المسيحية في شمال افريقيا, بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة

فولجانتيوس الأسطوري: الاستعارات الميثولوجية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة مريمة أڭرام

في أواخر العصور القديمة، كان سكان عالم البحر الأبيض المتوسط يتساءلون عن كيفية فهم الأساطير والحكايات القديمة التي شكّلت، على مدى قرون، أساس ثقافتهم، ولا سيما بعد أن أصبحوا مسيحيين ولم يعودوا يؤمنون بآلهة أسلافهم. وكان فولجانتيوس ، وهو مؤلف من شمال إفريقيا عاش في عهد الوندال، قد ألّف عدة كتب اقترح فيها قراءة رمزية للأساطير اليونانية والرومانية، مستخلصًا منها رسائل أخلاقية وروحية.

رسالة خفية وراء أساطير عصر غابر

كان عالم الشعراء القدماء، أمثال هوميروس وهسيودوس، عالمًا خارقًا للطبيعة، مليئًا بالسحر والمخلوقات العجيبة والحيوانات الناطقة والبشر الذين يتحولون إلى حيوانات أو أحجار. كما أن الآلهة التي تعيش بين البشر في هذا العالم الأسطوري كانت تتحلى بأهواء بشرية للغاية؛ فهي قتلة ومغتصبون وزناة ولصوص وكاذبون، وترتكب شتى أنواع الجرائم. وقد شعر أكثر رجال عصرهم عقلانية، ولا سيما الفلاسفة، بالحرج إزاء ما تتسم به هذه الأساطير من عبثية ولا أخلاقية. ولتفسير ذلك، حاولوا البحث عن معنى أعمق يكمن وراء تلك الحكايات المتخيلة.

وكان الفلاسفة الأفلاطونيون الجدد على وجه الخصوص من أكثر المهتمين بإعادة النظر في الأساطير القديمة في ضوء فهمهم الأكثر تطورًا للعالم، بحثًا عن معنى خفي وراء ألفاظها.

أوديسيوس وكيركي

يمكن توضيح منهجهم على أفضل وجه من خلال مثال. ففي ملحمة الأوديسة لهوميروس، يصل البطل أوديسيوس ورفاقه إلى جزيرة الساحرة كيركي. وعندما يندفع رفاق أوديسيوس، وقد أنهكهم الجوع، نحو مائدة كيركي، تحوّلهم جميعًا إلى خنازير. وفي طريقه لإنقاذ رفاقه، يلتقي أوديسيوس بالإله هرمس، الذي يمنحه عشبة سحرية ويزوده بتعليمات تساعده على التغلب على الساحرة. فتحمي العشبة السحرية أوديسيوس من سحر كيركي. وفي النهاية، توافق كيركي على إعادة رفاقه إلى هيئتهم البشرية.

وبالنسبة إلى الأفلاطونيين الجدد، فإن تحوّل رفاق أوديسيوس إلى خنازير يرمز إلى انحطاط الإنسان؛ فعندما نستسلم لغرائزنا الأولى وللملذات الحسية المفسدة، نصبح شبيهين بالحيوانات البرية. أما أوديسيوس، فيحميه علم الحكماء، الذي يمنحه القوة اللازمة لمقاومة السحر المدمر الذي تمارسه الساحرة.

صور فولجانتيوس : صور من العصور الوسطى مستوحاة من فولجانتيوس الأسطوري

ازدادت القراءة الرمزية للأساطير حضورًا وأهمية في العصر المسيحي. فقد أتاحت للمسيحيين في العالم اليوناني الروماني استعادة تراث الأساطير الوثنية القديمة، التي اكتشفوا فيها دروسًا أخلاقية تعلّمهم كيفية عيش حياة فاضلة، بل ودروسًا روحية تتعلق بالله وبخطته لهم. وكان فولجانتيوس الأسطوري، وهو مؤلف مسيحي من شمال إفريقيا، من أبرز الكتّاب الذين طوّروا هذه القراءة المسيحية الرمزية للنصوص الأسطورية.

من هو فولجانتيوس الأسطوري؟

كان فابيوس بلانكيادس فولجانتيوس (Fabius Planciades Fulgentius) مؤلفًا مسيحيًا من شمال إفريقيا، عاش وكتب في عهد الوندال، خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن السادس الميلاديين. ولا يُعرف سوى القليل جدًا عن حياته، حتى إن موطن إقامته في شمال إفريقيا غير معروف على وجه اليقين. وتشير كتاباته اللاتينية، ومعرفته باليونانية، وإلمامه الواسع بالمؤلفين الكلاسيكيين والعبادات الشعبية، إلى أنه كان على الأرجح قد تلقى تكوينًا في البلاغة أو النحو. كما كان يفهم اللغة الليبية القديمة ويستطيع قراءة أبجديتها، مما يشير إلى أنه ربما كان من أصول أمازيغية. ويذكر المؤلف في مقدمة كتابه الأساطير أنه كان متزوجًا.

فولجانس دي روسبي

منذ العصور الوسطى، عرّف بعض النُّسّاخ فولجانتيوس الأسطوري بأنه فولجانس دي روسبي، وهو أسقف من شمال إفريقيا عاش في الحقبة نفسها، وكان قائد المقاومة المسيحية في شمال إفريقيا ضد الآريوسية الوندالية. غير أن هذا التطابق بين الشخصيتين موضع خلاف بين الباحثين المتخصصين في العصر الحديث.

