القوط في شمال أفريقيا

إفريقيا القوطية: القوط الغربيون الإسبان في سبتة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English – Español

ترجمة مريمة أڭرام

في زمن استعادة البيزنطيين السيطرة على شمال إفريقيا، استفاد القوط الغربيون الإسبان من هزيمة الوندال، فبسطوا سيطرتهم على أراضٍ إفريقية تقع قبالة إسبانيا، في محيط سبتة. وقد احتلوا سبتة لنحو عشر سنوات، قبل أن يطردهم البيزنطيون منها.

شبه جزيرة سبتة

عندما هاجم البيزنطيون قرطاج سنة 533، أرسل ملك الوندال جيلمار مبعوثين إلى إسبانيا لطلب المساعدة من القوط الغربيين. وعندما وصل المبعوثون إلى طليطلة، عاصمة القوط الغربيين، كانت قرطاج قد سقطت بالفعل. وكان ثيوديس، ملك القوط الغربيين، قد أُبلغ بهزيمة الوندال، لكن المبعوثين لم يكونوا على علم بذلك.

استقبل ثيوديس المبعوثين بحفاوة وأقام مأدبة تكريماً لهم، لكنه رفض عندما طلبوا منه عقد تحالف ضد البيزنطيين، وأعادهم إلى بلادهم للحصول على مزيد من الأخبار. وعاد المبعوثون إلى قرطاج دون أن يعلموا أن ملكهم قد هُزم، فقتلهم البيزنطيون فور وصولهم.

بعد ذلك، قرر ثيوديس اغتنام فرصة هزيمة الوندال؛ فعبر مضيق جبل طارق واستولى على مدينة سبتة والمنطقة المحيطة بها. وكان احتلال القوط الغربيين لسبتة الوجود القوطي الوحيد الذي استمر لفترة طويلة في شمال إفريقيا، رغم عدة محاولات فاشلة للاستقرار فيها.

وفي سنة 542، فرض البيزنطيون حصاراً على سبتة براً وبحراً. وأرسل القوط الغربيون جيشاً للدفاع عنها، لكنه فشل في الحفاظ على المدينة. ووفقاً للأسقف إيسيدور الإشبيلي، رفض القوط الغربيون المقيمون في سبتة القتال يوم السبت، مما أتاح للبيزنطيين مهاجمتهم وقتل جميع أفرادهم.

الوندال في شمال أفريقيا, القوط في شمال أفريقيا

غوداس، الحاكم القوطي لسردينيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

في بداية القرن السادس، كانت مملكة الوندال في قرطاج متحالفة بشكل وثيق مع ثيودوريك العظيم، ملك القوط الشرقيين في إيطاليا وأقوى ملك جرماني في ذلك العصر. وكان العديد من القادة العسكريين ذوي الأصل القوطي يخدمون الوندال في شمال إفريقيا. وكان من بينهم غوداس، وهو أحد النبلاء القوط عيّنه الملك الوندالي جيلمار حاكمًا لسردينيا، لكنه تمرّد على سيده وساند الإمبراطور البيزنطي جستينيان في إعادة فتح شمال إفريقيا.

السياق

قطعة ذهبية تحمل صورة ثيودوريك العظيم

كان الملك الوندالي ترازاموند (496-523) متزوجًا من أمالافريدا، شقيقة ثيودوريك العظيم. وقد مثّل عهد ترازاموند وأمالافريدا ذروة النفوذ القوطي في البلاط الوندالي.

بعد وفاة ترازاموند، قادت أمالافريدا تمردًا ضد خلفه هلدريك، لكنها أُسرت وأُعدمت. كما أمر هلدريك بإعدام الجنود القوط الذين كانوا يحيطون بها، من أجل الحد من النفوذ القوطي في مملكته.

أثارت سياسة هلدريك المعادية للقوط والمؤيدة للمسيحية الكاثوليكية معارضة النبلاء الوندال. وفي سنة 530، أُطيح به على يد جيلمار، الذي أصبح ملكًا مكانه.

غوداس السرديني

قطعة برونزية تحمل صورة غوداس، عُثر عليها في سردينيا

عيّن جيلمار، الذي أراد استعادة ودّ القوط، النبيل القوطي غوداس حاكمًا لسردينيا، وهي جزيرة متوسطية كانت خاضعة لسيطرة الوندال.

نحو سنة 533، تمرّد غوداس على جيلمار، وتوقف عن دفع الضرائب المستحقة لقرطاج، وأعلن نفسه ملكًا على سردينيا. كما أقام تحالفًا مع الإمبراطور البيزنطي جستينيان، آملًا أن يعترف بسيادته على سردينيا.

أرسل جيلمار جيشًا كبيرًا إلى سردينيا بقيادة شقيقه تزّازو، وكان يتألف من معظم الجنود الوندال المتاحين في إفريقيا. واستولى تزّازو على كالياري، عاصمة الجزيرة، وقتل غوداس.

غير أن تمرد غوداس تبيّن أنه كان كارثيًا على مملكة الوندال: ففي الوقت الذي كان فيه تزّازو في سردينيا، نزل الجيش البيزنطي، بقيادة القائد العام بيليساريوس، في شمال إفريقيا. وفي ظل غياب جيش وندالي قادر على الدفاع عن أراضي المملكة، سيطر البيزنطيون على المنطقة بأكملها خلال بضعة أشهر. وعندما عاد تزّازو إلى إفريقيا، كانت قرطاج قد سقطت بالفعل. وهُزم تزّازو نفسه وقُتل على يد البيزنطيين بعد ذلك بوقت قصير.

