الوندال في شمال أفريقيا

هل حقا خرب الوندال فعلاً شمال أفريقيا؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

يُعرف الوندال، وهم شعب جرماني غزا شمال أفريقيا في القرن الخامس الميلادي، بأنهم محاربون لا يرحمون نهبوا ودمروا العديد من المدن التي غزوها. وفي الوقت الحاضر، تعني كلمة “vandalism” “التخريب” تدمير ممتلكات الآخرين. فهل هذه السمعة لها أساس من الصحة؟ يعتقد معظم المؤرخين أن المصادر القديمة بالغت في وصف عنف الوندال.

صورة الغلاف: أطلال مدينة هيبون (عنابة)، المدينة التي دمرها الوندال.

إيزيدور، أسقف إشبيلية، تاريخ ملوك القوط والوندال والسويبيين

تعتبر المصادر الرومانية (أوغسطينوس الهيبوني، وإيزيدور الإشبيلي) أو البيزنطية (بروكوبيوس القيسراني، ويوردانس) أهم مصادرنا القديمة الرئيسية عن الوندال. وبما أن هؤلاء المؤلفين كانوا أعداءً للوندال، فإن الطريقة التي وصفوهم بها مبالغ فيها بلا شك.

وفقا لمعظم المؤرخين المعاصرين، لم يكن غزو واحتلال الوندال لشمال أفريقيا عنيفًا بشكل خاص مقارنةً بما كان شائعًا في ذلك الوقت. فالمدينة الوحيدة التي دُمّرت بشكل كبير هي هيبون (عنابة)، حيث أُحرقت أحياء بأكملها ومبانٍ عامة بعد حصار عامي 430-431. ورغم نجاة المدينة، فإنها لم تستعد ازدهارها السابق. ومع ذلك، لا توجد أي دلائل على وقوع مجازر أو فظائع أخرى واسعة النطاق ضد السكان المدنيين.

أطلال حمامات أنطونين، قرطاج – التي دمرها الوندال

دمّر الوندال في قرطاج مبانٍ مهمة كالمسرح والأوديون وحمامات أنطونين. وقد قدمت الاستراتيجية العسكرية تفسيراً وجيهاً لذلك، إذ يُمكن بسهولة تحويل هذه المعالم إلى حصون في حال اندلاع انتفاضة مدنية. وقد حدث الشيء ذاته في مدن أخرى حيث دُمّرت أسوار المدينة لنفس السبب.

تعرضت العديد من مدن شمال أفريقيا للنهب، بما في ذلك قسنطينة وهدروميتوم (سوسة) ولبدة الكبرى. وقد سرع هذا النهب تدهور الحياة الحضرية وقد عوقبت معظم هذه المدن لإبدائها مقاومة الوندال. أما المدن الأخرى، مثل قرطاج وأوتيك وهيبو دياريتوس (بيزرت) وسيكا (الكاف)، فلم لم يتم الحفاظ عليها فحسب، بل طُوّرت وزُينت على يد الوندال خاصة عند قرب نهاية عصرهم بعد أن رسّخوا سيطرتهم. كان الوندال يعتمدون على البنية التحتية الحضرية الرومانية ولم يكن لديهم أي مكسب من تدمير المدن، إلا إذا واجهوا مقاومة.

نهب روما على يد الوندال

في عام 455، امتد غزو ونهب الوندال لروما لأسبوعين. واتسم نهب روما على يد الوندال بأنه كان أشد تدميراً من نهب القوط لها عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، للاستيلاء على بلاطاته البرونزية المذهبة. كما دمروا قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء. ومع ذلك، فحتى أثناء نهب روما، لم تُفرض أي ضرائب على السكان لأن أسقف روما، ليو الأول، تفاوض مع ملك الوندال، جِنْسِريك، وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وعدم تعذيب السجناء.

قتل الواندال للبائعين المسيحيين فيكتوريان وفرومينتيوس من قرطاج وهادروميتوم بسبب دينهما

من جهة أخرى، فإن الاضطهاد الديني الذي تعرض له مسيحيون شمال أفريقيا موثقٌ توثيقاً جيداً. فقد كتب الأسقف المسيحي فيكتور الفيتي كتاباً يسرد فيه تفاصيل هذا الاضطهاد. ومع ذلك، من المهم التذكير بأن أساقفة شمال أفريقيا كانوا في كثير من الأحيان قادة سياسيين للمقاومة ضد الوندال، ولذا فإن العنف الممارس ضدهم كانت له دوافع سياسية ودينية على حد سواء.

مجوهرات ذهبية واندالية

تُعزى سمعة الوندال في الغالب إلى ولعهم بالنهب. وبالرغم من ذلك، من المهم التذكير هنا بأنه في سياقهم التاريخي، فإن جماعةً من البشر دخلت التاريخ أخيرًا بعد أن عاشت طويلًا على هامش الحضارة، كانت تتوق بطبيعة الحال إلى التمتع بالثروات التي حُرمت منها طويلًا. وارتأى الواندال خاصة في المدن الكبرى أن استيلائهم على الكنوز التي صادرتها سابقًا النخبة الرومانية الحضرية مجرد إعادة توزيع مشروعة للثروة.

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

انتقام الوندال: جنسريك ينهب روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

في مطلع القرن الخامس الميلادي، غزا الوندال، الشعب الجرماني، شمال أفريقيا منهين بذلك أكثر من أربعة قرون من الهيمنة الرومانية على المنطقة. وفي عام 455، دخل ملك الوندال جنسريك روما وقام بنهب المدينة واختطاف ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، التي أصبحت زوجة ابنه.

السياق

في القرن الخامس الميلادي، انقسمت الإمبراطورية الرومانية بين الجزأين الشرقي والغربي وأنهكتها سلسلة طويلة من الحروب ضد قبائل أجنبية جديدة – غالباً من أصول جرمانية – ما أدى إلى إضعاف أراضيها. وقامت إحدى هذه القبائل، القوط، بنهب روما عام 410. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستولي فيها جيش أجنبي على العاصمة الإمبراطورية.

مملكة الواندال

استقر الوندال في إسبانيا، ثم بعد ذلك عبروا مضيق جبل طارق عام 429 وغزوا شمال أفريقيا. وفي عام 439، أسسوا مملكةً عاصمتها قرطاج. وفي عام 442، أُبرمت معاهدة سلام اعترفت بموجبها روما بسيطرة الوندال على أفريقيا. ووعد الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث ابنته إيودوكيا بالزواج من هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك.

