتعايش، يقوم على قبول الاختلاف، واحترام الضمير الإنساني، في مجتمع تتعدد فيه القناعات وتتنوع فيه أنماط العيش.

شمال إفريقيا الرومانية

سلالة الغورديين: الثوار الأفارقة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

في القرن الثالث للميلاد، شهدت الإمبراطورية الرومانية أطول فترات الاضطراب في تاريخها، عُرفت بـ“الفوضى العسكرية”، حيث تنافس الضباط والقادة العسكريون على الحكم. وخلال بضعة عقود فقط، تعاقب على العرش نحو ثلاثين طامعًا في الإمبراطورية. وفي عام 238م، وهو العام الذي بلغَت فيه الأزمة ذروتها، تولّى ستة أباطرة الحكم في سنة واحدة! ثلاثة منهم، وإن لم يكونوا من أصل إفريقي، فقد كانت لهم صلات وثيقة بإفريقية، وحكموا من قرطاج.

السياق

مكسيمينوس ثراكس

بعد اغتيال سيفيروس ألكسندر، آخر أباطرة السلالة السيفيرية ذات الأصل الإفريقي سنة 235م على يد جنوده، اختارت الجيوش الرومانية ضابطًا من أصل تراقي يُدعى ماكسيمين كإمبراطور جديد. أقرّ مجلس الشيوخ هذا القرار على مضض، نظرًا لأصول ماكسيمين المتواضعة، إذ كان أول إمبراطور لا ينحدر من الطبقة الأرستقراطية الرومانية. ولتثبيت سلطته، بدأ ماكسيمين بتصفية كبار المسؤولين المقرّبين من سلفه.

إفريقية تنتفض

غورديان الأول

كان ماكسيمين إمبراطورًا مكروهًا للغاية. وفي سنة 238م اندلعت ثورة في المقاطعة الإفريقية من الإمبراطورية، بلغت من شدتها أن ملاّكي الأراضي سلّحوا عمّالهم الزراعيين. دخل الثوار مدينة تيسدروس (الجمّ بتونس حاليًا)، وقتلوا أحد الموظفين الرومانيين فيها، ثم أعلنوا غورديان، الحاكم العام لإفريقيا، إمبراطورًا بدلًا من ماكسيمين. تردد غورديان، الذي بلغ الثمانين من عمره، في قبول المنصب بسبب سنّه، لكنه وافق أخيرًا بشرط أن يشاركه ابنه الحكم، فلقّبا بـ”غورديان الأول” و”غورديان الثاني”، واتّخذا اللقب الشرفي أفريكانوس.

غورديان الثاني

بعد أيام قليلة، دخل غورديان إلى قرطاج وسط ترحيب واسع من السكان والسلطات المحلية، وأرسل رسائل إلى مجلس الشيوخ الروماني الذي اعترف به إمبراطورًا شرعيًا. لكن والي نوميديا، كابيليانوس، وكان له خصومة قديمة مع غورديان بسبب نزاع قضائي، تحالف مع ماكسيمين وغزا إفريقيا. التقى الجيشان قرب قرطاج، فقُتل غورديان الثاني في المعركة، وانتحر والده شنقًا بحزامه، لينتهي حكمهما بعد اثنين وعشرين يومًا فقط

ما بعد ذلك

غورديان الثالث

بعد فشل التمرّد الإفريقي، وجد مجلس الشيوخ نفسه في موقف حرج، إذ كان ماكسيمين متجهًا نحو روما لاستعادة عرشه، ولا أمل في رحمته بعد أن دعموا خصمه. فاختار المجلس اثنين من أعضائه، بوبينوس وبلبينوس، كإمبراطورين مشتركين. غير أن الشعب الروماني، الذي كره الأرستقراطية، استقبلهم بالاحتجاج ورشق موكبهم بالحجارة والعصي. وتحت ضغط الشارع، استدعوا الشاب غورديان الثالث، حفيد غورديان الأول وابن أخ غورديان الثاني، ليشاركهما الحكم.

