المسيحية في شمال افريقيا

لاكتانتيوس والتسامح الديني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يُعدّ لاكتانتيوس أحد أبرز كتّاب وخطباء شمال إفريقيا في القرن الرابع للميلاد حيث انطلقت مسيرته الفكرية في موطنه الإفريقي، قبل أن ينتهي به المطاف مستشارًا للإمبراطور الروماني قسطنطين. وقد كان لتجربته الشخصية، بوصفه مسيحيًا عايش الاضطهاد الديني في عهد أسلاف قسطنطين، أثرٌ عميق في أفكاره، إذ أسهم في توجيه سياسة أول إمبراطور مسيحي نحو إقرار مبدأ التسامح الديني بين رعايا الدولة، على اختلاف معتقداتهم، مسيحيين كانوا أم يهودًا أم وثنيين.

سيرة لاكتانتيوس

Lactance

وُلد لوسيوس كايكيليوس فيرميانوس، المعروف باسم لاكتانتيوس، نحو سنة 250م في إفريقيا الرومانية، في أسرة يُرجَّح أن أصولها أمازيغية أو بونيقية، بحسب اختلاف الروايات. ولا يُعرف على وجه اليقين موضع مولده، غير أن نقشًا وُجد في مدينة سيرتا، قسنطينة الحالية، يذكر شخصًا يحمل الاسم ذاته، دون أن يُحسم ما إذا كان المقصود به هو لاكتانتيوس نفسه.

تلقّى تعليمه في البلاغة على يد أرنوبيوس من سيكا، ولا يزال الغموض يلفّ مسألة اعتناقه المسيحية، أكان ذلك بتأثير أستاذه أم قبل لقائه به. ثم اشتغل بالتدريس في مدينته، قبل أن يستدعيه الإمبراطور دقلديانوس، حوالي سنة 300م، للتدريس في البلاط الإمبراطوري. وهناك تعرّف إلى عدد من كبار رجال الدولة، من بينهم قسطنطين، الذي سيغدو لاحقًا إمبراطورًا.

في سنة 303م، أصدر دقلديانوس مرسومًا شديدًا ضد المسيحيين، قضى بهدم أماكن عبادتهم، وإحراق كتبهم المقدسة، ومنع تجمعاتهم، وإقصاء المسيحيين العاملين في أجهزة الدولة. وكان لاكتانتيوس قد أدرك قرب صدور هذا القرار، فآثر الاستقالة من منصبه قبيل إعلانه. وخلال السنوات التالية، قُتل الآلاف من المسيحيين في مختلف أنحاء الإمبراطورية، وكان لإفريقيا نصيب وافر من تلك الاضطهادات. وقد عايش لاكتانتيوس هذه الأحداث عن قرب، وخلّف لاحقًا مؤلفًا يوثق تلك المرحلة القاسية.

تنازل دقلديانوس عن الحكم سنة 305م، وخلفه غاليريوس الذي واصل سياسة الاضطهاد، قبل أن يضطر، تحت ضغط متزايد من قسطنطين، إلى إصدار مرسوم للتسامح سنة 311م، قبل وفاته بقليل. وبذلك، أصبحت المسيحية، لأول مرة في التاريخ الروماني، ديانة معترفًا بها رسميًا.

في بلاط قسطنطين

قسطنطين

اعتنق قسطنطين المسيحية سنة 312م، غير أن اهتمامه بها سبق ذلك بسنوات، إذ اختار لاكتانتيوس، وهو مسيحي، ليكون مربّيًا لابنه منذ سنة 310م، في زمن كانت فيه الاضطهادات لا تزال قائمة. وبعد اعتناق الإمبراطور للدين الجديد، أصبح لاكتانتيوس أبرز مستشاريه في شؤون السياسة الدينية.

كان السياق الذي مارس فيه لاكتانتيوس هذه المسؤوليات بالغ الخصوصية والتعقيد؛ فالمسيحيون لم يعودوا عرضةً للاضطهاد، بل إن الإدارة الإمبراطورية نفسها باتت تميل إلى دعم الديانة الجديدة، في حين ظلّت الغالبية الساحقة من سكان الإمبراطورية وثنية. أما النخبة، على وجه الخصوص، فكانت لا تزال متشبثة بالتقاليد الدينية القديمة. في هذا الواقع المستجد، وجد الإمبراطور نفسه أمام تساؤل حاسم: كيف ينبغي أن يتعامل مع رعاياه الذين لا يشاركونه إيمانه؟ هل يسعى إلى فرض عقيدته بالقوة، فيضطهد الوثنيين كما اضطهد أسلافه الوثنيون المسيحيين من قبل؟

كان موقف لاكتانتيوس على النقيض من ذلك تمامًا، إذ نصحه بانتهاج سياسة تقوم على التسامح الديني، أساسها الطابع الاختياري للعبادة. فالإكراه، في نظره، لا يصنع مؤمنين جدد، وإنما لا يُنتج إلا نفاقًا خاليًا من الصدق.

