شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

معركة الرأس الطيب: آخر هزائم الرومان في إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عبدالرحيم ابوالشيخ

انهارت السيطرة الرومانية على شمال افريقيا التي استمرت لأزيد من أربغة قرون، لما غزاها الوندال. وشكلت خسارة إفريقيا، التي شكلت سلة القمح للإمبراطورية، ضربة قاسية للرومان، الذين حاولوا استعادتها عدى مرات. وقد تحالف إمبراطوران رومانيان، سنة 468م، أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، لشن حملة ضد الوندال. وشكلت هزيمتهما في معركة الرأس الطيبآخر المحاولات الرومانية لاستعادة افريقيا.

السياق

عملة ذهبية تحمل صورة ماجوريان

استعادت الإمبراطورية الرومانية، إبان عهد الإمبراطور ماجوريان (461-457)، السيطرة على إسبانيا. ما دفع ماجوريان إلى السعي نحو إستعادة شمال أفريقيا من أيدي الوندال، لكنه مني بالفشل ، لكن الضابط في جيشه المدعو مارسيلينوس نجح في استعادة صقلية.

حاول الملك الوندالي جنسريك غزوالبيلوبونيز سنة 467. ومع توسع الأسطول الوندالي أكثر فأكثر نحو الشرق، خشي الرومان من الهجوم على الإسكندرية. وأخيرا، قرر الإمبراطور الروماني الشرقي ليون الأول، الذي كان مترددا فيما قبل في دعم الإمبراطورية الغربية ضد الوندال، التدخل.

الهجوم الروماني

إلتأم إمبراطور الغرب أنثيميوس، وإمبراطور الشرق ليون الأول، ومارسيلينوس – وهو ضابطيحكم إقليما شبه مستقل في إيليريا – في صقلية للتحضير لهجوم مشترك واسع النطاق ضد قرطاج.

عملة ذهبية تحمل صورة بازيليسكوس

قرر الرومان مهاجمة الوندال على ثلاث جبهات : سيهاجم بازيليسكوس ، القائد الأعلى للجيش الروماني الشرقي، قرطاج عبر البحر مع الجزء الأكبر من القوات، وسيهاجم مارسيلينوس سردينيا انطلاقا من صقلية قبل أن ينضم إلى بازيليسكوس، بينما سيتولى والي مصر هيراكليوس أمر الهجوم على قرطاج من الشرق، انطلاقا من ليبيا.

يحتل  مارسيلينوس سردينيا، بينما يسيطر هيراكليوس على طرابلس. ويرسو أسطول بازيليسكوس قبالة رأس بون، في انتظار وصول مارسيلينوس. غير أن معظم أسطول مارسيلينوس، والذي كان تحت إمرة الجنرال ذو الأصول الجرمانية ريسيمر، رفضوا الإبحار. ومن المرجح أن ريسيمر كان يتعمد إفشال العملية.

ويعد الإنزال الروماني عند رأس بون واحدة من أهم العمليات العسكرية من هذا النوع في التاريخ القديم، حيث شارك فيه أزيد من خمسين ألف مقاتل وألف سفينة.

طلب الملك جينسيريك هدنة للتفاوض. وفي تلك الأثناء، ملأ الوندال سفنهم بمواد قابلة للاشتعال، ثم أطلقوا تلك السفن الملتهبة ليلا نحو الأسطول الروماني الذي فوجئ بهذه الهجمة. وأدى ذلك إلى احتراق أكثر من نصف الأسطول الروماني.

لاحقا

هرب بازيليسكوس ومارسيلينوس إلى صفلية مع الناجين من جيشهما، بينما نزح هيراكليوس هاربا عبر الصحراء الليبية. وفي صقلية، اغتال ريسيمر مارسيلينوس.

أصبح يوليوس نيبوس، ابن أخ مارسيلينوس، إمبراطور الغرب بين عامي 474 و475. أما بازيليسكوس، فسيصبح إمبراطورا للشرق للفترة الممتدة بين 475-476م.

شكلت هذه الهزيمة الرومانية المرحلة الأخيرة ن انحدار الإمبراطورية الرومانية الغربية، التي لم تعد تسيطر إلا على إيطاليا وصقلية. وقد تمت الإطاحة بآخر إمبراطور، المدعو رومولوس أوغستولوس، سن 476 على يد الزعيم الجرماني أودواكر.

شمال إفريقيا الرومانية, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

أوليبريوس: إمبراطور مقرّب من الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان أوليبريوس أحد آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية الغربية، وقد ارتبط بعلاقة مصاهرة مع ملك الوندال في قرطاج جيسريك. وبعد أن حاول عدة مرات الاستيلاء على العرش بدعم من الوندال، تمكن أخيراً من اعتلاء العرش، لكنه لم يحكم سوى بضعة أشهر سنة 472.

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أوليبريوس

وُلد أنيكيوس أوليبريوس في روما، وسط إحدى أعرق العائلات الأرستقراطية الرومانية. وتزوّج من بلاسيديا، ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، قبيل نهب الوندال لمدينة روما. ومن المحتمل أيضاً أن أوليبريوس وبلاسيديا كانا مخطوبين فقط آنذاك، وأن زواجهما لم يتم إلا بعد عودة بلاسيديا إلى روما.

في سنة 455، اختطف الوندال بلاسيديا إلى قرطاج مع شقيقتها يودوكيا، التي أصبحت لاحقاً زوجة هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك. وقد أُطلق سراح بلاسيديا سنة 461.