الوندال في شمال أفريقيا

إيسيدور الإشبيلي ووندال شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هند لفتى

في مطلع القرن السابع الميلادي، ألّف الأسقف إيسيدور الإشبيلي كتابًا بعنوان تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين حيث تناول فيه، إلى جانب موضوعات أخرى، ملوك الوندال الذين حكموا شمال إفريقيا. وتنبع أهمية هذا المؤلَّف من كونه، خلافًا لغيره من المصادر التاريخية، لا يتخذ موقفًا عدائيًّا اتجاه الوندال.

إيسيدور الإشبيلي

وُلِدَ إيسيدور الإشبيلي نحو سنة 560م في قرطاجنة (قرطاج الجديدة قديمًا)، في أسرة ثرية ذات نفوذ في إسبانيا الرومانية. وقد اضطلعت أسرته بدور مهم في المناورات السياسية والدينية التي أفضت إلى انتقال ملوك القوط الغربيين في إسبانيا من المذهب الآريوسي إلى المذهب الكاثوليكي؛ حيث كان أخوه الأكبر لياندر أسقفا على إشبيلية حين اعتنق الملك ريكارد المسيحية الكاثوليكية سنة 589م.

وفي نحو سنة 600م، خلف إيسيدور أخاه في أسقفية إشبيلية. وخلال مدة أسقفيته، أشرف على تجديد التعليم الشعبي بمدينة إشبيلية، فتحولت المدينة إلى مركز ثقافي ذي تأثير في إسبانيا. كما عرَّف أبناء وطنه على أرسطو وأفكاره قبل عدة قرون من العرب.

مخطوطة كتاب الإتيمولوجيا

ألَّف إيسيدور الإشبيلي العديد من الكتب. ويُعدّ مؤلَّفه الأشهر، الإتيمولوجيا، موسوعة تضم مجمل المعارف في عصره: حيث يركز في المقام الأول على أصول الكلمات، لكنه يتناول كذلك موضوعات متنوعة مثل النحو والرياضيات وعلم الفلك والطب والقانون واللاهوت، وما إلى ذلك. فلو لم يتضمن هذا الكتاب اقتباسات من العديد من مؤلفات العصر الكلاسيكي القديم لضاعت كلها. ولذلك يُنظر إلى إيسيدور الإشبيلي على أنه آخر كبار علماء العصر القديم.

ومن مؤلَّفات إيسيدور الإشبيلي كتاب تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين، وهو كتاب تاريخي حول الممالك الجرمانية التي خلفت الرومان في أوروبا الغربية وشمال إفريقيا، حيث خصَّص جزءا كبيرا من الكتاب حول القوط الغربيين في اسبانيا، موطنه. كما سعيَ إيسيدور إلى أن يبين أنهم جزء لا يتجزأ من الحضارة الأوروبية وحضارة شمال إفريقيا وليس غزاة أجانب. ومع أن الكاتب كان معاديا لعقيدتهم الآريوسية، فقد رأى في اعتناقهم للمسيحية الكاثوليكية الخطوةَ اللازمة ليتبوؤوا مكانتهم المشروعة بوصفهم ورثةَ الرومان في المنطقة.

أما الجزء المتعلق بملوك الوندال في قرطاج، فهو قصير إلى حدٍّ كبير، ومستوحى من تاريخ فيكتور التونوني. ومع ذلك، يظل هذا الجزء ذا أهمية، إذ يُعدّ المصدر التاريخي الوحيد عن الوندال الذي لا يتخذ منهم موقفًا عدائيًا؛ فبينما يصوّرهم المؤرخون الرومان الأقدمون غزاةً عنيفين، يكتب إيسيدور الإشبيلي بتحفظ أكثر عن غزوهم لشمال إفريقيا وعن حكم كل من ملوكهم.

بالإضافة إلى الوندال، تطرق الكاتب كذلك إلى العديد من الغارات التي شنّها القوط على شمال إفريقيا، وهي وقائع نسيها معظم مؤرخي المنطقة.

لقراءة كتاب إيسيدور الإشبيلي على هذه الصفحة. هنا يبدأ الجزء الخاص بالوندال.

الوندال في شمال أفريقيا

الأندلس : هل هي أرض الوندال ؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عبدالرحيم ابوالشيخ

إثر الفتح الأموي لشبه الجزيرة الإيبيرية، اُطلق على إسبانيا الإسلامية اسم “الأندلس”. وتتجاذب أصل هذه التسمية فرضيات جمة، يبرز من بينها احتمال انحدارها من اسم “الوندال“، وهم قبيلة جرمانية استوطنت إسبانية خلال القرن الخامس الميلادي.

الأندلس سنة 732
قطعة نقدية باللغتين العربية واللاتينية تحمل اسم الأندلس

برز اسم “الأندلس” على قطع العملات المعدنية التي سكها الأمراء الأمويون في إسبانيا ابتداء من عام 715م. وقد أثار أصل ها الاسم -الذي لا يشبه أي تسمية أخرى أطلقت على إسبانيا قبل تلك الفترة- حيرة المختصين طويلا. أما الصيغة الإسبانية “أندلوسيا” فقد ظهرت خلال القرن الثالث عشر. 

بلاد الوندال ؟

مملكة الوندال

تعد النظرية الأقدم -التي حضيت بإجماع طويل- أن هذا الاسم مشتق من “الوندال”. فقد استقر هذا الشعب ذو الأصول الجرمانية في إسبانيا مطلع القرن الخامس الميلادي، ثم عبر منها لغزو شمال افريقيا، مؤسسا مملكة عاصمتها قرطاج. ومع استرجاع البيزنطيين لشمال افريقيا، عاد أغلب الوندال إلى إسبانيا.

