الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

دخول الجمل إلى شمال إفريقيا: نشأة التجارة العابرة للصحراء

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

يُعَدّ الجمل اليوم أحد الحيوانات الرمزية لشعوب شمال إفريقيا، لكنه وصل إلى المنطقة في فترة متأخرة نسبيًا. وقد أسهم إدخال هذا الحيوان المتكيف بصورة مثالية مع المناخ الصحراوي في تسهيل السفر عبر الصحراء بشكل كبير، مما أتاح ازدهار الطرق التجارية العابرة للصحراء.

يعيش الجمل في بعض أكثر مناطق العالم قسوةً، وتتلاءم خصائصه الجسدية الفريدة تمامًا مع البيئة الصحراوية. فهو قادر على الاهتداء بدقة وسط الصحراء، وتحمل درجات الحرارة القصوى، والبقاء عدة أسابيع من دون شرب وعدة أشهر من دون طعام بفضل سنامه الذي يخزن فيه الماء والدهون. وعندما يشرب، يستطيع أن يستهلك ما يصل إلى 100 لتر من الماء دفعة واحدة. كما تتميز عيناه ومنخراه بخصائص خاصة تحميهما من الرمال، بينما يشكل وبره الكثيف حاجزًا ضد الحرارة. وبسبب هذه الصفات، يُستعمل الجمل، الملقب بـ«سفينة الصحراء»، وسيلةً لنقل الأشخاص والبضائع عبر الصحاري.

أقدم تمثال لجمل اكتُشف في مصر، ويعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد (المصدر)

ينحدر الجمل أصلًا من شبه الجزيرة العربية، وقد أُدخل إلى مصر منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، أولًا في شرق الدلتا، ثم انتشر جنوبًا على طول وادي النيل. (المصدر) أما دخوله إلى الصحراء الغربية فكان لاحقًا، بين القرن السابع والقرن الرابع قبل الميلاد، بسبب العائق الذي شكله نهر النيل. (المصدر) وتتزامن هذه الفترة مع ازدهار تجاري كبير لواحات الصحراء الغربية، وهو ازدهار ساهم الجمل فيه بلا شك، إذ أتاح لهذه الواحات تصدير منتجاتها الزراعية إلى وادي النيل وساحل البحر المتوسط. (المصدر) وكان تربية الجمال، التي تتطلب خبرة تقنية كبيرة، مقتصرًا إلى حد بعيد على القبائل البدوية.

وخارج مصر، ظهر الجمل في وقت متأخر أكثر. فقد كان مجهولًا في العصر البونيقي. وترد أول إشارة إلى الجمال في شمال إفريقيا الغربي في كتاب «الحرب الإفريقية» (Bellum Africum) المنسوب إلى يوليوس قيصر، حيث يروي أن 22 جملًا كانت مملوكة للملك يوبا الأول ملك نوميديا قد أُسرت قبيل معركة تابسوس سنة 46 ق.م. ويبدو أن هذا الحيوان كان آنذاك نادرًا، لا يملكه إلا أغنى ملوك المنطقة. أما الجيش الروماني، فيُرجح أنه استخدم الجمال لأول مرة سنة 70م أثناء الحرب بين لبدة الكبرى وأويا.

تمثال روماني لجمل، مصر، القرن الثالث الميلادي (المصدر)

ويُعتقد أن الجمل أُدخل على نطاق واسع إلى إفريقية الرومانية خلال القرن الثاني الميلادي. ويذكر الكاتب المسيحي الشمال إفريقي أرنوبيوس من سيكا الجمل نحو سنة 300م بطريقة توحي بأنه كان حيوانًا مألوفًا في المنطقة. كما يذكر المؤرخ الروماني أميانوس مارسيليانوس أنه في سنة 363م طلب رومانوس، قائد إفريقية (comes Africae)، من مدينة لبدة الكبرى أن تسلمه أربعة آلاف جمل. (المصدر) ومع ذلك، ظل الرومان يربطون الجمل أكثر بمناطق أخرى مثل الجزيرة العربية وسوريا، أكثر مما يربطونه بمصر وإفريقية.

ناقة مع حوارها، وادي جرات، الجزائر (المصدر)

وقد تبنت القبائل الأمازيغية هذا الحيوان الجديد بحماس، ولا سيما القبائل التي اعتادت الترحال في الصحراء منذ أجيال. فكان لحم الجمل وحليبه موضع تقدير لقيمتهما الغذائية، بينما استُخدم وبره في نسج الملابس والسجاد. كما استُعملت الجمال مركوبات للمحاربين. وكما هو الحال اليوم، كانت الجمال علامة على الثراء والمكانة الاجتماعية. وتُطلعنا صور الجمال في الفن الصخري على الدور الذي أدته في المجتمع الأمازيغي.

قبل إدخال الجمل، كانت الرحلات والمبادلات التجارية بين شمال إفريقيا وجنوبها محدودة للغاية، إذ كانت الصحراء الكبرى تمثل حاجزًا يكاد يستحيل اجتيازه. وقد جعل إدخال الجمل تطور التجارة العابرة للصحراء ممكنًا، من خلال تسهيل نقل البضائع عبر المناطق الصحراوية. فالقوة الكبيرة للجمال مكنتها من حمل كميات من السلع تفوق بكثير ما تستطيع الحمير حمله، وكانت الحمير قبل ذلك أكثر دواب النقل استخدامًا. كما أن قدرتها على التحمل تتيح لها قطع مسافات طويلة من دون إرهاق، حتى في أشد درجات الحرارة.

إمبراطورية غانا

ومع مرور القرون، نشأت شبكات تجارية حقيقية. وكانت الطريقان الرئيسيتان تمتدان من الصحراء المغربية إلى منعطف نهر النيجر، ومن قرطاج إلى منطقة بحيرة تشاد. كما وُجد طريق ثالث يمر عبر ليبيا، عابرًا فزان وواحات كاوار (في النيجر الحالية) وصولًا إلى بحيرة تشاد. وكان أوائل التجار الذين استخدموا هذه الطرق من الأمازيغ، ولا سيما صنهاجة، الذين كانوا يتوجهون إلى إفريقيا جنوب الصحراء للحصول على سلع ثمينة مثل الذهب والعاج والملح والعبيد، ثم يبيعونها على سواحل البحر المتوسط. وقد أدى ظهور إمبراطورية غانا نحو القرن الرابع الميلادي إلى تسريع ازدهار التجارة العابرة للصحراء بدرجة أكبر.

الطرق التجارية الصحراوية في العصر الإسلامي

كما سمح ازدهار الطرق التجارية بانتشار أفكار جديدة، وعلى رأسها الدين الإسلامي ابتداءً من القرن السابع الميلادي. فقد ورث المسلمون الطرق التجارية السابقة وطوروها أكثر، خصوصًا بعد اعتناق الطوارق للإسلام. وكانت المدن القافلية الكبرى، مثل تمبكتو وشنقيط وسجلماسة، مراكز تجارية مرموقة، وفي الوقت نفسه منارات للعلم والمعرفة الإسلامية.

