الوندال في شمال أفريقيا

جِنْسِريك: مَلِكُ الوَنْدال الذي غَزا أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، في نهاية المطاف حين غزا الوندالُ، وهم شعبٌ من أصل جِرماني، المنطقةَ. ففي عام 429، نزل الوندال بقيادة ملكهم جِنْسِريك في طنجة. وبعد عشر سنوات، فتحوا قرطاج حيث أسّسوا مملكةً لهم. في هذا المقال، نتعرّف على حياة جِنْسِريك، صانع الفتح الوندالي لشمال أفريقيا.

قطعة نقدية تحمل صورة جِنْسِريك

الأصول

جِنْسِريك هو الابن غير الشرعي لملك الوندال غوديجيزيل ولأَمَةٍ رومانية. ويعني اسمه “القويّ بالرمح”. وُلِد عام 389 قرب بحيرة بالاتون في المجر الحالية. وفي تلك الحقبة، كان الوندال، شأنهم شأن قبائل جرمانية أخرى، يهاجرون نحو الأراضي التي كانت تسيطر عليها الإمبراطورية الرومانية.

كان جِنْسِريك يافعًا حين عبَر الوندالُ نهرَ الراين عام 406 للاستقرار في بلاد الغال. وأثناء هذا العبور، مات أبوه في معركة ضد الفرنجة. فخلَفه أخوه غير الشقيق غوندريك على العرش، وأصبح جِنْسِريك ثاني أقوى رجل في قبيلته. وقد أدّى دورًا مهمًّا في نهب بلاد الغال، ثم في غزو إسبانيا عام 409.

يُوصَف جِنْسِريك بأنه رجلٌ متوسط القامة، قليل الكلام، سريع الغضب، شديد الطمع في الثروة. وكان أعرجَ بسبب سقوطه عن فرس في شبابه. وكان، كسائر الوندال، على المذهب الآريوسي، وهو عقيدةٌ تعدّها الكنيسة الرسمية هرطقةً.

حُلِيٌّ وندالية من ذهب

مات غوندريك عام 428 فخلَفه جِنْسِريك على العرش. وأسباب وفاة غوندريك غير واضحة؛ فمن المحتمل أن يكون جِنْسِريك قد اغتاله. وفي وقت لاحق، أمر جِنْسِريك بإعدام أرملة غوندريك، إذ أُلقيت حيّةً في وادي الرُّمّال قرب قسنطينة وحجرٌ حول عنقها.

في إسبانيا، أضعفت هجماتُ القوط، وهم قبيلة جرمانية أخرى أكثر عددًا، الوندالَ. فأدرك جِنْسِريك أنه لم تعُد له قوّةٌ على المقاومة، فقرّر التخلّي عن إسبانيا لخصومه والبحثَ عن أرضٍ جديدة لشعبه.

الوندال في أفريقيا

جِنْسِريك في طريقه إلى أفريقيا

في تلك الحقبة، كان بونيفاتيوس، حاكم أفريقيا الرومانية، على خلافٍ مع الأسرة الإمبراطورية. فاغتنم جِنْسِريك الفرصة لغزو شمال أفريقيا. ففي عام 429، عبَر ثمانون ألفًا من الوندال مضيقَ جبل طارق ونزلوا في طنجة.

وفي أقل من عام، بسط الوندال بقيادة جِنْسِريك سيطرتهم على كامل موريطانية، وهاجموا نوميديا. وفي عام 430، ألحقوا هزيمةً قاسية بالقوات الرومانية بقيادة بونيفاتيوس في معركة كالاما (قالمة). ثم حاصروا هيبّون (عنّابة) ودمّروا المدينة؛ ومات الأسقف أوغسطينوس الهيبّوني أثناء الحصار.

أرسل الرومان نجداتٍ عام 432 بقيادة القائد أسبار. فانتصر وندالُ جِنْسِريك من جديد. وأُسِر الإمبراطور الروماني المستقبلي مارقيان أثناء هذه الحملة.

في عام 435، وقّع جِنْسِريك معاهدة سلام مع الرومان. فاعترفت روما بالسيادة الوندالية على موريطانية ونوميديا، وفي المقابل التزم الوندال بدفع جزية. وأُرسِل هونريك، ابن جِنْسِريك، رهينةً إلى روما.

نقض جِنْسِريك الهدنة وعاد إلى الهجوم عام 439؛ فهاجم الوندال قرطاج على حين غِرّة واستولوا على المدينة دون مقاومة. وأسّس جِنْسِريك مملكة الوندال في أفريقيا، وجعل قرطاج عاصمةً لها. وبسط الوندال سيطرتهم على بيزاكينا (جنوب تونس) وطرابلس.

كوودفولتديوس، أسقف قرطاج

وإذ أراد جِنْسِريك أن يحوّل جميع رعاياه إلى المذهب الآريوسي، اضطهد مسيحيّي شمال أفريقيا، الكاثوليكَ والدوناتيّين على السواء. وبعد فتح قرطاج، نُفِي الأسقف كوودفولتديوس (ومعنى اسمه “ما يريده الله”) مع أغلب أساقفة شمال أفريقيا الآخرين. وقد أُركِب هؤلاء الأساقفة سفينةً قديمة بلا شراعٍ ولا مجاذيف، فتمكّنت لحسن الحظ من عبور البحر حتى نابولي. فاستقرّ الأساقفة المنفيّون في إيطاليا، وصار أحدهم، وهو غاوديوسيوس، أسقفًا لنابولي.

وعند فتح الوندال قرطاج، استولى جِنْسِريك على جزء كبير من الأسطول الروماني الراسي في ميناء قرطاج. ثم جهّزت المملكة الوندالية أسطولها الخاص الذي غدا يهدّد الإمبراطورية الرومانية في البحر الأبيض المتوسط. فاستولى الوندال على صقلية وسردينيا وكورسيكا وجزر البليار. ويُروى أن جِنْسِريك، إذ كان عاجزًا عن ركوب الخيل لِعَرَجه، كان يُطفئ ظمأه إلى المجد في البحر.

نهب روما

أُبرِمت معاهدة سلام جديدة بين روما والوندال عام 442. والتزم الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث بتزويج ابنته يودوكيا من هونريك، ابن جِنْسِريك.

نهب روما على يد جِنْسِريك

في عام 455، اغتِيل فالنتينيان، وأرغم قاتلُه يودوكيا على الزواج من ابنه. فاتّخذ جِنْسِريك من ذلك ذريعةً لغزو روما ونهب المدينة. وخطف يودوكيا مع أمّها وحملهما إلى قرطاج، حيث تزوّجت هونريك. وقد عجّل نهبُ روما على يد جِنْسِريك كثيرًا بانحدار المدينة، حتى السقوط النهائي للإمبراطورية الرومانية.

نهاية الحكم

خلال ما تبقّى من حكمه، صمد جِنْسِريك في وجه محاولاتٍ رومانية عدّة لاستعادة شمال أفريقيا. وقُرب نهاية حياته، حاول حتى أن يفتح شبه جزيرة بيلوبونيز، لكنه أخفق.

مات عام 477 عن سبعٍ وثمانين سنة، بعد عامٍ من سقوط الإمبراطورية الرومانية. وخلَفه ابنه هونريك. وسيكون جميع ملوك الوندال من بعده من نسله، لكن لن يكون لأيٍّ منهم السلطةُ نفسها التي كانت له على رعاياه.

اترك رد