وفي عام 455، اغتيل فالنتينيان الثالث على يد بترونيوس ماكسيموس، الذي استولى على العرش. وتزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بالاديوس. واعتبر جنسريك أن فسخ خطوبة يودوكيا وابنه هونريك سببا يُبطل معاهدة السلام. وعندما طلبت منه ليسينيا يودوكسيا الانتقام لزوجها، قرر جنسريك مهاجمة روما.

الواندال في روما

نهب روما على يد الوندال

أبحر الوندال من قرطاج ونزلوا في أوستيا، المدينة الساحلية لروما. وحاول بترونيوس ماكسيموس الفرار من روما، لكن حشدًا غاضبًا رجمه حتى الموت. ودمر الوندال قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء.

بدأ ليو الأول، أسقف روما، مفاوضات مع جنسريك وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وتعذيب السجناء ولكن الواندل نهبوا المدينة لمدة أسبوعين.

نهب القوط لروما عام 410

كان وقع نهب روما على يد الوندال أشد تدميراً من نهب القوط عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، بهدف سرقة بلاطاته البرونزية المذهبة. ويُعزى أصل كلمة “vandalism” “التخريب” إلى نزعة الوندال الميالة للنهب، والتي تعني تدمير ممتلكات الآخرين. ومع ذلك، لم تُفرض أي عقوبات على السكان حيث التزم جنسريك بوعده لأسقف روما وكبح جماح قواته.

وبحسب بعض المصادر، بعد أن نهب الملك الواندالي جنسريك روما عام 455، أعاد إلى قرطاج الأواني المقدسة لهيكل القدس والتي كانت محفوظة في خزائن المدينة الرومانية. وبعد أن استعاد البيزنطيون قرطاج عام 533، أمر القائد الروماني بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومنها أُعيدت لاحقًا إلى القدس. وكان الاعتقاد السائد أن امتلاك هذه الأشياء المقدسة علامة على البركة الإلهية.

العودة إلى قرطاج

هونريك وإيودوكيا – صورة من تصميم ChatGPT

بعد مرور أسبوعين، عاد الوندال إلى قرطاج. وأُعيدت إيودوكيا، ابنة فالنتينيان الثالث، إلى قرطاج أسيرة برفقة والدتها وشقيقتها بلاسيديا. وبعد ذلك بوقت قصير، تزوجت إيودوكيا من هونريك. ولكن هذا الزواج كان قد اتسم بالصعوبة نظرا للاختلاف الديني. فهونريك كان آريوسياً، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية. ونظراً للتوتر الذي طرأ بينهما، تركت يودوكيا هونريك قبل أن يصبح ملكاً وأنهت حياتها في القدس. وكان الملك الوندالي هلدريك (523-530) ابن هونريك ويودوكيا.

وصلت العديد من السفن محملة بالأسرى إلى قرطاج، حيث تم تسليمهم كعبيد لمحاربي الوندال. وقام أسقف قرطاج، ديوغراتياس، ببيع جميع ممتلكات الكنيسة لاستعادة أكبر عدد ممكن منهم، ثم استضافهم في الكنائس الكبيرة في قرطاج وأعادهم إلى روما.

عملة ذهبية عليها صورة مارقيان

لم يُبدِ مارقيان، إمبراطور الشرق، أي رد فعل عنيف بعد هجوم الوندال، بل اكتفى بالمطالبة بالإفراج عن إيودوكيا ووالدتها. وكان مارقيان، الذي خدم جنديا في الحروب الوندالية -الرومانية في شمال إفريقيا، قد وقع أسيرًا لدى الوندال عام 432. وتقول الأسطورة إنه أُطلق سراحه عندما تنبأ جنسريك بأنه سيصبح إمبراطورًا، وأنه في مقابل حريته، وعد بعدم مهاجمة الوندال أبدًا.

لاحقا

بعد رحيل الوندال، أعلن الملك القوطي ثيودوريك أفيتوس، السيناتور من أصل غالي، إمبراطورًا. وخضع آخر أباطرة الرومان الغربيين للقوط.

وأُطلق سراح الإمبراطورة السابقة ليسينيا أودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث ووالدة أودوكيا، عام 461 بعد أن دفع الإمبراطور الشرقي ليو الأول فديةً عنها. وعاشت بقية حياتها في القسطنطينية.

عملة ذهبية عليها صورة أوليبريوس

كان أوليبيريوس، أحد آخر أباطرة الرومان، متزوجًا من بلاسيديا، شقيقة إيودوكيا. وبعد تحرير بلاسيديا، حاول الاستيلاء على السلطة عدة مرات بدعم من الوندال وقد تحقق حلمه بالحكم أخيرًا لبضعة أشهر عام 472.

ساهم نهب جنسريك لروما بشكل كبير في تسريع انهيار المدينة حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية نهائيًا عام 476.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

أوجلة: واحة أمازيغية في الصحراء الليبية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

تقع في قلب الصحراء الليبية، بين واحة سيوة ومدن الجرمنت القديمة في فزان، واحة أخرى معروفة لدى سكان حوض البحر الأبيض المتوسط منذ القدم. لطالما اشتهرت واحة أوجلة، المأهولة بالسكان منذ أكثر من 2500 عام، بتمورها عالية الجودة. ولا يزال سكانها يتحدثون لغتهم الأمازيغية حتى اليوم.

ينحدر سكان أوجلة الأصليون من الأمازيغ، الذين تربطهم صلة قرابة بالجرمنتيين. ووفقًا للمؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي كتب في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت قبيلة الناسامونيس، وهي قبيلة أمازيغية بدوية من ساحل خليج سرت، تترك قطعانها على الساحل خلال فصل الصيف وتسافر إلى واحة أوجلة لجني التمور. وربما كان الناسامونيس يتقاضون جزية من القبائل الأصلية في الواحة. ويذكر هيرودوت أيضًا أن المسافة بين أمونيوم (سيوة) وأوجلة تستغرق عشرة أيام سفر، وهو ما أكده رحالة آخرون في العصر الحديث.

أجبر المستعمر اليوناني في قورينائية لاحقا الناسامونيس على الابتعاد عن الساحل والاستقرار في أوجلة. وأصبحوا حلفاء تجاريين للقرطاجيين، ما مكنهم من تجاوز قورينة عبر طريق تجاري بري جديد.

