Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة إبراهيم أيت دامي
ابتداءً من عهد ماسينيسا، كانت مملكة نوميديا حليفًا وفيًا لروما. وقد شاركت الفرسان النوميديون المشهورون، الذين كانت تخشاهم كل الشعوب في العالم القديم، في حروب عديدة إلى جانب الجيش الروماني. شارك ماسينيسا بشكل خاص في الحرب بين الرومان ومملكة مقدونيا، مساهِمًا بذلك في الفتح الروماني لليونان.
السياق العام
منذ فتوحات الإسكندر الأكبر، أصبحت اليونان الحضارة المهيمنة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت اللغة اليونانية اللغة المشتركة في المنطقة كلها.
في القرن الثالث قبل الميلاد، هيمنت ثلاث قوى كبرى، نتاج تقسيم إمبراطورية الإسكندر، على العالم الهلنستي، مملكة مقدونيا تحت حكم السلالة الأنتيغونية، مصر البطلمية، الإمبراطورية السلوقية في سوريا. وإلى جانب هذه القوى الكبرى، استمرت ممالك يونانية أصغر مثل سرقوسة في صقلية، ومملكة برغامون في آسيا الصغرى، وجزيرة رودس.
الحروب بين روما واليونانيين
خاضت روما عدة حروب ضد الممالك اليونانية المختلفة، مما سمح لها بتوسيع نفوذها في شرق البحر المتوسط، بينما كانت الحروب البونيقية تعزز هيمنتها على غرب المتوسط.

خلال الحرب البونيقية الثانية، تحالف الملك فيليب الخامس مع حنبعل. عندها أرسلت روما جيشًا لمهاجمة السواحل المقدونية: فاندلعت الحرب المقدونية الأولى. لم يكن هدف الرومان احتلال مقدونيا، بل فقط شغل فيليب الخامس في بلاده ومنعه من مساعدة حنبعل.
بعد ذلك، شنّ الرومان ثلاث حروب أخرى ضد مملكة مقدونيا (200–196، 171–168، و150–148) وحربًا واحدة ضد الإمبراطورية السلوقية (192–188) التي استعانت بحنبعل كمستشار عسكري. وغالبًا ما كانوا يقاتلون إلى جانب حلفائهم المحليين مثل برغامون ورودس. بعد كل انتصار، كانوا ينسحبون، إذ لم يكونوا بعد مستعدين لاحتلال أراضٍ جديدة.
وخلال الحرب المقدونية الثالثة (171-168)، تلقى الرومان الدعم من حليفهم الجديد: نوميديا بقيادة الملك ماسينيسا.
دور ماسينيسا في الحرب المقدونية الثالثة


بعد وفاة فيليب الخامس سنة 179، انتهج ابنه برسيوس سياسة عدائية تجاه جيرانه، سعيًا إلى استعادة قوة مملكته السابقة. وحين حاول اغتيال الملك أومنيس الثاني من برغامون، وهو حليف لروما، أعلن مجلس الشيوخ الروماني الحرب على مقدونيا.
وشاركت نوميديا في تلك الحرب إلى جانب حلفائها الرومان: إذ أرسل ماسينيسا فرقة من فرسان النوميديين إلى مقدونيا بقيادة ابنه ميسايين.

