Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English – Español
ترجمة إبراهيم مراريش
عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، تكاد تلتصق قارتا إفريقيا وأوروبا ببعضهما، حيث لا يفصل بينهما سوى بضع أميال، وتُفرق بين اليابستين فتحة صغيرة تسمى “مضيق جبل طارق”، والتي عُرفت قديما بـ”أعمدة هرقل”. وحسب الأساطير، كانت القارتان تشكلان جزءا من قارة واحدة إلى أن قام البطل هرقل بتقسيمها. كما شكل هذا المضيق في العصور القديمة نقطة وصل لا فصل. سنكتشف من خلال هذا المقال تاريخ المدن الكائنة في مضيق جبل طارق.
من الأسطورة…

خلال العصور القديمة، كان الناس يعتقدون أن العالم عبارة عن قرص مسطح، وأن موريطنية وإسبانيا هما آخر الأراضي المأهولة، وأن مضيق جبل طارق هو آخر بقعة في المعمورة. أما “أعمدة هرقل”، أي الجبلان الموجودان على طرفي المضيق – والذي يرجح أنهما صخرة جبل طارق على الشمال وجبل موسى على الجنوب – فقد كانا للمسافرين علامة تبلغهم بوصولهم إلى أقصى العالم المعلوم. وتعتبر مغارة هرقل التي كان يمضي ليالي أسفاره فيها، والموجودة بالقرب من طنجة، وجهة سياحية مشهورة.
لعبت مدن هذا المضيق دور حماة العالم المتحضر بفضل موقعها. وكان اليونانيون منبهرين بهذه المدن البعيدة، فجعلوها موضوع لبعض أساطيرهم، كما مزجوها ببعض الأساطير الأمازيغية المحلية. وحسب إحدى أساطيرهم، فقد قام صيفاقس ابن هرقل بتأسيس طنجيس (طنجة) وسماها على والدته بنت الملك الموريطني أطلس. فوفقا لبعض المصادر، كانت حديقة هيسبيريديس موجودة في ليكسوس، وهي نفس الحديقة التي قصدها هرقل بحثا عن التفاح الذهبي الشهير. وتحتوي أنقاض مدينة ليكسوس – القريبة من العرائش الحديثة – على العديد من الرسوم الجدرانية التي تصور مشاهدا أسطورية.
… إلى التاريخ

تعتبر مدينة طنجيس أقدم مدينة أسسها التجار الفينيقيون في هذا المضيق، و ذلك حوالي القرن الثامن. ويعود أصل هذا الاسم إلى الكلمة الأمازيغية “تينجيت”، والتي تعني الكتلة المائية. وبفضل موقعها الاستراتيجي، تحولت طنجيس بسرعة إلى مرفأ حيوي ومهم لطرق التجارة الفينيقية. البحارة والتجار : المستعمرات الفينيقية في شمال أفريقيا في كل من ليكسوس (العرائش)، وأبيلا (سبتة)، وروسادير (مليلية)، وأخرى على امتداد الساحل الجنوبي الأطلسي.