يُؤرَّخ عمل فولجانتيوس الأسطوري تقليديًا إلى أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس الميلادي. غير أن مقطعًا من أحد أعماله يشبه بيتًا شعريًا لكوريبوس، وهو مؤلف آخر من شمال إفريقيا كتب نحو عام 550م، أي بعد استرداد البيزنطيين للمنطقة. ويرى بعض الباحثين أن فولجانتيوس اقتبس من كوريبوس، وهو ما يعني أنه كتب أعماله بعده. بينما يرى آخرون أنه كان أقدم من كوريبوس، وأن التشابه بين النصين محض مصادفة. وإذا ثبت بالفعل أنه اقتبس من كوريبوس، فإن ذلك سيؤكد أن فولجانتيوس الأسطوري لا يمكن أن يكون هو فولجانس دي روسبي، لأن الأخير توفي سنة 527م.

حظيت أعمال فولجانتيوس الأسطوري بشعبية كبيرة طوال العصور الوسطى، وكان لها تأثير قوي في كتّاب الأساطير المسيحيين في العصور الوسطى.

مؤلفات فولجانتيوس الأسطوري

أشهر أعمال فولجانتيوس الأسطوري هو كتابه «الأساطير» (Mythologies)، وهو مؤلف يتألف من ثلاثة كتب، تضم في مجموعها خمسين فصلًا. يروي كل فصل أسطورة، ثم يقدم تفسيرًا رمزيًا لها، مستخلصًا منها رسالة أخلاقية وروحية. ويعتمد فولجانتيوس في تفسيراته على الاشتقاق اللغوي لأسماء الشخصيات، وهي اشتقاقات يعتريها الشك في كثير من الأحيان، إلا أن هذا الأسلوب كان شائعًا في عصره. ويوضح المؤلف في مقدمة الكتاب أنه أراد تجريد الأساطير اليونانية الكلاسيكية من عناصرها الخيالية، من أجل الكشف عن الحقائق الغامضة التي تنطوي عليها. وعلى الرغم من أن دافعه كان مسيحيًا، فإن الدروس التي يستخلصها من الأساطير تتسم بطابع عام، ويمكن تطبيقها على الناس كافة.

وفي عمل آخر، يقدم فولجانتيوس الأسطوري قراءة رمزية لملحمة الإنيادة للشاعر الروماني فيرجيل، ويرى فيها رمزًا للحياة الإنسانية بأسرها. وفي هذا الكتاب، يظهر شبح فيرجيل للمؤلف، برفقة ربات الفنون (الموسيات)، ليشرح له الحقائق الكامنة في ملحمة الإنيادة. ويخاطب فيرجيل المؤلف بنبرة متعالية، ويسخر من ميل القراء إلى قراءة قصيدته قراءة حرفية دون إدراك المعنى الأعمق الكامن وراء كلماتها.

وكانت التأويلات الرمزية لأعمال فيرجيل شائعة بالفعل في ذلك الوقت، ومن بينها تأويل وضعه النحوي الروماني الإفريقي إيليوس دوناتوس، غير أن فولجانتيوس الأسطوري كان أول من قدّم هذا النوع من التأويل من منظور مسيحي.

كما ألّف فولجانتيوس الأسطوري كتابًا بعنوان شرح الكلمات البالية، يقدّم فيه شرحًا لاثنتين وستين كلمة لاتينية قديمة وردت في الأدب الكلاسيكي، فضلًا عن كتاب تاريخي بعنوان في عصور العالم والناس.

ستاتيوس

وأخيرًا، نُسب إلى فولجانتيوس الأسطوري، أيضًا، تفسير رمزي لملحمة الثيبايد (Thebaid)، وهي قصيدة للشاعر الروماني ستاتيوس الذي عاش في القرن الأول الميلادي. غير أن نسبة هذا العمل إلى فولجانتيوس كانت على الأرجح خاطئة، إذ كُتب العمل في فترة لاحقة، خلال العصور الوسطى، وقد قلّد مؤلفه أسلوب فولجانتيوس الأسطوري في الكتابة.

وكان ستاتيوس معاصرًا للمسيحيين الأوائل، وقد نشأ في العصور الوسطى تقليد لا يستند إلى أي أساس تاريخي، مفاده أنه اعتنق المسيحية سرًا، وأن أعماله تتضمن رسالة مسيحية خفية. وقد ورد هذا الادعاء أيضًا في الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي.

شمال إفريقيا الرومانية, بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة

بريسيان القيصري: نحوي من شمال إفريقيا في القسطنطينية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان بريسيان القيصري نحويًا عاش في القرن السادس. وُلد في قيصرية (شرشال)، في موريطانيا، وكان يدرّس قواعد اللغة اللاتينية في القسطنطينية، العاصمة الإمبراطورية الجديدة.

بريسيان القيصري، نقش بارز من برج الأجراس في فلورنسا، إيطاليا، من عمل لوكا ديلا روبيا

وُلد بريسيان نحو سنة 470 في قيصرية (شرشال)، في موريطانيا. وكان على الأرجح من أصل يوناني. وكان مسيحيًا، رغم أن مؤلفاته تتضمن العديد من الإشارات إلى الأساطير اليونانية القديمة.