شمال إفريقيا الرومانية

حين شنّت أويا الحرب على لَبْدة الكُبرى

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

كانت المدينتان القديمتان لَبْدة الكُبرى وأويا (طرابلس) متنافستين منذ تأسيسهما. وفي ربيع سنة 70م، استغلّ سكان أويا أزمةً داخليةً في الإمبراطورية الرومانية ليعلنوا الحرب على عدوّهم القديم. وبمساعدة الجرامنت، شنّوا هجمات على لبْدة الكُبرى وخرّبوا ريفها.

السياق

نيرون

في أواخر حُكم الإمبراطور نيرون، الذي ازداد طغيانًا، تمرّدت فصائل كبيرة من الجيش الروماني. انهزم نيرون، فانتحر سنة 68م. وبعد موته غرقت الإمبراطورية في حالة من الاضطراب، إذ تعاقب على العرش أربعة أباطرة في عام واحد.

وفي إفريقية، وقف الوالي الروماني وسيوس كالبورنيوس بيسو إلى جانب الإمبراطور فيتليوس. وعندما أُطيح بفيتليوس على يد إسفسيانوس، قام قائد الجيوش الرومانية في إفريقيا فاليريوس فستوس، حليف إسفسيانوس، بقتل الوالي وتولّى منصبه. مقالة مفصلة

الحرب بين أويا ولَبْدة الكُبرى

إسفسيانوس

رأى سكان أويا أنّ الإدارة الرومانية أصبحت ضعيفة، وظنّوا أنّ الوالي الجديد لن يتدخّل، فانتهزوا الفرصة لإعلان الحرب على أهل لَبْدة الكُبرى. أمّا السبب الرسمي للنزاع فكان التوتّر بين فلاحَي المدينتين بسبب سرقة المحاصيل والمواشي. لكنّ الحقيقة أنّ الأمر امتداد لعداوة قديمة.

ولأن سكان أويا أقلّ عددًا بكثير، فقد تحالفوا مع الجرامنت في فزّان. ومعًا نهبوا أرياف لَبْدة الكُبرى وبثّوا الرعب بين أهلها، الذين اضطرّوا للجوء خلف أسوارهم.

فسيفساء تُظهر إعدام جرامنتي، من مدرّج لبْدة الكُبرى (المصدر)

يروي المؤرخ الروماني تاكيتوس هذه الأحداث قائلًا: « لقد بدأت الخصومة بين الفلّاحين بسبب المواد الغذائية والقطعان المنهوبة من الجانبين، وكانت في بادئ الأمر خفيفة، لكنها انتهت تُخاض في ساحات القتال. ولما كان أهل أويا أقلّ عددًا، فقد استدعوا إليهم الجرامنت، وهم قوم لا يُروَّضون ومصدر دائم لقطاع الطرق، دائمًا على استعداد لغزو جيرانهم. وكانت لَبْدة في ضيق شديد، إذ كان ريفها البعيد مُخرَّبًا، وتحصّن سكانها خلف الأسوار خوفًا. ثم جاءت كتائبُنا وسرايا الفرسان، فهُزم الجرامنت واستعيدت الغنائم، ما عدا ما حمله العدوّ المتنقّل إلى أكواخه الوعرة وباعه في داخل البلاد.»

على خلاف ما توقعه سكان أويا، تدخّل الوالي الروماني لإنهاء الصراع. ويُحتمل أن تكون هذه الحرب أوّل مرة استخدم فيها الجيش الروماني الجِمال في العمليات العسكرية.

الفينيقيون في شمال إفريقيا

خبز الصحراء: زراعة التمر في شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

تنحدر أشجار النخيل من مناطق صحراء الجزيرة العربية، وقد زُرعت التمور في الشرق الأوسط والهند منذ آلاف السنين. أما في شمال إفريقيا، فإن وصولها كان أحدث نسبياً: فقد دخلت نخلة التمر إلى مصر منذ حوالي 6000 سنة، ثم إلى ليبيا منذ حوالي 3000 سنة. ومع انتشارها في المنطقة، حدث تزاوج بين نخلة التمر العربية ونوع بري محلي، ما أدى إلى ظهور نخيل التمر شمال الإفريقي. وإذا لم يكن الفينيقيون هم أصل زراعة التمر في شمال إفريقيا، فإنهم لعبوا على الأرجح دوراً مهماً في نشره.

نخيل التمر هو نوع من النخيل، أصله من الجزيرة العربية ووادي السند. وبفضل جذوره العميقة التي تسمح له بالوصول إلى المياه الجوفية التي لا تصل إليها النباتات الأخرى، إضافة إلى قدرته على تحمل الحرارة العالية، فهو مُكيَّف بشكل مثالي للحياة في المناطق الصحراوية. أما ثمرته الحلوة طبيعياً، فهي من أبرز رموز الزراعة في الواحات.

تعود أقدم الآثار الأثرية لزراعة التمر إلى حوالي 7000 قبل الميلاد في باكستان الحالية، وإلى حوالي 5500 قبل الميلاد في الجزيرة العربية. وقد انتشرت زراعة النخيل في مصر حوالي 4000 قبل الميلاد. أما في بقية شمال إفريقيا، فقد بدأت لاحقاً بكثير: حوالي 1000 قبل الميلاد في ليبيا، ومنها انتشرت إلى باقي المنطقة. ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن الأمازيغ النسمون كانوا يزرعون التمر في واحة أوجلة.

عند وصول نخيل التمر العربي (Phoenix dactylifera) إلى شمال إفريقيا، واجه نوعاً آخر من النخيل البري: Phoenix theophrasti، وهو نوع أصله من كريت وكان موجوداً في المنطقة بشكل بري. وقد حدث تهجين بين النوعين قبل حوالي 3000 سنة، ما أدى إلى ظهور نخيل التمر شمال الإفريقي الذي نعرفه اليوم.

ما هو دور الفينيقيين في نشر زراعة التمر؟ لا يزال هذا الدور غير واضح تماماً، لكن يُلاحظ أن الفترة التي بدأ فيها انتشار النخيل في شمال إفريقيا تتوافق مع تأسيس أولى المستعمرات الفينيقية. ويُشير الاسم اللاتيني للتمر (Phoenix) إلى الفينيقيين.

لم يكن الفينيقيون على الأرجح هم من أدخلوا التمر لأول مرة عبر سفنهم؛ إذ إن انتشار هذه الثمرة الصحراوية تم أساساً عبر الطرق البرية، من مصر إلى ليبيا. أما التهجين بين النخيل العربي والنخيل البري المحلي فهو على الأرجح نتيجة طبيعية، لكن الفينيقيين قاموا باختيار أفضل الأصناف بهدف تطوير أنواع جديدة. ومن المؤكد أنهم ساهموا بشكل كبير في نشر التمور المنتَجة في شمال إفريقيا، وخاصة الشكل الهجين الجديد، في أنحاء العالم المتوسطي.

