Ce site présente l'histoire de l'Afrique du Nord avant les conquêtes arabes – This website presents the history of North Africa before the Arab conquests – يعرض هذا الموقع تاريخ شمال إفريقيا قبل الفتوحات العربية
بحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت، كلّف الفرعون المصري نكاو الثاني (610-594 ق.م.) بعثةً من البحارة الفينيقيين، بهدف استكشاف السواحل الإفريقية. وخلال ثلاث سنوات، يُقال إن هذه البعثة دارت حول القارة الإفريقية، في أول رحلة من نوعها في التاريخ.
تمثال برونزي لنكاو الثاني
كان نكاو الثاني فرعونًا من الأسرة السادسة والعشرين، وقد أعاد السيادة المصرية بعد فترة من الهيمنة الأجنبية. وخلال فترة حكمه، سعى نكاو إلى استعادة عظمة مصر الماضية. وقاد خصوصًا حملة عسكرية في سوريا، بهدف زيادة النفوذ المصري في الشرق الأوسط. ويذكر الكتاب المقدس أنه هزم وقتل الملك يوشيا ملك يهوذا. كما أمر ببناء قناة تربط النيل بالبحر الأحمر. وأخيرًا، وفي وقت كان فيه المصريون القدماء ينظرون بحذر إلى البحر، أنشأ أسطولًا مصريًا من خلال تجنيد لاجئين يونانيين.
وفي مرحلة ما من عهده، جنّد نكاو ملاحين فينيقيين، بهدف استكشاف السواحل الإفريقية. وبحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت، فقد مرّوا عبر البحر الأحمر، ثم نزلوا بمحاذاة الساحل الإفريقي الشرقي حتى رأس الرجاء الصالح، قبل أن يصعدوا بمحاذاة الساحل حتى أعمدة هرقل ومصبّ النيل، وكانوا يتوقفون كل عام في الخريف لزرع محصول وحصاده قبل مواصلة الرحلة. وهكذا، يكونون قد داروا حول إفريقيا خلال ثلاث سنوات.
–
–
خريطة العالم بحسب هيرودوت: إفريقيا محاطة بالكامل بالمحيط
خريطة العالم بحسب بطليموس: إفريقيا متصلة بآسيا من الجنوب
كان رواية هيرودوت موضع جدل منذ العصور القديمة. فقد شكك الجغرافيان الرومانيان إسطرابون وبطليموس فيها، في حين يؤكد بلينيوس الأكبر، الذي استلهم على الأرجح رواية هيرودوت، أن حانون الملاح هو الذي دار حول إفريقيا. وترتبط هذه المسألة بجدل بين الجغرافيين: فبينما كان هيرودوت يعتقد أن إفريقيا محاطة بالكامل بالمحيط، باستثناء منطقة قناة السويس، كان الجغرافيون الرومان في العصور اللاحقة يعتقدون أن القارة الإفريقية متصلة بآسيا من الجنوب، وهو ما كان سيجعل مثل هذه الرحلة مستحيلة.
ولا يزال المؤرخون المعاصرون مختلفين حول مدى مصداقية هذه الرواية. ويرى مؤيدو تاريخية هذه البعثة أن مدة الرحلة، وهي ثلاث سنوات، تبدو واقعية بالنسبة إلى رحلة حول إفريقيا باستخدام وسائل الملاحة المتاحة في ذلك العصر. أما المشككون، فيشككون خصوصًا في إمكانية عبور البعثة للتيارات البحرية القوية على السواحل الإفريقية الغربية.
سفينة على الساحل الإفريقي الشرقي، والشمس إلى يمينها
لكن هناك عنصرًا يدعم بقوة مصداقية هذه البعثة: يذكر هيرودوت أن الفينيقيين قالوا إنهم كانوا يرون الشمس إلى يمينهم أثناء رحلتهم، وهو تصريح شكك فيه لأنه، وفقًا للمعارف الجغرافية في ذلك العصر، كان ينبغي أن يروا الشمس إلى يسارهم. أما اليوم، فنحن نعلم أن الملاحين على السواحل الإفريقية، جنوب خط الاستواء، يرون بالفعل الشمس إلى يمينهم. وهذا لا يثبت أنهم داروا فعلًا حول إفريقيا بأكملها، لكنه يدل على أنهم وصلوا على الأقل إلى جنوب خط الاستواء.
يُعرَف الزعفران بلونه الأحمر وطعمه القوي، وهو من أشهر التوابل في شمال إفريقيا. وبما أنّه يُزرع ويُقطف كلّه يدويًا، فهو أغلى التوابل في العالم، ولذلك يُلقَّب بـ”الذهب الأحمر”. أصله من إيران، وقد أدخله الفينيقيون إلى شمال إفريقيا. واليوم يُعَدّ الزعفران المغربي، وخاصةً زعفران تالوين، من أجود الأنواع في العالم. وله حضور مهم في المطبخ المغربي التقليدي، إذ يمنح الكسكس والطاجين والحلويات لونًا ذهبيًا ورائحةً لطيفة.
يُستخرج الزعفران من زهرة تُعرَف باسم زهرة الزعفران. للحصول على التابل، تُنتَزع خيوطها الحمراء (المياسم) وتجفَّف بعناية.
وتتم عملية الجني تقليديًا باليد. وعند حلول الموسم، ما بين أكتوبر وديسمبر، يخرج الفلاحون—غالبًا النساء—مع بزوغ الفجر لقطف الأزهار قبل أن تتفتح بالكامل تحت أشعة الشمس، حفاظًا على جودة المياسم. ثم تُنتزَع المياسم الثلاثة لكل زهرة يدويًا، وتُجفَّف في الشمس ثلاثة إلى خمسة أيام. وتفقد المياسم نحو 80% من حجمها عند التجفيف: فمئة غرام من المياسم الطازجة تعطي نحو 20 غرامًا فقط من الزعفران الجاف. وبعد ذلك، يُحفَظ الزعفران بعيدًا عن الضوء والحرارة للحفاظ على جودته.
وفي المغرب، يتراوح سعر الغرام بين 35 و175 درهمًا، حسب الجودة. ويُعزى غلاؤه إلى طول عملية إنتاجه وصعوبتها: فإنتاج كيلوغرام واحد فقط من الزعفران قد يتطلب ما يصل إلى 40 ساعة من العمل اليدوي المرهق! كما أن الجزء المستعمل من النبتة هو فقط المياسم. ومع احتساب تقلّص حجمها بعد التجفيف، قد تحتاج من 150 إلى 200 زهرة للحصول على غرام واحد فقط من الزعفران الجاف.
يرجّح أن زهرة الزعفران ذات أصل يوناني، ربما من جزيرة كريت. ويُعتبر نوع من الزعافر يُسمّى Crocus cartwrightianus، المنتشر اليوم في اليونان، السلفَ الأقرب لزهرة الزعفران المستعملة حاليًا.
امرأة تجمع الزعفران، جدارية مينوية، كأنثيرا (سانتوريني)
وقد دُجِّنت هذه النبتة قبل نحو 3500 سنة على يد الحضارة المينوية في كريت. وتعود أقدم الرسوم التي تمثل الزعفران إلى القرن 16 أو 17 قبل الميلاد، في جداريات مينوية من كنوسوس وكأنثيرا (سانتوريني).
ومن اليونان، انتشر الزعفران في الشرق الأدنى، ثم في آسيا وصولًا إلى الهند. أما السومريون فكانوا يجمعون أزهار الزعفران البري، في حين كان الفراعنة يستوردون الزعفران من اليونان.