بستان نخيل في أوجلة

في العصر الروماني، تطورت الواحة لتصبح مدينة أطلق عليها الرومان اسم أوجلة. وكان سكانها يعبدون الإله المصري آمون، الذي كان له معبد في سيوة. وفي القرن السادس الميلادي، اعتنق سكان أوجلة المسيحية في نفس الوقت تقريبًا الذي اعتنق فيه سكان غدامس هذه الديانة. وحُوّلت معابد آمون إلى كنائس.

فتح عبد الله بن سعد، والي مصر آنذاك، واحة أوجلة حوالي عام 650 ميلاديًا ودُفن فيها. وبعد الفتح العربي، اعتنق سكان أوجلة الإسلام. وفي القرن الثاني عشر الميلادي، كان في الواحة أربعون مزارًا لأولياء الله.

يعتبر الجامع الكبير في أوجلة أقدم مسجد في الصحراء. وتعد هندسته المعمارية فريدة من نوعها ويتميز المسجد أيضًا بتكييف هواء طبيعي. فعلى الرغم من حرارة الصحراء، تظل درجة الحرارة داخل المسجد باردة تمامًا أثناء النهار. أما في الليل، فيتم تدفئته بواسطة الجدران التي تعرضت لأشعة للشمس طوال اليوم.

طرق القوافل

في الآونة الأخيرة، أضحت أوجلة إلى جانب واحات جالو وإجخرة المجاورة، مركزًا تجاريًا رئيسيًا على طرق القوافل بين مصر وطرابلس وفزان وتمبكتو. وخلال العصر العثماني تحديدًا، سلك المسافرون الراغبون في تجنب المدن الخاضعة للسيطرة العثمانية هذا الطريق. وفي ليبيا المعاصرة، تُعد أوجلة المدينة الرئيسية الوحيدة على الطريق بين بنغازي والكفرة.

يتحدث سكان واحة أوجلة لهجة أمازيغية قديمة جدًا يعتبرها العديد من المتخصصين أكثر لغات الأمازيغية إثارةً للاهتمام. إلا أنه من المؤسف أن اللغة الأمازيغية لأوجلة أصبحت على وشك الانقراض: ففي عام 2020، قُدّر عدد المتحدثين بها بنحو 2700 شخص فقط. ويحول الوضع السياسي الراهن في ليبيا دون إجراء أي دراسة ميدانية للغة، إلا أن دراسة لمنشورات على الفيسبوك مكّنت اللغويين من الحصول على معلومات إضافية. ويمكن الاطلاع على دراسة نحوية مفصلة للغة الأمازيغية في أوجلة (بالإنجليزي) هنا.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

غدامس، جوهرة الصحراء: ملتقى ثقافي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

لطالما كانت مدينة غدامس، الواقعة على الحدود بين ليبيا والجزائر وتونس، ملتقى لحضارات حوض البحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى. ففي العصور القديمة، كانت واحة غدامس، التي سكنها في الأصل الجرمنتيون، معروفة لدى الرومان الذين أطلقوا عليها اسم كيداموس.

المدينة القديمة لغدامس

تعد غدامس إحدى أقدم المدن التي تعود إلى حقبة ما قبل الصحراء؛ فقد كانت هذه الواحة مأهولة بالسكان منذ 6000 عام. ويجعل منها موقعها عند منبع مياه في قلب الصحراء مكانًا مثاليًا للاستقرار. ويُرجح أن اسم غدامس مشتق من قبيلة تيدامندي، وهي قبيلة أمازيغية من فزان.

اكتشف الرومان غدامس عام 19 قبل الميلاد عندما غزا لوسيوس كورنيليوس بالبوس، حاكم أفريقيا، الواحة التي كانت مأهولة سابقًا بالجرمنتيين. وقد نظم بالبوس حملة استكشافية لاستكشاف الصحراء الكبرى بدءا من غدامس وصولًا إلى نهر النيجر. ومع أن السيطرة الرومانية على غدامس كانت محدودة قبل عهد سيبتيموس سيفيروس، فإن أول إمبراطور روماني من أصول أمازيغية.

نظام الري التقليدي

في مطلع القرن الثاني الميلادي، قرر سيبتيموس سيفيروس تأمين الحدود الجنوبية لإمبراطوريته، التي كانت مهددة بالهجمات المتكررة من قبائل الأمازيغ في الصحراء. ففي البداية أنشأ حامية عسكرية في كيداموس، ثم بعد ذلك شن حملة عسكرية ضد الجرمنتيين. ونتيجة لذلك، غزا مدينتي قريات الغربية وغوليا (بو نجم) الجرمنتيتين، حيث أقام فيهما معسكرات عسكرية. وفي عام 202 قبل الميلاد، غزا جراما، عاصمة الجرمنتيين، وسيطر على أراضيهم.

لم تدم فتوحات سيبتيموس سيفيروس طويلاً؛ فالرومان لم يكونوا معتادين على المناخ الصحراوي للمنطقة ولم يعرفوا كيفية الدفاع عنها. وسرعان ما استعاد الجرمنتيون السيطرة على كامل أراضيهم، بما في ذلك مدينة كيداموس.

ضريح

في القرن السادس الميلادي، اعتنق سكان غدامس الديانة المسيحية بتأثير من المبشرين المسيحيين القادمين من طرابلس. وأضحت الواحة بسبب عزلتها معقلًا للحركة الدوناتية.

وعلى عكس حضارات البحر الأبيض المتوسط ​​التي سيطرت على شمال إفريقيا قبلهم، لم يكن العرب يخشون الصحراء. فبعد الفتح العربي، انتشر الإسلام في غدامس وأصبحت مركزًا تجاريًا هامًا عبر الصحراء الكبرى. ولاحقًا، أصبحت المدينة جزءًا من أراضي قبيلة كَلْ آجَر الطوارقية، التي كانت تتخذ من غات مقرًا لها. وفي القرن الثاني عشر الميلادي، شارك تجار من غدامس في تأسيس تمبكتو، أهم مدن القوافل في الصحراء الكبرى.

تعد اليوم مدينة غدامس القديمة موقعًا للتراث العالمي لليونسكو.

المزيد من الصور

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

هيراكليانوس: حاكم أفريقيا الذي طالب بالعرش الإمبراطوري

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

ضعفت في مطلع القرن الخامس الميلادي الإمبراطورية الرومانية جراء الغزوات البربرية. وفي عهد الإمبراطور هونوريوس، ثار حاكم أفريقيا، هيراكليانوس، وطالب بالعرش الإمبراطوري.