عملة قرطاجية تُظهر نخلة تمر

لاحقاً، تطورت زراعة التمر بشكل كبير في قرطاج، حيث لعب التمر دوراً أساسياً في اقتصاد الإمبراطورية القرطاجية: فقد كان يُستخدم غذاءً أساسياً، ومحلياً طبيعياً، ووسيلة للتبادل التجاري، ومورداً اقتصادياً مهماً. وقد طوّر القرطاجيون تقنيات زراعية وأنظمة ري متقدمة لزيادة الإنتاج، مستفيدين من أراضيهم الخصبة. وكانت التمور القرطاجية تُصدَّر إلى مختلف أنحاء البحر المتوسط. كما كانت نخلة التمر رمزاً قوياً لقوة قرطاج وخصوبتها، وغالباً ما ظهرت على العملات.

استمرت زراعة التمر في قرطاج ومجال نفوذها خلال العصر الروماني. وفي العالم الروماني، كانت تُلوَّح أغصان النخيل خلال المواكب العسكرية رمزاً للنصر.

كما يحتل التمر مكانة رمزية مهمة في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية: فهو مذكور أكثر من 50 مرة في الكتاب المقدس، و20 مرة في القرآن. ويأكل اليهود التمر في أعيادهم الدينية. وفي المسيحية، تُستخدم أغصان النخيل في أحد الشعانين للاحتفال بدخول المسيح المنتصر إلى أورشليم قبل أسبوع من صلبه.

اليوم، ما تزال زراعة التمر تحتل مكانة مهمة في المشهد الاجتماعي والاقتصادي لشمال إفريقيا، خاصة في واحات الصحراء. ورغم أهميتها التقليدية، فإن هذه الزراعة مهددة بالجفاف والأمراض. ومع ذلك، لا تزال دول شمال إفريقيا، من مصر إلى المغرب، تنتج أكثر من 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

عدوّ جديد: حروب بيروس ضد قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

في القرن الثالث قبل الميلاد، أراد الملك اليوناني بيروس الإبيري أن يضع حدًّا للهيمنة الرومانية والقرطاجية في البحر المتوسّط، فقام بغزو صقلية لطرد القرطاجيين منها. ورغم أنّه حقق عدّة انتصارات، اضطر لاحقًا إلى الانسحاب، تاركًا لقرطاج استعادة المناطق التي كان قد فتحها.

السياق

مملكة إبيروس وحملات بيروس
بيروس الإبيري

كان بيروس ملكَ إبيروس، وهي منطقة تُقابل ألبانيا الحالية. وهو يونانيّ الأصل، وكان قريبًا بعيدًا للإسكندر الأكبر.

في تلك الفترة، كانت روما تسعى لفرض سيطرتها على كامل شبه الجزيرة الإيطالية. وبعد إخضاع الإتروسكيون، لم تبق خارج النفوذ الروماني سوى المدن اليونانية في جنوب إيطاليا (ماغنا غريسيا). أما صقلية فكانت مقسّمة بين النفوذ القرطاجي والمدن اليونانية التي تقودها سرقوسة. وقد خاض اليونانيون والقرطاجيون سبع حروب من قبل للسيطرة على الجزيرة.

في سنة 280 ق.م، دخلت مدينة تارانتوم في بوليا في صراع مع روما، فاستنجدت ببيروس. فجاء الملك بقواته إلى جنوب إيطاليا وحقق انتصارات عدّة على الرومان، خصوصًا في هيراكليا ثم في أسكولوم. لكن هذه الانتصارات كلّفته خسائر بشرية جسيمة، ممّا جعل عبارة «انتصار بيريّ» تُستخدم إلى اليوم للدلالة على الانتصار الذي يساوي الهزيمة بسبب غلاء ثمنه.

بيروس في صقلية (278–276 ق.م)

بعد انتصاره في أسكولوم، وصلت إلى بيروس رسائل من المدن اليونانية في صقلية تطلب مساعدته لطرد القرطاجيين من الجزيرة. وفي الوقت نفسه، دعاه المقدونيون لتولّي العرش بعد وفاة ملكهم. وبينما كان بيروس لا يزال يطمح إلى بناء إمبراطورية، أدرك أنه غير قادر على مواصلة الحرب ضد روما، فاختار التوجّه إلى صقلية.

قطعة نقدية تحمل صورة بيروس، ضُربت في سرقوسة سنة 275 ق.م.

نزل بيروس في الجزيرة سنة 278 ق.م، وبعد أن أجبر القرطاجيين على رفع حصارهم عن سرقوسة أعلنه السكان ملكًا على صقلية، وكانت قواته تضمّ 30 ألفًا من المشاة، و3000 فارس، و20 فيلًا حربيًا، و200 سفينة.

دامت حملته في صقلية ثلاث سنوات. وبعد انتصاره على القرطاجيين في هيراكليا مينوا، انضمت إليه مدن أخرى موالية لقرطاج مثل سيلينوس وسيجيستا. وفي سنة 277 ق.م، سقطت إيريكس، أهمّ حصون قرطاج في صقلية. كما أخضع المامرتيين في مسينة.

في سنة 276 ق.م، حاصر بيروس مدينة ليليبايوم، آخر معاقل قرطاج في الجزيرة. لكنه أدرك أنّ السيطرة عليها تستوجب أيضًا إغلاق مرفئها البحري، فجمع الأموال من مدن صقلية لبناء أسطول قوي. أدّت هذه الضرائب القاسية إلى تدهور شعبيته، ففقد دعم المدن اليونانية. وفي الوقت نفسه، بدأ الرومان يستعيدون المناطق التي كان بيروس قد فتحها في جنوب إيطاليا. فرفع بيروس حصاره عن ليليبايوم وانسحب من صقلية.

ما بعد ذلك

عاد بيروس إلى إيطاليا، لكنه هُزم سنة 275 ق.م في معركة بِنِفِنتوم أمام الرومان. ثم رجع إلى اليونان وتُوّج ملكًا على مقدونيا. قُتل سنة 272 ق.م بعد محاولته الفاشلة السيطرة على أسبرطة ثم على كامل الپيلوبونيز. وبعد موته، خضعت تارانتوم، آخر مدينة إيطالية مستقلّة، للحكم الروماني.

صقلية عشيّة الحرب البونية الأولى — الرمادي: الأراضي القرطاجية، والأخضر: الأراضي اليونانية، والأبيض: أراضي المامرتيين

استعادت قرطاج السيطرة على المدن التي تركها بيروس، فعاد ميزان القوى بين اليونانيين والقرطاجيين كما كان قبل الحرب. وبعد نحو عقد واحد فقط، دخلت روما وقرطاج—اللّتان كانتا حليفتين ضد بيروس—في صراع جديد للسيطرة على الجزيرة، وهو ما عُرف بالحرب البونية الأولى.

شمال إفريقيا الرومانية

سرت: آخر مدينة بونية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

في العالم القديم، كان صحراء سرت تمثّل حدًّا طبيعيًا بين الإمبراطورية القرطاجية واليونان في قورينائية، بينما كان خليج سرت يُخشاه البحّارة بسبب رماله المتحرّكة الخطيرة. وقد أسّس الفينيقيون مدينة باسم ماكوميدس–أفرانتا في موقع مدينة سرت الحالية. وبسبب عزلتها، أصبحت منطقة سرت آخر منطقة في العالم الروماني ظلّ سكّانها يتحدثون اللغة البونية، على الأقل حتى القرن الخامس للميلاد، وربما حتى بعد وصول العرب.