وفي طريقه إلى روما، حاصر ماكسيمين مدينة أكيليا، لكن جنوده تمرّدوا عليه وقتلوه بعدما نفدت المؤن. وبعد وقت قصير، قُتل بوبينوس وبلبينوس على يد الحرس الإمبراطوري، وبقي غورديان الثالث الإمبراطور الوحيد.

المدرَّج الروماني بالجم، والمرجَّح أنّ غورديان الثالث هو الذي شَيَّده

يُعد غورديان الثالث أصغر إمبراطور في تاريخ روما، إذ لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره حين تولّى الحكم، وكان عرشه هشًّا بسبب صغر سنّه. ويُرجَّح أنه هو من أمر ببناء المدرّج الشهير في تيسدروس (الجمّ)، أكبر وأفضل مدرّجات إفريقيا الرومانية حفظًا. وفي عام 240م، تمرّد سابينيانوس، والي إفريقيا الرومانية، وأعلن نفسه إمبراطورًا في قرطاج، لكنه هُزم على يد والي موريطانيا.

قُتل غورديان الثالث سنة 244م في معركة ضد الفرس، وخلفه في الحكم فيليب العربي (244–249م)، الذي استطاع أن يعيد قدرًا من الاستقرار إلى الإمبراطورية قبل أن تعود الاضطرابات بعد وفاته.

المسيحية في شمال افريقيا, الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا

الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا: قبريانوس، أسقفُ قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

في القرون الأولى من العصر المسيحي، كانت شمال إفريقية من مدنها الكبرى العامرة بالحضارات إلى قراها النائية تربة خصبة لانتشار رسالة المسيحية. وقد برز منها ثلاثة من أعاظم شخصيات المسيحية في تلك الحقبة، وكان من بينهم قبريانوس أسقف قرطاج، أحد أعظم رجال الكنيسة في زمانه.

قبريانوس القرطاجي

وُلِدَ تاسيوس كايسيليوس قبريانوس في قرطاج نحو سنة 210م، في أسرةٍ أمازيغيةٍ ثرية. تلقّى في شبابه تعليماً في القانون، وعمل محامياً وأستاذاً في فنّ الخطابة. وكان قبل اعتناقه المسيحية عضواً بارزاً في جماعة من فقهاء قرطاج.

اعتنق المسيحية في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، وبعد تعميده باع منزله ووزّع ثمنه على الفقراء، عملاً بتعاليم الكنيسة آنذاك بشأن المؤمنين الأغنياء. تأثّر أصدقاؤه بموقفه هذا، فتعاونوا على شراء المنزل وإهدائه له من جديد.

بعد عامين من تحوّله، نحو سنة 248م، تُوفِّي أسقف قرطاج، فاختير قبريانوس لخلافته. رفض في البداية متواضعاً، لكنه قبل بعد إلحاح. ورغم شعبيته، فإنّ رجال الدين في قرطاج لم يرضوا بتولية رجلٍ حديث العهد بالمسيحية، فعارضوه طيلة فترة أسقفيته، غير أنّه أصبح مع ذلك من أبرز أساقفة زمانه.

وبعد تولّيه بفترة قصيرة، اندلعت حملة اضطهاد جديدة بأمر الإمبراطور ديسيوس، الذي فرض على جميع الرعايا تقديم القرابين لآلهة الرومان، ملوِّحاً للمسيحيين بين خيارين: الارتداد أو الاستشهاد. فاختبأ قبريانوس، لكنه واصل تشجيع أتباعه عبر الرسائل. وعندما اتُّهم بالجبن، دافع عن نفسه قائلاً إنه لم يهرب خوفاً على حياته، بل ليبقى راعياً لجماعته في زمن المحنة.