بعد وفاة الإمبراطور ماجوريان سنة 461، أصبح القائد العسكري ريسيمر الحاكم الفعلي للإمبراطورية، لكنه لم يكن قادراً على أن يصبح إمبراطوراً بسبب أصوله الجرمانية. عندئذ طالب أوليبريوس بالعرش الإمبراطوري، وحظي بدعم جيسريك الذي كان يأمل أن يكون حكمه أكثر توافقاً مع مصالح الوندال. إلا أن ريسيمر اختار إمبراطوراً آخر هو ليبيوس سيفيروس. وفي سنة 464، تولّى أوليبريوس منصب القنصل.

الوجه الخلفي لقطعة نقدية ذهبية لأوليبريوس: صليب مسيحي تحيط به أوراق الغار

بعد وفاة ليبيوس سيفيروس سنة 465، طالب أوليبريوس مرة أخرى بالعرش، بدعم متجدد من جيسريك، لكن الاختيار وقع على أنثيميوس. أما المحاولة الثالثة فكانت ناجحة؛ إذ أصبح أوليبريوس إمبراطوراً بعد وفاة أنثيميوس سنة 472. ولم يمضِ وقت طويل حتى توفي ريسيمر، الذي كان يسيطر على تعيين الأباطرة منذ عهد ماجوريان، بعد اعتلاء أوليبريوس العرش.

وبفضل زواجه من بلاسيديا، كان أوليبريوس الوريث الشرعي للسلالة الثيودوسية، آخر السلالات الإمبراطورية الرومانية الكبرى. وقد كان حكمه قصيراً وهادئاً، واشتهر بتدينه الشديد. كما أن تصويره على عملاته النقدية من دون رمح أو خوذة يوحي بأنه لم يكن مهتماً كثيراً بالشؤون العسكرية. وتوفي أوليبريوس بعد أربعة أشهر فقط من حكمه، إثر إصابته بالاستسقاء.

وتعود الكلمة الفرنسية «olibrius»، التي تُستعمل لوصف شخص متغطرس ومثير للسخرية، إلى السمعة التي اكتسبها هذا الإمبراطور في التاريخ، بسبب قِصر مدة حكمه وخلوّها من أحداث بارزة.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

ماجوريان: الإمبراطور الروماني الذي سعى لاستعادة شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، حين غزا الوندالُ المنطقةَ. وبعد نحو ثلاثين عامًا، قاد إمبراطورٌ جديد، هو ماجوريان، حملةً مكّنته من استعادة السيطرة على إسبانيا. وأراد بعد ذلك استرجاع شمال أفريقيا، لكنه لم يملك الوسائل الكافية لذلك.

السياق

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أفيتوس

بعد نهب روما على يد الوندال عام 455، غدا الإمبراطورية الرومانية أضعفَ من أي وقت مضى. فرَض ثيودوريك الثاني، ملك القوط، أفيتوسَ، وهو شيخ مجلس شيوخ من أصل غاليّ مقرَّبٌ منه، إمبراطورًا جديدًا. وخلال حكم أفيتوس، غزا القوطُ إسبانيا، بحجّة إعادتها إلى السيطرة الرومانية، لكن في الحقيقة لأنفسهم. وإذ تخلّى عنه ثيودوريك، قُتِل أفيتوس عام 456، بعد سنةٍ واحدة من الحكم.

ماجوريان: لنجعل روما عظيمةً من جديد

الأراضي التي استعادها ماجوريان – اضغط لتكبير الصورة

قرّر القائد ماجوريان، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا، إطلاقَ حملةٍ واسعة لاسترجاع الأراضي التي خسرتها روما. فبدأ بطرد البرغنديّين من جنوب بلاد الغال، ثم هاجم القوط في إسبانيا. وفي ثلاث سنوات، استعاد السيطرة على معظم إسبانيا. كما أرسل ضابطه مارسيلينوس لاستعادة صقلية من الوندال.

أراد ماجوريان أن يتّخذ من إسبانيا قاعدةً لمهاجمة الوندال في أفريقيا. لكن أثناء حملته في إسبانيا، تمكّن الوندال من تدمير السفن التي كان يُعِدّها للغزو. فحُرِم ماجوريان من أسطوله، واضطُرّ إلى إلغاء خططه. وفي عام 460، عقَد اتفاق سلام مع الملك الوندالي جِنْسِريك، وحلَّ جيوشه.

وعند عودته إلى إيطاليا، أسَره ريسيمر، وهو قائد رومانيٌّ من أصل جرماني. واغتِيل ماجوريان عام 461.

بعد ذلك

خاتم ريسيمر

في السنوات التالية، ظلّ ريسيمر، الذي لم يستطع أن يصبح إمبراطورًا بنفسه بسبب أصله الجرماني، السيّدَ الحقيقيَّ للإمبراطورية، حتى وفاته عام 472. أمّا الأباطرة الذين حكموا خلال تلك السنوات فلم يكونوا سوى دُمًى. وكان أحدهم، أوليبريوس، مرتبطًا بمصاهرةٍ بالملك الوندالي جِنْسِريك.

وفي عام 476، خلَع الزعيمُ الجرماني أودواكر آخرَ إمبراطور روماني، رومولوس أوغستولوس: وكانت تلك نهاية الإمبراطورية الرومانية.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

زيركون: القزم الموري في خدمة ملك الهون

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان زيركون قزمًا من أصلٍ موري، وكان عبدًا لدى أتيلا، ملك الهون، حيث عمل مهرّجًا في بلاطه. وبسبب هيئته التي كانت تُعدّ مضحكة في نظر معاصريه، كان يُستخدم لتسلية جيش سيده. ورغم هذه الحياة القاسية وغير المنصفة، استطاع زيركون أن يحظى بشعبية كبيرة بين الهون، وأن يحوّل ما اعتبره الآخرون نقطة ضعف إلى مصدر قوة، مكّنه من استعادة شيء من السيطرة على مصيره.