السياق

الإمبراطور هونوريوس

توفي الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، المعروف بتأسيسه للمسيحية باعتبارها ديناً رسمياً لإمبراطوريته، عام 395. وعقب وفاته، قُسّمت الإمبراطورية الرومانية بين ولديه: أركاديوس (395-408) في الشرق، وهونوريوس (395-423) في الغرب. وكان الإمبراطوران الجديدان حديثي السن وقليلي الخبرة خصوصا هونوريوس الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره عند وفاة والده. وتولى ستيليكو، الجنرال من أصول واندالية، الوصاية على الحكم.

وفي الوقت ذاته، استمرت غزوات الشعوب الأجنبية التي بدأت في القرن الثالث الميلادي للأراضي الرومانية. ففي عام 403، غزا القوط، بقيادة ملكهم الجديد ألاريك، إيطاليا. وفي عام 406، عبر نهر الراين تحالف من القبائل الجرمانية، بقيادة الوندال ودخلوا بلاد الغال، وألحقوا بها دمارًا هائلًا.

الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 410 – اضغط للتكبير – اللون الأصفر: الأراضي التي سيطر عليها الإمبراطور هونوريوس – اللون الأحمر: الأراضي التي سيطر عليها قسطنطين المغتصب – الألوان الأخرى: الأراضي التي سيطرت عليها قبائل بربرية مختلفة

إلى جانب هذه الغزوات، واجهت الإمبراطورية أيضًا ثورات داخلية. ففي عام 407، نصب قسطنطين، الجندي الروماني المتمركز في بريطانيا، نفسه إمبراطورًا ورسخ سلطته في بلاد الغال حيث حارب البرابرة المقيمين هناك.

وفشل ستيليكو، أقوى جنرالات الرومان، في قمع ثورة قسطنطين، التي كانت تكتسب شعبية متزايدة في بلاد الغال. وقد مكّن فشله الأعداء، الذين طالما حسدوه على نفوذه، من التخطيط لمؤامرة ضده. وفي عام 408 أعدم ستيليكو على يد الضابط العسكري هيراكليانوس.

هيراكليانوس، حاكم أفريقيا

ستيليكو، الجنرال الذي قتله هيراكليانوس

وكمكافأةً له، عيّن الإمبراطور هونوريوس المسؤول هيراكليانوس حاكمًا عامًا لأبرشية أفريقيا، التي كانت تضم جميع المقاطعات الرومانية في شمال أفريقيا. وقد جعله خليفة لباثاناريوس، صهر ستيليكو، الذي أُعدم هو الآخر.

اندلعت الاضطرابات في جميع أنحاء الإمبراطورية بعد وفاة ستيليكو وشهدت مذابح جماعية لعائلات الحلفاء، وهم محاربون بربريون انضموا إلى الجيش الروماني، مثل والد ستيليكو. وقد لجأ الناجون إلى ألاريك، ملك القوط، طلبًا لحمايته ما زاد من أعداد جيشه.

في عامي 409-410، أُعلن بريسكوس أتالوس إمبراطورًا بدلًا من هونوريوس بدعم من ألاريك. وظل هيراكليانوس مواليًا لهونوريوس وقام بقطع إمدادات القمح الأفريقي عن مدينة روما، حيث كان بريسكوس أتالوس مقيمًا. وبعد مرور بضعة أشهر، أطاح ألاريك ببريسكوس أتالوس بعد رفضه السماح لألاريك بقيادة حملة ضد هيراكليانوس في أفريقيا. ونهب جيش ألاريك روما عقب سقوط بريسكوس أتالوس،.

يزعم الكاتب المسيحي جيروم الستريدي أن هيراكليانوس أساء معاملة النبلاء الرومان الذين فروا إلى قرطاج أثناء اغتصاب بريسكوس أتالوس للسلطة. ووصف جيروم هيراكليانوس بأنه سكير ورجل فاسد. ورغم أن وصفه من دون شك مبالغ فيه، إلا أنه ربما يحمل في طياته بعض الحقيقة.

وخلال فترة حكم هيراكليانوس، حُسم الجدل الدوناتي نهائيًا: ففي عام 411، أرسل الإمبراطور هونوريوس مبعوثه مارسيلينوس إلى قرطاج لعقد مؤتمر عام يعارض الأساقفة الكاثوليك والدوناتيين. وفي ختام هذا المؤتمر، تمت إدانة الدوناتيون.

ثورة هيراكليانوس

قيادة هيراكليانوس لجيشه – صُنع بواسطة ChatGTP

في أواخر عام 412، عيّن الإمبراطور هونوريوس هيراكليانوس قنصلاً لعام 413. إلا أنه قبل توليه منصبه، ثار هيراكليانوس وأعلن نفسه إمبراطوراً. ويبقى من الصعب فهم دوافعه لأنه كان في أوج قوته. ومن المرجح أنه شعر بالتهديد من تنامي قوة قسطنطينيوس، القائد الجديد للجيش الروماني، الذي اعتبره منافساً له.

بدأ هيراكليانوس بقطع إمدادات القمح الأفريقي عن روما وعن قوات ألاريك المتمركزة في بلاد الغال، بالقرب من ماساليا. ثم قام بعد ذلك بتجميع أسطول لغزو إيطاليا.

وصل هيراكليانوس إلى إيطاليا في مارس 413. فأرسل قسطنطينيوس جيشًا لملاقاته. هُزم هيراكليانوس وفرّ إلى قرطاج حيث قُتل. ووفقًا لإحدى الروايات، فقد هلع هيراكليانوس من ضخامة جيش العدو لدرجة أنه تخلى عن قواته.

لاحقا

عملة ذهبية تحمل صورة قسطنطينيوس الثالث

أتاح إخماد ثورة هيراكليانوس لقسطنطين فرصة التركيز على محاربة القوط، حتى نجح في إخراجهم من بلاد الغال. وفي عام 421، عينه هونوريوس إمبراطورًا مشاركًا. كما تزوج من غالا بلاسيديا، شقيقة الإمبراطور. وتولى ابنهما فالنتينيان الثالث مقاليد الحكم بعد وفاة هونوريوس.

اتهم الدوناتيين زوراً مارسيلينوس بدعم ثورة هيراكليانوس وحُكم عليه بالموت وتم إعدامه. وقد توسل الأسقف أوغسطينوس الهيبوني، عبثاً إلى السلطات الرومانية لإنقاذ حياة صديقه.