في تلك الحقبة القديمة، كان الإنسان يستخدم فقط زهرة الزعفران نفسها، دون أن يعرف بعد طريقة استخراج التابل منها. ولم يبدأ إنتاج الزعفران بوصفه تابلًا قائمًا على تجفيف مياسم الزهرة إلا في فترة متأخرة، حوالي سنة 1500 قبل الميلاد، في منطقة إيران الحالية، وربما بالتحديد في إقليم خراسان. ومع مرور الزمن، أصبح الزعفران شائعًا إلى درجة كبيرة داخل الإمبراطورية الفارسية القديمة، حتى غدا من أبرز المنتجات المرتبطة بالهوية الفارسية منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا. أمّا اسمه بالفارسية، «زَعْفَرَان»، فهو مشتق من الكلمة الأقدم «زَرپَرَان» التي تعني حرفيًا: “ذات الريش الذهبي”.
ونقله الفينيقيون عبر سفنهم التجارية إلى مختلف أنحاء المتوسط، ومنها إلى سواحل شمال إفريقيا، وخصوصًا قرطاج.
الاستخدام
كان الإغريق في العصر المينوي يستعملون الزعفران كعطر، وكمنتج تجميلي، وكذلك لصباغة الأقمشة، ولا يوجد ما يدلّ على أنهم استخدموه في الطبخ آنذاك. غير أنّ الأمر تغيّر لاحقًا، إذ أصبح الإغريق في العصر الكلاسيكي (القرنان الخامس والرابع قبل الميلاد) يستعملون الزعفران كتابل في الطعام، كما كانوا يضيفونه لتطييب النبيذ وتعطيره.
السومريون استعملوا الزعفران البري لصنع الأدوية والجرعات السحرية. أما الفينيقيون فطوّروا منه زيوتًا عطرية.
كان العبرانيون القدماء يستعملون الزعفران ضمن مكوّنات البخور الذي كان يُحرَق في هيكل القدس. ويصل ذكر الزعفران حتى إلى الكتاب المقدس، إذ يرد اسمه في «نشيد الأنشاد» المنسوب إلى النبي سليمان.
وفي مصر القديمة، حيث لم يكن يُزرَع بل يُستورد من اليونان، كان يُعتبَر منتجًا فاخرًا يُستخدم في صناعة العطور ومساحيق التجميل. كما استعمله الأطباء، وكان له حضور في بعض الطقوس الدينية. ولونه الذهبي كان يرمز لإله الشمس رع.
إنتاج الزعفران واستعماله في العصور الفارسية القديمة – صورة مُنشأة بواسطة Stable Diffusion Web
أما في الإمبراطورية الفارسية، فقد تنوّعت استخداماته كثيرًا. ففي المطبخ، استُخدم لتنكيه الأرز واللحوم وصنع الحلويات. وصُنعت منه عطور، ومواد تجميل، وأصباغ للشعر. وكان الملك داريوش يشتهر باستحمامه بالحليب الممزوج بالزعفران لتنعيم بشرته وتعطير جسده. كما اكتشفت الطبابة الفارسية مزاياه الصحية.
رهبان بوذيون يرتدون أردية بلون الزعفران
ومع أنّ استعمال الزعفران في الطقوس الدينية داخل المعابد كان موجودًا على الأرجح منذ فترات أقدم، فإنّه اكتسب مكانة خاصة في الديانة الرسمية للإمبراطورية الفارسية. فقد استخدمه الفرس القدماء قرابين لآلهتهم، كما استعملوه في مختلف المناسبات والاحتفالات، مثل عيد النوروز (رأس السنة الفارسية)، وكذلك في مراسم دفن موتاهم. وكان الكهنة يوظفونه في معابد النار ضمن الطقوس الدينية. كما كانت ملابسهم الطقسية تُصبغ بالزعفران، فتأخذ لونًا أصفر مائلًا إلى البرتقالي الزاهي، وهو لون كان يرمز إلى القداسة والطهارة والازدهار. ولا تزال هذه الدلالات حاضرة إلى اليوم في التقاليد البوذية والهندوسية والسيخية.
في قرطاج، كان القماش الأرجواني، وهو النسيج الرمزي للمدينة، يُمزَج أحيانًا بصبغة الزعفران.
كليوباترا تستحم بالزعفران – صورة مُنشأة بواسطة ChatGPT
كانت الملكة كليوباترا ملكة مصر مشهورة بحمّاماتها بالزعفران، حيث كانت تنقعه في الماء أو في حليب الفرس (حليب الفرسة) لاستخدامه في العناية ببشرتها وتحسين نضارة لونها. كما كانت تُقدّر خصائصه المنسوبة إلى زيادة الرغبة، ويُقال إنها كانت تستحم بالزعفران قبل لقاء أحد عشّاقها لتعزيز جاذبيتها وإثارة الشهوة.
في العالم الروماني، كان الزعفران يُعَدّ منتجًا فاخرًا يرمز إلى الثراء والبذخ. وكانت النخبة الرومانية تستخدمه في الطهي، وكذلك لتعطير الحمّامات والنبيذ. كما كان الرومان يستوردون كميات كبيرة من الزعفران لاستعماله في تعطير الأماكن العامة، مثل الحمّامات والمسارح.
زراعة الزعفران اليوم
أنواع مختلفة من الزعفران
لا يزال إيران المنتج الأول عالميًا للزعفران، بما يزيد عن 90% من الإنتاج العالمي، خصوصًا في خراسان. وتأتي أفغانستان في المرتبة الثانية (3–5%)، حيث يُروَّج للزعفران كبديل شرعي عن الأفيون. ثم الهند (نحو 2%) في كشمير. (المصدر)
بعد هذه الدول الآسيوية الثلاث، التي تمثّل وحدها أكثر من 95٪ من الإنتاج العالمي، تأتي ثلاث دول متوسطية—إسبانيا واليونان والمغرب—إذ يُنتج كلٌّ منها نحو 1٪ من الإنتاج العالمي للزعفران. وفي المغرب، يتركّز هذا الإنتاج أساسًا في الأطلس الكبير، ولا سيّما في محيط الجماعتين القرويتين تالوين (إقليم تارودانت) وتازناخت (إقليم ورزازات). (المصدر)
شيباكية مغربية
وعلى الرغم من أنّ إنتاج الزعفران في المغرب يبقى محدودًا على المستوى العالمي، فإنّ الزعفران المغربي مشهور بجودته العالية. فهو غالبًا ما يكون أفتح لونًا وأقلّ حدّة في النكهة، مع طعمٍ أكثر رقّة وزهريّة مقارنة بالزعفران الإيراني، مما يمنحه خصوصيةً مميّزة وتجربةً نكهية أكثر دقّةً ولطافة. (المصدر) ويُستخدم الزعفران المغربي على نطاق واسع في المطبخ المغربي، إذ يدخل ضمن مكوّنات العديد من الحلويات التقليدية، مثل البريوات والشيباكية.
كثير من النباتات والثمار التي نراها اليوم جزءًا من المشاهد الطبيعية في شمال إفريقيا ليست في الأصل من هذه المنطقة، بل أدخلها الفينيقيون على سفنهم قبل ثلاثة آلاف سنة. وإلى جانب الزيتون والكرمة، اللّذين سبق أن تحدّثنا عنهما، نعرِض اليومَ مُساهَمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِلفينيقيّين في إنتاجِنَا الزراعي في منطقتنا: التين والرمان.
