Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة إبراهيم أيت دامي
كان الملوك القدماء للنوميديين يحافظون على صلات وثيقة باليونان القديمة، ولا سيما في عهد ماسينيسا. وبعد قرن تقريبًا من وفاة ماسينيسا، أقام أهل جزيرة رودس اليونانية تمثالًا لأحد أحفاده، الملك النوميدي هيمبسال الثاني.

تُعَدّ رودس من كبريات جزر اليونان. وفي العصر الهلنستي كانت مملكة مستقلة وحليفة لروما. وكان “كولوسوس رودس”، وهو تمثال مهيب بعلو ثلاثين مترًا، أعظم تماثيل العالم القديم وإحدى عجائبه السبع. كما كانت رودس تسيطر على تجارة الحبوب في شرقي البحر المتوسّط.
إن الروابط الثقافية والتجارية بين نوميديا واليونان معروفة. ففي عهد ماسينيسا، زوّدت نوميديا جزيرة “ديلوس” اليونانية بالقمح مجّانًا. وبُني تكريمًا له نصبٌ تذكاري هناك. كما أن ماستانابال، أحد أبناء ماسينيسا، تابع دراسته في اليونان وفاز بسباق العربات في ألعاب عموم أثينا (باناثيناك). وشارك ماسينيسا نفسه في حرب حلفائه الرومان ضد مملكة مقدونيا، مُسهِمًا في إخضاع اليونان للحكم الروماني. غير أنّ وجود تمثال متأخر لملك نوميدي في أرض اليونان يبقى أمرًا يثير الدهشة.

في سنة 1969، وُجد في المدينة القديمة لرودس نقش يذكر الملك هيمبسال الثاني، الحفيد الأكبر لماسينيسا، والذي حكم ما بين 88 و60 قبل الميلاد تقريبًا. ويُرجَّح أن ذلك النقش كان قاعدة لتمثال هيمبسال الثاني. أما المناسبة التي دفعت الرودسيين إلى تشييد هذا التمثال فتبقى مجهولة.
وما يميّز هذه القاعدة أنها النقش الوحيد المعروف خارج العالم الروماني الذي يُكرّم هيمبسال الثاني. كما أنها تسجّل سلالة الملك كاملة، من ماسينيسا وصولًا إليه، مما يسمح باستكمال وتصحيح معرفتنا بتاريخ العائلة الملكية النوميدية.
المثير للانتباه كذلك هو طريقة نقل أسماء الملوك النوميديين في هذا النقش إلى اليونانية. فاسم هيمبسال نُقل “Ίυμψύα” إيومبسوا، وهي صيغة بعيدة كل البعد عن الشكل الشائع عند المؤرخين اليونانيين “Ίεμφάλ”إيمبسال. أما اسم والده، غاودا، فقد نُقل “Γάος” غاوس، بدلًا من الصيغة المألوفة “Γαύδας” غاوداس.

وأخيرًا، فإن اكتشاف هذا النقش يثير مسألة أخرى. فالمؤرخ الروماني سالّوست، صاحب كتاب حرب يوغرطة، استند في تدوين أخبار نوميديا القديمة إلى كتابات مؤلَّف منسوب إلى “هيمبسال”. ويُعتقد عادة أنه هيمبسال الأول، حفيد ماسينيسا وابن عم يوغرطة الذي قضى عليه. غير أن كون هيمبسال الثاني قد أقام صلات وثيقة مع رودس، هذا المركز الثقافي البارز، إلى درجة أن الرودسيين أقاموا له تمثالًا، يوحي باحتمال أن يكون هو، لا غيره، صاحب المؤلفات التاريخية التي اعتمدها سالّوست.
