الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

حرباص وميثراداتس: تحالف مضاد لروما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

في الزمن الذي بدأت فيه الطموحات الإمبريالية الرومانية تتعاظم، برز ملك من ملوك الأناضول يُدعى ميثراداتس ليقاوم الزحف الروماني نحو آسيا. وفي أقصى الغرب الإفريقي، في مملكة نوميديا، ظهر زعيم غامض يُدعى حرباص، انقلب على الملك الشرعي، وتحالف مع ميثراداتس في محاولة مشتركة للتصدي للتوسع الروماني.

السياق العام

 خريطة التوسّع الروماني – المصدر

شكّلت الحروب البونيقية بداية التوسع الإمبراطوري الروماني، حيث سيطرت روما على صقلية بعد الحرب البونيقية الأولى، ثم على إسبانيا بعد الحرب البونيقية الثانية، وأخيراً على إفريقيا (تونس الحالية) بعد الحرب البونيقية الثالثة. وفي ذات الحقبة، بسطت روما نفوذها على بلاد اليونان بعد انتصارها في معركة كورنث، شهورا قليلة عقب سقوط قرطاج. وهكذا امتدت هيمنتها حتى آسيا (تركيا المعاصرة).

كان ميثراداتس السادس (يوباتور)، ملك البنطس الطموح (وهي منطقة في شمال تركيا الحالية)، من أشد أعداء روما. خاض ثلاث حروب متتالية في مسعى للتصدي لتوسعها في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

ميثراداتس: عدو روما اللدود

ميثراداتس

كان ميثراداتس السادس ملكاً ذا أصل فارسي وثقافة هلنستية. اسمه يعني “عطية ميثرا”، وهو إله الشمس الفارسي، أما لقبه الإغريقي يوباتور فيعني “من أب النبيل”. وُلد سنة 135 ق.م في مدينة سينوب (بتركيا حاليا).

كان أبوه قد مات مسمومًا، وذاع صيت ميثراداتس بسبب عادته في أخذ جرعات صغيرة منتظمة من الزرنيخ ليحصن نفسه ضد محاولات التسميم، وهي طريقة تعرف اليوم بـ”الميثريداتية”، و من المفارقات أن محاولة انتحاره بعد هزيمته باءت بالفشل بسبب مناعته للسم.

خريطة: مملكة وفتوحات ميثراداتس السادس المتعاقبة
البنفسجي الداكن: مملكة بونت قبل ميثراداتس السادس
البنفسجي الفاتح: فتوحات ميثراداتس السادس
الأخضر: مملكة أرمينيا، حليف ميثراداتس السادس

بعد استقراره على العرش، طمح ميثراداتس إلى جعل مملكته القوة المهيمنة في الأناضول ومنطقة البحر الأسود، وهناك كان أول صدام له مع الجمهورية الرومانية التي كانت تسعى أيضًا لتوسيع نفوذها في آسيا.

في عام 89 قبل الميلاد، استغل ميثراداتس  انشغال روما بالحرب الاجتماعية في إيطاليا ليشن حربًا على جاره الملك نيكوميدس من بيثينيا، الحليف الروماني. وبعد انتصاره، أمر بمذبحة للمستوطنين الرومان والإيطاليين في الأناضول. وانضم إليه اليونانيون، الذين فرحوا بوجود ملك قادر على تحدي روما، واستقبلوا جيشه في اليونان.

عملة ذهبية تحمل صورة ميثراداتس

أرسلت روما جيشًا بقيادة الجنرال سولا لمحاربة ميثراداتس. انتهت الحرب الأولى بين ميثراداتس والرومان (88-84 ق.م) برفض سولا لميثراداتس من اليونان، لكنه أبقى سيطرته على الأناضول. أما الحرب الثانية (83-81 ق.م) فقد انتهت بانتصار ميثراداتس ، لكن الحرب الثالثة، التي كانت الأطول (73-63 ق.م)، انتهت بهزيمته النهائية على يد الجيش الروماني بقيادة بومبيوس (المنافس المستقبلي ليوليوس قيصر) في معركة ليكوس عام 65 ق.م.

بعد هزيمته، فرَّ ميثراداتس إلى القرم، وفي السنة التالية حاول شن هجوم جديد على روما. وعندما رفض ابنه ماكارس، الذي كان قد عينه ملكًا على البوسفور، مساعدته، أمر بقتله. وفي عام 63 ق.م، تمرد ابنه الآخر فارناك عليه. فتراجع ميثراداتس إلى قلعة بانتكابايوم في القرم، وهناك انتحر بعد فشل محاولته التسمم، فقتل نفسه بالسيف.

حرباص: الحليف الإفريقي لميثراداتس

في هذه الحقبة، كانت نوميديا مملكة تابعة لروما، تحكمها نسُل ماسينيسا.

عملات نقدية تحمل صورة حرباص (غير مؤكدة)  – المصدر

حوالي عام 88 ق.م، أطاح حرباص بالملك هيمبسال (ابن جاودا، أخ يوغرطة) وحكم بدلًا منه. أما أصول حرباص فغير واضحة؛ فبعض المصادر تذكره كزعيم قبيلة الماكسيطاني، وبعضها الآخر تصفُه كأخ هيمبسال، ولكن من المرجح أنه لم يكن من العائلة الملكية. وربما كان من أصل جيتولي، فقد وصفه الشاعر الروماني فيرجيل في الـ”لإنياذة” بأنه جيتولي.

وأثناء الحرب الأهلية التي اندلعت بين ماريوس وسولا في روما، دعم ماريوس وأنصاره حرباص، في حين وقف سولا إلى جانب هيمبسال.

يذكر المؤرخ اليوناني الروماني أبيان، الذي كتب عن حروب ميثراداتس، أن ميثراداتس أرسل ضابطًا يُدعى هرقليد إلى نوميديا للتفاوض على تحالف مع حرباص، لتشكيل جبهة موحدة لمقاومة التوسع الروماني. وامتد تحالفهم ليشمل سيرتوريوس، قائد ثورة ضد روما في إسبانيا. وكانت هذه التحالفات مجرد مواقف مؤقتة، إذ لم تكن هناك أية أواصر أيديولوجية بين القادة الثلاثة.

قطعة نقدية تحمل صورة سرتوريوس

كانت الجبهة المضادة للرومان بين ميثراداتس وهيامبسل وسيرتورياس قصيرة العمر، وبعد انتصاره في روما، أرسل سولا جيشًا بقيادة بومبيوس لاستعادة هيامبسل ملكًا على نوميديا. ولا يُعرف مصير حرباص بعد ذلك. واصل سيرتورياس حربه ضد الرومان في إسبانيا لما يقرب من عقد من الزمن بدعم من ميثراداتس  والمصارع الثائر سبارتاكوس، حتى قُتل.

لم يُكتب كثير عن شخصية حرباص في تلك الحقبة، لكن تحالفه مع ميثراداتس يدل على أنه لم يكن مجرد مغتصب للعرش، بل كان قائدًا لمقاومة نوميدية ضد الهيمنة الرومانية وضد الملوك النوميديين الذين خضعوا لروما. وبعد حوالي عشرين عامًا من ثورة يوغرطة، ظلت ذكراه حاضرة، وكان من المؤكد أن كثيرًا من النوميديين ما زالوا يطمحون للعيش أحرارًا بعيدًا عن سلطة القانون الروماني.

اترك تعليقاً