التين: فاكهة الجنة
يُعدّ التين من أقدم الأشجار المثمرة التي دجّنها الإنسان، ويُرجَّح أن موطنه الأصلي هو آسيا الوسطى. ويعود تاريخ تدجين شجرة التين إلى نحو 4500 قبل الميلاد، أي قبل تدجين الزيتون بزمن طويل. وقد بدأت زراعة التين في الشرق الأوسط، المنطقة التي ظهرت فيها لأول مرة الزراعة المستقرة في ما يُعرف بـ الهلال الخصيب.
وكان التين من أفضل الأشجار المرشّحة للتدجين، إذ يُعدّ من أسهل الأشجار المثمرة استنباتًا: فالحصول على شجرة جديدة يمكن أن يتم بزرع بذرة، أو بغرس فرع مقتطع من شجرة التين، أو حتى بقطعة من الثمرة نفسها. كما أنّ شجرة التين شديدة التحمّل للحر والبرد، ما يجعلها قادرة على النمو في بيئات مناخية متنوعة. وتنتج الشجرة حتى ثلاث غلال في السنة.
انتشرت شجرة التين في كامل حوض البحر المتوسط بفضل التجار الفينيقيين. وفي شمال إفريقيا، بدأت زراعته في قرطاج وسائر المستعمرات الفينيقية. ومع مرور القرون، تأقلم هذا الوافد الجديد بشكل ممتاز مع بيئته الجديدة، حتى أصبح اليوم من أكثر الأشجار المثمرة انتشارًا في المنطقة. وقد ورد في أحد الأحاديث أن التين فاكهة من فواكه الجنة.
الرمان: التفاحة البونيقية
زهرة شجرة الرمان
الرمان شجرة موطنها الأصلي هو إيران الحالية، وقد زُرعت هناك منذ نحو 5000 سنة. وفي الإمبراطورية الفارسية، كانت زهرة الرمان تُعد رمزًا مقدسًا، يدلّ على الوفرة والخصب والملوكية.
ومن موطنه هذا، انتقلت زراعة الرمان إلى الشرق الأوسط كلّه، وصولًا إلى فينيقيا. وكما فعلوا مع الزيتون والكرمة والتين، كان الفينيقيون هم الذين نشروا شجرة الرمان في أرجاء البحر المتوسط عبر شبكتهم التجارية وإمبراطوريتهم الاستعمارية.
وفي العصر الروماني، ارتبط الرمان بقوة بمدينة قرطاج، حتى إن الرومان كانوا يسمّونه Malum punicum أي التفاحة البونيقية. أما اسمه الفرنسي (grenade) فيرتبط بمملكة غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس. أما اسمه العربي رمان، فيعود إلى جذر سامي يدل على معنى الرفعة والعلو.
وتُعد دول شمال إفريقيا اليوم من كبار منتجي الرمان. وفي سنة 1986، أهدت تونس للصين شتلات من صنف محلي ذي بذور ليّنة، وقد لقي رواجًا كبيرًا في السوق الصينية.
وماذا عن التين الشوكي؟ هذا الصبار الغريب ذو الثمار المحبوبة جدًا في شمال إفريقيا قادم من مكان أبعد بكثير: فموطنه الأصلي صحراء المكسيك. ولم يكن معروفًا في العالم القديم قبل اكتشاف أمريكا، ثم أُدخل بعد ذلك إلى حوض البحر المتوسط وانتشر بسرعة كبيرة.
ويكثر وجوده خاصة في المناطق شبه الصحراوية من شمال إفريقيا، حتى إنه في الفترة الاستعمارية كان يُسمّى “التين البربري” (نسبة إلى بلاد الأمازيغ). أما في الدارجة، فيسمّى “كرموص النصارى”، أي تين النصارى، وهو اسم يحتفظ بشيء من أصله البعيد.
تنحدر أشجار النخيل من مناطق صحراء الجزيرة العربية، وقد زُرعت التمور في الشرق الأوسط والهند منذ آلاف السنين. أما في شمال إفريقيا، فإن وصولها كان أحدث نسبياً: فقد دخلت نخلة التمر إلى مصر منذ حوالي 6000 سنة، ثم إلى ليبيا منذ حوالي 3000 سنة. ومع انتشارها في المنطقة، حدث تزاوج بين نخلة التمر العربية ونوع بري محلي، ما أدى إلى ظهور نخيل التمر شمال الإفريقي. وإذا لم يكن الفينيقيون هم أصل زراعة التمر في شمال إفريقيا، فإنهم لعبوا على الأرجح دوراً مهماً في نشره.
نخيل التمر هو نوع من النخيل، أصله من الجزيرة العربية ووادي السند. وبفضل جذوره العميقة التي تسمح له بالوصول إلى المياه الجوفية التي لا تصل إليها النباتات الأخرى، إضافة إلى قدرته على تحمل الحرارة العالية، فهو مُكيَّف بشكل مثالي للحياة في المناطق الصحراوية. أما ثمرته الحلوة طبيعياً، فهي من أبرز رموز الزراعة في الواحات.
تعود أقدم الآثار الأثرية لزراعة التمر إلى حوالي 7000 قبل الميلاد في باكستان الحالية، وإلى حوالي 5500 قبل الميلاد في الجزيرة العربية. وقد انتشرت زراعة النخيل في مصر حوالي 4000 قبل الميلاد. أما في بقية شمال إفريقيا، فقد بدأت لاحقاً بكثير: حوالي 1000 قبل الميلاد في ليبيا، ومنها انتشرت إلى باقي المنطقة. ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن الأمازيغ النسمون كانوا يزرعون التمر في واحة أوجلة.
عند وصول نخيل التمر العربي (Phoenix dactylifera) إلى شمال إفريقيا، واجه نوعاً آخر من النخيل البري: Phoenix theophrasti، وهو نوع أصله من كريت وكان موجوداً في المنطقة بشكل بري. وقد حدث تهجين بين النوعين قبل حوالي 3000 سنة، ما أدى إلى ظهور نخيل التمر شمال الإفريقي الذي نعرفه اليوم.
ما هو دور الفينيقيين في نشر زراعة التمر؟ لا يزال هذا الدور غير واضح تماماً، لكن يُلاحظ أن الفترة التي بدأ فيها انتشار النخيل في شمال إفريقيا تتوافق مع تأسيس أولى المستعمرات الفينيقية. ويُشير الاسم اللاتيني للتمر (Phoenix) إلى الفينيقيين.
لم يكن الفينيقيون على الأرجح هم من أدخلوا التمر لأول مرة عبر سفنهم؛ إذ إن انتشار هذه الثمرة الصحراوية تم أساساً عبر الطرق البرية، من مصر إلى ليبيا. أما التهجين بين النخيل العربي والنخيل البري المحلي فهو على الأرجح نتيجة طبيعية، لكن الفينيقيين قاموا باختيار أفضل الأصناف بهدف تطوير أنواع جديدة. ومن المؤكد أنهم ساهموا بشكل كبير في نشر التمور المنتَجة في شمال إفريقيا، وخاصة الشكل الهجين الجديد، في أنحاء العالم المتوسطي.
عملة قرطاجية تُظهر نخلة تمر
لاحقاً، تطورت زراعة التمر بشكل كبير في قرطاج، حيث لعب التمر دوراً أساسياً في اقتصاد الإمبراطورية القرطاجية: فقد كان يُستخدم غذاءً أساسياً، ومحلياً طبيعياً، ووسيلة للتبادل التجاري، ومورداً اقتصادياً مهماً. وقد طوّر القرطاجيون تقنيات زراعية وأنظمة ري متقدمة لزيادة الإنتاج، مستفيدين من أراضيهم الخصبة. وكانت التمور القرطاجية تُصدَّر إلى مختلف أنحاء البحر المتوسط. كما كانت نخلة التمر رمزاً قوياً لقوة قرطاج وخصوبتها، وغالباً ما ظهرت على العملات.