زيركون – صورة من إنشاء ChatGPT

كان زيركون من بلاد موريتانيا. وكان قصير القامة، أحدب الظهر، ذا قدمين معوجّتين وأنفٍ أفطس. وبسبب مظهره، بيع عبدًا ليُستخدم في إمتاع أسياده.

كان أول أسياد زيركون هو القائد الروماني أسبار، الذي اشتراه خلال حملته العسكرية ضد الوندال، والتي قادها سنة 432 مع حاكم إفريقية الرومانية بونيفاتيوس. ثم عاد زيركون مع أسبار إلى القسطنطينية، ورافقه بعد ذلك في حملاته العسكرية.

حوالي سنة 442، وقع زيركون في أسر الهون، فأصبح بليدا، شقيق أتيلا، سيده الجديد. وقد أُعجب بليدا بزيركون إلى درجة أنه كان يصطحبه معه أينما ذهب، بل أمر بصنع درع خاص يتناسب مع بنيته الجسدية. وفي أحد الأيام، هرب زيركون مع مجموعة من الأسرى. فأطلق بليدا سراح الآخرين، لكنه أعاد زيركون. وعندما سأله عن سبب هروبه، أجاب بأنه كان يبحث عن زوجة. فزوّجه بليدا إحدى وصيفات الملكة.

بعد وفاة بليدا، آل زيركون إلى أتيلا. وعلى خلاف أخيه، كان أتيلا يكره زيركون، لكنه لم يكن قادرًا على التخلص منه، بسبب الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها داخل جيشه.

وبعد فترة، قدّم أتيلا زيركون هديةً إلى القائد الروماني أتيوس لتأكيد اتفاق سلام بينهما. لكن أتيوس أعاده إلى سيده السابق أسبار. ومع ذلك، ظل زيركون يتمنى العودة إلى الهون. ولذلك طلب أن يرافق السفارة الرومانية التي أُرسلت إلى أتيلا بقيادة الدبلوماسي والمؤرخ بريسكوس، إلا أن طلبه رُفض. ومن خلال كتابات بريسكوس وصلتنا أخبار زيركون.

ويُرجّح أن زيركون أنهى حياته في القسطنطينية، ولا يُعرف شيء آخر عن مصيره.

لماذا نتحدث عنه؟
نحن ندين بشدة جميع أشكال الإساءة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما عندما تُستغل إعاقتهم لأغراض الترفيه.
لكن مثل هذه الممارسات كانت موجودة بالفعل، والحديث عنها لا يعني تبريرها أو قبولها.
ويُعد زيركون جزءًا من تاريخ شمال إفريقيا. ومن خلال نشر هذا المقال، نأمل أن تكون قصته، وما أظهره من قدرة على الحفاظ على كرامته رغم المحن التي واجهها، مصدر إلهام للآخرين.
الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

يودوكيا: أميرة رومانية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كانت يودوكيا ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث. وبصفتها زوجة هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريق، عاشت في قرطاج، وكان من المفترض أن تصبح ملكة الوندال في قرطاج. وفيما بعد، أصبح ابنها هلدريك ملكًا على الوندال.

يودوكيا

الأصول والنشأة

تمثال نصفي لفالنتينيان الثالث، والد يودوكيا

وُلدت يودوكيا في روما حوالي سنة 440م. وكانت الابنة الكبرى للإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث وزوجته ليسينيا يودوكسيا. وتنحدر من سلالة إمبراطورية خالصة من كلا الجانبين؛ فوالدها هو ابن القائد الروماني قسطنطينيوس وغالا بلاسيديا، ابنة الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، أما والدتها فهي ابنة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني.

وفي سنة 442م، أبرمت الإمبراطورية الرومانية معاهدة سلام مع الوندال اعترفت بموجبها بسيادتهم على شمال إفريقيا. ولتأكيد هذا الاتفاق، خُطبت يودوكيا، التي كانت لا تزال طفلة، إلى هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريك.

يودوكيا في قرطاج

في سنة 455م، اغتال عضو مجلس الشيوخ بترونيوس ماكسيموس الإمبراطور فالنتينيان الثالث واستولى على العرش. ثم تزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بلاديوس.

عملة تحمل صورة هونريك

اعتبر الوندال أن فسخ خطوبة يودوكيا من هونريك يُبطل معاهدة السلام. وعندما علم الملك الوندالي جنسريق بذلك، قرر مهاجمة روما ونهب المدينة. وأُسرت يودوكيا مع والدتها وشقيقتها بلاسيديا، ونُقلن إلى قرطاج، حيث تزوجت هونريك.

ولا تُعرف الكثير من التفاصيل عن السنوات التي قضتها يودوكيا في قرطاج. وكل ما يُعرف هو أن علاقتها بزوجها هونريك كانت مضطربة. فإلى جانب أنها أُجبرت على الزواج منه رغمًا عنها، كان السبب الرئيسي للتوتر بينهما اختلافهما الديني؛ إذ كان هونريك يعتنق المذهب الآريوسي، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية.

عملة تحمل صورة هلدريك

حوالي سنة 460م، أنجبت يودوكيا ابنًا سُمّي هلدريك. وبعد وقت قصير من ولادته، لم تعد تحتمل التوترات مع زوجها، فقررت مغادرة قرطاج. ولذلك لم تصبح يودوكيا ملكة للوندال قط، لأنها تركت هونريك قبل أن يتولى العرش. أما ابنها هلدريك، فقد نشأ في بلاط والده، وأصبح ملكًا على الوندال بين سنتي 523 و530م.