الإمبراطور أناستاسيوس، راعي بريسيان

في ذلك العصر، كان الوندال يحتلون شمال إفريقيا. وفي شبابه، غادر بريسيان موطنه، واستقر في القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، حيث أصبح أستاذًا لقواعد اللغة. وكان الإمبراطور أناستاسيوس (491-518) يتبع سياسة ترحيب بالسكان الرومان الذين اقتلعتهم ظروف سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية من مواطنهم. وقد ألّف بريسيان قصيدة مديح (إشادة) بالإمبراطور أناستاسيوس، أثنى فيها على حسن معاملته لهؤلاء اللاجئين.

وأشهر مؤلفات بريسيان هو كتابه مؤسسات النحو، وهو عرض منهجي لقواعد اللغة اللاتينية في 18 كتابًا. ويستشهد بريسيان في هذا المؤلف بكتابات مؤلفين لاتينيين، بوصفها أمثلة على القواعد النحوية التي يشرحها. وقد ساهمت هذه الاقتباسات في حفظ أجزاء من مؤلفات كتّاب لم تصل أعمالهم كاملة، بل فُقدت فيما بعد.

وظل كتاب مؤسسات النحو يُستخدم طوال العصور الوسطى في تعليم اللغة اللاتينية، إلى جانب كتاب فن النحو (Ars Grammatica) لنحوي آخر من شمال إفريقيا، هو إيليوس دوناتوس. وكان مؤلف إيليوس دوناتوس يُستخدم مقدمةً لتعليم النحو، بينما كان مؤلف بريسيان، الأكثر تفصيلًا، يتيح دراسة متعمقة للغة اللاتينية.

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

معركة الرأس الطيب: آخر هزائم الرومان في إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عبدالرحيم ابوالشيخ

انهارت السيطرة الرومانية على شمال افريقيا التي استمرت لأزيد من أربغة قرون، لما غزاها الوندال. وشكلت خسارة إفريقيا، التي شكلت سلة القمح للإمبراطورية، ضربة قاسية للرومان، الذين حاولوا استعادتها عدى مرات. وقد تحالف إمبراطوران رومانيان، سنة 468م، أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، لشن حملة ضد الوندال. وشكلت هزيمتهما في معركة الرأس الطيبآخر المحاولات الرومانية لاستعادة افريقيا.

السياق

عملة ذهبية تحمل صورة ماجوريان

استعادت الإمبراطورية الرومانية، إبان عهد الإمبراطور ماجوريان (461-457)، السيطرة على إسبانيا. ما دفع ماجوريان إلى السعي نحو إستعادة شمال أفريقيا من أيدي الوندال، لكنه مني بالفشل ، لكن الضابط في جيشه المدعو مارسيلينوس نجح في استعادة صقلية.

حاول الملك الوندالي جنسريك غزوالبيلوبونيز سنة 467. ومع توسع الأسطول الوندالي أكثر فأكثر نحو الشرق، خشي الرومان من الهجوم على الإسكندرية. وأخيرا، قرر الإمبراطور الروماني الشرقي ليون الأول، الذي كان مترددا فيما قبل في دعم الإمبراطورية الغربية ضد الوندال، التدخل.

الهجوم الروماني

إلتأم إمبراطور الغرب أنثيميوس، وإمبراطور الشرق ليون الأول، ومارسيلينوس – وهو ضابطيحكم إقليما شبه مستقل في إيليريا – في صقلية للتحضير لهجوم مشترك واسع النطاق ضد قرطاج.

عملة ذهبية تحمل صورة بازيليسكوس

قرر الرومان مهاجمة الوندال على ثلاث جبهات : سيهاجم بازيليسكوس ، القائد الأعلى للجيش الروماني الشرقي، قرطاج عبر البحر مع الجزء الأكبر من القوات، وسيهاجم مارسيلينوس سردينيا انطلاقا من صقلية قبل أن ينضم إلى بازيليسكوس، بينما سيتولى والي مصر هيراكليوس أمر الهجوم على قرطاج من الشرق، انطلاقا من ليبيا.

يحتل  مارسيلينوس سردينيا، بينما يسيطر هيراكليوس على طرابلس. ويرسو أسطول بازيليسكوس قبالة رأس بون، في انتظار وصول مارسيلينوس. غير أن معظم أسطول مارسيلينوس، والذي كان تحت إمرة الجنرال ذو الأصول الجرمانية ريسيمر، رفضوا الإبحار. ومن المرجح أن ريسيمر كان يتعمد إفشال العملية.

ويعد الإنزال الروماني عند رأس بون واحدة من أهم العمليات العسكرية من هذا النوع في التاريخ القديم، حيث شارك فيه أزيد من خمسين ألف مقاتل وألف سفينة.

طلب الملك جينسيريك هدنة للتفاوض. وفي تلك الأثناء، ملأ الوندال سفنهم بمواد قابلة للاشتعال، ثم أطلقوا تلك السفن الملتهبة ليلا نحو الأسطول الروماني الذي فوجئ بهذه الهجمة. وأدى ذلك إلى احتراق أكثر من نصف الأسطول الروماني.

لاحقا

هرب بازيليسكوس ومارسيلينوس إلى صفلية مع الناجين من جيشهما، بينما نزح هيراكليوس هاربا عبر الصحراء الليبية. وفي صقلية، اغتال ريسيمر مارسيلينوس.