مخطوطة المؤسسات الالهية

يعرض لاكتانتيوس تصوّره للتسامح الديني في الكتاب الخامس من مؤلَّفه «المؤسسات الإلهية». وفيما يلي مقتطفات تُجمل فكره وتلخّص موقفه: “لا ينبغي اللجوء إلى القوّة، لأن الدين لا يكون إلا حرًّا. ينبغي استعمال الكلمة بدل الضرب، حتى يقبل من يقبله عن طواعية واختيار. […] فبين القسوة والتقوى بون شاسع، إذ لا تجتمع الحقيقة والعدل مع الشدّة ولا مع العنف. […] يجب الدفاع عن الدين لا بقتل الآخرين، بل بالموت في سبيله، لا بقسوة العذاب، بل بالصبر، لا بالجرائم، بل بالإيمان. ولما كان الدين خيرًا في ذاته، فإنه لا يقبل أن يُدافَع عنه بالشر. فإذا سعيتم إلى حمايته بسفك الدماء، وممارسة القسوة، وارتكاب الجرائم، فإنكم لا تدافعون عنه، بل تنتهكون حرمته. وليس شيء أَولى بالاختيار الحرّ من الدين، إذ إنّه يفسد كلّ الفساد متى أُكره من يقدّم عبادته على غير إرادته. وأفضل وسيلة للدفاع عن الدين هي أن يموت المرء من أجله؛ فبهذا يُثبَت أمام الناس، وفي الوقت نفسه تُحفَظ الأمانة التي وُهِبت لله. […] إن الإيمان الذي نحفظه لله تعقبه مكافأة أشدّ ثباتًا وأعظم إشراقًا، لأنه لا يدوم بقدر هذه الحياة الحاضرة، وهي قصيرة، فحسب، بل بقدر الحياة الآتية، وهي أبدية.”

وينطلق هذا التصور من فهم مسيحي لله والإنسان، حيث يُدعى الإنسان إلى عبادة الله عن قناعة وصدق، لا عن خوف وإجبار. فالعبادة القسرية، في نظره، عبادة باطلة، لأن الإيمان فعل ضمير. كما اعتبر أن لجوء الوثنيين إلى اضطهاد المسيحيين دليل على خطئهم، إذ إن العنف يتنافى مع عدالة الله.

حرص قسطنطين، إلى حدٍّ كبير، على ترجمة هذه المبادئ في سياسته الدينية. فقد أكدت قوانينه وخطاباته الرسمية صدق المسيحية، دون أن تفرض عقوبات على من رفض اعتناقها. كما عوقب أولئك المسيحيون الذين استغلوا نفوذهم الجديد للإساءة إلى اليهود أو الوثنيين. ولم تكن هذه سياسة حياد ديني بالمفهوم الحديث، بل تصورًا للحرية الدينية قائمًا على الاعتراف بحق الإنسان في الخطأ.

ويجد هذا المبدأ ما يوازيه في الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ كما تجلّى عمليًا في عهد عمر بن الخطاب مع الجماعات المسيحية واليهودية في بلاد الشام، حيث ضُمنت حقوقهم الدينية في إطار الدولة الإسلامية. غير أن لاكتانتيوس يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى الدين شأنًا فرديًا خالصًا، مرتبطًا بضمير الإنسان، لا بمجرد انتمائه إلى جماعة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول حدود الحرية الدينية.

وجوب صيام رمضان: مسألة نقاش دائم في المجتمعات المغاربية

في عالمنا المعاصر، حيث يعود عدد متزايد من أبناء شمال إفريقيا المقيمين في الخارج إلى بلدانهم بسبب تصاعد التمييز ضد المسلمين في الغرب، وفي وقت تعالت فيه الأصوات المطالِبة باحترام الحريات الفردية وحرية المعتقد داخل مجتمعاتنا، تكتسب أفكار لاكتانتيوس، راهنية خاصة. فهي تقدم نموذجًا تاريخيًا بديلًا للتعايش، يقوم على قبول الاختلاف، واحترام الضمير الإنساني، في مجتمع تتعدد فيه القناعات وتتنوع فيه أنماط العيش.

اترك تعليقاً