يودوكية، جدة يودوكسيا

بعد مغادرتها قرطاج، استقرت يودوكيا في القدس، حيث كانت جدتها يودوكسيا، زوجة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني، تمتلك ضيعة. وكانت يودوكية شاعرة يونانية مرموقة، وقد نُفيت من البلاط الإمبراطوري بعد أن وُجهت إليها ظلمًا تهمة الخيانة الزوجية. فاعتزلت في القدس، وكرست السنوات الأخيرة من حياتها للأدب والدين.

وعندما وصلت يودوكيا إلى القدس، كانت جدتها قد توفيت بالفعل، لكنها أقامت في ضيعتها. وعند وفاتها، دُفنت في قبر جدتها.

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

انتقام الوندال: جنسريك ينهب روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

في مطلع القرن الخامس الميلادي، غزا الوندال، الشعب الجرماني، شمال أفريقيا منهين بذلك أكثر من أربعة قرون من الهيمنة الرومانية على المنطقة. وفي عام 455، دخل ملك الوندال جنسريك روما وقام بنهب المدينة واختطاف ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، التي أصبحت زوجة ابنه.

السياق

في القرن الخامس الميلادي، انقسمت الإمبراطورية الرومانية بين الجزأين الشرقي والغربي وأنهكتها سلسلة طويلة من الحروب ضد قبائل أجنبية جديدة – غالباً من أصول جرمانية – ما أدى إلى إضعاف أراضيها. وقامت إحدى هذه القبائل، القوط، بنهب روما عام 410. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستولي فيها جيش أجنبي على العاصمة الإمبراطورية.

مملكة الواندال

استقر الوندال في إسبانيا، ثم بعد ذلك عبروا مضيق جبل طارق عام 429 وغزوا شمال أفريقيا. وفي عام 439، أسسوا مملكةً عاصمتها قرطاج. وفي عام 442، أُبرمت معاهدة سلام اعترفت بموجبها روما بسيطرة الوندال على أفريقيا. ووعد الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث ابنته إيودوكيا بالزواج من هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك.

وفي عام 455، اغتيل فالنتينيان الثالث على يد بترونيوس ماكسيموس، الذي استولى على العرش. وتزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بالاديوس. واعتبر جنسريك أن فسخ خطوبة يودوكيا وابنه هونريك سببا يُبطل معاهدة السلام. وعندما طلبت منه ليسينيا يودوكسيا الانتقام لزوجها، قرر جنسريك مهاجمة روما.

الواندال في روما

نهب روما على يد الوندال

أبحر الوندال من قرطاج ونزلوا في أوستيا، المدينة الساحلية لروما. وحاول بترونيوس ماكسيموس الفرار من روما، لكن حشدًا غاضبًا رجمه حتى الموت. ودمر الوندال قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء.

بدأ ليو الأول، أسقف روما، مفاوضات مع جنسريك وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وتعذيب السجناء ولكن الواندل نهبوا المدينة لمدة أسبوعين.

نهب القوط لروما عام 410

كان وقع نهب روما على يد الوندال أشد تدميراً من نهب القوط عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، بهدف سرقة بلاطاته البرونزية المذهبة. ويُعزى أصل كلمة “vandalism” “التخريب” إلى نزعة الوندال الميالة للنهب، والتي تعني تدمير ممتلكات الآخرين. ومع ذلك، لم تُفرض أي عقوبات على السكان حيث التزم جنسريك بوعده لأسقف روما وكبح جماح قواته.

وبحسب بعض المصادر، بعد أن نهب الملك الواندالي جنسريك روما عام 455، أعاد إلى قرطاج الأواني المقدسة لهيكل القدس والتي كانت محفوظة في خزائن المدينة الرومانية. وبعد أن استعاد البيزنطيون قرطاج عام 533، أمر القائد الروماني بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومنها أُعيدت لاحقًا إلى القدس. وكان الاعتقاد السائد أن امتلاك هذه الأشياء المقدسة علامة على البركة الإلهية.

العودة إلى قرطاج

هونريك وإيودوكيا – صورة من تصميم ChatGPT

بعد مرور أسبوعين، عاد الوندال إلى قرطاج. وأُعيدت إيودوكيا، ابنة فالنتينيان الثالث، إلى قرطاج أسيرة برفقة والدتها وشقيقتها بلاسيديا. وبعد ذلك بوقت قصير، تزوجت إيودوكيا من هونريك. ولكن هذا الزواج كان قد اتسم بالصعوبة نظرا للاختلاف الديني. فهونريك كان آريوسياً، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية. ونظراً للتوتر الذي طرأ بينهما، تركت يودوكيا هونريك قبل أن يصبح ملكاً وأنهت حياتها في القدس. وكان الملك الوندالي هلدريك (523-530) ابن هونريك ويودوكيا.

وصلت العديد من السفن محملة بالأسرى إلى قرطاج، حيث تم تسليمهم كعبيد لمحاربي الوندال. وقام أسقف قرطاج، ديوغراتياس، ببيع جميع ممتلكات الكنيسة لاستعادة أكبر عدد ممكن منهم، ثم استضافهم في الكنائس الكبيرة في قرطاج وأعادهم إلى روما.

عملة ذهبية عليها صورة مارقيان

لم يُبدِ مارقيان، إمبراطور الشرق، أي رد فعل عنيف بعد هجوم الوندال، بل اكتفى بالمطالبة بالإفراج عن إيودوكيا ووالدتها. وكان مارقيان، الذي خدم جنديا في الحروب الوندالية -الرومانية في شمال إفريقيا، قد وقع أسيرًا لدى الوندال عام 432. وتقول الأسطورة إنه أُطلق سراحه عندما تنبأ جنسريك بأنه سيصبح إمبراطورًا، وأنه في مقابل حريته، وعد بعدم مهاجمة الوندال أبدًا.