الأرغوناطيون في سرت

كانت ماكوميدس–أفرانتا في الأصل ميناءً فينيقيًا صغيرًا. في ذلك العصر، كانت سواحل خليج سرت معروفة بخطورتها الشديدة بسبب مصائد الرمال المتحرّكة، التي سمّاها الإغريق السيرتيس (من Σύρτις، أي “الممتدّة”)، والتي قد تتسبّب في جنوح السفن. ولهذا لم تتحوّل المدينة أبدًا إلى مركز حضري كبير.

وقد وردت الإشارات إلى خطورة المنطقة في الأدب القديم. ففي أسطورة الأرغوناطيين، تتحطّم سفينة أبطال اليونان على شاطئ سرت. ويصفها فرجيل في الإنيادة بأنها “السيرتيس غير المضيافة”. كما ورد ذكرها في الكتاب المقدّس: فخلال رحلة الرسول بولس إلى روما، خشي بحارة السفينة أن تَجْنَحَ نحو السِّرْتِس.

تمثال الأخوَين فيليني

كانت صحراء سرت، التي كان اجتيازها برًّا شبه مستحيل قبل إدخال استخدام الجمل، تشكّل الحدّ الطبيعي بين الإمبراطورية القرطاجية وقورينائية اليونانية. ووفقًا للأسطورة، فقد انطلق شابّان، أحدهما من قرطاج والآخر من قورينة، في اليوم نفسه، وسارا على طول الساحل لتحديد مكان الحدود بدقّة، حتى التقيا في نقطة معيّنة. وقد شُيّد عند تلك النقطة نصب تذكاري لتمييز الحدود.

كان هذا النصب مفقودًا بالفعل في العصر الروماني، لكن بُني نصب جديد يُعرف بـ قوس الأخوين فيليني خلال الاحتلال الإيطالي، ثم هُدم سنة 1973. أما التماثيل البرونزية التي كانت تعلوه فما تزال محفوظة في متحف مدينة السلطان قرب سرت.

قطعة ذهبية تحمل صورة أوفيلاس القوريني

عُبرت صحراء سرت لأول مرة سنة 308 قبل الميلاد، وذلك على يد جيش أوفيلاس، حاكم قورينا. وكان أوفيلاس في طريقه إلى قرطاج للانضمام إلى حليفه أغاثوقليس السيراقوسي الذي كان يحاصر المدينة.

وفي العصر الروماني، كان القسم الغربي من ليبيا الحالية يُعرف أولاً باسم سيرتيكا، ثم طرابلسية. وكانت منطقة سرت شديدة العزلة، ولم تكن تضم مركزًا إداريًا. ولعدّة قرون، كانت تعاني من قطاع الطرق برًّا والقراصنة بحرًا.

وفي القرن الرابع للميلاد، بُنيت مدينة أخرى باسم كورنيكلانوم في موقع أجدابيا الحالية، وقد اختير الموقع بسبب موارده من الماء العذب، فأصبح محطة مهمّة على الطريق بين طرابلس وقورينائية.

نقوش في سراديب الموتى في سرت (المصدر)

بسبب العزلة، أصبحت سرت آخر منطقة في الإمبراطورية الرومانية تُتكلّم فيها البونية. وقد اكتُشفت في سنة 1926 سراديب موتى تحتوي على نقوش مسيحية ثلاثية اللغات: اللاتينية واليونانية والبونية، تعود إلى القرن الخامس للميلاد. (المصدر)

وحتى في القرن الحادي عشر، كتب المؤرخ العربي البكري أن سكان سرت يتحدّثون لغة ليست اللاتينية، ولا الأمازيغية، ولا القبطية—وربما كانت شكلًا متأخرًا من البونية. وإذا صح ذلك، فإن القرب بين البونية والعربية ساعد بلا شك على تعرّبهم سريعًا.

شهدت مدينة سرت نموًا كبيرًا في عهد القذافي. فقد وُلد “القائد” في منطقتها، وجعل منها مركزًا حضريًا مهمًا، وكان يطمح أن تصبح عاصمة “الولايات المتحدة الإفريقية” التي كان يدعو إليها. ومنذ الثورة الليبية سنة 2011، عانت سرت كثيرًا، ثم احتلّها تنظيم داعش بين 2015 و2016، وهي اليوم تبذل جهودًا شاقة لإعادة الإعمار بعد سنوات الحرب.

الفينيقيون في شمال إفريقيا

أكادير: مدينة أمازيغية ومركز تجاري فينيقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

في العصور القديمة، كانت مدينة أكادير ميناءً فينيقيًا، وآخر حلقة في سلسلة من المراكز التجارية الممتدة على طول الساحل الأطلسي. غير أنّ اسم المدينة كان في الأصل أمازيغيًا، ممّا يدلّ على أنّ السكّان الأصليين للمنطقة كانوا يعرفون هذا الموقع قبل زمن طويل من وصول أوائل السفن الفينيقية. وقد اقتبس الفينيقيون هذا الاسم بالفعل، وأطلقوه أيضًا على عدد من المدن الأخرى التي أسّسوها.

بعد تأسيس قرطاج، أنشأ التجار الفينيقيون سلسلة من المراكز التجارية وراء أعمدة هرقل، على الساحل الأطلسي للمغرب الحالي. ومن هذه المراكز، أقام الفينيقيون علاقات مع السكّان الأصليين وتاجروا معهم. وكان آخر هذه المراكز مرجّحًا يقع عند رأس غير. ولا يُعرف شيء آخر عن هذا المركز الذي لم يكن كبير الأهمية (على عكس مركز الجزر الصخرية قبالة الصويرة، حيث طوّر الفينيقيون مصنعًا لإنتاج اللون الأرجواني). وقد عُثر في المنطقة على آثار فينيقية، أغلبها من الفخّار.

أكادير تاسكينت، الأطلس الصغير

اسم «أكادير» أمازيغي الأصل: فـ الأكادير (بتيفيناغ: ⴰⴳⴰⴷⵉⵔ) هو مخزن محصّن كانت تستعمله القبائل الأمازيغية الجبلية لتخزين محاصيلها وممتلكاتها. ولا تزال عدة أكادير قائمة في المغرب، عبر الأطلس الكبير والأطلس الصغير ووادي درعة. وعندما وصل الفينيقيون إلى المنطقة، استعاروا هذا المصطلح: ففي اللغة البونية، يعني «گَدير» (𐤀𐤂𐤃𐤓) الجدار أو السور المحصّن. وأطلق الفينيقيون هذا الاسم على مدن أخرى أسسوها، أبرزها گدير (قادس) في جنوب إسبانيا.

الطريق المحتمل لحنون الملاح

في القرن الخامس قبل الميلاد، قام المستكشف القرطاجي حنون الملاح برحلة استكشافية على الساحل الغربي لإفريقيا، مؤسسًا مستعمرات على طول طريقه (أو، الأكثر احتمالًا، معيدًا إحياء مستعمرات فينيقية قديمة مهجورة). ويذكر في روايته خمس مدن أسسها: كارِكُون-تيخوس (قلعة الشمس)، غيتّ (قد تكون من geth بمعنى “ماشية” أو من gt بمعنى “معصرة”)، أكرا (رأس صخري)، ميليتّا (النحلة)، وأرامبيس (جبل العنب). وهذه المدن يصعب تحديد مواقعها بدقة.