أصبح يوليوس نيبوس، ابن أخ مارسيلينوس، إمبراطور الغرب بين عامي 474 و475. أما بازيليسكوس، فسيصبح إمبراطورا للشرق للفترة الممتدة بين 475-476م.

شكلت هذه الهزيمة الرومانية المرحلة الأخيرة ن انحدار الإمبراطورية الرومانية الغربية، التي لم تعد تسيطر إلا على إيطاليا وصقلية. وقد تمت الإطاحة بآخر إمبراطور، المدعو رومولوس أوغستولوس، سن 476 على يد الزعيم الجرماني أودواكر.

شمال إفريقيا الرومانية, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

أوليبريوس: إمبراطور مقرّب من الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان أوليبريوس أحد آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية الغربية، وقد ارتبط بعلاقة مصاهرة مع ملك الوندال في قرطاج جيسريك. وبعد أن حاول عدة مرات الاستيلاء على العرش بدعم من الوندال، تمكن أخيراً من اعتلاء العرش، لكنه لم يحكم سوى بضعة أشهر سنة 472.

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أوليبريوس

وُلد أنيكيوس أوليبريوس في روما، وسط إحدى أعرق العائلات الأرستقراطية الرومانية. وتزوّج من بلاسيديا، ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، قبيل نهب الوندال لمدينة روما. ومن المحتمل أيضاً أن أوليبريوس وبلاسيديا كانا مخطوبين فقط آنذاك، وأن زواجهما لم يتم إلا بعد عودة بلاسيديا إلى روما.

في سنة 455، اختطف الوندال بلاسيديا إلى قرطاج مع شقيقتها يودوكيا، التي أصبحت لاحقاً زوجة هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك. وقد أُطلق سراح بلاسيديا سنة 461.

بعد وفاة الإمبراطور ماجوريان سنة 461، أصبح القائد العسكري ريسيمر الحاكم الفعلي للإمبراطورية، لكنه لم يكن قادراً على أن يصبح إمبراطوراً بسبب أصوله الجرمانية. عندئذ طالب أوليبريوس بالعرش الإمبراطوري، وحظي بدعم جيسريك الذي كان يأمل أن يكون حكمه أكثر توافقاً مع مصالح الوندال. إلا أن ريسيمر اختار إمبراطوراً آخر هو ليبيوس سيفيروس. وفي سنة 464، تولّى أوليبريوس منصب القنصل.

الوجه الخلفي لقطعة نقدية ذهبية لأوليبريوس: صليب مسيحي تحيط به أوراق الغار

بعد وفاة ليبيوس سيفيروس سنة 465، طالب أوليبريوس مرة أخرى بالعرش، بدعم متجدد من جيسريك، لكن الاختيار وقع على أنثيميوس. أما المحاولة الثالثة فكانت ناجحة؛ إذ أصبح أوليبريوس إمبراطوراً بعد وفاة أنثيميوس سنة 472. ولم يمضِ وقت طويل حتى توفي ريسيمر، الذي كان يسيطر على تعيين الأباطرة منذ عهد ماجوريان، بعد اعتلاء أوليبريوس العرش.

وبفضل زواجه من بلاسيديا، كان أوليبريوس الوريث الشرعي للسلالة الثيودوسية، آخر السلالات الإمبراطورية الرومانية الكبرى. وقد كان حكمه قصيراً وهادئاً، واشتهر بتدينه الشديد. كما أن تصويره على عملاته النقدية من دون رمح أو خوذة يوحي بأنه لم يكن مهتماً كثيراً بالشؤون العسكرية. وتوفي أوليبريوس بعد أربعة أشهر فقط من حكمه، إثر إصابته بالاستسقاء.

وتعود الكلمة الفرنسية «olibrius»، التي تُستعمل لوصف شخص متغطرس ومثير للسخرية، إلى السمعة التي اكتسبها هذا الإمبراطور في التاريخ، بسبب قِصر مدة حكمه وخلوّها من أحداث بارزة.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

ماجوريان: الإمبراطور الروماني الذي سعى لاستعادة شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، حين غزا الوندالُ المنطقةَ. وبعد نحو ثلاثين عامًا، قاد إمبراطورٌ جديد، هو ماجوريان، حملةً مكّنته من استعادة السيطرة على إسبانيا. وأراد بعد ذلك استرجاع شمال أفريقيا، لكنه لم يملك الوسائل الكافية لذلك.

السياق

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أفيتوس

بعد نهب روما على يد الوندال عام 455، غدا الإمبراطورية الرومانية أضعفَ من أي وقت مضى. فرَض ثيودوريك الثاني، ملك القوط، أفيتوسَ، وهو شيخ مجلس شيوخ من أصل غاليّ مقرَّبٌ منه، إمبراطورًا جديدًا. وخلال حكم أفيتوس، غزا القوطُ إسبانيا، بحجّة إعادتها إلى السيطرة الرومانية، لكن في الحقيقة لأنفسهم. وإذ تخلّى عنه ثيودوريك، قُتِل أفيتوس عام 456، بعد سنةٍ واحدة من الحكم.