لاحقا

بعد رحيل الوندال، أعلن الملك القوطي ثيودوريك أفيتوس، السيناتور من أصل غالي، إمبراطورًا. وخضع آخر أباطرة الرومان الغربيين للقوط.

وأُطلق سراح الإمبراطورة السابقة ليسينيا أودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث ووالدة أودوكيا، عام 461 بعد أن دفع الإمبراطور الشرقي ليو الأول فديةً عنها. وعاشت بقية حياتها في القسطنطينية.

عملة ذهبية عليها صورة أوليبريوس

كان أوليبيريوس، أحد آخر أباطرة الرومان، متزوجًا من بلاسيديا، شقيقة إيودوكيا. وبعد تحرير بلاسيديا، حاول الاستيلاء على السلطة عدة مرات بدعم من الوندال وقد تحقق حلمه بالحكم أخيرًا لبضعة أشهر عام 472.

ساهم نهب جنسريك لروما بشكل كبير في تسريع انهيار المدينة حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية نهائيًا عام 476.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

مارقيان: إمبراطورٌ مستقبلي وقع أسيرًا في يد الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

خلال حرب الفتح الوندالي لشمال إفريقيا، وقع الإمبراطور المستقبلي مارقيان أسيرًا في يد الوندال. وتروي إحدى الروايات أن ملك الوندال جينسريق تنبأ بأنه سيصبح إمبراطورًا. وفي مقابل إطلاق سراحه، تعهّد مارقيان، بحسب هذه الرواية، بألا يشن حربًا على الوندال.

السياق

قطعة ذهبية تحمل صورة مارقيان

في سنة 429، عبر الوندال مضيق جبل طارق وغزوا شمال إفريقيا. وهُزمت القوات الرومانية، بقيادة بونيفاتيوس، آخر حاكم لإفريقيا الرومانية، في معركة كالاما (قالمة).

في سنة 432، أرسل الرومان تعزيزات عسكرية بقيادة أسبار، القائد العام للإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان أسبار نفسه من أصل جرماني (ألاني من جهة والده وقوطي من جهة والدته)، وأراد استغلال هذه القرابة العرقية مع الوندال لتحقيق النصر عليهم.

ورغم ذلك، حقق الوندال انتصارًا جديدًا. وخلال هذه الحملة، وقع الإمبراطور الروماني المستقبلي مارقيان، الذي كان آنذاك ضابطًا في جيش أسبار، أسيرًا في أيديهم.

مارقيان أسيرًا لدى الوندال

نهب روما على يد جينسريق

أدى أسر الإمبراطور المستقبلي إلى ظهور أسطورة أوردها عدد من المؤرخين القدامى. فبينما كان مارقيان في الأسر، حلّق نسر فوقه وألقى عليه بظله، في حين ظل بقية الأسرى معرضين لأشعة الشمس. وعندما رأى ملك الوندال جِنْسِريك ذلك، تنبأ بأن مارقيان سيصبح إمبراطورًا، فأطلق سراحه بعد أن أخذ عليه عهدًا بألا يحارب الوندال إذا اعتلى العرش.

ومن المرجح أن هذه القصة مختلقة، لكنها أصبحت جزءًا من الدعاية الإمبراطورية لمارقيان عندما تولى العرش بعد نحو عشرين عامًا، سنة 450. وعندما نهب ملك الوندال جِنْسِريك مدينة روما سنة 455، وأسر زوجة الإمبراطور الروماني الغربي فالنتينيان الثالث وابنته، لم يسعَ مارقيان، الذي كان آنذاك إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلى الدفاع عن روما، بل اكتفى بالمطالبة بإطلاق سراح الأسيرتين.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

بونيفاتيوس: آخر حاكم روماني لإفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة مريمة أڭرام

في أوائل القرن الخامس الميلادي، كانت الإمبراطورية الرومانية قد ضعفت بسبب الغزوات البربرية. وكان بونيفاتيوس، آخر حاكم روماني لإفريقيا، أحد الفاعلين المهمين في الحروب الرومانية خلال تلك العقود. وقد مثّلت هزيمته أمام الوندال نهاية إفريقيا الرومانية.

السياق

الإمبراطور هونوريوس

توفي الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، المعروف بتأسيسه للمسيحية باعتبارها ديناً رسمياً لإمبراطوريته، عام 395. وعقب وفاته، قُسّمت الإمبراطورية الرومانية بين ولديه: أركاديوس (395-408) في الشرق، وهونوريوس (395-423) في الغرب. وكان الإمبراطوران الجديدان حديثي السن وقليلي الخبرة خصوصا هونوريوس الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره عند وفاة والده. وتولى ستيليكو، الجنرال من أصول واندالية، الوصاية على الحكم إلى أن أُعدم سنة 408.

وفي الوقت ذاته، استمرت غزوات الشعوب الأجنبية التي بدأت في القرن الثالث الميلادي للأراضي الرومانية. ففي سنة 406، عبر الوندال نهر الراين، ودخلوا بلاد الغال، ودمّروا البلاد. وفي سنة 409، استقروا في إسبانيا. وفي العام التالي، نهب القوط، بقيادة ملكهم ألاريك، مدينة روما، عاصمة الإمبراطورية. كما اختُطفت غالا بلاسيديا، شقيقة الإمبراطور، وأُجبرت على الزواج من أتولف، خليفة ألاريك.