وقد ظهرت هذه الفرضية للمرة الأولى في كتاب “تاريخ إسبانيا”، الذي وضعه رئيس أساقفة طليطلة “رودريغو خيمينيث دي رادا” في القرن الثالث عشر. وبعد ذلك بقليل، دوّن العلامة ابن خلدون أيضا أن اسم “الأندلس” مستمد من “الوندال”.

احتمالات أخرى

الأندلس : حديقة الهيسبريدس؟

وتوجد نظريات أخرى ؛ فبالنسبة للمستشرق الإسباني اللبناني “ميغيل كاسيري”، كات اسم “أندلس” في الأصل اسما عاما بطلق على الغرب، وهو المقابل العربي لكلمة “هيسبريا” (Hesperia)، التي ترمز إلى حديقة الهيسبريدس في الأسطورة الاغريقية.

أما المؤرخ وعالم الإسلاميات الألماني “هاينس هالم”، فقد اقترح أصلا قوطيا لكلمة “الأندلس”. والقوط هم شعب جرماني احتل إسبانيا عقب رحيل الوندال نحو شمال افريقيا ؛ وكان إقليمه يعرف باللاتينية باسم (Gothica sors) أي (حصة القوط). ويعيد “هالم” بناء مصطلح قوطي يقابل هذا التعبير اللاتيني، وهو (Landahlauts) (أي أراضي الحصص)، ليتحول هذا اللفظ في العربية عبر التحريف إلى “الأندلس”.

ووفقا للمؤرخ الإسباني “خواكين بالبي بيرميخو”، فإن التعبير العربي “جزيرة الأندلس” قد يكون ترجمة للعبارة اليونانية التي تعني “جزيرة الأطلسي” أو “أتلانتس”.

الأناضول : هل لها نفس أصل الأندلس ؟

بالنسبة للباحث خوسيه راميريز ديل ريو من جامعة قرطبة، فإن مصطلح “الأندلس” لا يشير إلى الغرب، بل إلى الشرق. ويشير إلى أن هذا الاسم قريب من اسم “الأناضول”، المشتق من الكلمة اليونانية “أناطولي- Anatolê” والدالة على الشرق أو المشرق، والتي أصبحت “أنادولو – Anadolu ” باللغة التركية، إذ إن إسبانيا، من منظور طنجة أو سبتة تقع في جهة الشرق.

وأخيرا، يرى المستعرب الإسباني “فيديريكو كورينتي” أن اسم “الأندلس” هو تحريف للفظ القبطي ” emender / lês”، الذي يعني “الجنوب الغربي”. فقد فهم العرب الكلمة على أنها am / andalîs، وبحكم أن أغلبهم كانوا من أصول يمنية، فقد اعتبروا مقطع (am) أداة تعريف مما أدى إلى اعتماد صيغة “الأندلس”. (المصدر)

وتجدر الإشارة إلى أن نظرية الأصل الوندالي، ورغم تعرضها لانتقادات مستمرة، تظل الأكثر شعبية ورواجا. ومن المحتمل أن العرب ظنو أن حرف (V) في كلمة (Vandalus) هو أداة تعريف، فجاءت صياغ “الأندلس” بناء على ذلك.

فيما بعد

قاعة الأعمدة في مسجد-كاتدرائية قرطبة

تشكل الأندلس اليوم الإقليم الواقع في أقصى جنوب إسبانيا. ولا يزال التأثير العربي-الإسلامي قويا جدا في هذه المقاطعة : حيث تضم العديد من مدنها، ولاسيما إشبيلية وقرطبة وغرناطة ، بعضا من أفخم المباني الموروثة من العصر الإسلامي في جميع أنحاء إسبانيا.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا, الوندال في شمال أفريقيا

القبائل الأمازيغية في الصحراء في العهد الوندالي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

لطالما كانت القبائل الأمازيغية في الصحراء الكبرى معادية للهيمنة الرومانية على شمال إفريقيا، لأن الأسوار والتحصينات التي أقامها الرومان على حدودهم كانت تمنع البدو من التنقل بحرية في أراضي أجدادهم. وبعد الفتح الوندالي، شعرت القبائل الصحراوية بأنها قريبة من هذا الشعب الذي كان يشاطرها نمط الحياة البدوي، فانضمت إلى خدمة الملك الوندالي جنسريك. وقد جُنّدت كقوات مساعدة في الجيش الوندالي، وشاركت في نهب روما. غير أن تحالفها مع الوندال لم يدم طويلاً؛ فما إن عادت إلى إفريقيا حتى ثارت القبائل الصحراوية على الوندال.

محاربو الصحراء الأمازيغ في الجيش الوندالي – صورة أنشأها ChatGPT

في شمال إفريقيا، أقام الرومان شبكة واسعة من الحصون على امتداد حدودهم الصحراوية، لحماية أنفسهم من هجمات القبائل المعادية. وهكذا، لم تعد القبائل الأمازيغية في المنطقة، التي كانت تعيش تقليدياً حياة الترحال، قادرة على التنقل بحرية مع قطعانها. وكانت قبائل الصحراء، على وجه الخصوص، شديدة الاستياء من هذا التعدي على أسلوب حياتها التقليدي.

بعد الفتح الوندالي للمنطقة، لم يسعَ الوندال، الذين اعتادوا على رفاهية الحياة الحضرية خلال إقامتهم في إسبانيا، إلى التوسع نحو الجنوب. وقد انجذبت القبائل الصحراوية إلى هذا الشعب الجديد الذي كان يشاطرها حياة الترحال، فانضمت إلى خدمة الوندال. وقد جنّدها الملك الوندالي جنسريك كقوة مساعدة في جيشه، حيث كانت أساليبها القتالية القاسية، التي اكتسبتها في الصحراء، موضع تقدير كبير.