يرى بعض الباحثين أن أكرا قد تكون أكادير، لكن غالبية المختصين يضعونها شمالًا بين الجديدة والصويرة. والافتراض الأكثر قبولًا لهذه المدن الخمس، انطلاقًا من أسمائها، هو: أزمور، الجديدة، الوالدية، رأس البدوزة، وجزيرة موغادور قبالة الصويرة. أما نهر ليكسوس المذكور في الرواية، فهو على الأرجح وادي درعة.

شجرة الأرغان

كان من بين المنتجات التي باعها السكان المحليون للفينيقيين زيت الأرغان، الذي كان الأمازيغ يستخرجونه من ثمار شجرة الأرغان، وهي شجرة لا تنمو إلا في هذه المنطقة من العالم. ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان الفينيقيون قد بدأوا بالفعل في تصدير زيت الأرغان عبر كامل البحر المتوسط، مستعملينه غذاءً ومستحضرًا تجميليًا.

منارة رأس غير، بُنيت عام 1926

في العصر الروماني، كان رأس غير يُعرف باسم «رأس روصادير». وقد ورد هذا الاسم عند المؤرخ بوليبيوس، وهو مشتق من البونية Rs ‘dr، أي «رأس القوي»، في إشارة مرجّحة إلى الإلهة البونية تانيت. ولا يبدو أنّ مدينة كانت موجودة آنذاك. أمّا اسم رأس غير الحالي فهو مشتق من الأمازيغية إغير (ⵉⵖⵉⵔ) وتعني “كتف (الجبل)”.

أكادير أوفلا

أُسست المدينة الحالية على يد البرتغاليين سنة 1505 تحت اسم Santa Cruz do Cabo de Aguer (الصليب المقدس لرأس غير). وقد بنى البرتغاليون قصبة أكادير أوفلا. وأصبحت المدينة مغربية سنة 1541 بعد أن استعادها السعديون.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

قرطاجيّ في صقلية: الـ شوفت ماغون في سرقوسة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، خاضت قرطاج سلسلة من سبع حروب ضد الإغريق في صقلية للسيطرة على الجزيرة. حوالي سنة 345 ق.م، استغلّ الـ شوفت القرطاجي ماغون الانقسامات بين الفصائل السياسية المتنافسة في سرقوسة، أهم المدن الإغريقية في صقلية، ودخل المدينة بناءً على دعوة إحدى هذه الفصائل. لكنه فشل في تحقيق انتصار يسمح لقرطاج بالتفوّق على خصومها.

السياق

سرقوسة

ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد، أسّس الإغريق عدّة مستعمرات في جنوب إيطاليا. وكانت التأثيرات الإغريقية في تلك المنطقة قوية إلى درجة أن الرومان أطلقوا عليها اسم ماغنا غراسيا (اليونان الكبرى). أمّا في صقلية، فكانت سرقوسة أهم مستعمرة إغريقية، وقد تأسست حوالي عام 734 ق.م على يد مستوطنين من مدينة قورنثوس.

خلال معظم القرنين الخامس والرابع، كانت المدن الإغريقية في صقلية خاضعة لحكم الطغاة (قادة مستبدّين بعكس النموذج الديمقراطي اليوناني). ومن أشهر طغاة سرقوسة ديونيسيوس الأكبر (405–367 ق.م) وابنه ديونيسيوس الأصغر (367–357 ثم 346–344 ق.م).

حكم ديونيسيوس الأصغر

قطعة نقدية تحمل صورة ديونيسيوس الأصغر

كان ديونيسيوس الأصغر، الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين حين خلف والده، قليل الخبرة بالسلطة ويعيش حياة لهو وفساد. وتميزت السنوات الأولى من حكمه بتوترات مع عمّه ديون، الذي كان يسعى إلى إصلاح نظام الحكم في سرقوسة لجعله أكثر ديمقراطية. قام ديونيسيوس الأصغر بنفي ديون، لكن الأخير عاد عام 357 وقاد ثورة استولى بها على الحكم، قبل أن يُغتال سنة 354 ق.م.

قلعة أورياليوس: الحصن الذي لجأ إليه ديونيسيوس الأصغر

بعد سنوات من الاضطراب، استعاد ديونيسيوس الأصغر السلطة في سرقوسة سنة 346. لكن حكمه كان مهدَّداً من هيكاتاس، طاغية مدينة ليونتيني المجاورة وصديق ديون، الذي استقبل عائلته بعد مقتله. وأصبحت ليونتيني مركز تجمع للمعارضين لحكمه. وتمكن هيكاتاس من مهاجمة سرقوسة والسيطرة على المدينة كلها باستثناء القلعة، حيث تحصّن ديونيسيوس الأصغر.

في هذا الجو، قرر بعض أهالي سرقوسة، الذين سئموا الحروب المستمرة مع قرطاج والصراعات الداخلية التي أضعفت المدينة، طلب المساعدة من قورنثوس، المدينة الأم لسرقوسة. فأرسلت قورنثوس القائد تيموليون إلى صقلية لإعادة الاستقرار.

مهمة ماغون القرطاجي

لطالما لعبت المنافسة مع قرطاج دوراً مهماً في الصراعات السياسية داخل سرقوسة. ويبدو أن نفي ديون كان مرتبطاً برسالة بعث بها إلى السلطات القرطاجية يقترح فيها التشاور معه مباشرة في مفاوضات السلام.

قطعة نقدية سرقوسية تحمل صورة تيموليون

عندما وصل تيموليون إلى صقلية، بدأ بمهاجمة هيكاتاس وهزمه. وبعد وقت قصير، سلّم ديونيسيوس الأصغر القلعة لتيموليون، فانقسمت المدينة بين قوات هيكاتاس وقوات تيموليون.

ماغون في سرقوسة – صورة من إنجاز ChatGPT

في تلك اللحظة، دعا هيكاتاس القرطاجيين لمساعدته ضد خصمه الجديد. فدخل الـ شوفت القرطاجي ماغون ميناء سرقوسة على رأس أسطول كبير، ثم دخل المدينة بدعوة من هيكاتاس، آملاً الحصول على نتائج تخدم مصالح قرطاج.

لكن التدخل القرطاجي لم يدم طويلاً؛ فبعد وصوله بوقت قصير، واجه ماغون عداءً شديداً من سكان سرقوسة، وخشي التعرّض للخيانة، فسحب قواته وغادر إلى قرطاج. وبعد رحيله، هزم تيموليونُ هيكاتاس بسهولة وأصبح الحاكم الجديد لسرقوسة.

ما بعد ذلك

غادر ديونيسيوس الأصغر إلى المنفى في كورنثة، حيث توفي في العام التالي.

تيموليون

أقام تيموليون دستوراً جديداً في سرقوسة أعاد الديمقراطية بعد نصف قرن من حكم الطغاة. كما دعا مستوطنين من اليونان القارية إلى السكن في سرقوسة وغيرها من مدن صقلية لإعادة بناء الاقتصاد.