ماجوريان: لنجعل روما عظيمةً من جديد

الأراضي التي استعادها ماجوريان – اضغط لتكبير الصورة

قرّر القائد ماجوريان، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا، إطلاقَ حملةٍ واسعة لاسترجاع الأراضي التي خسرتها روما. فبدأ بطرد البرغنديّين من جنوب بلاد الغال، ثم هاجم القوط في إسبانيا. وفي ثلاث سنوات، استعاد السيطرة على معظم إسبانيا. كما أرسل ضابطه مارسيلينوس لاستعادة صقلية من الوندال.

أراد ماجوريان أن يتّخذ من إسبانيا قاعدةً لمهاجمة الوندال في أفريقيا. لكن أثناء حملته في إسبانيا، تمكّن الوندال من تدمير السفن التي كان يُعِدّها للغزو. فحُرِم ماجوريان من أسطوله، واضطُرّ إلى إلغاء خططه. وفي عام 460، عقَد اتفاق سلام مع الملك الوندالي جِنْسِريك، وحلَّ جيوشه.

وعند عودته إلى إيطاليا، أسَره ريسيمر، وهو قائد رومانيٌّ من أصل جرماني. واغتِيل ماجوريان عام 461.

بعد ذلك

خاتم ريسيمر

في السنوات التالية، ظلّ ريسيمر، الذي لم يستطع أن يصبح إمبراطورًا بنفسه بسبب أصله الجرماني، السيّدَ الحقيقيَّ للإمبراطورية، حتى وفاته عام 472. أمّا الأباطرة الذين حكموا خلال تلك السنوات فلم يكونوا سوى دُمًى. وكان أحدهم، أوليبريوس، مرتبطًا بمصاهرةٍ بالملك الوندالي جِنْسِريك.

وفي عام 476، خلَع الزعيمُ الجرماني أودواكر آخرَ إمبراطور روماني، رومولوس أوغستولوس: وكانت تلك نهاية الإمبراطورية الرومانية.

شمال إفريقيا الرومانية, بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة

إيليوس دوناتوس: نحوي روماني أفريقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان إيليوس دوناتوس نحويًا في القرن الرابع الميلادي، ينحدر من شمال إفريقيا. وقد لعبت مؤلفاته في قواعد اللغة اللاتينية دورًا مهمًا في تعليم اللاتينية خلال العصور الوسطى.

تمثال إيليوس دوناتوس، النافورة الجميلة، نورنبرغ، ألمانيا

وُلِد إيليوس دوناتوس حوالي عامي 310-320م في إفريقيا الرومانية، وربما في تيبازة. وعمل في روما نحويًا وخطيبًا بين عامي 354 و363م. وبعد تقاعده، تفرغ للتأليف. وكان مقربًا من الفيلسوف ماريوس فيكتورينوس، وهو أيضًا من أبناء إفريقيا الرومانية. وتوفي نحو عام 380م.

جيروم الستريدوني، تلميذ إيليوس دوناتوس

تزامنت مسيرة إيليوس دوناتوس مع المرحلة التي بدأت فيها المسيحية تحل تدريجيًا محل الوثنية التقليدية بوصفها الديانة السائدة في العالم الروماني. وكانت شمال إفريقيا من أكثر أقاليم الإمبراطورية الرومانية اعتناقًا للمسيحية، ولذلك فمن المؤكد تقريبًا أن إيليوس دوناتوس احتك بالمسيحيين منذ شبابه. وعلى عكس صديقه ماريوس فيكتورينوس، الذي اعتنق المسيحية في شيخوخته، ظل إيليوس دوناتوس وثنيًا طوال حياته. ومع ذلك، فقد كان له تأثير في الكنيسة المسيحية، إذ كان معلم أب الكنيسة جيروم الستريدوني، الذي اشتهر خصوصًا بترجمته البارعة للكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية. ولا شك أن الدروس النحوية التي تلقاها على يد إيليوس دوناتوس كانت ذات فائدة كبيرة له في إنجاز هذه المهمة.

كانت الكتيبات الصغيرة، وغالبًا ما كانت في النحو، التي كانت تُطبع باستخدام قوالب خشبية قبل اختراع غوتنبرغ للطباعة بالحروف المتحركة، تُعرف باسم “Donats”، نسبةً إلى إيليوس دوناتوس.

يُعد كتاب فن النحو (Ars Grammatica) أشهر مؤلفات إيليوس دوناتوس، وهو رسالة في قواعد اللغة اللاتينية أصبحت أكثر كتب النحو استخدامًا لأكثر من ألف عام، وأسهمت بدرجة كبيرة في توحيد معايير اللغة اللاتينية. وكان هذا الكتاب يُدرَّس في المدارس إلى جانب مؤلفات بريسيان، وهو نحوي متأخر آخر من أصل شمال إفريقي.