لم يُعرف ميسايين كما عُرف إخوته: إذ لم يُذكر بعد حملته في مقدونيا، ما يدل على أنه توفي على الأرجح بعد وقت قصير. ولذلك لم يخلف والده على العرش، لأنه مات قبله. ومع ذلك، أظهر اشتراكه ضد برسيوس في مقدونيا أنه كان وارثًا جديرًا بمجد ملك نوميديا العظيم. وقد قدّم فرسانه النوميديون خدمات عظيمة لحلفائهم بفضل سرعتهم، وخفتهم، وكفاءة مناوشاتهم.
ولم يقتصر دور النوميديين على القتال، بل زوّدوا الجيش الروماني أيضًا بالمؤن، خاصة القمح الذي كانوا يزرعونه بكثرة.
أما معركة بيدنا، المعركة الحاسمة التي فصلت في نتيجة الحرب، فقد دارت رحاها مواجهةً مباشرة بين الفالانكس المقدونية والفيالق الرومانية. وفي مثل هذا المشهد، ضاق مجال دور الفرسان النوميديين. ومع ذلك، ساهموا في النصر الروماني ككشافة، ولحقوا بالفارين المقدونيين لمنعهم من إعادة التجمّع.
وبعد النصر، قُسّمت مقدونيا إلى أربع ممالك تابعة لروما. وعاد الجنود النوميديون إلى إفريقيا بحرًا، لكن عاصفة بعثرت سفنهم وأغرقت بعضها. أما ميسايين نفسه، أصيب بالمرض، فلجأ إلى بروندسيوم (برينديزي) في أبوليا، حيث استقبله القسطور سترتينيُس استقبالًا كريمًا، وأهداه هدايا ووفّر له مسكنًا.
تكريم ماسينيسا وأبنائه

كان لدور الفرسان النوميديين في النصر الروماني من الأهمية ما دفع إلى تشييد نصب تكريمي لأبناء ماسينيسا في جزيرة ديلوس اليونانية. وضاع النصب، غير أن قاعدته حُفظت. وذكر نقش غير كامل اسم غلوسا، وهو ابن آخر لماسينيسا، تولّى قيادة الجيش النوميدي خلال الحرب البونيقية الثالثة. وجاء اسمه ثانيًا بعد اسم مفقود، يُرجَّح أنه اسم أخيه ميسايين، قائد الفرسان النوميديين في مقدونيا. ولو صح ذلك، لكان غلوسا قد خدم تحت إمرة أخيه الأكبر، وهي خبرة نافعة لدوره المستقبلي كقائد للجيش النوميدي بعد وفاة أخيه.
وربما احتوى النصب على تمثال للعائلة الملكية النوميدية – ماسينيسا وابنيه – أهداه شعب ديلوس. (المصدر)

وتذكر بعض المصادر على الإنترنت أنّ تمثالًا لميسايين أقيم أيضًا في معبد أبولون بدلفي، أحد أرقى مواقع اليونان القديمة، مرفقًا بنقش يقول: “كرّم الأمفيكتيون في دلفي ميسايين بن ماسينيسا اعترافًا بخدماته العسكرية.” غير أنّ مثل هذا النقش لم يُعثر عليه. وذكر المؤرخ الروماني بلوتارخ أن إيميليوس باولوس، قائد الجيش الروماني في مقدونيا، أقام تمثالًا لنفسه في دلفي على عمود من رخام أبيض كان قد أُعد أصلًا لتمثال برسيوس عدوه. ويبدو أن الاعتقاد الخاطئ بوجود تمثال لميسايين في دلفي نشأ من الخلط بين تمثال إيميليوس باولوس ونصب ديلوس.
عقب ذلك

دارت الحرب المقدونية الرابعة (150-148) بالتزامن مع الحرب البونيقية الثالثة، ضد أندريسكوس، وهو مغتصب للعرش حاول استعادة المملكة المقدونية. ولم تشارك نوميديا مباشرة في تلك الحرب، غير أن قتالها ضد قرطاج مكّن الرومان من تحرير قوات لزجها في مقدونيا.
وهذه المرة، بعد النصر، استولى الرومان على مقدونيا تمامًا. وبعد عامين، سنة 146، وحين فرغوا من تدمير قرطاج، حشدوا جيوشهم ضد الرابطة الآخية، وهي اتحاد لمدن اليونان الجنوبية. ومنحهم النصر في معركة كورنث سيطرة كاملة على اليونان، بالتوازي مع سيطرتهم على أراضي قرطاج السابقة في إفريقيا.