وبعد استقرار الوضع، استأنف الحرب ضد قرطاج. وحقق انتصاراً كبيراً على القوات القرطاجية بقيادة ماغون، الذي انتحر بعد هزيمته. وأُجبرت قرطاج على توقيع معاهدة سلام حافظت بموجبها فقط على سيطرتها على النصف الغربي من صقلية.

كرّس تيموليون سنواته الأخيرة للقضاء على ما تبقى من الطغاة. فهزم هيكاتاس في ليونتيني وأعدمه، ودخل التاريخ بوصفه محرّر صقلية.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

معركة هيميرا: هزيمة واسعة العواقب

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

في مطلع القرن الخامس قبل الميلاد، تدخلت قرطاج عسكريًا في صقلية ضد المدن اليونانية سرقوسة وأكراغاس. لكن الجيش القرطاجي مُني بهزيمة في معركة هيميرا. وقد أدّت هذه الهزيمة إلى إصلاح عميق في المجتمع القرطاجي، بهدف جعله أكثر ديمقراطية عبر الحدّ من سلطات الملك لصالح مجلس يُنتخَب من قبل الشعب.

معركة هيميرا – لوحة لجوزيبي شويوتي

السياق

منذ القرن السادس قبل الميلاد، كانت قرطاج، التي استقرت في شمال غرب صقلية، تدخل في صراعات متكررة مع المستعمرات اليونانية التي كانت تسيطر على معظم أجزاء الجزيرة. وكان الإغريق في صقلية أنفسهم منقسمين بين أيونيين ودوريين.

قبل معركة هيميرا: أراضي سرقوسة (باللون الأحمر)، والأراضي التي تسيطر عليها سرقوسة (باللون الأصفر) والأراضي التي تسيطر عليها أكراغاس (باللون الأزرق)؛ البقع السوداء: المدن القرطاجية

في ذلك الوقت، سقطت معظم المدن اليونانية في صقلية تحت سلطة الطغاة (الحكام المستبدين، على عكس المثل الديمقراطية اليونانية). جيلون، طاغية سرقوسة، الذي يسيطر على أكبر الأراضي، يعقد تحالفًا مع ثيرون من أكراغاس، ويشكل جبهة موحدة لليونانيين الدوريين، ضد اليونانيين الأيونيين والصقليين الأصليين. وفي مواجهة هذا التهديد، شكل الأيونيون تحالفًا مع قرطاج.

معركة هيميرا

قبر ثيرون من أكراغاس، الطاغية الذي هزم قرطاج في هيميرا

في عام 483، خلع ثيرون من أكراغاس تيريلوس، طاغية هيميرا الأيوني، الذي طلب المساعدة من قرطاج. تدخل القرطاجيون عام 480، خوفًا من أن يسيطر التحالف بين جيلون وثيرون على صقلية بأكملها.

هُزم الجيش القرطاجي بقيادة الملك حملقار الأول في معركة هيميرا. حملقار قتل في المعركة أو انتحر بعد هزيمته بحسب المصادر. لكن قرطاج احتفظت بأراضيها في صقلية.

أحدثت هذه الهزيمة تغييرات عميقة في المجتمع القرطاجي: تم استبدال الحكومة الأرستقراطية بمجلس منتخب، بملك يتمتع بسلطات رمزية بحتة.

فيما بعد

كانت معركة هيميرا الأولى في سلسلة من سبع حروب بين قرطاج والإغريق في صقلية، بقيادة سرقوسة، من أجل السيطرة على الجزيرة.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

الملوك القدامى لقرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

خلال القرون الأولى بعد تأسيسها، كانت قرطاج تُحكم على يد قائد يُسمّى شوفت. وكان المؤرخون اليونان والرومان يسمّونهم «ملوك قرطاج»، لكن معظم المؤرخين المعاصرين يرون أن هذا خطأ ناتج عن جهلهم بالنظام السياسي القرطاجي. ويبدو أنّ دورهم كان مختلفًا عن دور الملوك في أغلب الممالك القديمة. في هذا المقال، سنكتشف كل ما نعرفه عن «ملوك» قرطاج الأوائل.

شوفتة قرطاج: ملوك؟

إعادة بناء لقرطاج

تاريخ قرطاج القديم مجهول إلى حدّ كبير؛ حتى إنّ بعض المؤرخين يشكّون في إمكانية إعادة بنائه بسبب التدمير الكامل للمصادر القرطاجية عند تدمير المدينة. لذلك، لا نعرف على وجه اليقين ما كان عليه دور الشوفتة الأوائل. وعلى كل حال، فمن المرجّح أنهم لم يكونوا «ملوكًا» بالمعنى المعتاد في العصور القديمة، بل قضاة أو كبار حكّام (كلمة شوفت 𐤔𐤐𐤈 تعني “قاضي” باللغة الفينيقية) يُختارون لكفاءتهم، وربما كانوا «أوائل بين نظرائهم». ولا نعرف إن كانت هذه الوظيفة وراثية: فقد كان الشوفتة غالبًا من العائلات نفسها، لكن من المحتمل أن يكون ذلك مرتبطًا بالتربية أكثر من كونه وراثة سياسية.

ملوك قرطاج

إليك اللائحة الأكثر شيوعًا لملوك قرطاج القدماء، وهي مبنية على أعمال المؤرخ الفرنسي جيلبير شارل بيكار. وهذه اللائحة ليست إلا فرضية بين فرضيات أخرى. وجميع التواريخ المذكورة تقديرية.

الملوك الأوائل

عليسة

أول ملكة لقرطاج هي عليسة، الأميرة الفينيقية القادمة من صور والتي أصبحت المؤسِّسة الأسطورية للمدينة.

أول ملك تاريخي معروف هو حانون الأول الذي يُفترض أنه حكم بين 580 و556 ق.م. وربما كان من نسل عليسة. ولا نعرف شيئًا آخر عن حياته.

وخلفه مالخوس (556-550 ق.م)، وكان على الأرجح من أصل عسكري. وخلال حكمه بدأت الفتوحات القرطاجية لساحل شمال إفريقيا. وفي بداية عهده قاد حملة في صقلية، ربما استجابة لنداء مستعمرات فينيقية مهدّدة بالتوسع اليوناني. فأصبحت المدن الفينيقية في صقلية مثل موتيا وبانورموس وسولونتوم تابعة لقرطاج. ثم حارب الليبو في منطقة لبدة الكبرى للسيطرة على الساحل الليبي. وفي نهاية عهده، أُرسل إلى سردينيا على رأس جيش قوامه 80 ألف رجل لدعم المستوطنات الفينيقية ضد السكان النوراغيين المحليين. وبعد سلسلة انتصارات سمحت له بتأسيس مستعمرات بونيقية في الجزيرة، مُني بهزيمة أدّت إلى نفيه مع من بقي من جيشه. فعاد ليحاصر قرطاج، واستولى على المدينة بالقوة، وأعدم الذين نفوه.

سلالة الماغونيين (550-340 ق.م)

حوالي سنة 550 ق.م، استولى ماغون، أحد جنرالات الجيش القرطاجي، على الحكم. وقد حكم بين 550 و530 ق.م وأسّس سلالة حكمت قرطاج قرابة قرنين. ولا نعرف إن كان في الأصل قائدًا عسكريًا استولى على السلطة بالقوة أو اعتُرف به كملك شرعي.