إلى جانب مؤلفاته النحوية، كتب إيليوس دوناتوس شرحًا لمسرحيات ترنتيوس، وهو مؤلف روماني إفريقي آخر، أبرز فيه الصلات بين ترنتيوس والكاتب المسرحي اليوناني ميناندروس. كما ألّف سيرة للشاعر فيرجيل، ووضع شرحًا لملحمة الإنيادة. أما الشرح الآخر الأشهر للإنيادة، والذي يُنسب إليه كثيرًا، فهو في الواقع من تأليف تيبيريوس كلوديوس دوناتوس، الذي عاش بعده بنحو خمسين عامًا، لكنه استلهم كثيرًا من أعماله.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

زيركون: القزم الموري في خدمة ملك الهون

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان زيركون قزمًا من أصلٍ موري، وكان عبدًا لدى أتيلا، ملك الهون، حيث عمل مهرّجًا في بلاطه. وبسبب هيئته التي كانت تُعدّ مضحكة في نظر معاصريه، كان يُستخدم لتسلية جيش سيده. ورغم هذه الحياة القاسية وغير المنصفة، استطاع زيركون أن يحظى بشعبية كبيرة بين الهون، وأن يحوّل ما اعتبره الآخرون نقطة ضعف إلى مصدر قوة، مكّنه من استعادة شيء من السيطرة على مصيره.

زيركون – صورة من إنشاء ChatGPT

كان زيركون من بلاد موريتانيا. وكان قصير القامة، أحدب الظهر، ذا قدمين معوجّتين وأنفٍ أفطس. وبسبب مظهره، بيع عبدًا ليُستخدم في إمتاع أسياده.

كان أول أسياد زيركون هو القائد الروماني أسبار، الذي اشتراه خلال حملته العسكرية ضد الوندال، والتي قادها سنة 432 مع حاكم إفريقية الرومانية بونيفاتيوس. ثم عاد زيركون مع أسبار إلى القسطنطينية، ورافقه بعد ذلك في حملاته العسكرية.

حوالي سنة 442، وقع زيركون في أسر الهون، فأصبح بليدا، شقيق أتيلا، سيده الجديد. وقد أُعجب بليدا بزيركون إلى درجة أنه كان يصطحبه معه أينما ذهب، بل أمر بصنع درع خاص يتناسب مع بنيته الجسدية. وفي أحد الأيام، هرب زيركون مع مجموعة من الأسرى. فأطلق بليدا سراح الآخرين، لكنه أعاد زيركون. وعندما سأله عن سبب هروبه، أجاب بأنه كان يبحث عن زوجة. فزوّجه بليدا إحدى وصيفات الملكة.

بعد وفاة بليدا، آل زيركون إلى أتيلا. وعلى خلاف أخيه، كان أتيلا يكره زيركون، لكنه لم يكن قادرًا على التخلص منه، بسبب الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها داخل جيشه.

وبعد فترة، قدّم أتيلا زيركون هديةً إلى القائد الروماني أتيوس لتأكيد اتفاق سلام بينهما. لكن أتيوس أعاده إلى سيده السابق أسبار. ومع ذلك، ظل زيركون يتمنى العودة إلى الهون. ولذلك طلب أن يرافق السفارة الرومانية التي أُرسلت إلى أتيلا بقيادة الدبلوماسي والمؤرخ بريسكوس، إلا أن طلبه رُفض. ومن خلال كتابات بريسكوس وصلتنا أخبار زيركون.

ويُرجّح أن زيركون أنهى حياته في القسطنطينية، ولا يُعرف شيء آخر عن مصيره.

لماذا نتحدث عنه؟
نحن ندين بشدة جميع أشكال الإساءة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما عندما تُستغل إعاقتهم لأغراض الترفيه.
لكن مثل هذه الممارسات كانت موجودة بالفعل، والحديث عنها لا يعني تبريرها أو قبولها.
ويُعد زيركون جزءًا من تاريخ شمال إفريقيا. ومن خلال نشر هذا المقال، نأمل أن تكون قصته، وما أظهره من قدرة على الحفاظ على كرامته رغم المحن التي واجهها، مصدر إلهام للآخرين.
الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

يودوكيا: أميرة رومانية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كانت يودوكيا ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث. وبصفتها زوجة هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريق، عاشت في قرطاج، وكان من المفترض أن تصبح ملكة الوندال في قرطاج. وفيما بعد، أصبح ابنها هلدريك ملكًا على الوندال.

يودوكيا

الأصول والنشأة

تمثال نصفي لفالنتينيان الثالث، والد يودوكيا

وُلدت يودوكيا في روما حوالي سنة 440م. وكانت الابنة الكبرى للإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث وزوجته ليسينيا يودوكسيا. وتنحدر من سلالة إمبراطورية خالصة من كلا الجانبين؛ فوالدها هو ابن القائد الروماني قسطنطينيوس وغالا بلاسيديا، ابنة الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، أما والدتها فهي ابنة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني.

وفي سنة 442م، أبرمت الإمبراطورية الرومانية معاهدة سلام مع الوندال اعترفت بموجبها بسيادتهم على شمال إفريقيا. ولتأكيد هذا الاتفاق، خُطبت يودوكيا، التي كانت لا تزال طفلة، إلى هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريك.

يودوكيا في قرطاج

في سنة 455م، اغتال عضو مجلس الشيوخ بترونيوس ماكسيموس الإمبراطور فالنتينيان الثالث واستولى على العرش. ثم تزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بلاديوس.

عملة تحمل صورة هونريك

اعتبر الوندال أن فسخ خطوبة يودوكيا من هونريك يُبطل معاهدة السلام. وعندما علم الملك الوندالي جنسريق بذلك، قرر مهاجمة روما ونهب المدينة. وأُسرت يودوكيا مع والدتها وشقيقتها بلاسيديا، ونُقلن إلى قرطاج، حيث تزوجت هونريك.