عقب كل موجة اضطهاد، واجهت الكنيسة معضلةً شائكة: كيف تتعامل مع اللابسِي، أي أولئك الذين ضعفوا أمام التهديد فأنكروا عقيدتهم ثم ندموا وسعوا إلى العودة؟ فدعا قبريانوس إلى مجمعٍ يضم أساقفة إفريقيا الرومانية للبتّ في الأمر. وبعد نقاشٍ بين المتساهلين الذين أرادوا قبولهم فور توبتهم، والمتشددين الذين رفضوا إعادتهم، تقرّر أن يخضع كل واحدٍ منهم لفترة توبةٍ محدّدة تُراعَى فيها ظروفه، بإشراف الأسقف. وأوصى قبريانوس بالتفريق بين من أنكر خوفاً على نفسه أو أهله، وبين من قدّم القرابين للآلهة طوعاً دون إكراه. كما قرّر المجمع أن العائدين إلى الكنيسة لا يمكنهم تولي أي منصبٍ ديني بعد ذلك.

وفي تلك الفترة ظهرت جماعاتٌ من المسيحيين خالفت قبريانوس في هذه القضايا وغيرها، فانفصلت عن الكنيسة الرسمية. وقد رأى قبريانوس في ذلك خروجاً على وحدة الكنيسة، وكتب في مؤلَّفه في وحدة الكنيسة: «لا يستطيع أحدٌ أن يكون للرب أب ما لم تكن الكنيسة أمَّه». ولهذا كان يصرّ على إعادة تعميد من يعود من الكنائس المنفصلة، معتبراً أن المعموديات التي جرت خارج الكنيسة الرسمية باطلة. ودخل بسبب ذلك في خلافٍ مع أسقف روما استيفانوس، الذي كان يرى أنّ أولئك قد نالوا المعمودية بالفعل ولا حاجة لإعادتها. تمسّك قبريانوس بموقفه دفاعاً عن مبادئه ورفضاً لتدخّل أسقف آخر في شؤون إقليمه.

استند قبريانوس في آرائه إلى مفهومه الخاص للكنيسة، بوصفها مؤسسة مقدّسة أسّسها المسيح، لا يجوز الانفصال عنها دون أن يستوجب ذلك سخط الرب. ولم يفرّق بين الكنيسة الجامعة التي تضم المؤمنين جميعاً، والكنيسة المؤسسية التي تُدار بواسطة الأساقفة. وقد أصبحت رؤيته هذه أساساً من أسس اللاهوت الكاثوليكي اللاحق.

كان لقبريانوس أيضاً أثر كبير في تنظيم الكنيسة وتثبيت هياكلها الإدارية، إذ حوّلها من جماعات بسيطة يعتمد أفرادها على العطاء الطوعي إلى مؤسسةٍ ذات نظام هرمي وإدارةٍ مستوحاةٍ من النظم الرومانية، يتصدرها الأسقف ممثلاً للمسيح. ومع ذلك، ظلّ متمسّكاً باستقلال كل كنيسةٍ محلية، مؤكداً أنّ الأساقفة جميعاً متساوون في المقام، ولا سلطة لأحدٍ على الآخر، حتى أسقف قرطاج نفسه. ويُظهر خلافه مع أسقف روما أنه رفض فكرة وجود “أسقفٍ أعظم” للكنيسة كلها.

وأثناء فترة أسقفيته، ضرب الطاعون مدينة قرطاج والإمبراطورية بأسرها، فبادر قبريانوس ومجتمعه إلى رعاية المرضى، سواء كانوا مسيحيين أم غير ذلك. وكتب مؤلفاً بعنوان عن الموت، حاول فيه تفسير سبب السماح الإلهي بمثل هذه الأوبئة. وسلوكه في تلك المحنة زاد من مكانته بين الناس.

كنيسة القديس قبريانوس بقرطاج، شُيِّدت في الموضع الذي استُشهِد فيه

وفي أواخر سنة 256م، تجدّدت الاضطهادات. مثل قبريانوس أمام الحاكم الروماني ورفض أن يقدّم القرابين للأصنام، فنُفِيَ إلى مدينة كوربيس (قُربا الحالية)، حيث واصل مراسلة أتباعه. وبعد عامٍ أُعيد إلى قرطاج ووُضع تحت الإقامة الجبرية، ثم أُعدم بقطع الرأس في الرابع عشر من سبتمبر سنة 258م، أمام جمعٍ من الناس الذين شهدوا مقتله. وقد ورد أنه أوصى قبل موته بإعطاء خمسٍ وعشرين قطعةٍ ذهبيةٍ للجلّاد الذي نفّذ الحكم.