الأمازيغ في جيش جنسريك ينهبون روما – صورة أنشأها ChatGPT

وشارك الصحراويون الذين خدموا في جيش جنسريك في نهب روما، عاصمة الإمبراطورية. ويذكر الأسقف والشاعر الغالو-روماني سيدونيوس أبوليناريس عدة قبائل جنّدها جنسريك، وهي: الجرامنت في فزان، والمرماريدون في قورينائية، والبسيلة في منطقة سرت، والنسامون في واحة أوجلة.

غير أن التحالف بين الوندال وقبائل الصحراء لم يدم طويلاً. فبعد عودته إلى إفريقيا إثر نهب روما، أمر جنسريك بتسميم الآبار تحسباً لهجوم روماني مضاد محتمل. وبالنسبة إلى بدو الصحراء، كان ذلك أسوأ حتى من القيود التي فرضها الرومان على تنقلهم ومراعيهم. فثارت القبائل على الفور، ولم يتمكن الوندال بعد ذلك من إخضاعها مرة أخرى.

وحوالي سنة 510، قاد كاباون، زعيم قبيلة لواتة الأمازيغية، التي كانت تعيش في جبال نفوسة، ثورة كبيرة ضد الملك الوندالي ترازاموند، وانتزع من الوندال السيطرة على جزء كبير من طرابلسية.

الوندال في شمال أفريقيا, الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

كاباون: ثورة زعيم أمازيغي ضد الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

في مطلع القرن السادس الميلادي، وبينما كانت شمال إفريقيا تحت الاحتلال الوندالي، قاد كاباون، وهو زعيم أمازيغي ليبي، ثورة ضد الملك الوندالي تراسموند، بل وألحق به هزيمة كبرى. وقد أضعفت حرب كاباون الوندال في إفريقيا وأسهمت في سقوطهم.

السياق

الممالك الأمازيغية الجديدة ـ 8: مملكة كاباون

غزا الوندال، وهم شعب جرماني، شمال إفريقيا وأسسوا مملكتهم، متخذين من قرطاج عاصمة لها. وخلال عهد الملك القوي جِنْسِريك (427 ـ477)، كانت الثورات الأمازيغية ضد الوندال تُقمع بسهولة، لكن بعد وفاة جايزريك، تحركت القبائل الأمازيغية ونجحت في تحرير بعض الأراضي من السيطرة الوندالية، مثل ألطافا (منطقة تلمسان)، ثم الأوراس.

هاجر اللواتيون، وهي قبيلة أمازيغية أصلها من قورينائية (برقة)، من واحة إلى أخرى واستقروا في طرابلس، حيث تحالفوا مع عدة قبائل محلية. وحوالي سنة 510، سيطروا على جزء كبير من إقليم طرابلس، من جبال نفوسة إلى الساحل، حيث أسسوا مملكة. وبالتعاون مع قبائل أمازيغية أخرى من بيزاسين (جنوب تونس حاليًا)، قادوا هجمات ضد الوندال.

كان زعيم اللواتيين هو كاباون. واليوم، توجد قرية في جبال نفوسة تُسمى كاباو، تبعد 30 كم عن نالوت. ومن المحتمل أن يكون اسم هذه القرية مشتقًا من اسم كاباون.

حرب كاباون

كاباو: عاصمة كاباون؟

في سنة 523، قرر الملك الوندالي ترازاموند تهدئة إقليم طرابلس بمهاجمة كاباون. وحين علم كاباون بالهجوم، أمر جميع رعاياه بالانسحاب إلى معسكرين، أحدهما للرجال والآخر للنساء؛ وكان يُحظر على أي شخص، تحت طائلة الإعدام، دخول معسكر الجنس الآخر.

وخلال حملة تراسموند، أرسل كاباون جواسيس لتعقب الوندال أينما ذهبوا، ولإصلاح الأضرار التي كانوا يتسببون بها. وقد أثار موقف كاباون تجاه المسيحيين إعجابًا كبيرًا لدى المؤرخين المسيحيين اللاحقين: فرغم أنه لم يكن مسيحيًا، إلا أنه كان يحترم بشدة أماكن العبادة المسيحية، وأعاد ترميم كل ما دمّره الوندال منها. ويزعم أنه بذلك كان يأمل بأن يحظى برضا الإله المسيحي.

ووقعت المعركة الحاسمة عندما وصل الوندال إلى معسكر كاباون. فاحتمى الأمازيغ خلف سياج من الجمال وقاتلوا مترجلين، مستخدمين بشكل رئيسي أسلحة القذف التي فتكت بصفوف الوندال. وقد هُزمت قوات تراسموند، التي أربكتها هذه التكتيكات القتالية التي لم تواجهها من قبل.

وبعد هزيمتهم، فقد الوندال سيطرتهم على إقليم طرابلس، واهتزت هيمنتهم على المنطقة بأكملها. وبعد نحو عشر سنوات، هُزموا وطُردوا من إفريقيا على يد البيزنطيين.

المسيحية في شمال افريقيا, الوندال في شمال أفريقيا

اضطهاد الوندال لمسيحيي شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

اجتاح الوندال شمال إفريقيا خلال القرن الخامس الميلادي، وكانوا يعتنقون الديانة المسيحية وفق المذهب الآريوسي، مما دفعهم إلى محاولة إجبار جميع رعاياهم على اعتناق عقيدتهم. وقد أسفر ذلك عن حملة اضطهاد قاسية استهدفت المسيحيين من السكان الأصليين في شمال إفريقيا، حيث قُتل آلاف المؤمنين لرفضهم التخلي عن إيمانهم والتحول إلى الآريوسية.