أصبح فيما بعد بونيفاقيوس، الضابط في جيش قسطنطينيوس خلال حملته ضد القوط، آخر حاكم لأفريقيا الرومانية قبل أن يغزوها الوندال.

شمال إفريقيا الرومانية

زلزال عام 365: كارثة طبيعية مدمرة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

في يوليو/تموز 365 للميلاد، ضرب زلزال عنيف تحت سطح البحر الأبيض المتوسط بالقرب من جزيرة كريت وقد دمر هذا الزلزال والتسونامي الذي أعقبه حوض شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله. وكادت مدينة قورينة والمدن التاريخية الأخرى في قورينائية أن تُدمر بالكامل.

غمرت أمواج التسونامي ميناء أبولونيا (سوسة)

وقع الزلزال في 21 يوليو/تموز 365 للميلاد قبيل شروق الشمس. وقد حُدد مركزه بالقرب من جزيرة كريت. وقُدّرت قوته بـ 8.5 درجة على مقياس ريختر، ما جعله أقوى من أيّ زلزال معروف في هذه المنطقة في العصر الحديث. وقد شعر به سكان المنطقة وصولا إلى إسبانيا.

وتسبب الزلزال في حدوث تسونامي اجتاح سواحل شمال أفريقيا، وخاصة قورينائية ودلتا النيل وصولاً إلى الإسكندرية. وقد قذفت المياه السفن لمسافة تصل إلى 3 كيلومترات داخل اليابسة.

تقدم البحر حتى وصوله إلى الحمامات في صبراتة

تسبب الزلزال والتسونامي في مقتل آلاف الأشخاص. ودُمّرت معظم مدن جزيرة كريت. وفي شمال أفريقيا، تضررت الإسكندرية وقورينة بشدة. كما اجتاح التسونامي مدينة لبدة الكبرى. أما المدن الأبعد مثل أويا (طرابلس) وصبراتة، فقد لحقت بها أضرار أقل.

كان للزلزال تأثير عميق على مخيلة رجال ذلك العصر. فقد كتب المؤرخ الروماني أميانوس مارسيليانوس وصفًا مفصلاً للزلزال وآثار التسونامي في الإسكندرية: بعد الفجر بقليل، ومع بدء سلسلة متواصلة من الصواعق العنيفة، اهتزت الأرض بشدة ورُجت وانحسر البحر وتراجعت أمواجه واختفى كاشفا عن أعماق البحار وشوهدت أنواع عديدة من الكائنات البحرية عالقة في الوحل. كما أنه في تلك اللحظة حتى الوديان والجبال الشاسعة، التي دفنت تحت الدوامات الهائلة كان يُعتقد، أنها تحدق إلى أشعة الشمس. وجنحت سفن كثيرة كما لو كانت على اليابسة وتجول الناس كيفما شاؤوا حول بقايا المياه الضئيلة ليلتقطوا السمك وما شابهه بأيديهم، إلا أن البحر الهادرعاد مندفعا، وكأنه شعر بالإهانة لانحساره، فشق طريقه بعنف عبر المياه الضحلة المزدحمة واصطدم بعنف بالجزر ومساحات شاسعة من البر الرئيسي فسوى بالأرض مبانٍ لا حصر لها في المدن أو أينما وُجدت. وهكذا، ففي خضم الصراع العنيف بين هذه العناصر تغيّر وجه الأرض ليكشف عن مناظر عجيبة. فقد تسببت كتلة المياه العائدة في غفلة من مقتل آلاف الأشخاص غرقًا، ومع ارتفاع أمواج المد والجزر إلى مستويات قياسية أثناء عودتها، شوهدت بعض السفن غارقة بعد أن خفت حدة غضب المياه، وتناثرت جثث ضحايا حطام السفن هناك وجوههم للأعلى أو للأسفل. كما ارتطمت سفن ضخمة أخرى، دفعتها الأمواج العاتية، بأسطح المنازل كما حدث في الإسكندرية، بينما قُذفت سفن أخرى لمسافة ميلين تقريبًا من الشاطئ، مثل سفينة لاكونيا قرب مدينة ميثوني التي رأيتها أثناء مروري وقد بدت متصدعة وعليها آثار التحلل الطويل.

أدى الدمار الناجم عن الزلزال إلى تسريع تدهور المدن اليونانية في قورينائية. وبعد فترة وجيزة، حلت مدينة بطلميس، التي نجت نسبياً من الزلزال، محل قورينة باعتبارها عاصمة جديدة لقورينائية.

Uncategorized

اثنتا عشرة امرأة بارزة في تاريخ شمال أفريقيا القديم

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

لطالما كان للنساء ابتداءً من عليسة، الملكة الأسطورية المؤسسة لقرطاج، مرورا بكليوباترا ملكة موريتانيا، و كاهينة ملكة الأوراس، وفي وقت قريب، الملكة المرابطية زينب النفزاوية، والسيدة الحرة من تطوان، وصولا إلى المناضلة ضد الاستعمار لالة فاطمة نسومر، دور مهم في تاريخ شعوب وأمم شمال أفريقيا. وفي هذا المقال، المنشور بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، سنتعرف على اثنتي عشرة امرأة بارزة من تاريخنا.

عليسة: مؤسسة قرطاج

تعد عليسة الملكة الأسطورية التي أسست قرطاج. فهي كانت شقيقة الملك بيجماليون ملك صور وزوجة عاشرباص (زكربعل)، كبير كهنة المدينة. وعندما أقدم شقيقها على قتل زوجها، هربت عليسة وحلفاؤها من فينيقيا واستقروا في شمال إفريقيا حيث أسسوا قرطاج. مقال مفصل

الأمازونيات الليبيات: محاربات من ليبيا

تعتبر الأمازونيات شعبا أسطوريا من المحاربات اللواتي سكنّ جزيرة هيسبيرا في بحيرة تريتونيس (ربما شط الجريد، تونس الحالية). وكان مجتمعهنّ مكونا من النساء فقط وكنّ أحيانا يلتقين بالرجال لغرض الإنجاب. وكنّ يربين بناتهنّ وفقًا لعاداتهنّ في حين يقتلن الأولاد الذكور. وتظهر الأمازونيات بكثرة في الأساطير اليونانية. مقال مفصل

