Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة إبراهيم كرموم
مع توسع النفوذ الروماني في شمال إفريقيا، أصبح حكم آخر ملوك نوميديا وموريطنية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بروما، لدرجة أن الصراعات السياسية والحروب الرومانية بدأت تؤثر بشكل مباشر على شمال إفريقيا. يتناول هذا المقال، والذي يأتي ضمن سلسلتنا حول آخر عقود الجمهورية الرومانية، الحرب الأهلية الرومانية الأولى، وهي الحرب التي دارت بين ماريوس وسولا، وهما رجلان تعارفا أثناء حربهما ضد يوغرطة.
السياق التاريخي

وُلد غايوس ماريوس عام 157 ق م في أسرة من عامة الشعب. بدأ حياته العسكرية عام 134 ق م ضابطًا في حصار نومانتيا بإسبانيا. وفي عام 109 ق م، أصبح مساعدًا للقائد الروماني كوينتوس متلوس في حربه ضد يوغرطة في نوميديا. لكنه في عام 108 ق م، ترك ساحة المعركة وترشح للانتخابات القنصلية، مخالفًا بذلك أوامر قائده ماريوس. وفاز بالانتخابات، ثم اختاره الشعب لخلافة متلوس في قيادة الحرب ضد يوغرطة، متجاهلاً بذلك سلطة مجلس الشيوخ وتقاليد الجيش الروماني.

سنة 138 ق م، ولد لوكوس كورنيليوس سولا في أسرة أرستقراطية عريقة وانضم إلى الجيش في ريعان شبابه، وفي عام 108، انتخب قسطور (أمين خزانة الدولة) وهو في الثلاثين من عمره، وأُرسل إلى نوميديا ليعمل تحت قيادة ماريوس.
تعود جذور العداوة بين الرجلين إلى حرب يوغرطة: فبينما كان سولا الشخص الذي أسَر يوغرطة في الأساس، نسب قائده ،ماريوس، لنفسه الفضل في هذا الانتصار. إضافة إلى ذلك، كان سولا محافظًا يدافع عن التقاليد الرومانية، بينما كان ماريوس إصلاحيًا يسعى لتغيير النظام السياسي.
اندلاع الحرب الأهلية
بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية، انتُخب سولا قنصلًا في عام 88. وفي العام نفسه، سعى ماريوس للحصول على قيادة عسكرية جديدة، فتوصل إلى صفقة سرية مع سولبيكيوس، أحد قادة الشعب، مقابل دعمه، أراد ماريوس أن تُمنح له قيادة الحرب ضد ملك البنطس، ميثراداتس، والتي كانت قد أسندت إلى سولا. عندئذ، أمر سولا قواته بالزحف إلى روما: كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ الروماني التي يستولي فيها شخص ما على السلطة بالقوة.
بعد أن سيطر على روما، نفى سولا ماريوس وأتباعه، وفر ماريوس وأبنائه إلى أفريقيا، حيث استقبله ملك هيمبسال نوميديا بحفاوة ظاهرة، لكنه كان يخطط لأسرهم. ورغم ذلك، تمكن ماريوس وأبناؤه من الفرار.
عاد ماريوس إلى روما سنة 87 ق م وتحالف مع القنصل لوكيوس كورنيليوس كينا. مات عام 86 ق م، بينما يشن سولا حربًا ضد ميثراداتس، وسيطر أنصار ماريوس وكينا على روما.
خلال هذه الفترة، شن كلا الطرفين حملات تصفية، إذ كانت تتم مصادرة أراضي خصومهم دون محاكمة وتمنح للمبلغين عنهم.
استئناف الحرب الأهلية

سنة 84 ق م، أرسل أنصار ماريوس وكينا جيشًا للإطاحة بسولا. لكن قائد الجيش اغتيل وانضم معظم جنوده إلى سولا. وفي الوقت نفسه، أطاح الغاصب حرباص بحليف سولا في مملكة نوميديا، الملك هيمبسال، بدعم من أنصار ماريوس وكينا.
في 83 ق م، بعد انتصار مؤقت على ميثريداتس، زحف سولا بجنوده إلى إيطاليا عازمًا على الإطاحة بأعدائه واستعادة روما. جمع بومبيوس الشاب (الخصم المستقبلي لوليوس قيصر) ثلاثة فيالق لدعمه. وانضم إليه متلوس، القائد السابق للقوات الرومانية ضد يوغرطة. أما خصومه، فقد تحالفوا مع شعبين إيطاليين مجاورين لروما: السامنيين واللوكانيين.
في نونبر عام 82 ق م، دارت معركة ضارية بين قوات سولا وأعدائه عند أبواب روما. أسفرت هذه المعركة عن سقوط حوالي 50,000 قتيل، وانتصر فيها سولا الذي أمر في اليوم التالي بقتل 8,000 أسير أثناء انعقاد مجلس الشيوخ.
بعد الانتصار على خصومه في روما، أرسل سولا جيشًا بقيادة بومبيوس لإعادة هيمبسال إلى عرش نوميديا
في أعقاب الحرب الأهلية : سولا الدكتاتور

بعد انتصاره، انتخب سولا دكتاتوراً من قبل مجلس الشيوخ. قام بتطبيق سلسلة من الإصلاحات الجذرية على مؤسسات الجمهورية، مدعياً أنه يسعى إلى استعادة القيم الرومانية التقليدية. ولكن في الواقع، بدلاً من إعادة النظام القديم، أدت إصلاحاته إلى إدخال عناصر جديدة تماماً، مع ارتفاع أعضاء مجلس الشيوخ وزيادة صلاحيات السلطة القضائية. على عكس الدكتاتوريين السابقين الذين كانوا ينتخبون لمهمة محددة ويتركون مناصبهم بعد إتمامها، سعى سولا إلى استغلال الدكتاتورية لتعزيز مصالحه الشخصية وشن حملة انتقامية واسعة على خصومه.
سنة 80 ق م، انتخب سولا قنصلاً واستقال من منصبه كديكتاتور، وفي العام التالي تقاعد من الحياة العامة وكرس آخر أيامه لكتابة مذكراته إلى أن توفي عام 78 ق م.