السياق التاريخي

كان الوندال، شأنهم شأن الشعوب الجرمانية الأخرى، يعتنقون الآريوسية، وهي عقيدة اعتبرتها الكنيسة المسيحية الرسمية “هرطقة”. ومع وصول الوندال إلى شمال إفريقيا، وجد الأهالي المسيحيون أنفسهم في حالة من التخبط أمام هذه العقيدة الدخيلة التي لم يألفوها من قبل. ورغم أن أوغسطينوس أسقف هيبون كان قد وضع كتاباً يدحض فيه الآريوسية، إلا أن قلة قليلة من السكان كانت لا تزال تتقن اللاتينية بما يكفي لقراءته.

وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض من القوط الذين كانوا آريوسيين أيضاً لكنهم اتسموا بالتسامح مع الطوائف الأخرى، سعى الوندال إلى فرض عقيدتهم على جميع رعاياهم، فمارسوا الاضطهاد ضد مسيحيي شمال إفريقيا، بشقيهم الكاثوليكي والدوناتي. وقد أُعدم مئات المسيحيين لتمسكهم بعقيدتهم خلال العهد الوندالي، كما تعرضت العديد من الراهبات للاعتداء. وقد ترك لنا الأسقف فيكتور الفيتي (من فيتا/بني دراج)، الذي عاصر هذه الأحداث، كتاباً مفصلاً يوثق فيه هذه المرحلة.

التسلسل الزمني للاضطهاد الوندالي

كودفولتديوس أسقف قرطاج

عقب سقوط قرطاج، نُفي الأسقف كودفولتديوس (والذي يعني اسمه “ما يريده الله”) برفقة أغلب أساقفة شمال إفريقيا. وقد حُشروا في قارب متهالك بلا أشرعة ولا مجاديف، لكنه تمكن من عبور البحر وصولاً إلى نابولي. استقر الأساقفة المنفيون في إيطاليا، وأصبح أحدهم، ويدعى غاوديوسيوس، أسقفاً لنابولي.

ظلت أسقفية قرطاج شاغرة لسنوات طويلة بعد هذا النفي. وفي عام 454، وتحت ضغط من الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث، سمح الملك الوندالي جنسريك أخيراً بتعيين ديوغراتياس أسقفاً جديداً لقرطاج. وبعد قيام الوندال بنهب روما، أقدم الأسقف ديوغراتياس على بيع ممتلكات الكنيسة لافتداء الرومان الذين اختُطفوا وبِيعوا كعبيد في قرطاج، ووفر لهم المأوى في كنائس المدينة الكبرى قبل إعادتهم إلى روما. وبوفاته عام 457، عاد الشغور ليضرب المنصب الأسقفي من جديد.

وتبرز في تلك الحقبة قصة “أوليفيا”، وهي شابة مسيحية تنحدر من صقلية، اختطفها الوندال وباعوها كأمة في تونس، ثم أُعدمت لتمسكها بعقيدتها. ويُعتقد أن ضريحها هو الموقع الحالي لجامع الزيتونة بتونس العاصمة.

وخلال عهد جنسريك، صاغ فيكتور الكارتيني (أسقف كارتينا/تنس في الجزائر الحالية) رداً يفند فيه الآريوسية أهداه للملك جنسريك. ورغم ضياع هذا المُؤَلَّف، إلا أن اسم الكاتب ورد في كتاب “مشاهير الرجال” (De Viris Illustribus) لـ جيناديوس المارسيلي، وهو تجميع لسير ذاتية موجزة لشخصيات مؤثرة.

يودوكيا
قطعة نقدية تحمل صورة هونريك

تفاقم الاضطهاد خلال فترة حكم هونريك (477-484)، نجل جنسريك. ففي مستهل حكمه، سعى لتهدئة التوترات في مملكته بالسماح بانتخاب أوجين أسقفاً لقرطاج بعد 24 عاماً من الشغور. لكنه سرعان ما عاد لانتهاج سياسات والده القمعية. أدت سياساته الدينية إلى نشوب خلافات حادة مع زوجته يودوكيا (ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث)، التي كانت تدين بالكاثوليكية، وانتهى بها المطاف بالفرار إلى القدس حيث توفيت.

وفي عام 483، استدعى هونريك 466 أسقفاً كاثوليكياً من شمال إفريقيا إلى سيكا (الكاف) لعقد مناظرة علنية مع الأساقفة الآريوسيين، محاولاً إجبارهم على التراجع عن عقيدتهم. وأمام رفضهم، أمر باعتقالهم. ويروي فيكتور الفيتي كيف اضطر لرشوة الحراس ليتمكن من زيارة هؤلاء السجناء، الذين تم ترحيلهم لاحقاً إلى الصحراء؛ فمات جلهم في الطريق، وأُعدم الناجون منهم فور وصولهم.

ورغم أن أعداد الضحايا قد تكون مبالغاً فيها في المصادر، إلا أن الوقائع التاريخية ثابتة. ولم تُحفظ أسماء سوى اثنين من هؤلاء الضحايا: فيليكس أسقف أبير جرمانيكيانا (هنشير النعام)، وكبريانوس أسقف أونيزيبيرا (هنشير زمبرة). كما أشار فيكتور الفيتي إلى ابنة أسقف زوريتانا (عين جور) التي سُجنت مع ابنها.

فرومينتيوس وفيكتوريان

شهد عام 484 تنفيذ حكم الإعدام في حضرموت (سوسة) بحق كل من فرومينتيوس، وهو تاجر من قرطاج، وفيكتوريان، والي حضرموت، بسبب تمسكهما بعقيدتهما.