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

ملك نوميدي في اليونان: تمثال لهيمبسال في رودس

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

كان الملوك القدماء للنوميديين يحافظون على صلات وثيقة باليونان القديمة، ولا سيما في عهد ماسينيسا. وبعد قرن تقريبًا من وفاة ماسينيسا، أقام أهل جزيرة رودس اليونانية تمثالًا لأحد أحفاده، الملك النوميدي هيمبسال الثاني.

جزيرة رودس

تُعَدّ رودس من كبريات جزر اليونان. وفي العصر الهلنستي كانت مملكة مستقلة وحليفة لروما. وكان “كولوسوس رودس”، وهو تمثال مهيب بعلو ثلاثين مترًا، أعظم تماثيل العالم القديم وإحدى عجائبه السبع. كما كانت رودس تسيطر على تجارة الحبوب في شرقي البحر المتوسّط.

إن الروابط الثقافية والتجارية بين نوميديا واليونان معروفة. ففي عهد ماسينيسا، زوّدت نوميديا جزيرة “ديلوس” اليونانية بالقمح مجّانًا. وبُني تكريمًا له نصبٌ تذكاري هناك. كما أن ماستانابال، أحد أبناء ماسينيسا، تابع دراسته في اليونان وفاز بسباق العربات في ألعاب عموم أثينا (باناثيناك). وشارك ماسينيسا نفسه في حرب حلفائه الرومان ضد مملكة مقدونيا، مُسهِمًا في إخضاع اليونان للحكم الروماني. غير أنّ وجود تمثال متأخر لملك نوميدي في أرض اليونان يبقى أمرًا يثير الدهشة.

نقش يخلِّد ذكر هيمبسال في رودس (المصدر)

في سنة 1969، وُجد في المدينة القديمة لرودس نقش يذكر الملك هيمبسال الثاني، الحفيد الأكبر لماسينيسا، والذي حكم ما بين 88 و60 قبل الميلاد تقريبًا. ويُرجَّح أن ذلك النقش كان قاعدة لتمثال هيمبسال الثاني. أما المناسبة التي دفعت الرودسيين إلى تشييد هذا التمثال فتبقى مجهولة.

وما يميّز هذه القاعدة أنها النقش الوحيد المعروف خارج العالم الروماني الذي يُكرّم هيمبسال الثاني. كما أنها تسجّل سلالة الملك كاملة، من ماسينيسا وصولًا إليه، مما يسمح باستكمال وتصحيح معرفتنا بتاريخ العائلة الملكية النوميدية.

المثير للانتباه كذلك هو طريقة نقل أسماء الملوك النوميديين في هذا النقش إلى اليونانية. فاسم هيمبسال نُقل “Ίυμψύα” إيومبسوا، وهي صيغة بعيدة كل البعد عن الشكل الشائع عند المؤرخين اليونانيين “Ίεμφάλ”إيمبسال. أما اسم والده، غاودا، فقد نُقل “Γάος” غاوس، بدلًا من الصيغة المألوفة “Γαύδας” غاوداس.

سالّوست

وأخيرًا، فإن اكتشاف هذا النقش يثير مسألة أخرى. فالمؤرخ الروماني سالّوست، صاحب كتاب حرب يوغرطة، استند في تدوين أخبار نوميديا القديمة إلى كتابات مؤلَّف منسوب إلى “هيمبسال”. ويُعتقد عادة أنه هيمبسال الأول، حفيد ماسينيسا وابن عم يوغرطة الذي قضى عليه. غير أن كون هيمبسال الثاني قد أقام صلات وثيقة مع رودس، هذا المركز الثقافي البارز، إلى درجة أن الرودسيين أقاموا له تمثالًا، يوحي باحتمال أن يكون هو، لا غيره، صاحب المؤلفات التاريخية التي اعتمدها سالّوست.

المصدر