Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة صفاء المنصاري
عاشت ثيودورة، زوجة الإمبراطور البيزنطي جستينيان، في شمال أفريقيا في مدينة قورينا (سيرين)، قبل أن تصبح إمبراطورة. وبعد استعادة زوجها لمملكة الوندال في قرطاج، أظهرت اهتماماً كبيراً بهذه المنطقة، حتى أُعيد تسمية عدة مدن شمال أفريقيا تكريماً لها.
النشأة

وُلدت الإمبراطورة ثيودورة المستقبلية نحو عام 495م. مكان ولادتها غير مؤكد، لكنها نشأت في القسطنطينية. كانت من أسرة متواضعة الحال؛ كان والدها يعمل حارساً للدببة لدى فريق “الأخضر”، إحدى الفرق الرئيسية في سباقات العربات بالمدينة، بينما كانت والدتها راقصة. وبعد وفاة والدها، اضطرت والدتها إلى إرسال ثيودورة وأخواتها للتسول في ميدان سباق الخيل (الهيبودروم) أثناء سباقات العربات.
في سن المراهقة، بدأت ثيودورة العمل كممثلة في المسرح. وفي ذلك الزمن، كانت هذه المهنة تتضمن عروضاً ذات طابع جنسي على المسرح، إضافة إلى خدمات جنسية خارجه. ووفقاً للمؤرخ البيزنطي بروكوبيوس، قدّمت عرضاً فاضحاً كانت فيه طيور تلتقط الحبوب عن جسدها العاري. ويقدّم بروكوبيوس وصفاً فظاً جداً لحياتها الجنسية، ويذكر أيضاً أنها حملت عدة مرات وعرفت كيف تقوم بالإجهاض. من المؤكد أن رواية بروكوبيوس مبالغ فيها إلى حد كبير، إذ كان مستهجَناً في نظره أن يكون لإمبراطورة مثل هذا الماضي، لكن لا شك أنها كانت تمارس الدعارة.
وفي تلك السنوات، وضعت ثيودورة ابنة من أب غير معروف.
أول ظهور في أفريقيا
عندما كانت ثيودورة في حدود السادسة عشرة من عمرها، عُيّن عشيقها هيكيبولوس والياً على برقة. فتبعته ثيودورة إلى قورينا، حيث اكتشفت شمال أفريقيا.
لكن علاقتهما لم تدم؛ فقد افترقا بعد شجار في أفريقيا. وإذ وجدت ثيودورة نفسها بلا أي مورد للعيش، فتوجهت إلى الإسكندرية.
وتذكر بعض المصادر أنها التقت بالبطريرك تيموثاوس الثالث، بطريرك الإسكندرية، وأنها خضعت لتجربة تحوّل ديني عند لقائها به. وكان تيموثاوس الثالث من مؤيدي المذهب المونوفيزيتي (الطبيعة الواحدة)، الذي كانت الكنيسة الرسمية تعتبره مذهباً هرطوقياً.
ثم عادت ثيودورة إلى القسطنطينية، حيث تركت مهنة التمثيل واعتنقت حياة متواضعة، فعملت في غزل الصوف.
ثيودورة تصبح إمبراطورة

في القسطنطينية، تعرّفت ثيودورة على جستينيان، ابن الإمبراطور جستين الأول. أراد جستينيان الزواج من ثيودورة، لكن القانون كان يمنع رجلاً من مكانته من الزواج بممثلة. وعارضت الإمبراطورة أوفيميا هذا الزواج معارضةً شديدة. وبعد وفاة أوفيميا، أصدر جستين الأول قانوناً جديداً يسمح للممثلات السابقات بالزواج خارج طبقتهن بإذن من الإمبراطور، مما جعل زواج جستينيان وثيودورة ممكناً.
وقد شمل هذا القانون أيضاً أبناء الممثلات السابقات، فسمح لابنة ثيودورة بالزواج من أحد أفراد العائلة الإمبراطورية.
وأصبح جستينيان إمبراطوراً عام 527، عند وفاة والده. وبصفتها إمبراطورة، شاركت ثيودورة في شؤون الإمبراطورية، وكانت تقدّم النصح لزوجها، وكان لها تأثير قوي عليه. وتُوصف شخصيتها بأنها حازمة ونزّاعة إلى الانتقام، لكنها أيضاً وفية بعمق. وتُعتبر أكثر الإمبراطورات تأثيراً في التاريخ البيزنطي.
وقد شيّد جستينيان وثيودورة معاً كنائس كثيرة في القسطنطينية، من أشهرها كنيسة آيا صوفيا. وتميّز عهدهما بتوترات دينية بين أتباع المذهب الخلقيدوني الرسمي والمونوفيزيتيين. فبينما دعم جستينيان المذهب الرسمي، دعمت ثيودورة المونوفيزيتيين. لكن معظم المؤرخين المعاصرين يرون أنهما كانا يتظاهران بالخلاف بينهما فقط، من أجل دفع الطرفين نحو التوصل إلى حل وسط.
توفيت ثيودورة عام 548، وحكم جستينيان بعدها خمس عشرة سنة أخرى.
ثيودورة وأفريقيا
في عام 533، استعاد جستينيان الأراضي الرومانية السابقة في شمال أفريقيا، التي كانت خاضعة لاحتلال الوندال. وأصبحت أفريقيا البيزنطية ملكاً خاصاً للإمبراطور وإمبراطورته.

وفي عام 539، أمرت ثيودورة بإعادة بناء مدينة أولبيا (قصر ليبيا)، وهي مدينة قديمة في برقة كان الوندال قد دمّروها. وسُمّيت المدينة الجديدة “ثيودورياس” تكريماً لمؤسِّستها. وتضم كنيسة في المدينة نحو خمسين لوحة فسيفسائية، تُعتبر من أجمل الفسيفساء في العالم.
كما أُعيدت تسمية مدينة أفريقية أخرى، كولوليس (عين جلولة) في تونس الحالية، إلى “ثيودوريانا”، تكريماً لثيودورة.














































