Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة صفاء المنصاري
كان أرنوبيوس من سيكا خطيبًا نوميديًا شهيرًا يُدرّس في سيكا (الكاف). وفي أواخر حياته، أثار دهشة كبيرة في الأوساط المسيحية المحلية عندما أعلن اعتناقه المسيحية، وهي ديانة حاربها طوال حياته. ولتهدئة مخاوف المشككين في صدقه، شرع في تأليف كتاب يدحض فيه معتقداته الوثنية السابقة.

وُلِد أرنوبيوس حوالي عام 240، في كيفيتاس بوبثينسيس (هنشير القصيبة، قرب أولاد مومن، بولاية سوق أهراس الجزائرية). بعد دراساته المتميزة في الأدب اللاتيني، درّس البلاغة في سيكا (الكاف)، واشتهر في المنطقة بعلمه الواسع. وكانت مدينة سيكا فخورة جدًا بساكنها الشهير.
على الرغم من تعليمه اللاتيني، كان أرنوبيوس ابنًا بارًا لشمال إفريقيا وفخورًا جدًا بأصوله الأمازيغية، كما اعتبر الغزو الروماني لأفريقيا حدثًا تاريخيًا عابرًا. كتاباته مليئة بالإشارات إلى جمال المنطقة الطبيعي ووفرة محاصيلها وقطعان الأغنام التي ترعى في الجبال وأشجار الزيتون التي تنمو في السهول، بالإضافة إلى موجات الجفاف وغزوات الجراد التي أتلفت المحاصيل.
في ذلك الوقت، كانت سيكا، كسائر مدن شمال أفريقيا، تضم جالية مسيحية قوية. كان أرنوبيوس يحتقر المسيحيين، إذ كان يعتبرهم جهلاء، ولم يتردد في مهاجمة إيمانهم في خطاباته. أما القادة المسيحيون المحليون، الذين كانوا على الأرجح مزارعين أو حرفيين غير متعلمين، فقد عجزوا عن الرد على حجج خصمٍ عنيدٍ كهذا.

ومع ذلك، حوالي عام 295، عندما كان قد كبر في السن، فاجأ أرنوبيوس الجماعة المسيحية في سيكا بإعلانه اعتناقه المسيحية! بدلًا من الفرح بانضمام رجلٍ جليلٍ كهذا إلى إيمانهم بعد صراعٍ طويل، رفض المسيحيون في البداية تصديقه: خافوا من محاولته اختراقهم وتدميرهم من الداخل. حتى أن أسقف سيكا رفض تعميده.
كان أرنوبيوس متلهفًا جدًا لقبوله في المجتمع المسيحي، لذلك قرر أن يؤلف كتابا دفاعيا لدحض معتقداته الوثنية السابقة. وكانت النتيجة، “ضد الأمم”، دعوةً قويةً للإيمان المسيحي وضد أكاذيب الأساطير والفلسفات الوثنية. أما بالنسبة لأرنوبيوس نفسه، كان الهدف من هذا الكتاب إقناع المسيحيين بصدق إيمانه بقدر ما كان إقناع الوثنيين بحقيقة المسيحية. ومن المحتمل جدًا أيضًا أن كتابه يروي رحلته الروحية، والأسباب التي دفعته إلى التخلي عن معتقداته السابقة واعتناق المسيحية ــ إذ يذكر كيف أن العديد من الأحلام التي راودته دفعته إلى اعتناق المسيحية.
كان جوهر حجج أرنوبيوس أن الدين الحقيقي يجمع بالضرورة بين القوة الروحية والفضيلة الأخلاقية. وكان على دراية تامة بالطوائف الوثنية الأفريقية واليونانية الرومانية، بكل طقوسها وتضحياتها، إذ مارسها لسنوات طويلة. ورغم إدراكه العميق للقوة الروحية الحقيقية التي يتمتع بها الكهنة الوثنيون وطقوسهم، إلا أنه لم يجد فيها خيرًا ولا فضيلة. بل على العكس تمامًا: كانت الأساطير مليئة بقصص آلهة فاسدة أخلاقيًا، زناة وقاتلين عنيفين. اشتهرت مدينة سيكا بمعبد فينوس الذي كان يعج بكاهنات يمارسن البغاء! أما الفلسفة، فقد علّمت مبادئ أخلاقية رائعة، لكنها تركت الإنسان عاجزًا عن التغلب على أنانيته وممارسة تلك الفضائل.

في هذه المرحلة، اكتشف أرنوبيوس المسيح، والذي تُظهر معجزاته قوة روحية تفوق قوة الكهنة الوثنيين، بينما تعاليمه عن محبة الأعداء ورفض الانتقام، كانت هي الأخرى أسمى من أسمى الفلسفات. وأخيرًا، من خلال قيامة المسيح، حظي المسيحيون بأملٍ أكيدٍ في الحياة الأبدية ــ وهو ما سعى إليه جميع الفلاسفة، مع أن أحدًا منهم لم يجده.
كتب أرنوبيوس كتابه وهو لا يزال حديث العهد باعتناقه، دفاعًا عن عقيدة لم يكن يعرفها جيدًا. كتاباته عاطفية ومثقفة وخيالية، لكن حججه كان من الممكن أن تُصقل لو خصص وقتًا أطول للتفكير فيها.
استغرق أرنوبيوس عدة سنوات في تأليف هذا الكتاب الذي لم يُكمله قبل وفاته. بعد فترة، قبله المسيحيون في سيكا أخيرًا أخًا لهم. وأصبح لاكتانتيوس، أحد تلاميذه، وهو مسيحي أيضًا، مستشارًا للإمبراطور قسطنطين.