عملة ذهبية تحمل صورة قنسطانطيوس الثالث

قاد القائد الروماني قنسطانطيوس، الذي عُيّن قائدًا أعلى للجيش الروماني سنة 411، حملة عسكرية في بلاد الغال وشمال إسبانيا، استهدفت أولًا المغتصب قسطنطين، ثم القوط بعد ذلك. وتمكّن من طرد القوط من بلاد الغال وتحرير غالا بلاسيديا. ومكافأةً له، زوّجه الإمبراطور هونوريوس من غالا بلاسيديا، ثم عيّنه شريكًا له في الحكم سنة 421 تحت اسم قنسطانطيوس الثالث. غير أنه توفي بعد بضعة أشهر.

بونيفاتيوس، آخر حاكم روماني لإفريقيا

عملة تحمل صورة بونيفاتيوس

برز بونيفاتيوس، الذي سيصبح لاحقًا آخر حاكم روماني لإفريقيا، كضابط عسكري في جيش قنسطانطيوس خلال حملته ضد القوط. وفي سنة 413 حقق انتصارًا على القوط في ماساليا، ويُروى أنه جرح في هذه المعركة الملك القوطي أتولف نفسه.

وبعد سنوات قليلة، تولّى قيادة وحدة عسكرية مكوّنة من جنود ذوي أصول قوطيّة في إفريقيا، حيث شارك في التصدي لتمرّد المور. وخلال تلك الفترة، توطدت علاقته بأسقف أوغسطينوس الهيبّوني، وتبادلا نقاشات حول قضايا لاهوتية.

وفي سنة 422، استُدعي إلى البلاط الإمبراطوري وتزوّج هناك، وكانت زوجته ذات أصول قوطيّة.

وفي السنة نفسها، كُلّف بونيفاتيوس، إلى جانب الضابط كاستينوس، بتنظيم حملة عسكرية ضد الوندال في إسبانيا. غير أنّه لم يشارك في الحملة بسبب التوتر الذي نشأ بينه وبين كاستينوس، فعاد إلى إفريقيا، حيث عُيِّن comes (الحاكم العام) على أبرشية أفريقيا الرومانية.

عملة ذهبية تحمل صورة یوانیس

توفي الإمبراطور هونوريوس سنة 423، ولم يكن له ابن، لذلك لم يُعلن عن خليفته مباشرة. وخلال فترة الفراغ السياسي، قام كاستينوس، خصم بونيفاتيوس، بإعلان یوانیس، وهو موظف رفيع، إمبراطورًا جديدًا. غير أن السلالة الثيودوسية، بقيادة غالا بلاسيديا، رفضت هذا التعيين.

وفي المقابل، أعلن بونيفاتيوس ولاءه للثيودوسيين، فقام بقطع إمدادات القمح الإفريقي عن روما. وردًّا على ذلك، أرسل یوانیس قوات إلى إفريقيا لمواجهة بونيفاتيوس، لكنها لم تنجح في الإطاحة به.

غالا بلاسيديا

هُزم یوانیس في نهاية المطاف على يد الإمبراطور الشرقي ثيودوسيوس الثاني سنة 425. وبعد ذلك، تم اختيار فالنتينيان الثالث، ابن قنسطانطيوس الثالث وغالا بلاسيديا، إمبراطورًا جديدًا للغرب. ولأنه لم يكن يتجاوز السادسة من عمره، تولّت والدته غالا بلاسيديا الوصاية على الحكم.

وقد كوفئ بونيفاتيوس على ولائه للسلالة الثيودوسية، فبلغت مسيرته ذروتها في تلك المرحلة.

غير أن وضعه سرعان ما تغيّر، إذ اتُّهم بعد عامين، في سنة 427، بالتخطيط لإقامة إمبراطورية خاصة به في إفريقيا. استدعت غالا بلاسيديا بونيفاتيوس إلى البلاط الإمبراطوري لمواجهة هذه الاتهامات، لكنه رفض الحضور. فعمدت إلى إرسال جيش ضده. وبعد عامين من القتال، تمكن بونيفاتيوس أخيرًا من إثبات براءته من هذه الاتهامات، واستعاد بذلك رضا الإمبراطورة.

مملكة الوندال في إفريقيا

في سنة 429، عبر الوندال مضيق جبل طارق وغزوا إفريقيا. وتشير بعض المصادر إلى أن بونيفاتيوس نفسه هو من دعا الوندال إلى دخول إفريقيا، انتقامًا من العائلة الإمبراطورية. وفي سنة 430، هُزمت القوات الرومانية بقيادة بونيفاتيوس في معركة كالاما (قالمة). وبعد هزيمة أخرى سنة 432، أُعفي بونيفاتيوس من منصبه. ثم استولى الوندال على قرطاج سنة 439، وبذلك انتهى الحكم الروماني في شمال إفريقيا.

وبعد عودته إلى إيطاليا، كُلّف بونيفاتيوس من قبل غالا بلاسيديا بمواجهة القائد الروماني القوي أيتيوس، الذي كان يهدد بالتمرد. وكان أيتيوس، وهو حليف سابق لكاستينوس ویوانیس، قد وقف أيضًا وراء الاتهامات التي وُجهت إلى بونيفاتيوس عندما كان حاكمًا لإفريقيا. وقد خرج بونيفاتيوس منتصرًا، لكنه أُصيب بجروح قاتلة في المعركة، وتوفي في أواخر سنة 432.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

مارسيلينوس : موظف روماني في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عبدالرحيم ابوالشيخ

مارسيلينوس القرطاجي هو موظف رومان يمن أوائل القرن الخامس، عمل تحت إدارة الإمبراطور هونوريوس. أرس إلى قرطاج، سنة 411، لرئاسة مؤتمر عام يهدف إلأى حل الخلاف الدوناتستي.التقى بالأسقف أوغسطينوس الهيبوني في افريقيا، والذي صار صديقا مقربا له. لفقت له تهم مزيفة بالتمرد وأعدم سنة 413.