استمرت زراعة التمر في قرطاج ومجال نفوذها خلال العصر الروماني. وفي العالم الروماني، كانت تُلوَّح أغصان النخيل خلال المواكب العسكرية رمزاً للنصر.
كما يحتل التمر مكانة رمزية مهمة في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية: فهو مذكور أكثر من 50 مرة في الكتاب المقدس، و20 مرة في القرآن. ويأكل اليهود التمر في أعيادهم الدينية. وفي المسيحية، تُستخدم أغصان النخيل في أحد الشعانين للاحتفال بدخول المسيح المنتصر إلى أورشليم قبل أسبوع من صلبه.
اليوم، ما تزال زراعة التمر تحتل مكانة مهمة في المشهد الاجتماعي والاقتصادي لشمال إفريقيا، خاصة في واحات الصحراء. ورغم أهميتها التقليدية، فإن هذه الزراعة مهددة بالجفاف والأمراض. ومع ذلك، لا تزال دول شمال إفريقيا، من مصر إلى المغرب، تنتج أكثر من 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.
يُعدّ الفينيقيون من أوائل الحضارات التي طوّرت زراعة الكرمة وإنتاج النبيذ. وعلى الرغم من أنّ الكروم البرية كانت تنمو في شمال أفريقيا قبل وصول أولى السفن الفينيقية بوقت طويل، فإنّ الفينيقيين، في قرطاج وفي مستعمراتهم الأخرى، هم الذين علّموا السكان المحليين كيفية زراعة الكرمة. وقد أثّرت مؤلفات ماغون الزراعية، التي عرضت تقنيات زراعة الكروم لدى القرطاجيين القدماء، تأثيرًا كبيرًا في الرومان، مما ساهم في ازدهار زراعة الكروم في مختلف أنحاء أوروبا.
من الفينيقيين…
الكرمة البرية
تنمو أنواع مختلفة من الكروم البرية منذ القدم في جميع مناطق العالم. وفي شمال أفريقيا، توجد بشكل خاص في المناطق الجبلية مثل الأطلس ومنطقة القبائل. وقد اكتشف الإنسان مبكرًا أنّ عصر العنب الذي ينمو على هذه الكروم يعطي عصيرًا يبدأ بالتخمّر فورًا. غير أنّ تحويل هذا العصير إلى شراب ذي مذاق مستساغ تطلّب تطوير معرفة وتقنيات أكثر تقدّمًا.
أريني-1 في أرمينيا: أقدم كَرْم معروف
عُثر على أقدم الآثار الأثرية لإنتاج النبيذ من الكروم البرية في منطقة القوقاز، حيث بدأت زراعة الكرمة منذ نحو 6000 سنة. ويضمّ أقدم موقع معروف لإنتاج النبيذ، والذي اكتُشف في أرمينيا، حوضًا من الطين ومعصرة.
ومن القوقاز، انتشرت زراعة الكرمة إلى بلاد الرافدين، ثم إلى الشرق الأدنى، وصولًا إلى اليونان. وكان الفينيقيون يستخدمون النبيذ في طقوسهم الدينية كقربان للآلهة. ومن المرجّح أنّهم هم الذين أدخلوا النبيذ إلى مصر، حيث ظهرت صناعة مزدهرة له حوالي سنة 3000 قبل الميلاد.
كان الفينيقيون ينقلون النبيذ في جرار فخارية تُعرف باسم “الجرار الكنعانية”
وكان التجار الفينيقيون أول من أدرك القيمة التجارية للنبيذ، مما دفعهم إلى تطوير تقنيات زراعية أكثر تقدّمًا لزيادة الإنتاج. وكانت مدن صور وصيدا وجبيل تصدّر النبيذ عبر البحر إلى مختلف أنحاء العالم المتوسطي. وقد أدى توسّع المستعمرات الفينيقية، خاصة في شمال أفريقيا، إلى زيادة الطلب عليه. وقد كان النبيذ الفينيقي شائعًا جدًا في العالم اليوناني-الروماني، حتى إنّ صفة “بيبليني” (نسبة إلى جبيل) كانت تُستخدم للدلالة على النبيذ الجيد.
وقد اكتُشفت أقدم حطام سفن فينيقية، “تانيت” و”عليسة”، سنة 1997 في قاع البحر الأبيض المتوسط، وكانت تحمل 780 جرّة من النبيذ تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، في حالة حفظ ممتازة. وكانت هاتان السفينتان تنقلان النبيذ بين فينيقيا وقرطاج.
عنقود من Vitis vinifera pontica، وهي على الأرجح أول سلالة كروم نشرها الفينيقيون في حوض البحر المتوسط
نشر الفينيقيون سلالات جديدة من الكروم في أنحاء المتوسط، خاصة Vitis vinifera pontica التي أصبحت أصل معظم أنواع العنب الأبيض المزروعة اليوم. كما علّموا السكان المحليين، وخاصة الأمازيغ في شمال أفريقيا، كيفية استغلال الكروم البرية التي كانوا يعرفونها مسبقًا.
وفي الفترة نفسها، كان اليونانيون ينتجون النبيذ أيضًا، وقد تأثرت زراعتهم للكرمة كثيرًا بالفينيقيين. وفي شمال أفريقيا، أدخل المستوطنون اليونانيون الكرمة إلى قورينائية في القرن السابع قبل الميلاد. وكانت هذه المنطقة الخصبة، ذات الغطاء النباتي الكثيف، مثالية لزراعة الكروم على نطاق واسع. وقد عُثر على معاصر للنبيذ في مدن مثل قورينا ويوهسبريدس (بنغازي). كما أدخل اليونانيون الكرمة إلى جنوب بلاد الغال، في ماساليا.
… إلى قرطاج…
فسيفساء “انتصار باخوس” – المتحف الأثري بسوسة
فسيفساء من فيلا ريفية رومانية في طبرقة تُظهر كرومًا
فسيفساء “كيوبيدات يقطفون العنب” – متحف هيبون (عنابة)
استمرت زراعة الكرمة وإنتاج النبيذ في شمال أفريقيا خلال العصر الروماني، خاصة في مراكز حضرية مثل قرطاج ووليلي. وكان النبيذ الأفريقي مشهورًا في العالم الروماني لطعمه، ولعب دورًا مهمًا في اقتصاد المنطقة إلى جانب القمح وزيت الزيتون.
فسيفساء تمثل جني العنب – متحف الوطني لشرشال
وبتأثير من ماغون، طوّر الرومان تقنيات متقدمة في زراعة الكروم مستوحاة من القرطاجيين. ورغم ضياع مؤلفاته، فقد حفظت نصوص لاتينية لاحقة مقتطفات منها. وكان كولوميلا، وهو كاتب من القرن الأول الميلادي، يقتبس كثيرًا من ماغون، وقد وُلد في قادِس (قادش)، وهي مدينة بونية قديمة في إسبانيا، مما يفسّر اهتمامه بالمؤلف القرطاجي. ويمكن القول إنّ صناعة النبيذ في أوروبا والعالم الغربي الحديث تدين بالكثير لقرطاج عبر ماغون.