أُسست مستعمرة فينيقية أخرى مقابل مدينة طنجة على الجانب الإسباني من المضيق. وقبل ذلك، كان الموقع بمثابة ميناء موسمي دون شك، غير أن أول من وطأت أقدامهم تلك الأرض وسكنوا بها في القرن السابع كانوا كانوا قرطاجيي الأصل على الأرجح. وتجدر الإشارة إلى أن اسمي المدينة الفينيقية “كادير” ومدينة “أكادير” الساحلية التي أسسها الفينيقيون لهما نفس الجذر اللغوي، ثم تحول اسم المدينة “غادس”الروماني الأصل إلى “غاديكس” ومن ثم إلى “قادس”. واشتهرت المدينة بوجود معبد الإله الفينيقي ملقرت فيها، والذي عرف بين اليونانيين والرومان بهرقل.
وخلال القرن السابع، تولى القرطاجيون السيطرة على المستعمرات الفينيقية الموجودة حول المضيق. وإضافة إلى قرطاج ولبدة الكبرى، مثلت طنجيس أحد أهم المرافئ في الامبراطورية القرطاجية. كما تبوأت كادير مكانة المدينة القرطاجية الرئيسية في إسبانيا، وذلك حتى تأسيس قرطاج الجديدة (قرطاخنة). من المحتمل أن بعثات المستكشفين القرطاجيين العظماء غادرت من طنجيس وكدير. وإذا امتد وجود الفينيقيين جنوبا إلى أن بلغوا أكادير، فإن نفوذ القرطاجيين لم يتعدى مدينة ليكسوس.
لعبت مدن المضيق دورا متواضعا خلال الحروب البونيقية: فقد هاجم الرومان إفريقيا من صقلية. فقبل شن حملته العسكرية على إيطاليا، قدم هانيبال قربانا لملقرت/هرقل في معبد كادير.
أما بعد الحرب البونيقية الثانية، فقد ضُمت مدن شمال إفريقيا إلىمملكة موريطنية،غيرأن طنجيس حافظت على تراثها البونيقي، واستمرت بسك القطع النقدية البرونزية بنقوش بونيقية. وفي تلك الفترة، قام الملك باغا بتأسيس مدينة تمودة (تطوان).
بلغت مدينة ليكسوس أوج ازدهارها تحت حكم الملك الموريطاني يوبا الثاني، وأصبحت مركزا اقتصاديا كبيرا بفضل منشآتها الصناعية، والتي تُعتبر الأكبر من نوعها في الحوض المتوسطي. كما اعتمد اقتصاد المدينة في معظمه على صيد السمك وزراعة العنب.
وبعد ضمها إلى الإمبراطورية الرومانية، أمست مدينة طنجيس عاصمة لمنطقة موريطنية الطنجية. فنمت المدينة واتسع نفوذها، وفاق حجمها عاصمة موريطنية التاريخية وليلي.

إضافة إلى طنجيس، أصبحت كل من ليكسوس وأبيلا (التي سميت لاحقا بسبتة) وروسادير مستعمرات رومانية. وكانت هذه المدن قد تأثرت بالحضارة الرومانية تأثرا شديدا، بينما أكنّت باقي المناطق الموريطنية العداوة للحكم الروماني. وفيما يخص نشاطها الاقتصادي، فقد تخصصت هذه المنطقة في بيع السمك المملح، لاسيما مدينة سبتة.
وعلاوة على ذلك، فقد برزت كل من طنجيس وليكسوس كمركزين رئيسيين للمسيحية في موريطنية الطنجية. وفي أواخر القرن الثالث، كان الشهداء الموريطانيون المسيحيون قد قُتلوا في طنجيس. وحتى هذه اللحظة يمكننا أن نشاهد أنقاض الكنيسة السابقة في ليكسوس.
وفي القرن الخامس، قام الوندال الذين كانوا قبل ذلك في إسبانيا بعبور مضيق جبل طارق واحتلال شمال إفريقيا. وبعد مرور بضعة قرون، عبر جيش المور المسلمين المضيق من الاتجاه المعاكس لغزو إسبانيا. ويعود الاسم الحديث لـ”جيبرالتار” إلى “جبل طارق”، وذلك نسبة إلى طارق ابن زياد قائد الجيش الأموي في إسبانيا. ومنذ ذلك الزمن السحيق، دخل كل الغزاة المتعاقبين عبر ميناء طنجة، وصولا إلى المستعمرين الأوربيين في العصر الحديث. وتشهد مدينتا سبتة ومليلية على هذا التاريخ المتداخل للمنطقة الواقعة بين قارتين، فهما آخر ما تبقى من الوجود الإسباني في شمال إفريقيا.
وجدير بالذكر أنه قبل زمن طويل من بروز طنجة كحاضرة دولية في القرن العشرين، ما فتئت مدن المضيق تُعرف دوما بتعدد روافدها وتنوع مشاربها، كونها مرافئ تجارية منفتحة على العالم. وعلى مر القرون، استقبلت هذه المدن العديد من اللاجئين الهاربين من الاضطهاد على ضفتي المضيق: المسيحيون الكاثوليكيون الذين أخرجهم الوندال، والمسلمون واليهود الذين طُردوا من إسبانيا، والناشطون المناهضون للاستعمار كذلك. ولهذا، يعد هذا الموقع الاستراتيجي المكون الأساسي الذي تشكلت حوله هوية هذه المدن الفريدة: فهي مدن أفريقية قريبة من أوروبا، مُزينة بتعددها الثقافي تنوعها الحضاري، ومُميزة بقيم التسامح والتعايش.