وفي العام ذاته، أُحرق ليتوس، أسقف نيبتا (نفطة)، حياً بأمر من الملك. وتروي الأساطير أنه بعد مرور 50 عاماً، ظهر ليتوس في منام الإمبراطور البيزنطي جستينيان، ليناشده تخليص شمال إفريقيا من الوندال.

أما أهالي تيبازة، الذين رفضوا اعتناق الآريوسية، فقد تعرضوا لقطع أياديهم اليمنى وألسنتهم. ووفقاً لـ فيكتور الفيتي، فقد استمروا بأعجوبة في التحدث والاعتراف بإيمانهم. كما أورد المؤرخ ذاته قصة إعدام سبعة رهبان في قفصة لنفس السبب.

إضافة إلى ذلك، باع الوندال عدداً من الأهالي كعبيد لقبائل أمازيغية في الداخل الإفريقي. ويذكر فيكتور الفيتي أن بعض هذه القبائل اعتنقت المسيحية لاحقاً بفضل هؤلاء الأسرى، وعلى رأسها قبيلة “كابرابيكتي” في الجنوب التونسي. ومن المحتمل أن تكون الجذور المسيحية المروية في التراث لبعض القبائل الأمازيغية، مثل صنهاجة الريف أو رڭراڭة في شمال الصويرة، عائدة إلى هؤلاء الأسرى.

تراجع سياسة القمع

مع اعتلاء الملك غونتاموند (484-496) العرش خلفاً لهونريك، وضع حداً لسياسات الاضطهاد. ومن المرجح أن كتاب فيكتور الفيتي قد دُوِّن خلال فترة حكمه.

فولجانس دي روسبي

لاحقاً، أصدر الملك ترازاموند (496-523) قراراً يحظر تعيين أساقفة جدد ليحلوا محل الأساقفة المتوفين، آملاً بذلك القضاء على الكاثوليكية تدريجياً دون اللجوء إلى العنف. وفي حوالي عام 504، أقدم الأسقف فيكتور الفيتي على ترسيم فولجانس أسقفاً لروسبي (هنشير السبية). وعقاباً له على انتهاك الحظر الملكي، نُفي فيكتور الفيتي إلى سردينيا حيث توفي قرابة عام 510.

خلال العقود التالية، برز فولجانس دي روسبي كأكثر الشخصيات تأثيراً في الأوساط الكاثوليكية بشمال إفريقيا، حيث دخل في مناظرات علنية مع الأساقفة الآريوسيين وألّف كتباً لدحض مذهبهم. ورغم نفيه عدة مرات، استمر في نشاطه حتى وفاته عام 527.

وفي عام 523، آل حكم الوندال إلى هلدريك (523-530)، نجل هونريك ويودوكيا. وبفضل تأثره بوالدته الكاثوليكية، انتهج سياسة التسامح الديني؛ فتم تعيين بونيفاسيوس أسقفاً كاثوليكياً جديداً لقرطاج، وسُمح لفولجانس دي روسبي بالعودة من منفاه. وخلال عهد هلدريك، بدأت أعداد من الوندال في اعتناق المذهب الكاثوليكي.

الوندال في شمال أفريقيا, القوط في شمال أفريقيا

ثورة قوطية: جيساليك في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

في سنة 511، أطاح جيساليك، ملك القوط الغربيين في إسبانيا، بملك القوط الشرقيين في إيطاليا ثيودوريك العظيم. ففرّ جيساليك إلى قرطاج، إلى بلاط ملك الوندال ترازاموند. وعندما حاول استعادة إسبانيا، وضع ترازاموند الأسطول الوندالي تحت تصرفه، قبل أن يتخلى عنه تحت ضغط ثيودوريك.

السياق

مملكة القوط الغربيين في إسبانيا – باللون البرتقالي الفاتح: الأراضي التي فقدوها سنة 507، بعد هزيمتهم أمام الفرنجة.

استقر القوط في إسبانيا منذ القرن الخامس، وأقاموا مملكة في هذه المنطقة على أنقاض الإدارة الرومانية. ومنذ أن فتح ثيودوريك العظيم إيطاليا، أصبح يُشار إلى مملكة القوط الغربيين في إسبانيا، لتمييزها عن مملكة القوط الشرقيين في إيطاليا.

كان ألاريك الثاني، ملك القوط الغربيين، متزوجًا من ثيوديغوند، ابنة ثيودوريك العظيم، ملك القوط الشرقيين. وكان ثيودوريك أقوى الملوك الجرمانيين في تلك الفترة.

جيساليك ملكًا للقوط الغربيين

قُتل ألاريك الثاني سنة 507، أثناء معركة ضد الفرنجة. وكان ابنه الشرعي الوحيد، أمالاريك، لا يزال صغيرًا جدًا على الحكم. لذلك اختار القوط الغربيون جيساليك، وهو ابن غير شرعي لألاريك الثاني، ليخلفه. وقد دعم ثيودوريك العظيم جيساليك في بداية عهده.

إمبراطورية ثيودوريك العظيم بعد سقوط جيساليك

في سنة 508، استولى البورغنديون على ناربون، عاصمة القوط الغربيين. ففرّ جيساليك إلى برشلونة. وبعد ثلاث سنوات، في سنة 511، أطاح به ثيودوريك العظيم، وأعلن نفسه ملكًا على القوط الغربيين إلى أن يبلغ حفيده أمالاريك سن الرشد.

فرّ جيساليك إلى قرطاج، حيث تلقى دعم ملك الوندال ترازاموند. ولمساعدته على استعادة عرشه، وضع ترازاموند الأسطول الوندالي تحت تصرفه لغزو إسبانيا.