إله الكرمة والنبيذ في العالم اليوناني-الروماني هو ديونيسوس، الذي يُسمّى باخوس باللاتينية، والذي يُنسب إليه تعليم البشر زراعة الكرمة. وكان عبادته، المنتشرة في أفريقيا الرومانية، تتضمن طقوسًا نشوية مرتبطة بالسكر، إضافة إلى ممارسات جنسية منفلتة.
خلال العصر الروماني، استقرت جماعات يهودية كبيرة في شمال أفريقيا، ثم انتشرت المسيحية لاحقًا وأصبحت واسعة الانتشار في المنطقة. وتنظر الديانتان إلى النبيذ على أنه نعمة من الله، إذ تذكر الكتاب المقدس أنه “يُفرِح قلب الإنسان”، مع التحذير من السُّكر والدعوة إلى الاعتدال في استهلاكه. ويستخدم المسيحيون النبيذ في شعائرهم الدينية بوصفه عنصرًا من طقس الإفخارستيا. وقد أدّت عملية تنصير المنطقة إلى تغيير في أنماط استهلاك النبيذ، من خلال الحدّ من مظاهر الإفراط. ولاحقًا، طوّر الرهبان المسيحيون أساليب جديدة في التخمير وصناعة النبيذ والجعة، بهدف ابتكار نكهات جديدة.
… إلى اليوم
تراجعت صناعة النبيذ في شمال أفريقيا مع انتشار الإسلام بسبب تحريم الخمر، لكنها لم تختفِ تمامًا. فقد واصل اليهود في المنطقة، خصوصًا، إنتاجه لاستهلاكهم الخاص.
سفينة تُحمّل براميل نبيذ في ميناء وهران سنة 1898
وشهدت هذه الصناعة انتعاشًا جديدًا خلال فترة الاستعمار الفرنسي (والإيطالي في ليبيا)، مع غرس كروم جديدة. وفي الجزائر خصوصًا، كان المستوطنون الفرنسيون ينتجون النبيذ لاستهلاكه محليًا أو لتصديره إلى فرنسا. بل توجد نظرية تقول إنّ تسمية “Pieds-Noirs” (الأقدام السوداء)، التي تُطلق على الفرنسيين في الجزائر، تعود إلى اسوداد أقدامهم بسبب دَوْسهم للعنب أثناء صنع النبيذ! وفي منتصف القرن التاسع عشر، حينما اجتاحت الآفات كروم فرنسا وأتلفتها، سدّ النبيذ القادم من الجزائر الفرنسية ذلك النقص.
جني العنب في الجزائر
وقبيل الاستقلال، كانت الجزائر رابع أكبر منتج للنبيذ في العالم، بعد فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، مع أكثر من عشرة تصنيفات من “نبيذ مُحدَّد المنشأ ذو جودة مميزة”. وبعد رحيل المستوطنين والجيش الفرنسي، تراجع الإنتاج بشكل كبير، مما دفع المنتجين إلى البحث عن أسواق جديدة مثل الاتحاد السوفيتي. وتُبذل اليوم جهود لإحياء هذا القطاع.
مجموعة من النبيذ المغربي
أما المغرب، فقد شهد تطورًا كبيرًا في إنتاج النبيذ منذ تسعينيات القرن العشرين، ويُعدّ من أكثر بلدان المنطقة امتلاكًا لإمكانات واعدة في هذا المجال. ويضم اليوم أكثر من 50 ألف هكتار من الكروم، خاصة في جهتي فاس-مكناس والشرق، وينتج نبيذًا ذا جودة موجهًا للسوقين المحلي والدولي. ويُعدّ “بولعوان” من منطقة دكالة أكثر النبيذ الأجنبي مبيعًا في فرنسا.
زجاجة “ماغون” الأبيض
وفي تونس، تتركز صناعة النبيذ أساسًا في الرأس الطيب، وتغلب عليها أنواع النبيذ الوردي. ويُكرّم أحد المنتجين المحليين في قليبية العالِم الزراعي القرطاجي ماغون بإنتاج نبيذ يحمل اسمه، وهو من أكثر الأنواع شهرة في البلاد.
تعد الأبجدية الفينيقية، واحدة من أقدم أنظمة الكتابة في التاريخ، أصل العديد من الأبجديات الأكثر انتشارا في العالم، بما في ذلك الأبجدية اللاتينية والأبجدية العربية. ففي شمال أفريقيا، كانت هي الأبجدية المعتمدة في قرطاج وسائر الإمبراطورية القرطاجية.
أبجدية زَايِت: أقدم نقش فينيقي معروف
تتكون الأبجدية الفينيقية من 22 حرفًا، طورت من قبل الفينيقيين القدماء منذ حوالي 3000 سنة. إنها أبجدية مماثلة للأبجدية العربية، أي نظام كتابة تدل فيه الرموز على الحروف الصامتة فقط وتكتب من اليمين إلى اليسار. كما تدرج ضمن قائمة أول الأبجديات التي ابتكرها الإنسان، حيث يحمل كل رمز صوتا خاصا، على عكس أنظمة كتابة القدماء، مثل الكتابة المسمارية أو الكتابة الهيروغليفية المصرية، اللواتي كانتا أكثر تعقيدا وحصرا على طبقة الكتبة المحكم تدريسهم.
كان الفينيقيون يتميزون بحضارة بحرية تجارية حيث أبحرت سفنهم بين موانئ البحر الأبيض المتوسط كله، محملة لا بالسلع المراد تجارتها فحسب، بل أيضا بأبجدياتهم وأنماط أخرى من المعرفة، مما أسهم في تشعشع الأبجدية الفينيقية، انطلاقا من فينيقيا في الشرق الأوسط إلى سائر أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد كان لبساطة الأبجدية الفينيقية، مقارنة مع أنظمة الكتابة الأخرى الشائعة في تلك الحقبة، فضلا في تسهيل تقبلها وتبنيها من طرف شعوب أخرى.
مزهرية الديبيلون: أقدم نقش يوناني يشبه إلى حد كبير الأبجدية الفينيقية
طورت شعوب أخرى في العالم المتوسطي القديم، مع مرور الزمن، أبجدياتهم الخاصة انطلاقا من الأبجدية الفينيقية. فقد أنشأ العبرانيون، الشعب المجاور للفنيقيين، أبجديتهم قرابة القرن العاشر قبل الميلاد واعتمدوها لخط كتبهم المقدسة. فاليونانيون بدورهم طوروا أبجديتهم انطلاقا من الأبجدية الفينيقية ومازالت تعتمد إلى اليوم. ووفقا للمؤرخ اليوناني هيرودوت، فإن مبتكر الأبجدية اليونانية هو الأمير الفينيقي قدموس من صور. أما في إيطاليا، فإن الأبجدية اللاتينية ليست إلا وليدة الأبجدية الأترورية، المتشعبة من الأبجدية اليونانية.
نقيشة ليبية-بونية مزدوجة اللغة في الضريح النوميدي بدقة
في شمال أفريقيا، استخدمت الأبجدية الفينيقية في قرطاج وسائر المستعمرات الفينيقية، واستخدمت، في الإمبراطورية القرطاجية لكتابة اللغة البونية، وهي لهجة فينيقية. مقارنة مع اللغة الفينيقيّة، لم يكن من الهين استنباط كيفية تغير اللغة البونية انطلاقا من المنقوشات المكتشفة وهذا راجع لتمسك كتبة قرطاج بقواعد اللغة الفينيقية التقليدية.