ألاليا، أول ممتلكة قرطاجية في كورسيكا

بدأ ماغون الأول حكمه بإعدام مالخوس بتهمة الخيانة بسبب هجومه على قرطاج. وخلال عهده واصلت قرطاج ترسيخ نفوذها كأقوى قوة في غرب البحر المتوسط. وتحالف مع الأتروسكيين ضد الإغريق في ماساليا، وهو تحالف استمر حتى العصر الروماني. وحوالي سنة 540 ق.م، هاجم القرطاجيون والأتروسكيون معًا مدينة ألاليا الفوكية في كورسيكا. فانهزم الفوكيون واضطروا إلى ترك المدينة التي خضعت لقرطاج. ثم عزّز ماغون السيطرة القرطاجية على جنوب إسبانيا انطلاقًا من غادير (قادس). وفي نهاية حكمه، انهارت حضارة التارتيسيين، وهو شريك تجاري مهم لقرطاج، مما سمح للقرطاجيين بالسيطرة على مناجمهم الثمينة.

وخلفه ابنه صدربعل الأول (530-510 ق.م). ووفقًا للمؤرخ الروماني جوستين، فقد انتُخب «ملكًا» 11 مرة، وهو دليل على أن وظيفة الشوفت ربما كانت انتخابية وليست وراثية. ومع شقيقه حملقار، قاد حملة عسكرية في سردينيا. وحصل على أربعة انتصارات احتُفل بها، وهو القرطاجي الوحيد الذي نال هذا القدر من التكريم. وخلال حكمه، حاول الأمير اليوناني دوريوس من إسبرطة إنشاء مستعمرة قرب لبتيس ماغنا، لكنه هُزم. ومات صدربعل متأثرًا بجراحه في سردينيا حوالي 510 ق.م.

وخلفه أخوه حملقار الأول (510-480 ق.م) الذي واصل حرب السيطرة على سردينيا لمدة 25 عامًا. وكان السكان المحليون مدعومين من الإغريق في ماغنا غراسيا (جنوب إيطاليا). ويُعرف حملقار أيضًا بتوقيعه أول معاهدة بين قرطاج وروما، والتي حددت مجالات نفوذهما، واعترفت بسيطرة قرطاج على صقلية وسردينيا.

معركة هيميرا: نقطة تحوّل في تاريخ قرطاج

في أواخر حكم حملقار الأول، تدخلت قرطاج عسكريًا في صقلية ضد مدينتَي سرقوسة وأكراغاس، واندلعت أولى سبع حروب بين القرطاجيين والإغريق في صقلية. وهُزم الجيش القرطاجي في معركة هيميرا، وقُتل حملقار في المعركة أو انتحر — وربما كان انتحاره تضحية دينية لتغيير مسار الحرب. وبعد الهزيمة، أُجريت إصلاحات قلّصت من سلطة الملك، وأُنشئت جمعية مُنتخبة.

بعد هذه الإصلاحات، أصبحت تسلسل الملوك غامضًا. ويبدو أن ابن حملقار الأول، هملكون الأول، حكم المناطق القرطاجية في صقلية؛ وربما هو نفسه المستكشف هملكون الذي وصل إلى بريطانيا. كما أن حانون الملاح، مكتشف سواحل غرب إفريقيا، كان على الأرجح من الأسرة الماغونية، وربما ابنًا أو حفيدًا لحملقار الأول، وقد وصفته بعض المصادر بأنه «ملك».

وحكم حنبعل الأول (440-406 ق.م)، حفيد حملقار الأول، وقاد حملة عسكرية في صقلية سنة 410 ق.م. فسيطر القرطاجيون على مدينتَي سيليْنوس وهيميرا. وبعد انتصاره، أمر بإعدام 3000 أسير يوناني انتقامًا لهزيمة جده في هيميرا قبل 70 سنة. وبعد سنوات قليلة، مات حنبعل بالطاعون أثناء حصار أغريجنتوم.

Soldat carthaginois

وتوفي بوميلكار، ابن حنبعل الأول، بعد أيام قليلة من وفاة أبيه. لذا خلفه هملكون الثاني (406-396 ق.م)، وهو على الأرجح ابن حانون الملاح. وواصل الحرب في صقلية حتى أُبرمت معاهدة سلام مع سرقوسة. ثم تجددت الحرب سنة 398 ق.م، فحاصر هملكون سرقوسة. وبعد هزيمة، قرر رفع الحصار وإجلاء الجنود القرطاجيين فقط، تاركًا المرتزقة الأجانب. فصُدم القرطاجيون من ذلك وخلعوه. ووفق ديودور الصقلي، مات جوعًا في قرطاج ندمًا على أفعاله.

وخلفه ماغون الثاني (396-375 ق.م)، وهو من العائلة الماغونية لكنه ليس ابن هملكون الثاني. وفي بداية حكمه، واجه ثورة أمازيغية في إفريقيا. ثم حاول استعادة مسينة في صقلية لكنه فشل، فعقد معاهدة سلام جديدة مع سرقوسة. واستؤنفت الحرب في نهاية حكمه، وقُتل ماغون الثاني في المعركة.

عملة سرقوسية تحمل صورة تيموليون

وتولى ابنه ماغون الثالث (375-344 ق.م) قيادة الحرب في صقلية. وحوالي 345 ق.م، دخل سرقوسية بدعوة من إحدى الفصائل المتصارعة داخليًا. لكنه فشل في تحقيق نصر حاسم، وهُزم بعدها على يد الجنرال الكورنثي تيموليون. فانتحر هربًا من الصلب، العقاب الذي كانت قرطاج تفرضه على القادة المهزومين.

وخلفه حانون الثالث (344-340 ق.م)، آخر شوفت من السلالة الماغونية. وبعد هزيمة ماغون الثالث، قاد حملة قرطاجية في صقلية لكنه هُزم هو أيضًا.

السلالة الحانونية

ظهر حانون آخر لا ينتمي إلى العائلة الماغونية، وقد حقق نصرًا كبيرًا على الإغريق في صقلية سنة 367 ق.م. وأصبح من أغنى وأقوى رجال قرطاج طوال عشرين عامًا. وبعد سقوط حانون الثالث، حاول الاستيلاء على السلطة بمساعدة زعيم قبيلة أمازيغية محلية، لكن قُبض عليه وعُذب حتى الموت مع أفراد من أسرته.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، استدعت السلطات القرطاجية جيسكو، ابن حانون الذي كان منفيًا، لقيادة الحرب في صقلية. فحقق عدة انتصارات، لكنه لم ينجح في هزيمة تيموليون الذي تولى حكم سرقوسة.

أغاثوقليس السيراقوسي

قاد حملقار، ابن جيسكو، الجيش القرطاجي في حربه ضد أغاثوقليس ملك سرقوسة.

وحاول بوميلكار، شقيق حملقار (أو أحد أقاربه)، الاستيلاء على الحكم بعد وفاة حملقار. ولم يكتفِ بمنصب شوفت، بل أراد إعادة سلطة الملوك القديمة قبل إصلاح 480 ق.م. ففشل وصُلب.