عندما علم ثيودوريك العظيم أن ملك الوندال، وهو أحد حلفائه والمتزوج من أخته أمالافريدا، اختار دعم جيساليك، غضب وأرسل إليه رسالة يأمره فيها بسحب دعمه له. وأدرك ترازاموند أنه ليس قويًا بما يكفي لمواجهة ملك القوط الشرقيين، فتخلى عن جيساليك. وبعد فترة قصيرة، أُلقي القبض على جيساليك وقُتل.

حكم ثيودوريك العظيم إمبراطورية قوطية موحدة حتى وفاته سنة 522. وبعد وفاته، خلفه حفيداه أمالاريك واتالاريك في إسبانيا وإيطاليا.

الوندال في شمال أفريقيا

هل حقا خرب الوندال فعلاً شمال أفريقيا؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

يُعرف الوندال، وهم شعب جرماني غزا شمال أفريقيا في القرن الخامس الميلادي، بأنهم محاربون لا يرحمون نهبوا ودمروا العديد من المدن التي غزوها. وفي الوقت الحاضر، تعني كلمة “vandalism” “التخريب” تدمير ممتلكات الآخرين. فهل هذه السمعة لها أساس من الصحة؟ يعتقد معظم المؤرخين أن المصادر القديمة بالغت في وصف عنف الوندال.

صورة الغلاف: أطلال مدينة هيبون (عنابة)، المدينة التي دمرها الوندال.

إيزيدور، أسقف إشبيلية، تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين

تعتبر المصادر الرومانية (أوغسطينوس الهيبوني، وإيزيدور الإشبيلي) أو البيزنطية (بروكوبيوس القيسراني، ويوردانس) أهم مصادرنا القديمة الرئيسية عن الوندال. وبما أن هؤلاء المؤلفين كانوا أعداءً للوندال، فإن الطريقة التي وصفوهم بها مبالغ فيها بلا شك.

وفقا لمعظم المؤرخين المعاصرين، لم يكن غزو واحتلال الوندال لشمال أفريقيا عنيفًا بشكل خاص مقارنةً بما كان شائعًا في ذلك الوقت. فالمدينة الوحيدة التي دُمّرت بشكل كبير هي هيبون (عنابة)، حيث أُحرقت أحياء بأكملها ومبانٍ عامة بعد حصار عامي 430-431. ورغم نجاة المدينة، فإنها لم تستعد ازدهارها السابق. ومع ذلك، لا توجد أي دلائل على وقوع مجازر أو فظائع أخرى واسعة النطاق ضد السكان المدنيين.

أطلال حمامات أنطونين، قرطاج – التي دمرها الوندال

دمّر الوندال في قرطاج مبانٍ مهمة كالمسرح والأوديون وحمامات أنطونين. وقد قدمت الاستراتيجية العسكرية تفسيراً وجيهاً لذلك، إذ يُمكن بسهولة تحويل هذه المعالم إلى حصون في حال اندلاع انتفاضة مدنية. وقد حدث الشيء ذاته في مدن أخرى حيث دُمّرت أسوار المدينة لنفس السبب.

تعرضت العديد من مدن شمال أفريقيا للنهب، بما في ذلك قسنطينة وهدروميتوم (سوسة) ولبدة الكبرى. وقد سرع هذا النهب تدهور الحياة الحضرية وقد عوقبت معظم هذه المدن لإبدائها مقاومة الوندال. أما المدن الأخرى، مثل قرطاج وأوتيك وهيبو دياريتوس (بيزرت) وسيكا (الكاف)، فلم لم يتم الحفاظ عليها فحسب، بل طُوّرت وزُينت على يد الوندال خاصة عند قرب نهاية عصرهم بعد أن رسّخوا سيطرتهم. كان الوندال يعتمدون على البنية التحتية الحضرية الرومانية ولم يكن لديهم أي مكسب من تدمير المدن، إلا إذا واجهوا مقاومة.

نهب روما على يد الوندال

في عام 455، امتد غزو ونهب الوندال لروما لأسبوعين. واتسم نهب روما على يد الوندال بأنه كان أشد تدميراً من نهب القوط لها عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، للاستيلاء على بلاطاته البرونزية المذهبة. كما دمروا قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء. ومع ذلك، فحتى أثناء نهب روما، لم تُفرض أي ضرائب على السكان لأن أسقف روما، ليو الأول، تفاوض مع ملك الوندال، جِنْسِريك، وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وعدم تعذيب السجناء.

قتل الواندال للبائعين المسيحيين فيكتوريان وفرومينتيوس من قرطاج وهادروميتوم بسبب دينهما

من جهة أخرى، فإن الاضطهاد الديني الذي تعرض له مسيحيون شمال أفريقيا موثقٌ توثيقاً جيداً. فقد كتب الأسقف المسيحي فيكتور الفيتي كتاباً يسرد فيه تفاصيل هذا الاضطهاد. ومع ذلك، من المهم التذكير بأن أساقفة شمال أفريقيا كانوا في كثير من الأحيان قادة سياسيين للمقاومة ضد الوندال، ولذا فإن العنف الممارس ضدهم كانت له دوافع سياسية ودينية على حد سواء.

مجوهرات ذهبية واندالية

تُعزى سمعة الوندال في الغالب إلى ولعهم بالنهب. وبالرغم من ذلك، من المهم التذكير هنا بأنه في سياقهم التاريخي، فإن جماعةً من البشر دخلت التاريخ أخيرًا بعد أن عاشت طويلًا على هامش الحضارة، كانت تتوق بطبيعة الحال إلى التمتع بالثروات التي حُرمت منها طويلًا. وارتأى الواندال خاصة في المدن الكبرى أن استيلائهم على الكنوز التي صادرتها سابقًا النخبة الرومانية الحضرية مجرد إعادة توزيع مشروعة للثروة.