والدة ماسينيسا: ملكة ونبية

تزخر الأساطير الأمازيغية بقصص نساءٍ كن يتمتعن بالقدرة على استشراف المستقبل وقائداتٍ ملهماتٍ يحضين ببركةٍ عظيمة وشخصياتٍ أموميةٍ حمَت شعوبها وقادتها نحو الحرية. فكانت والدة ماسينيسا، أعظم ملوك نوميديا ​​القدماء، ملكةً نبيةً تنبأت بالمصير المجيد لابنها حتى قبل ولادته. مقال مفصل

صفنبعل: الملكة المُضحّى بها

كانت صفنبعل، ابنة قائد قرطاجي نافذ، مخطوبة للأمير النوميدي ماسينيسا. وعندما تحالف ماسينيسا مع الرومان، زوّج القرطاجيون صفنبعل من صيفاقس، ملك قبيلة نوميدية منافسة. إلا أن قلب ماسينيسا ظلّ متعلقًا بخطيبته لذلك بعد انتصاره استعاد صفنبعل وتزوجها. وعندما اشترط الرومان أسرها وإحضارها إلى روما احتفالًا بنصرهم، فضّلت صفنبعل الموت على العار فشربت كأسًا من السمّ ناولها إياه حبيبها ماسينيسا. مقال مفصل

أريتافيلا: محررة قورينة

في القرن الأول قبل الميلاد، وصل طاغية يُدعى نيققراطس إلى السلطة في قورينة ومارس قمعًا وحشيًا ضد السكان. وأُجبرت أريتافيلا، وهي امرأة من المدينة، على الزواج منه بعد أن قتل زوجها الأول. وناضلت أريتافيلا طوال حياتها لتحرير شعبها من ظلم الطاغية نيققراطس وشقيقه لياندروس الذي خلفه. وفي العالم القديم، اعتُبرت أريتافيلا مثالًا للمرأة الفاضلة، نظرًا لنضالها الشجاع لتحرير أبناء وطنها. مقال مفصل

كليوباترا وكليوباترا سيليني: ملكتا مصر وموريتانيا

كليوباترا سيليني، ملكة موريتانيا

كرّست كليوباترا، الوريثة الأخيرة لسلالة البطالمة المجيدة في الإسكندرية، حياتها لحماية سيادة مصر في وجه القوى العظمى في البحر الأبيض المتوسط. فقد قادت جيشًا في حرب ضد أخيها الذي كان ينازعها على العرش. كما أنها كانت مفاوضة بارعة تتقن تسع لغات وأقامت علاقات دبلوماسية مع جميع ملوك عصرها، بمن فيهم يوليوس قيصر، الذي أنجبت منه طفلًا.

تزوجت ابنتها كليوباترا سيليني من الملك يوبا الثاني ملك موريتانيا. وبصفتها ملكة موريتانيا، عملت جاهدة لإحياء إرث والدتها في عاصمتها الجديدة، قيسارية (شرشال). وشيدت منارة على غرار منارة الإسكندرية في ميناء قيسارية، بالإضافة إلى العديد من المعابد المخصصة للآلهة الرومانية والمصرية. مقال مفصل

بيربيتوا وفيليسيتي: شهيدتا قرطاج المسيحيتان

خلال القرون الأولى للمسيحية، وفي الوقت الذي كانت فيه شمال أفريقيا أرضًا خصبة للدين الجديد، تعرض العديد من مسيحيي شمال أفريقيا للاضطهاد من طرف السلطات الرومانية ودفعوا حياتهم ثمنًا لإيمانهم. وفي قرطاج، أُعدمت بيربيتوا، وهي نبيلة تبلغ من العمر 22 عامًا وأم لطفل حديث الولادة، مع جاريتها فيليسيتي الحامل. ولأنهما اختارتا البقاء على دينهما حتى الموت، افترستهما الحيوانات المفترسة في الحلبة. وكتب عنهما الكاتب المسيحي القرطاجي ترتليان أن “دم الشهداء هو بذار الكنيسة”. مقال مفصل

تين هنان: ملكة الطوارق

عاشت تين هنان، ملكة الطوارق الأسطورية، في القرن الرابع الميلادي. ويُترجم اسمها إلى “أمّنا جميعًا”. ووفقًا لأسطورة الطوارق، فقد كانت أميرة هاربة وكادت قافلتها أن تهلك جوعًا في الصحراء عندما عثرت على حبوب في تلال النمل. وأصبح أبناؤها أسلاف الطوارق. ويقع قبر تين هنان، الذي اكتُشف عام 1925، في واحة أبلسة في جبال هقار جنوب الجزائر. مقال مفصل

مونيكا: دعوات أم

كانت مونيكا، والدة أوغسطينوس أسقف هيبو، امرأة أمازيغية تنحدر من تاغاست (سوق أهراس) ومسيحية متدينة في حين كان زوجها باتريسيوس وثنيًا من أصل روماني. وعندما ضل ابنها مساره في الحياة متأثرًا بشهوات الشباب، بقيت إلى جانبه تدعو له بلا كلل، غالبًا بالدموع، أن يعود إلى الطريق المستقيم. وقد أثمرت مثابرتها على الدعاء إذ أصبح أوغسطينوس، “ابن دموعها”، أسقفًا هيبون (عنابا) وأكثر لاهوتيي الكنيسة الرومانية تأثيرًا. وكان أوغسطينوس دائمًا ما يتحدث عن والدته بحنان بالغ بعد وفاتها. مقال مفصل

سيريا: المحاربة الأمازيغية

في القرن الرابع الميلادي، نصب فيرموس، زعيم قبيلة الزواؤة الأمازيغية في منطقة القبائل الحالية، نفسه إمبراطورًا على أفريقيا وثار على الرومان وقادت أخته سيريا جيشه إلى الحرب. ولمدة خمس سنوات وقفت هذه المحاربة الشجاعة في وجه الفيالق الرومانية لتكون بذلك سلفًا جديرة بالبطلات الأمازيغيات الأخريات، بدءا من ديهيا إلى للا فاطمة نسومر، اللواتي ناضلن من أجل حرية شعبهن وأرض أجدادهن. مقال مفصل

هيباتيا: آخر فيلسوفات الإسكندرية

كانت هيباتيا الإسكندرانية التي عاشت في القرنين الرابع والخامس الميلاديين فيلسوفة ورياضية وفلكية من العصر الأفلاطوني المحدث وقائدة المدرسة الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية. ورغم أنها كانت وثنية، كان لديها العديد من الطلاب المسيحيين بمن فيهم أساقفة مستقبليون. وقد اشتهرت بعلمها الواسع وحظيت باحترام كبير لحكمتها، حتى أنها تبوأت مكانة مستشارة لحاكم الإسكندرية. لكنها وقعت ضحية للمؤامرات السياسية وأُعدمت على يد حشد غاضب في مارس 415. مقال مفصل