من الوارد أن تكون أقدم أبجدية في المعمورة هي تيفيناغ، إذ هي نظام كتابة أصلي في شمال إفريقيا، استخدمها الأمازيغ القدماء لتدوين لغتهم. أسال موضوع العلاقة بين الأبجدية الفينيقية وتيفيناغ الكثير من المداد، حيث يزعم بعض المتخصصين أن تيفيناغ ليست إلا أبجدية مقتبسة ومعدلة من الأبجدية الفينيقية، بينما يرى معظمهم أن تيفيناغ قد تطورت وفقا لنموذج أصلي لشمال إفريقيا، مصحوبة بتأثير طفيف للأبجدية الفينيقية عليها.
كانت الأبجدية الفينيقية، في الأصل، تنقش على الحجر باستعمال أداة حادة، مما أدى إلى تشكل الحروف بزوايا حادة. وقد شهد شمال إفريقيا، في العصر الروماني، تطور صنف كتابة أكثر اتصالا، وهو ما يعرف بالأبجدية البونيقية الحديثة.
تعد الأبجدية الفينيقية أصل معظم الأبجديات المستخدمة في العالم. فمن جهة، تشعبت من الأبجدية اليونانية الأبجدية اللاتينية والأبجدية السريلية، التي تكتب بها اللغات السلافية. ومن جهة أخرى، فهي كذلك أصل الأبجديات السامية، مثل الأبجدية العربية والعبرية والإثيوبية.
في العصور القديمة، كانت مدينة أكادير ميناءً فينيقيًا، وآخر حلقة في سلسلة من المراكز التجارية الممتدة على طول الساحل الأطلسي. غير أنّ اسم المدينة كان في الأصل أمازيغيًا، ممّا يدلّ على أنّ السكّان الأصليين للمنطقة كانوا يعرفون هذا الموقع قبل زمن طويل من وصول أوائل السفن الفينيقية. وقد اقتبس الفينيقيون هذا الاسم بالفعل، وأطلقوه أيضًا على عدد من المدن الأخرى التي أسّسوها.
اسم «أكادير» أمازيغي الأصل: فـ الأكادير (بتيفيناغ: ⴰⴳⴰⴷⵉⵔ) هو مخزن محصّن كانت تستعمله القبائل الأمازيغية الجبلية لتخزين محاصيلها وممتلكاتها. ولا تزال عدة أكادير قائمة في المغرب، عبر الأطلس الكبير والأطلس الصغير ووادي درعة. وعندما وصل الفينيقيون إلى المنطقة، استعاروا هذا المصطلح: ففي اللغة البونية، يعني «گَدير» (𐤀𐤂𐤃𐤓) الجدار أو السور المحصّن. وأطلق الفينيقيون هذا الاسم على مدن أخرى أسسوها، أبرزها گدير (قادس) في جنوب إسبانيا.
الطريق المحتمل لحنون الملاح
في القرن الخامس قبل الميلاد، قام المستكشف القرطاجي حنون الملاح برحلة استكشافية على الساحل الغربي لإفريقيا، مؤسسًا مستعمرات على طول طريقه (أو، الأكثر احتمالًا، معيدًا إحياء مستعمرات فينيقية قديمة مهجورة). ويذكر في روايته خمس مدن أسسها: كارِكُون-تيخوس (قلعة الشمس)، غيتّ (قد تكون من geth بمعنى “ماشية” أو من gt بمعنى “معصرة”)، أكرا (رأس صخري)، ميليتّا (النحلة)، وأرامبيس (جبل العنب). وهذه المدن يصعب تحديد مواقعها بدقة.
يرى بعض الباحثين أن أكرا قد تكون أكادير، لكن غالبية المختصين يضعونها شمالًا بين الجديدة والصويرة. والافتراض الأكثر قبولًا لهذه المدن الخمس، انطلاقًا من أسمائها، هو: أزمور، الجديدة، الوالدية، رأس البدوزة، وجزيرة موغادور قبالة الصويرة. أما نهر ليكسوس المذكور في الرواية، فهو على الأرجح وادي درعة.
شجرة الأرغان
كان من بين المنتجات التي باعها السكان المحليون للفينيقيين زيت الأرغان، الذي كان الأمازيغ يستخرجونه من ثمار شجرة الأرغان، وهي شجرة لا تنمو إلا في هذه المنطقة من العالم. ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان الفينيقيون قد بدأوا بالفعل في تصدير زيت الأرغان عبر كامل البحر المتوسط، مستعملينه غذاءً ومستحضرًا تجميليًا.
منارة رأس غير، بُنيت عام 1926
في العصر الروماني، كان رأس غير يُعرف باسم «رأس روصادير». وقد ورد هذا الاسم عند المؤرخ بوليبيوس، وهو مشتق من البونية Rs ‘dr، أي «رأس القوي»، في إشارة مرجّحة إلى الإلهة البونية تانيت. ولا يبدو أنّ مدينة كانت موجودة آنذاك. أمّا اسم رأس غير الحالي فهو مشتق من الأمازيغية إغير (ⵉⵖⵉⵔ) وتعني “كتف (الجبل)”.
أكادير أوفلا
أُسست المدينة الحالية على يد البرتغاليين سنة 1505 تحت اسم Santa Cruz do Cabo de Aguer (الصليب المقدس لرأس غير). وقد بنى البرتغاليون قصبة أكادير أوفلا. وأصبحت المدينة مغربية سنة 1541 بعد أن استعادها السعديون.
في العصر الروماني، كان اسم مدينة الصويرة تـاموسِيغا. ورغم أنّها لم تكن ضمن الأراضي الخاضعة لروما، فإنّ تاموسِيغا كانت تربطها علاقات تجارية بإفريقيا الرومانية. وكانت الجزر الصخرية المقابلة للمدينة تضمّ مصنعًا مهمًا لإنتاج اللون الأرجواني منذ العهد الفينيقي.
الجزر الصخرية المقابلة للصويرة
الأصول
طبق فينيقي من القرن السابع ق.م، عُثر عليه في جزيرة موغادور
تضيع أصول المدينة في أعماق التاريخ. فبعد تأسيس قرطاج، أنشأ التجار الفينيقيون سلسلة من المراكز التجارية وراء أعمدة هرقل، على الساحل الأطلسي للمغرب الحالي. وآخر تلك المراكز كان على الأرجح أكادير. ويُرجّح أن موقع الصويرة، بفضل مرفئه الطبيعي الممتاز، احتضن أحد هذه المراكز. وترجع أقدم الآثار الفينيقية في هذا الموقع إلى القرن السابع قبل الميلاد.
أقام الفينيقيون علاقات مع السكّان الأصليين، وكانوا يتاجرون معهم. وعلى الجزر المقابلة للصويرة، أسسوا مصنعًا لإنتاج الصبغة الأرجوانية من الأصداف البحرية الموجودة على الساحل. وقد منحت صناعة الأرجوان لهذه الجزر اسم Iles Purpuraires (الجزر الأرجوانية).
شجرة الأرغان
إلى جانب الأرجوان، كان الفينيقيون يتاجرون أيضًا بزيت الأرغان، الذي كانت تنتجه القبائل الأمازيغية المحلية من ثمار شجرة الأرغان، وهي شجرة لا تنمو إلا في هذه المنطقة من العالم. ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان الفينيقيون قد بدأوا بالفعل في تصدير زيت الأرغان عبر كامل البحر المتوسط، واستعملوه غذاءً وموادّ تجميلية.