ولد فلافيوس مارسيلينوس في طليطلة بإسبانيا من عائلة أرستقراطية الرومانية. بعد دراسته، عمل في الإدارة الرومانية و أصبح صديقا قاضيا وأمينا للخزانة. في امبراطورية اعتنقت المسيحية مؤخرا، كان مارسيلينوس مسيحيا متحمسا، يهتم بالمسائل اللاهوتية. كانت زوحته تدعى أنابسيشيا.

مارسيلينوس يترأس مؤتمر قرطاج – صورة من تصميم ChatGPT

في تلك الفترة، كانت الخلافات الدوناتية قد قسمت كنيسة شمال إفريقيا منذ ما يربو على قرن من الزمان. وفي عام 411، قرر الإمبراطور هونوريوس تنظيم مؤتمر في قرطاج لحل هذه المسألة بشكل نهائي. وأرسل الإمبراطور مارسيلينوس، الذي تم اختياره على الأرجح لخبرته في اللاهوت، ليرأس هذا المؤتمر.

أمام 286 أسقفًا كاثوليكيًا و279 أسقفًا دوناتيستيًا اجتمعوا لمناقشة الخلافات بينهم، أعرب مارسيلينوس بوضوح عن موقف الإمبراطور: الدوناتيون هم هراطقة يجب أن يعودوا إلى الكنيسة الرسمية، والغرض من المؤتمر هو مناقشة شروط هذه العودة. وقد تم الاحتفاظ بالمحضر التفصيلي للمناقشات. وبعد نقاشات طويلة ومريرة، أصدر مارسيلينوس مرسوماً يقضي بأن الأساقفة الدوناتيين الذين يقبلون بالعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية يمكنهم الاحتفاظ بأسقفياتهم وأماكن عبادتهم، أما أولئك الذين يرفضون فسيتم سجنهم.

أوغسطينوس الهيبيني

نفذ الجيش الروماني هذا الحكم بصرامة شديدة: فقد تعرض الدوناتيون الذين رفضوا الخضوع للاضطهاد بعنف شديد لدرجة أن أوغسطينوس من هيبون، زعيم الكاثوليك في المؤتمر، احتج على ذلك. بقي مارسيلينوس في قرطاج لمساعدة أخيه أبرينجيوس، الذي عُيّن حاكمًا على إفريقيا، في محاكمات الدوناتيين الذين تم اعتقالهم.

خلال السنوات التي قضاها في إفريقيا، أقام مارسيلينوس صداقة مع الأسقف أوغسطينوس الهيبيني. كانا يتناقشان في أمور اللاهوت، وكان أوغسطينوس يشجع مارسيلينوس على إبداء الرأفة تجاه الدوناتيين. كرس أوغسطينوس العديد من مؤلفاته لمارسيلينوس، ومن بينها الكتب الثلاثة الأولى من كتاب «مدينة الله».

تمثال مارسيلينوس، رواق برنيني، ميدان القديس بطرس، الفاتيكان

انتهت مسيرة مارسيلينوس المهنية فجأة في عام 413، عقب تمرد حاكم إفريقيا هيراكليانوس: فقد اتهمه الدوناتيون زوراً هو وشقيقه أبرينجيوس بدعم هيراكليانوس. وحُكم على مارسيلينوس بالإعدام ونُفِذ فيه الحكم. وفي العام التالي، أقر الإمبراطور ببراءته.

أثرت وفاة مارسيلينوس بشكل كبير على أوغسطينوس من هيبون، الذي ناشد السلطات الرومانية دون جدوى من أجل العفو عن صديقه. بعد إعدامه، أصبح أوغسطينوس أكثر حذراً تجاه السلطة السياسية ومتردداً فيما يتعلق بالتحالف المتزايد بين الكنيسة المسيحية والإمبراطورية.

تعتبر الكنيسة الكاثوليكية مارسيلينوس شهيداً.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

هيراكليانوس: حاكم أفريقيا الذي طالب بالعرش الإمبراطوري

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

ضعفت في مطلع القرن الخامس الميلادي الإمبراطورية الرومانية جراء الغزوات البربرية. وفي عهد الإمبراطور هونوريوس، ثار حاكم أفريقيا، هيراكليانوس، وطالب بالعرش الإمبراطوري.

السياق

الإمبراطور هونوريوس

توفي الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، المعروف بتأسيسه للمسيحية باعتبارها ديناً رسمياً لإمبراطوريته، عام 395. وعقب وفاته، قُسّمت الإمبراطورية الرومانية بين ولديه: أركاديوس (395-408) في الشرق، وهونوريوس (395-423) في الغرب. وكان الإمبراطوران الجديدان حديثي السن وقليلي الخبرة خصوصا هونوريوس الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره عند وفاة والده. وتولى ستيليكو، الجنرال من أصول واندالية، الوصاية على الحكم.

وفي الوقت ذاته، استمرت غزوات الشعوب الأجنبية التي بدأت في القرن الثالث الميلادي للأراضي الرومانية. ففي عام 403، غزا القوط، بقيادة ملكهم الجديد ألاريك، إيطاليا. وفي عام 406، عبر نهر الراين تحالف من القبائل الجرمانية، بقيادة الوندال ودخلوا بلاد الغال، وألحقوا بها دمارًا هائلًا.

الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 410 – اضغط للتكبير – اللون الأصفر: الأراضي التي سيطر عليها الإمبراطور هونوريوس – اللون الأحمر: الأراضي التي سيطر عليها قسطنطين المغتصب – الألوان الأخرى: الأراضي التي سيطرت عليها قبائل بربرية مختلفة

إلى جانب هذه الغزوات، واجهت الإمبراطورية أيضًا ثورات داخلية. ففي عام 407، نصب قسطنطين، الجندي الروماني المتمركز في بريطانيا، نفسه إمبراطورًا ورسخ سلطته في بلاد الغال حيث حارب البرابرة المقيمين هناك.

وفشل ستيليكو، أقوى جنرالات الرومان، في قمع ثورة قسطنطين، التي كانت تكتسب شعبية متزايدة في بلاد الغال. وقد مكّن فشله الأعداء، الذين طالما حسدوه على نفوذه، من التخطيط لمؤامرة ضده. وفي عام 408 أعدم ستيليكو على يد الضابط العسكري هيراكليانوس.

هيراكليانوس، حاكم أفريقيا

ستيليكو، الجنرال الذي قتله هيراكليانوس

وكمكافأةً له، عيّن الإمبراطور هونوريوس المسؤول هيراكليانوس حاكمًا عامًا لأبرشية أفريقيا، التي كانت تضم جميع المقاطعات الرومانية في شمال أفريقيا. وقد جعله خليفة لباثاناريوس، صهر ستيليكو، الذي أُعدم هو الآخر.

اندلعت الاضطرابات في جميع أنحاء الإمبراطورية بعد وفاة ستيليكو وشهدت مذابح جماعية لعائلات الحلفاء، وهم محاربون بربريون انضموا إلى الجيش الروماني، مثل والد ستيليكو. وقد لجأ الناجون إلى ألاريك، ملك القوط، طلبًا لحمايته ما زاد من أعداد جيشه.

في عامي 409-410، أُعلن بريسكوس أتالوس إمبراطورًا بدلًا من هونوريوس بدعم من ألاريك. وظل هيراكليانوس مواليًا لهونوريوس وقام بقطع إمدادات القمح الأفريقي عن مدينة روما، حيث كان بريسكوس أتالوس مقيمًا. وبعد مرور بضعة أشهر، أطاح ألاريك ببريسكوس أتالوس بعد رفضه السماح لألاريك بقيادة حملة ضد هيراكليانوس في أفريقيا. ونهب جيش ألاريك روما عقب سقوط بريسكوس أتالوس،.

يزعم الكاتب المسيحي جيروم الستريدي أن هيراكليانوس أساء معاملة النبلاء الرومان الذين فروا إلى قرطاج أثناء اغتصاب بريسكوس أتالوس للسلطة. ووصف جيروم هيراكليانوس بأنه سكير ورجل فاسد. ورغم أن وصفه من دون شك مبالغ فيه، إلا أنه ربما يحمل في طياته بعض الحقيقة.

وخلال فترة حكم هيراكليانوس، حُسم الجدل الدوناتي نهائيًا: ففي عام 411، أرسل الإمبراطور هونوريوس مبعوثه مارسيلينوس إلى قرطاج لعقد مؤتمر عام يعارض الأساقفة الكاثوليك والدوناتيين. وفي ختام هذا المؤتمر، تمت إدانة الدوناتيون.

ثورة هيراكليانوس

قيادة هيراكليانوس لجيشه – صُنع بواسطة ChatGTP

في أواخر عام 412، عيّن الإمبراطور هونوريوس هيراكليانوس قنصلاً لعام 413. إلا أنه قبل توليه منصبه، ثار هيراكليانوس وأعلن نفسه إمبراطوراً. ويبقى من الصعب فهم دوافعه لأنه كان في أوج قوته. ومن المرجح أنه شعر بالتهديد من تنامي قوة قسطنطينيوس، القائد الجديد للجيش الروماني، الذي اعتبره منافساً له.

بدأ هيراكليانوس بقطع إمدادات القمح الأفريقي عن روما وعن قوات ألاريك المتمركزة في بلاد الغال، بالقرب من ماساليا. ثم قام بعد ذلك بتجميع أسطول لغزو إيطاليا.

وصل هيراكليانوس إلى إيطاليا في مارس 413. فأرسل قسطنطينيوس جيشًا لملاقاته. هُزم هيراكليانوس وفرّ إلى قرطاج حيث قُتل. ووفقًا لإحدى الروايات، فقد هلع هيراكليانوس من ضخامة جيش العدو لدرجة أنه تخلى عن قواته.

لاحقا

عملة ذهبية تحمل صورة قسطنطينيوس الثالث

أتاح إخماد ثورة هيراكليانوس لقسطنطين فرصة التركيز على محاربة القوط، حتى نجح في إخراجهم من بلاد الغال. وفي عام 421، عينه هونوريوس إمبراطورًا مشاركًا. كما تزوج من غالا بلاسيديا، شقيقة الإمبراطور. وتولى ابنهما فالنتينيان الثالث مقاليد الحكم بعد وفاة هونوريوس.

اتهم الدوناتيين زوراً مارسيلينوس بدعم ثورة هيراكليانوس وحُكم عليه بالموت وتم إعدامه. وقد توسل الأسقف أوغسطينوس الهيبوني، عبثاً إلى السلطات الرومانية لإنقاذ حياة صديقه.

أصبح فيما بعد بونيفاقيوس، الضابط في جيش قسطنطينيوس خلال حملته ضد القوط، آخر حاكم لأفريقيا الرومانية قبل أن يغزوها الوندال.