الوندال في شمال أفريقيا, القوط في شمال أفريقيا

أمالافريدا: أميرة قوطية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كانت أمالافريدا، شقيقة ثيودوريك العظيم، مؤسس المملكة القوطية الشرقية في إيطاليا، زوجةً للملك الوندالي ترازاموند. وقد شكّل زواجهما تحالفًا بين المملكتين، ومهّد الطريق لمرحلة جديدة من الازدهار عاشتها مملكة الوندال في شمال أفريقيا.

السياق

ثيودوريك العظيم، ملك القوط الشرقيين بين 471 و526

كان القوط منقسمين إلى قبيلتين: القوط الغربيون والقوط الشرقيون. وحوالي سنة 375، عندما اجتاح الهون أراضيهم، لجأ قسم من القوط إلى الأراضي الرومانية، حيث دخلوا في صراع مع الرومان. وينحدر القوط الغربيون من أولئك الذين استقروا داخل الإمبراطورية الرومانية، بينما ينحدر القوط الشرقيون من الذين بقوا في موطنهم التاريخي شرق نهر الدانوب.

كان القوط الشرقيون خاضعين للهون. وبعد وفاة أتيلا الهوني سنة 453، استعادوا استقلالهم وانتقلوا إلى منطقة البلقان. وقد ظلوا أوفياء للقائد أسبار، قائد جيش الإمبراطورية الرومانية الشرقية، الذي كان من أصل قوطي، وقبلوا القتال في صفوف الجيش الروماني، باستثناء المشاركة في أي حرب ضد الوندال.

قطعة ذهبية تحمل صورة ثيودوريك العظيم

في سنة 476، خُلع آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية الغربية، رومولوس أوغستولوس، على يد الزعيم الجرماني أودواكر. وفي سنة 493، غزا ثيودوريك العظيم، ملك القوط الشرقيين، إيطاليا، وأطاح بأودواكر، وأسس المملكة القوطية الشرقية في إيطاليا، واتخذ من رافينا عاصمة لها. وسرعان ما أصبحت مملكته أقوى الممالك الجرمانية الجديدة في أوروبا.

ولتعزيز نفوذه، أقام ثيودوريك العظيم تحالفات بالمصاهرة مع عدد من الممالك الجرمانية. فتزوج ابنة ملك الفرنجة شيلديريك الأول (وشقيقة الملك الشهير كلوفيس)، وزوّج ابنتيه إلى سيغيسموند، ملك البرغنديين، وألاريك الثاني، ملك القوط الغربيين في إسبانيا. كما رتّب زواج شقيقته أمالافريدا من ترازاموند، ملك الوندال في قرطاج.

أمالافريدا في قرطاج

أمالافريدا في قرطاج – صورة من إنشاء ChatGPT

كانت أمالافريدا ابنة الملك القوطي الشرقي ثيوديمير. وُلدت حوالي سنة 470، وكانت لا تزال صغيرة عندما توفي والدها، فخلفه شقيقها ثيودوريك العظيم على العرش. تزوجت أولًا في إيطاليا، وأنجبت طفلين، لكن اسم زوجها الأول غير معروف. وقد أصبح ابنها ثيوداهاد لاحقًا ملكًا للقوط الشرقيين، بينما تزوجت ابنتها أمالابيرغا من هيرمانفريد، ملك التورينغيين.

وحوالي سنة 500، قرر ثيودوريك العظيم ترتيب زواج بين أمالافريدا، التي كانت قد ترمّلت بعد وفاة زوجها الأول، وبين ترازاموند، الملك الجديد للوندال. فأرسلها إلى قرطاج مع مهر ضخم، وكانت ترافقها قوة من 1000 محارب قوطي من نخبة المقاتلين وُضعوا في خدمة ترازاموند، إضافة إلى 5000 حارس مسلح لتأمين حمايتها الشخصية.

قطعة نقدية تحمل صورة ترازاموند

بفضل تحالف ترازاموند مع ثيودوريك العظيم، شهدت المملكة الوندالية في أفريقيا فترة من السلام والازدهار، ساعدت على ازدهار الفنون والثقافة. ولا تُعرف تفاصيل عن دور أمالافريدا بصفتها ملكةً للوندال، لكنها أسهمت على الأرجح في تعزيز النفوذ القوطي داخل قرطاج.

وحوالي سنة 511، أُطيح بجيساليك، ملك القوط الغربيين في إسبانيا، على يد ثيودوريك العظيم، فلجأ إلى قرطاج. دعمه ترازاموند ووضع الأسطول الوندالي تحت تصرفه لغزو إسبانيا، لكنه تراجع عن دعمه بعد أن تلقى رسالة تحذير من ثيودوريك العظيم، تجنبًا للدخول في مواجهة معه.

قطعة نقدية تحمل صورة هلدريك

بعد وفاة ترازاموند سنة 523، انتهج خلفه هلدريك سياسةً تقوم على التسامح الديني تجاه المسيحيين الكاثوليك الأفارقة، الذين كان أسلافه يضطهدونهم. عارضت أمالافريدا هذه السياسة، فقادت تمردًا ضد هلدريك. والتقى أنصارها بجيش هلدريك في كابسا (قفصة)، حيث هُزموا. وأُلقي القبض على أمالافريدا وسُجنت، ثم توفيت في السجن. كما أمر هلدريك بإعدام الجنود القوط الذين رافقوها، بهدف الحد من النفوذ القوطي داخل مملكته.