الطريق المحتمل لحنون الملاح
في القرن الخامس قبل الميلاد، قام المستكشف القرطاجي حنّون الملاح برحلة استكشافية على الساحل الغربي لإفريقيا، مؤسسًا مستعمرات على طول طريقه. وفي مذكّرات رحلته، تُسمّى المدينة البونية التي كانت قائمة في موقع الصويرة بـ أرامبيس (حر أنبين، “جبل العنب”). ويبدو أنّها كانت مهجورة قبل زيارة حنون. ويُعرّف بعض الباحثين جزيرة سيرني المذكورة أيضًا في رحلته بأنها جزيرة موغادور، لكنّ الأغلبية ترى أنّها تقع أبعد جنوبًا عند خليج أرجوين في موريتانيا الحالية.
أعاد ملك موريطنية يوبا الثاني إحياء صناعة الأرجوان في الجزر الصخرية. وكان الرومان يستعملون الأرجوان لصبغ توجات أعضاء مجلس الشيوخ. كما أطلق يوبا الثاني بعثة استكشافية إلى جزر الكناري انطلاقًا من الجزر الصخرية.
وفي عهد يوبا الثاني، تطوّرت مدينة على الجزر. وكان الأمازيغ يسمّونها أمغدول (“المحمية جيدًا”)، بينما أطلق عليها الرومان اسم تـاموسِيغا. وكانت المدينة محصورة في الجزر، إذ إن خليج الصويرة لم يكن مأهولًا قبل العصر الحديث.
جرّة من أصل إسباني (هسبانيا بايتيكا)، القرن الثاني الميلادي
قطع نقدية رومانية من القرن الثالث، عُثر عليها في جزيرة موغادور
كانت تاموسِيغا أكبر مدينة في موريطنية تقع خارج حدود الإمبراطورية الرومانية. ورغم ذلك، فقد احتفظت بعلاقات تجارية وثيقة مع إفريقيا الرومانية عبر مينائها. وقد كُشفت في الموقع فيلا رومانية و مقبرة، إضافة إلى جرّة وقطع نقدية، وهي محفوظة اليوم في متحف سيدي محمد بن عبد الله بالصويرة.
في القرن الحادي عشر، دُفن سيدي مجدول، وهو وليّ مسلم من قبيلة الرگراگة، في الصويرة. ويُحتمل أن يكون اسمه أصل التسمية موغادور التي أطلقها البرتغاليون. فقد كان الأمازيغ القدماء يسمّونها أيضًا أمغدول، المشتق من الفينيقية مِغدول بمعنى “الحصن الصغير”.
قصبة الصويرة التي بناها سيدي محمد بن عبد الله
في أوائل القرن السادس عشر، بنى البرتغاليون حصنًا في موغادور، لكنهم واجهوا مقاومة شرسة من الرگراگة وطُردوا في النهاية على يد السعديين. وقد أنشأ السلطان السعدي أحمد المنصور مصنعًا كبيرًا للسكر في منطقة الصويرة، وجلب للعمل فيه عبيدًا سودًا من إفريقيا جنوب الصحراء — وهم أسلاف الگناوة. أما المدينة الحديثة فقد بناها في القرن الثامن عشر السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).
ومع نهاية الحماية الفرنسية، تغيّر اسم موغادور إلى الصويرة، من العربية الصويرة (“السور الصغير”) — وهو معنى قريب من الاسم الأمازيغي والفينيقي واللاتيني القديم.
كنيس “صلاة الكحل” في الصويرة
تعود الجماعة اليهودية المؤثرة في الصويرة إلى القرن الثامن عشر، لكن من المحتمل أنّ يهودًا عاشوا في تاموسِيغا في العصر الروماني، رغم غياب الأدلة الأثرية. ويُرجّح ذلك لأن جماعات يهودية كانت موجودة في مدن موريطنية الرومانية مثل وليلي وشالة. وللسبب نفسه، فإن وجودًا مسيحيًا في تلك الفترة غير موثّق، لكنه مرجّح بدرجة كبيرة.
اليوم، تعتزّ الصويرة بإرثها الثقافي المتنوع، بجذوره الأوروبية والمغربية والإفريقية (مهرجان كناوة)، وبمكوناته الإسلامية واليهودية والمسيحية. ويُظهر التاريخ القديم أنّ هذا التنوع ليس جديدًا: فمنذ أكثر من ألفي عام، كان الأمازيغ الأصليون والتجار الفينيقيون والمغامرون الرومان يتجاورون في ميناء المدينة وشوارعها.
مع مطلع القرن السادس قبل الميلاد، كانت صور، المدينة الأم لقرطاج، تواجه خطر الإمبراطورية البابلية ما جعلها عاجزة عن الدفاع عن المستعمرات الفينيقية في حوض غرب البحر الأبيض المتوسط. وبما أن قرطاج قد نالت استقلالها حديثًا، فتولت دور حامية للمستعمرات الفينيقية الأخرى، ما جعلها بذلك تضع الأسس الأولى للإمبراطورية القرطاجية.
السياق
حصار صور
في القرن السابع، خضعت صور وغيرها من الدول-المدن الفينيقية لسيطرة الإمبراطورية الآشورية مع احتفاظها بقدر كبير من الاستقلال الذاتي. وقد مكّن هذا الضعف لصور قرطاج من نيل استقلالها حوالي عام 650.
حاصر ملك بابل نبوخذ نصر مدينة صور في الفترة الممتدة من 586 إلى 573. ولم يتمكن نبوخذ نصر من غزو المدينة إلا أن الصوريين استسلموا بعد 13 عامًا من الحصار.
قرطاج: حامية المدن الفينيقية
في عام 580، حاولت مجموعة من المستوطنين اليونانيين من رودس وكنيدوس، بقيادة بنتاثلوس الكنيدي، إنشاء مستعمرة يونانية في صقلية، في موقع مدينة ليليبايوم المستقبلية (مرسالا الحالية). ورغم أن مستعمرات يونانية أخرى، مثل سرقوسة، كانت قد أُنشئت من قبل، فقد كانت بعيدة عن المدن الفينيقية الواقعة غرب الجزيرة ولم تكن تشكل تهديدًا لها. أما هذه المستعمرة اليونانية الجديدة فقد كانت محاطة بأراضٍ فينيقية وعلى مقربة شديدة من مدينة موتيا.
صقلية في القرن السادس – الأزرق: التأثير اليوناني – اللون الوردي: التأثير الفينيقي – اضغط للتكبير
قرر الفينيقيون في صقلية رص صفوفهم لطرد هذه المستعمرة اليونانية الجديدة من منطقة نفوذهم. وبما أن صور المحاصرة من البابليين لم تستطع تقديم العون لهم، تولت قرطاج قيادة القوات الفينيقية الموحدة.
في ذلك الوقت، كانت مدينة سيلينوس اليونانية في حالة حرب ضد الإليميين (سكان صقلية الأصليين) في سيجيستا، المتحالفين مع الفينيقيين في موتيا. وقرر الوافدون اليونانيون الجدد إرسال الدعم إلى أقاربهم في سيلينوس، لكنهم هُزموا على يد التحالف الفينيقي -الإليمي. وقُتل قائدهم، بنتاثلوس الكنيدي، في المعركة. وفرّ الناجون وأسسوا مستعمرة يونانية في ليبار في جزر إيولية.
نشأة الإمبراطورية القرطاجية
بعد مرورهذه الحقبة، رسّخت قرطاج مكانتها كحامية للمستعمرات الفينيقية في حوض غرب البحر الأبيض المتوسط، وقد مكنها هذا الدور من السيطرة تدريجيًا على المستعمرات الفينيقية الأخرى.