ولا تُعرف الكثير من التفاصيل عن السنوات التي قضتها يودوكيا في قرطاج. وكل ما يُعرف هو أن علاقتها بزوجها هونريك كانت مضطربة. فإلى جانب أنها أُجبرت على الزواج منه رغمًا عنها، كان السبب الرئيسي للتوتر بينهما اختلافهما الديني؛ إذ كان هونريك يعتنق المذهب الآريوسي، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية.

عملة تحمل صورة هلدريك

حوالي سنة 460م، أنجبت يودوكيا ابنًا سُمّي هلدريك. وبعد وقت قصير من ولادته، لم تعد تحتمل التوترات مع زوجها، فقررت مغادرة قرطاج. ولذلك لم تصبح يودوكيا ملكة للوندال قط، لأنها تركت هونريك قبل أن يتولى العرش. أما ابنها هلدريك، فقد نشأ في بلاط والده، وأصبح ملكًا على الوندال بين سنتي 523 و530م.

يودوكية، جدة يودوكسيا

بعد مغادرتها قرطاج، استقرت يودوكيا في القدس، حيث كانت جدتها يودوكسيا، زوجة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني، تمتلك ضيعة. وكانت يودوكية شاعرة يونانية مرموقة، وقد نُفيت من البلاط الإمبراطوري بعد أن وُجهت إليها ظلمًا تهمة الخيانة الزوجية. فاعتزلت في القدس، وكرست السنوات الأخيرة من حياتها للأدب والدين.

وعندما وصلت يودوكيا إلى القدس، كانت جدتها قد توفيت بالفعل، لكنها أقامت في ضيعتها. وعند وفاتها، دُفنت في قبر جدتها.

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

انتقام الوندال: جنسريك ينهب روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

في مطلع القرن الخامس الميلادي، غزا الوندال، الشعب الجرماني، شمال أفريقيا منهين بذلك أكثر من أربعة قرون من الهيمنة الرومانية على المنطقة. وفي عام 455، دخل ملك الوندال جنسريك روما وقام بنهب المدينة واختطاف ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، التي أصبحت زوجة ابنه.

السياق

في القرن الخامس الميلادي، انقسمت الإمبراطورية الرومانية بين الجزأين الشرقي والغربي وأنهكتها سلسلة طويلة من الحروب ضد قبائل أجنبية جديدة – غالباً من أصول جرمانية – ما أدى إلى إضعاف أراضيها. وقامت إحدى هذه القبائل، القوط، بنهب روما عام 410. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستولي فيها جيش أجنبي على العاصمة الإمبراطورية.

مملكة الواندال

استقر الوندال في إسبانيا، ثم بعد ذلك عبروا مضيق جبل طارق عام 429 وغزوا شمال أفريقيا. وفي عام 439، أسسوا مملكةً عاصمتها قرطاج. وفي عام 442، أُبرمت معاهدة سلام اعترفت بموجبها روما بسيطرة الوندال على أفريقيا. ووعد الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث ابنته إيودوكيا بالزواج من هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك.

وفي عام 455، اغتيل فالنتينيان الثالث على يد بترونيوس ماكسيموس، الذي استولى على العرش. وتزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بالاديوس. واعتبر جنسريك أن فسخ خطوبة يودوكيا وابنه هونريك سببا يُبطل معاهدة السلام. وعندما طلبت منه ليسينيا يودوكسيا الانتقام لزوجها، قرر جنسريك مهاجمة روما.

الواندال في روما

نهب روما على يد الوندال

أبحر الوندال من قرطاج ونزلوا في أوستيا، المدينة الساحلية لروما. وحاول بترونيوس ماكسيموس الفرار من روما، لكن حشدًا غاضبًا رجمه حتى الموت. ودمر الوندال قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء.

بدأ ليو الأول، أسقف روما، مفاوضات مع جنسريك وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وتعذيب السجناء ولكن الواندل نهبوا المدينة لمدة أسبوعين.

نهب القوط لروما عام 410

كان وقع نهب روما على يد الوندال أشد تدميراً من نهب القوط عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، بهدف سرقة بلاطاته البرونزية المذهبة. ويُعزى أصل كلمة “vandalism” “التخريب” إلى نزعة الوندال الميالة للنهب، والتي تعني تدمير ممتلكات الآخرين. ومع ذلك، لم تُفرض أي عقوبات على السكان حيث التزم جنسريك بوعده لأسقف روما وكبح جماح قواته.

وبحسب بعض المصادر، بعد أن نهب الملك الواندالي جنسريك روما عام 455، أعاد إلى قرطاج الأواني المقدسة لهيكل القدس والتي كانت محفوظة في خزائن المدينة الرومانية. وبعد أن استعاد البيزنطيون قرطاج عام 533، أمر القائد الروماني بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومنها أُعيدت لاحقًا إلى القدس. وكان الاعتقاد السائد أن امتلاك هذه الأشياء المقدسة علامة على البركة الإلهية.