ديهيا (كاهينا): آخر ملكات الأمازيغ الأحرار

كانت ديهيا، التي أطلق عليها العرب اسم كاهينة، ملكة الأوراسي وآخر قائدة للمقاومة الأمازيغية ضد الغزاة العرب. وقصة هذه المرأة، التي وحدت القبائل الأمازيغية وقاومت جيوش الخلافة لمدة خمسة عشر عامًا، محاطة بالأساطير لدرجة يصعب معها تحديد أساسها التاريخي، لكن وجودها أمر لا شك فيه. إلا أنها هُزمت في النهاية على يد القائد الأموية حسان بن النعمان في معركة طبرقة. مقال مفصل (سيُنشر لاحقًا)

اليونانيون في شمال أفريقيا

أريتافيلا القورينية: محررة قورينة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

اشتهرت في قورينة، قبيل العصر الروماني، امرأة تُدعى أريتافيلا بشجاعتها في مواجهة طاغيتين كانا يمارسان قمعهما على المدينة وهما زوجها نيققراطس وخليفته لياندروس.  ففي العالم القديم، كانت أريتافيلا تُعتبر مثالًا للمرأة الفاضلة نظرا لنضالها من أجل حرية شعبها.

في عام 96 قبل الميلاد، عندما توفي آخر ملوك قورينة، بطليموس أبيون، دون وريث، آلت مملكته إلى الجمهورية الرومانية.  ومع ذلك لم تحظ هذه المنطقة الجديدة باهتمام الرومان في البداية ولم يُرسل أول حاكم روماني إلى قورينة إلا عام 74 قبل الميلاد.

أريتافيلا القورينية – صورة من تصميم ChatGPT

في تلك السنوات، استولى طاغية يُدعى نيققراطس على السلطة في قورينة ومارس وحشيةً ضدّ أهلها. وقد أجبر نيققراطس أريتافيلا، إحدى نساء المدينة، على الزواج منه بعد أن قتل زوجها الأول فيديموس. وعقدت أريتافيلا العزم على تحرير شعبها من ظلم هذا الطاغية حيث دبرت مكيدة لتسميمه. إلا أن كالبيا، والدة نيققراطس، شكت في نواياها وأقنعت ابنها بتعذيب أريتافيلا.

ولاحقًا، أقنعت أريتافيلا ابنتها بإغواء لياندروس، شقيق نيققراطس، ليطيح به.  وقد تمكن لياندروس من قتل نيققراطس، وخلفه في الحكم.

وللأسف، أظهر لياندروس استبدادًا لا يقلّ عن استبداد أخيه.  وبعد ذلك استنجدت أريتافيلا بالأمير الليبي أنابوس لتحرير قورينة.

لوكولوس

في عام 87 قبل الميلاد، زار القائد الروماني لوكولوس، حليف سولا، مدينة قورينة ضمن حملة بحرية لجمع أسطول من الحلفاء الرومان استعدادًا لمواجهة ميثراداتس.  وكانت الحرب الأهلية مستعرة في المدينة لمدة سبع سنوات بين مؤيدي لياندروس ومعارضيه.  وقد أنهى لوكولوس الصراع وقمع الطاغية وأقر دستورًا جديدًا. وبعد مرور 13 عامًا، أقنع لوكولوس السلطات الرومانية بجعل قورينة مقاطعة رومانية.

وبعد انهيار الطغيان، عرض مواطنو قورنية على أريتافيلا مناصب ضمن حكومة المدينة الجديدة إلا أنها رفضت ويذكر أنها قضت بقية حياتها في جناح النساء في بيتها والعمل على النول.

ويذكر المؤرخ اليوناني بلوطرخس أريتافيلا في كتابه “في فضيلة المرأة” لما أبدته من تطلع لتحرير شعبها من الطغيان.  ومن الواضح أنه كانت تحضى بمكانة مقدسة بين نساء ذلك العصر. 

الفينيقيون في شمال إفريقيا

قرطاج منقذة فينيقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

مع مطلع القرن السادس قبل الميلاد، كانت صور، المدينة الأم لقرطاج، تواجه خطر الإمبراطورية البابلية ما جعلها عاجزة عن الدفاع عن المستعمرات الفينيقية في حوض غرب البحر الأبيض المتوسط. وبما أن قرطاج قد نالت استقلالها حديثًا، فتولت دور حامية للمستعمرات الفينيقية الأخرى، ما جعلها بذلك تضع الأسس الأولى للإمبراطورية القرطاجية.

السياق

حصار صور

في القرن السابع، خضعت صور وغيرها من الدول-المدن الفينيقية لسيطرة الإمبراطورية الآشورية مع احتفاظها بقدر كبير من الاستقلال الذاتي. وقد مكّن هذا الضعف لصور قرطاج من نيل استقلالها حوالي عام 650.

حاصر ملك بابل نبوخذ نصر مدينة صور في الفترة الممتدة من 586 إلى 573. ولم يتمكن نبوخذ نصر من غزو المدينة إلا أن الصوريين استسلموا بعد 13 عامًا من الحصار.

قرطاج: حامية المدن الفينيقية

في عام 580، حاولت مجموعة من المستوطنين اليونانيين من رودس وكنيدوس، بقيادة بنتاثلوس الكنيدي، إنشاء مستعمرة يونانية في صقلية، في موقع مدينة ليليبايوم المستقبلية (مرسالا الحالية). ورغم أن مستعمرات يونانية أخرى، مثل سرقوسة، كانت قد أُنشئت من قبل، فقد كانت بعيدة عن المدن الفينيقية الواقعة غرب الجزيرة ولم تكن تشكل تهديدًا لها. أما هذه المستعمرة اليونانية الجديدة فقد كانت محاطة بأراضٍ فينيقية وعلى مقربة شديدة من مدينة موتيا.

صقلية في القرن السادس – الأزرق: التأثير اليوناني – اللون الوردي: التأثير الفينيقي – اضغط للتكبير

قرر الفينيقيون في صقلية رص صفوفهم لطرد هذه المستعمرة اليونانية الجديدة من منطقة نفوذهم. وبما أن صور المحاصرة من البابليين لم تستطع تقديم العون لهم، تولت قرطاج قيادة القوات الفينيقية الموحدة.