وفي الوقت الذي كان فيه الفنيقيون معروفون بأنهم حضارة تجارية ممن أسسوا مستعمرات واشتروا المنتجات المحلية من الشعوب المجاورة، خالف القرطاجيون هذا العرف التقليدي الفينيقي السلمي من خلال اللجوء لاستخدام القوة العسكرية لتوسيع إمبراطوريتهم.
تجاوزت طموحات قرطاج حدود أفريقيا. فقد مكنت حملة عسكرية في صقلية، ربما بعد استنجاد الفينيقيين في الجزيرة بقرطاج طلباً للمساعدة ضد التوسع اليوناني، قرطاج من دمج المدن الفينيقية في صقلية ضمن نفوذ إمبراطوريتها.
في حوالي عام 550، أُرسل مالخوس إلى سردينيا لدعم السكان الفينيقيين المحليين ضد السكان النوراجيين الأصليين. وقد حقق عدة انتصارات مكنته من إنشاء مستعمرات بونيقية على الجزيرة.
في حوالي عام 540، عقد الملك ماجو الجديد ملك قرطاج تحالفًا مع الأتروسكان. وهاجموا معًا ألاليا، وهي مستعمرة أسسها اليونانيون من مساليا (مرسيليا) في كورسيكا. وهُزم الفوكائيون وأُجبروا على التخلي عن ألاليا، التي أصبحت تحت الحكم القرطاجي.
حوالي عام 530، سقطت الحضارة التارتيسية التي كانت تعد شريكًا تجاريًا مهمًا لقرطاج في إسبانيا، ما مكّن القرطاجيين من بسط نفوذهم في إسبانيا.
وابتداءً من عام 480، قادت قرطاج عدة حروب ضد اليونانيين في سرقوسة بهدف السيطرة على صقلية. وفي عام 397، أسس الناجون، عقب تدمير موتيا، مدينة ليليبايوم مكان المستعمرة اليونانية التي لم تدم طويلاً.
تعتبر شجرة الزيتون اليوم شجرة نموذجية من المناظر الطبيعية في شمال أفريقيا، والتي نراها في كل مكان أثناء سيرنا في الريف. ومع ذلك، فإن زراعة الزيتون في شمال أفريقيا لم تبدأ إلا مؤخرًا نسبيًا، منذ حوالي 3000 عام. وبينما كان السكان الأصليون يعرفون شجرة الزيتون البرية، فإن شجرة الزيتون المستأنسة تم جلبها على متن سفن الفينيقيين، وأيضاً عن طريق يونانيين في قورينائية.
–
شجرة الزيتون: هبة من الآلهة
شجرة الزيتون هي شجرة موجودة في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط. تلعب زراعته دورًا مهمًا جدًا في اقتصاد المنطقة، حيث توجد آلاف الأصناف المعروفة. لقد أدى استخدام زيت الزيتون منذ العصور القديمة كوقود وزيت غذائي ومستحضرات تجميل إلى إثراء الأشخاص الذين قاموا بإنتاجه بشكل كبير.
أثينا تقدم شجرة الزيتون للأثينيين
وكان اليونانيون يعتبرون شجرة الزيتون هدية من الآلهة. وفقًا للأساطير، بعد تأسيس أثينا، تنافس الإلهان أثينا وبوسيدون على حق تسمية المدينة باسمهما. أصدر زيوس، ملك الآلهة، مرسومًا بأن الإله الذي قدم أفضل هدية لشعبه هو الذي يفوز. ضرب بوسيدون صخرة مع رمحه، مما تسبب في تدفق المياه العذبة. ضربت أثينا الأرض برمحها، فنبتت شجرة زيتون. فضل الأثينيون هديتها، مصدر الضوء والحرارة.
بالإضافة إلى كونها مقاومة للجفاف، تتمتع شجرة الزيتون أيضًا بخصوصية العيش لفترة طويلة جدًا: فهناك أشجار عمرها عدة آلاف من السنين!
زراعة الزيتون
بدأت زراعة الزيتون منذ حوالي 7000 سنة في الشرق الأوسط. وليس من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه الفترة مع تطور المدن الكبرى الأولى في هذه المنطقة.
ومن الشرق الأوسط، انتشرت زراعة الزيتون في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك بفضل التجار الفينيقيين بشكل خاص. وفي جزيرة كريت، قام المينويون، أسلاف الحضارة اليونانية الأوائل، بزراعة شجرة الزيتون منذ 5000 عام. ربما كان زيت الزيتون مصدر ثروة الحضارة المينوية. وبعد ذلك انتشرت زراعة شجرة الزيتون في جميع أنحاء اليونان.
معصرة الزيتون
كان الزيتون يزرع بشكل أساسي لصنع زيت المصابيح. وكان هذا الزيت يُحرق في المعابد قربانًا للآلهة. كما تم استخدامه للحفاظ على شعلة الألعاب الأولمبية مشتعلة.
عرف زيت الزيتون في العصور القديمة بخصائصه الطبية والتجميلية. وكان يستخدم لدهن الملوك. غطى اليونانيون أجسادهم وشعرهم بزيت الزيتون العطر. وحصل الفائزون في المسابقات الرياضية على تاج من أغصان الزيتون. اليوم، غصن الزيتون هو رمز عالمي للسلام.
كما تم استخدام زيت الزيتون في الطبخ. اليوم هو عنصر أساسي في جميع مأكولات الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط. وفضائله الغذائية عديدة: فهو غني بالفيتامينات والدهون الجيدة، كما أنه منخفض الكولسترول.
كما لعبت شجرة الزيتون دورًا مهمًا في الديانة اليهودية، ثم في المسيحية والإسلام. تم مسح الكهنة اليهود بالزيت وتستخدمه بعض التقاليد المسيحية في المعمودية. شجرة الزيتون مذكورة في الكتاب المقدس وفي القرآن، دائماً كمصدر للثروة.
شجرة الزيتون في شمال أفريقيا
كانت شجرة الزيتون البرية موجودة دائمًا في شمال إفريقيا. عرفه سكان المنطقة الأوائل: فقد استخدموه كوقود، وربما أيضًا كغذاء، لكنهم لم يزرعوها.
وكانت الحضارتان البحريتان العظيمتان في حوض البحر الأبيض المتوسط، الفينيقيون والإغريق، هما اللتان بدأتا بزراعة أشجار الزيتون على سواحل شمال أفريقيا. في حين أن اليونانيين في قورينائية كانوا يزرعونها بأنفسهم بشكل رئيسي، فإن الفينيقيين، لكونهم تجارًا أكثر من كونهم مزارعين، قاموا بتعليم السكان الأمازيغ المحليين كيفية زراعتها في أراضيهم الخصبة بشكل خاص. وهكذا، تعلم أمازيغ نوميديا وموريطانية زراعة شجرة الزيتون، وتطعيم أغصان الزيتون البرية على أشجار الزيتون المستأنسة، وإنتاج زيت الزيتون.
خلال العصر الروماني، من المؤكد أن زراعة شجرة الزيتون ساهمت بشكل كبير في جعل شمال إفريقيا واحدة من أغنى مناطق الإمبراطورية.
ومع اكتشاف النفط، توقف استخدام زيت الزيتون كوقود. أما اليوم، فإن زراعة شجرة الزيتون مخصصة للغذاء بشكل أساسي. يتم استخدام حوالي 80% من الزيتون المزروع لإنتاج الزيت، في حين أن 20% عبارة عن زيتون مائدة مخصص للأكل. زيت الزيتون هو زيت الطهي الأكثر استخدامًا في المنطقة. تعتبر الفاكهة أيضًا جزءًا من وصفة أطباق شمال إفريقيا التقليدية.