العودة إلى قرطاج

هونريك وإيودوكيا – صورة من تصميم ChatGPT

بعد مرور أسبوعين، عاد الوندال إلى قرطاج. وأُعيدت إيودوكيا، ابنة فالنتينيان الثالث، إلى قرطاج أسيرة برفقة والدتها وشقيقتها بلاسيديا. وبعد ذلك بوقت قصير، تزوجت إيودوكيا من هونريك. ولكن هذا الزواج كان قد اتسم بالصعوبة نظرا للاختلاف الديني. فهونريك كان آريوسياً، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية. ونظراً للتوتر الذي طرأ بينهما، تركت يودوكيا هونريك قبل أن يصبح ملكاً وأنهت حياتها في القدس. وكان الملك الوندالي هلدريك (523-530) ابن هونريك ويودوكيا.

وصلت العديد من السفن محملة بالأسرى إلى قرطاج، حيث تم تسليمهم كعبيد لمحاربي الوندال. وقام أسقف قرطاج، ديوغراتياس، ببيع جميع ممتلكات الكنيسة لاستعادة أكبر عدد ممكن منهم، ثم استضافهم في الكنائس الكبيرة في قرطاج وأعادهم إلى روما.

عملة ذهبية عليها صورة مارقيان

لم يُبدِ مارقيان، إمبراطور الشرق، أي رد فعل عنيف بعد هجوم الوندال، بل اكتفى بالمطالبة بالإفراج عن إيودوكيا ووالدتها. وكان مارقيان، الذي خدم جنديا في الحروب الوندالية -الرومانية في شمال إفريقيا، قد وقع أسيرًا لدى الوندال عام 432. وتقول الأسطورة إنه أُطلق سراحه عندما تنبأ جنسريك بأنه سيصبح إمبراطورًا، وأنه في مقابل حريته، وعد بعدم مهاجمة الوندال أبدًا.

لاحقا

بعد رحيل الوندال، أعلن الملك القوطي ثيودوريك أفيتوس، السيناتور من أصل غالي، إمبراطورًا. وخضع آخر أباطرة الرومان الغربيين للقوط.

وأُطلق سراح الإمبراطورة السابقة ليسينيا أودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث ووالدة أودوكيا، عام 461 بعد أن دفع الإمبراطور الشرقي ليو الأول فديةً عنها. وعاشت بقية حياتها في القسطنطينية.

عملة ذهبية عليها صورة أوليبريوس

كان أوليبيريوس، أحد آخر أباطرة الرومان، متزوجًا من بلاسيديا، شقيقة إيودوكيا. وبعد تحرير بلاسيديا، حاول الاستيلاء على السلطة عدة مرات بدعم من الوندال وقد تحقق حلمه بالحكم أخيرًا لبضعة أشهر عام 472.

ساهم نهب جنسريك لروما بشكل كبير في تسريع انهيار المدينة حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية نهائيًا عام 476.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

مارقيان: إمبراطورٌ مستقبلي وقع أسيرًا في يد الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

خلال حرب الفتح الوندالي لشمال إفريقيا، وقع الإمبراطور المستقبلي مارقيان أسيرًا في يد الوندال. وتروي إحدى الروايات أن ملك الوندال جينسريق تنبأ بأنه سيصبح إمبراطورًا. وفي مقابل إطلاق سراحه، تعهّد مارقيان، بحسب هذه الرواية، بألا يشن حربًا على الوندال.

السياق

قطعة ذهبية تحمل صورة مارقيان

في سنة 429، عبر الوندال مضيق جبل طارق وغزوا شمال إفريقيا. وهُزمت القوات الرومانية، بقيادة بونيفاتيوس، آخر حاكم لإفريقيا الرومانية، في معركة كالاما (قالمة).

في سنة 432، أرسل الرومان تعزيزات عسكرية بقيادة أسبار، القائد العام للإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان أسبار نفسه من أصل جرماني (ألاني من جهة والده وقوطي من جهة والدته)، وأراد استغلال هذه القرابة العرقية مع الوندال لتحقيق النصر عليهم.

ورغم ذلك، حقق الوندال انتصارًا جديدًا. وخلال هذه الحملة، وقع الإمبراطور الروماني المستقبلي مارقيان، الذي كان آنذاك ضابطًا في جيش أسبار، أسيرًا في أيديهم.

مارقيان أسيرًا لدى الوندال

نهب روما على يد جينسريق

أدى أسر الإمبراطور المستقبلي إلى ظهور أسطورة أوردها عدد من المؤرخين القدامى. فبينما كان مارقيان في الأسر، حلّق نسر فوقه وألقى عليه بظله، في حين ظل بقية الأسرى معرضين لأشعة الشمس. وعندما رأى ملك الوندال جِنْسِريك ذلك، تنبأ بأن مارقيان سيصبح إمبراطورًا، فأطلق سراحه بعد أن أخذ عليه عهدًا بألا يحارب الوندال إذا اعتلى العرش.

ومن المرجح أن هذه القصة مختلقة، لكنها أصبحت جزءًا من الدعاية الإمبراطورية لمارقيان عندما تولى العرش بعد نحو عشرين عامًا، سنة 450. وعندما نهب ملك الوندال جِنْسِريك مدينة روما سنة 455، وأسر زوجة الإمبراطور الروماني الغربي فالنتينيان الثالث وابنته، لم يسعَ مارقيان، الذي كان آنذاك إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلى الدفاع عن روما، بل اكتفى بالمطالبة بإطلاق سراح الأسيرتين.