في ذلك الوقت، كانت مدينة سيلينوس اليونانية في حالة حرب ضد الإليميين (سكان صقلية الأصليين) في سيجيستا، المتحالفين مع الفينيقيين في موتيا. وقرر الوافدون اليونانيون الجدد إرسال الدعم إلى أقاربهم في سيلينوس، لكنهم هُزموا على يد التحالف الفينيقي -الإليمي. وقُتل قائدهم، بنتاثلوس الكنيدي، في المعركة. وفرّ الناجون وأسسوا مستعمرة يونانية في ليبار في جزر إيولية.

نشأة الإمبراطورية القرطاجية

بعد مرورهذه الحقبة، رسّخت قرطاج مكانتها كحامية للمستعمرات الفينيقية في حوض غرب البحر الأبيض المتوسط، وقد مكنها هذا الدور من السيطرة تدريجيًا على المستعمرات الفينيقية الأخرى.

وفي الوقت الذي كان فيه الفنيقيون معروفون بأنهم حضارة تجارية ممن أسسوا مستعمرات واشتروا المنتجات المحلية من الشعوب المجاورة، خالف القرطاجيون هذا العرف التقليدي الفينيقي السلمي من خلال اللجوء لاستخدام القوة العسكرية لتوسيع إمبراطوريتهم.

المقبرة البونيقية لأوتيك

بدأ الغزو القرطاجي لشمال إفريقيا في عهد الملك مالخوس (556-550). وسيطرت قرطاج على المستعمرات الفينيقية السابقة في مضيق جبل طارق وفي طرابلس. وبعد استيلاء اليونانيون من قورينائية على أويا (طرابلس)، استعاد القرطاجيون المدينة. أما أوتيك، أول مستعمرة فينيقية في إفريقيا، فقد خضعت للسيطرة القرطاجية في وقت متأخر نسبيًا، حوالي عام 540.

تجاوزت طموحات قرطاج حدود أفريقيا. فقد مكنت حملة عسكرية في صقلية، ربما بعد استنجاد الفينيقيين في الجزيرة بقرطاج طلباً للمساعدة ضد التوسع اليوناني، قرطاج من دمج المدن الفينيقية في صقلية ضمن نفوذ إمبراطوريتها.

في حوالي عام 550، أُرسل مالخوس إلى سردينيا لدعم السكان الفينيقيين المحليين ضد السكان النوراجيين الأصليين. وقد حقق عدة انتصارات مكنته من إنشاء مستعمرات بونيقية على الجزيرة.

في حوالي عام 540، عقد الملك ماجو الجديد ملك قرطاج تحالفًا مع الأتروسكان. وهاجموا معًا ألاليا، وهي مستعمرة أسسها اليونانيون من مساليا (مرسيليا) في كورسيكا. وهُزم الفوكائيون وأُجبروا على التخلي عن ألاليا، التي أصبحت تحت الحكم القرطاجي.

الإمبراطورية القرطاجية في أوجها

حوالي عام 530، سقطت الحضارة التارتيسية التي كانت تعد شريكًا تجاريًا مهمًا لقرطاج في إسبانيا، ما مكّن القرطاجيين من بسط نفوذهم في إسبانيا.

وابتداءً من عام 480، قادت قرطاج عدة حروب ضد اليونانيين في سرقوسة بهدف السيطرة على صقلية. وفي عام 397، أسس الناجون، عقب تدمير موتيا، مدينة ليليبايوم مكان المستعمرة اليونانية التي لم تدم طويلاً.

بعد مرور أكثر من قرن، في عام 332، حاصر الإسكندر الأكبر مدينة صور واستولى عليها. ولم تعد الحضارة الفينيقية، التي كانت ذات يوم القوة العظمى في معظم حوض البحر الأبيض المتوسط، متواجدة إلا في الإمبراطورية القرطاجية.

شمال إفريقيا الرومانية

الرحلات الاستكشافية الرومانية في أفريقيا جنوب الصحراء

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

نظّم الرومان العديد من الرحلات الاستكشافية لاستكشاف المناطق الواقعة وراء الصحراء الكبرى. ولم يكن الغرض من هذه الرحلات غزو تلك المناطق، بل فتح طرق تجارية جديدة.

انطلقت أول رحلة استكشافية رومانية إلى الصحراء الكبرى عام 19 قبل الميلاد بقيادة لوسيوس كورنيليوس بالبوس، حاكم أفريقيا الرومانية. غادر بالبوس صبراتة وغزا واحة غدامس التي كان الجرمنتيين يسكنوها سابقًا. ثم استكشف الصحراء الكبرى وصولًا إلى نهر النيجر. وُلد بالبوس في قادس بإسبانيا لعائلة عريقة من البونيقية ومن المرجح أنه كان يمتلك معلومات تخص طرق التجارة البونيقية القديمة من خلال عائلته. وبذلك أصبح أول روماني يعبر الصحراء الكبرى.

وفي عام 41 ميلادي أصبح سويتونيوس باولينوس، القائد الروماني الذي أُرسل إلى موريتانيا لقمع ثورة إيديمون، أول روماني يعبر جبال الأطلس. وبعد هزيمة المتمردين سافر عبر الصحراء المغربية الحالية. ومن الواضح أنه وصل إلى نهر السنغال.

بحيرة تشاد

لطالما أُعجب الرومان ببحيرة تشاد، التي أطلق عليها بطليموس اسم “بحيرة فرس النهر”. وفي عام 50 ميلادي، انطلق سيبتيموس فلاكوس من لبدة الكبرى وعبر الصحراء الكبرى مروراً بواحة سبها. وبلغ بحيرة تشاد في غضون ثلاثة أشهر وبعدها استكشف نهري شاري ولوغون.

وفي عام 90، غادر يوليوس ماتيرنوس سرت وعبر الصحراء إلى واحة الكفرة، ومن هناك أكمل رحلته مع ملك الجرمنتيين وصولاً إلى نهري بحر سلامات وبحر أوك في جنوب تشاد الحالية. وعاد إلى روما ومعه وحيد قرن ذو قرنين عُرض في الكولوسيوم.

كما سافر الرومان جنوباً عبر نهر النيل والبحر: على طول ساحل غرب إفريقيا، من موريتانيا أو عبر البحر الأحمر، وصولاً إلى جزيرة زنجبار.

تم العثور على عملات رومانية في موريتانيا بالقرب من أكجوجت وتيشيت وفي مالي وفي منطقة نهر النيجر وفي مناطق أخرى في غرب إفريقيا.