وبعد محاولة الانقلاب التي قام بها بوميلكار، أجرى مجلس الشيوخ القرطاجي إصلاحات جديدة جعلت قرطاج جمهورية. ولمنع ظهور طاغية جديد، أصبح منصب الشوفت يُشغَل من طرف اثنين بدل شوفت واحد، بحيث يُنتخبان لمدة عام واحد ويمارسان السلطة بشكل مشترك.

وكان حانون الكبير، الأرستقراطي القرطاجي الذي كان الخصم الرئيسي لحنبعل خلال الحرب البونيقية الثانية، على الأرجح من نسل السلالة الحانونية.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

حملقار الرودسي: جاسوس قرطاجي في جيش الإسكندر الأكبر

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

يُعدّ الإسكندر الأكبر أعظم فاتح في العصور القديمة، إذ نجح في إنشاء إمبراطورية امتدت من مقدونيا، موطنه الأصلي، إلى نهر السند. وقد أثارت فتوحاتُه خوفًا كبيرًا في قرطاج، إلى حدّ أن القرطاجيين قرروا إرسال جاسوس لمتابعة تحركاته وإبلاغهم بمشاريعه.

الإسكندر الأكبر – فسيفساء عُثر عليها في بومبي

السياق: حملات الإسكندر الأكبر

كان الملك الشاب الإسكندر الثالث المقدوني، الذي ورث عن أبيه مملكة تسيطر بالفعل على معظم بلاد اليونان، يطمح قبل كل شيء إلى هزيمة العدوّ اللدود لليونانيين: الإمبراطورية الفارسية الشاسعة. وفي سنة 334 ق.م، عبر مضيق الهيلسبونت، وبدأ غزو آسيا الصغرى (تركيا الحالية).

حصار صور – رسم لأندريه كاستان

في سنة 332 ق.م، حاصر مدينة صور، عاصمة اتحاد المدن-الدول الفينيقية. وخلال هذا الحصار، تم إجلاء نساء المدينة وأطفالها إلى قرطاج. وأدرك الإسكندر في نهاية المطاف أنه لن يتمكن من السيطرة على المدينة إلا بامتلاك أسطول بحري. في تلك اللحظة، انضمّ إليه ثمانون سفينة فارسية قادمة من مدن كان قد أخضعها سابقًا، ثم تبعتها مئة وعشرون سفينة من قبرص، بعدما سمعت بإنجازاته ورغبت في الانضمام إليه. وبفضل هذا الأسطول، تمكن من السيطرة على المدينة. وهكذا لم تعد الحضارة الفينيقية، التي كانت تهيمن يومًا على جزء كبير من حوض البحر الأبيض المتوسط، موجودة إلا في إطار الشتات، الذي أصبحت قرطاج مركزه الرئيسي.

في العام التالي، فتح الإسكندر الأكبر مصر، وأسس العاصمة الجديدة لإمبراطوريته، التي سمّاها باسمه: الإسكندرية. أما اليونانيون في قورينائية، فقد خضعوا له طواعية، سعداء بظهور ملك يوناني يسعى إلى توحيد جميع اليونانيين. ثم واصل تقدّمه نحو الشرق.

وفي أكتوبر سنة 331 ق.م، واجه جيشَ الإمبراطور الفارسي داريوس الثالث في معركة غوغميلا (ويُرجَّح أنها تلّ تلّ غوميل قرب أربيل، في كردستان العراق الحالية). وكان انتصاره حاسمًا. فقد هُزمت الإمبراطورية الفارسية، العدوّ التاريخي لليونانيين. وخلال السنوات التالية، وسّع الإسكندر فتوحاتِه أكثر فأكثر نحو الشرق. وعند وفاته سنة 323 ق.م، كان يحكم أكبر إمبراطورية في تاريخ العالم القديم.

ردّ فعل قرطاج

تمثال فروسية للإسكندر الأكبر في سالونيك

في بداية حملات الإسكندر الأكبر، نظر إليه القرطاجيون بقدر من اللامبالاة، إذ كان جيشه بعيدًا عن حدودهم، ومهتمًا أساسًا بالمناطق الشرقية. لكن هذا الموقف تغيّر بعد سقوط صور، المدينة الأمّ لقرطاج، التي حافظت المستعمرة القديمة معها على روابط وثيقة. عندها بدأ القرطاجيون يخشون أن يتجه الإسكندر، بعد تحقيق أهدافه في الشرق، نحو الغرب، أي نحو إمبراطوريتهم. وقد ازدادت هذه المخاوف بعد تأسيس مدينة الإسكندرية على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، إذ بدا ميناؤها مرشحًا ليصبح منافسًا خطيرًا لقرطاج.

الجاسوس القرطاجي حملقار الرودسي – صورة مُنشأة بواسطة ChatGPT

في هذا السياق، قررت السلطات القرطاجية إرسال جاسوس إلى الإسكندر الأكبر. وكان هذا الجاسوس يُدعى حملقار الرودسي (ولا ينبغي الخلط بينه وبين حنبعل الرودسي، وهو ضابط قرطاجي خلال الحرب البونيقية الأولى). وقد تمثلت مهمته في إبلاغ قرطاج بمشاريع الإسكندر، ولا سيما ما إذا كان ينوي مهاجمة قرطاج.

ولا يرد ذكر هذا الجاسوس القرطاجي إلا عند ثلاثة مؤلفين من العصور القديمة: فرونتينوس، وهو ضابط عسكري روماني من القرن الأول الميلادي؛ وجوستين، مؤرخ لاتيني من القرن الثاني الميلادي؛ وأوروسيوس، مؤلف مسيحي من القرن الخامس الميلادي، كتب تاريخًا عالميًا من منظور مسيحي. وقد كتب هؤلاء جميعًا بعد الأحداث بعدة قرون، مما دفع بعض المؤرخين المعاصرين إلى التشكيك في رواياتهم. ومع ذلك، من المحتمل أنهم استندوا إلى مصادر أقدم فُقدت لاحقًا. واليوم، يقبل معظم المؤرخين بأن حادثة إرسال الجاسوس القرطاجي حملقار الرودسي هي واقعة تاريخية حقيقية.

فهل كانت المخاوف القرطاجية مبرَّرة؟ وهل كان الإسكندر الأكبر ينوي فعلًا العودة لمهاجمة قرطاج بعد إتمام فتوحاته في الشرق؟ في هذه المسألة، يختلف المؤرخون المعاصرون: فبحسب بعض المصادر، يُقال إنه بعد فتح صور، أعاد قرطاجيين كانوا يقيمون في المدينة، حاملين رسالة مفادها أن دور قرطاج سيأتي لاحقًا. غير أنه، حتى لو صحّ ذلك، فقد يكون الأمر أقرب إلى خطاب حربي تهديدي منه إلى مشروع غزو فعلي. لكن، على أي حال، فإن المخاوف القرطاجية كانت حقيقية تمامًا.

وسواء كان الإسكندر الأكبر قد خطط فعلًا لغزو قرطاج أم لا، فإنه لم يُتح له الوقت لتنفيذ ذلك: فقد توفي سنة 323 ق.م في بابل، وهو في الثانية والثلاثين من عمره فقط.