شمال إفريقيا الرومانية

هل كان سبارتاكوس ذا أصول نوميدية؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كان سبارتاكوس مصارعًا تحول إلى قائد لثورة كبرى للعبيد هددت روما. وبينما يوصف عادة بأنه من منطقة تراقيا، يقول البعض إنه كان ذا أصول نوميدية. في هذا المقال، سنتعرف على أصل هذه الفكرة ونشرح لماذا تعتبر على أنها غير مرجحة.

وفاة سبارتاكوس

من هو سبارتاكوس؟

وُلد سبارتاكوس حوالي عام 103 قبل الميلاد. في شبابه، أُسر على يد الفيالق الرومانية وبِيع إلى مدرسة للمصارعين في قبوة، إيطاليا، حيث تم تدريبه كمصارع. في عام 73 قبل الميلاد، نجح في الهروب مع مصارعين آخرين. وخلال السنوات التالية (73-71 قبل الميلاد)، أصبح قائدًا لثورة من العبيد السابقين.

تُعرف ثورة سبارتاكوس بشكل أساسي من خلال فيلم المخرج ستانلي كوبريك “سبارتاكوس”. يتصرف هذا الفيلم الشهير ببعض الحرية مع الواقع التاريخي: فعلى الرغم من صحة أنه بعد الهزيمة الأخيرة، تم صلب 6,000 عبد متمرد على طول طريق أبيان من روما إلى كابوا، إلا أن سبارتاكوس لم يكن من بينهم؛ فقد قُتل في معركتهم الأخيرة. كما أن سبارتاكوس لم يقاتل لتحرير جميع العبيد أو لإلغاء العبودية، بل فقط من أجل مستقبل أفضل له ولزملائه المتمردين.

في العصر الحديث، أصبح سبارتاكوس رمزًا شيوعيًا أيضا، حيث يُنظر إليه كعبد قاتل لكسر قيوده. وصفه كارل ماركس بأنه “أعظم شخصية في التاريخ القديم”. وقد سُمّيت ألعاب “سبارتاكياد” الرياضية الدولية، التي نُظمت في الاتحاد السوفيتي من 1928 إلى 1937، تكريمًا له. كما تحمل العديد من الأندية الرياضية في روسيا وأوكرانيا وغيرها اسم سبارتاك.

سبارتاكوس: نوميدي؟

تمثال لسبارتاكوس يكسر قيوده

بالنسبة لمؤرخي العالم القديم، مسألة الخلفية العرقية لسبارتاكوس واضحة: فقد كان تراقياً (من بلغاريا الحالية). ومع ذلك، فإن بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمقالات الصحفية تزعم أن سبارتاكوس كان نوميديًا. فهل هذه نظرية موثوقة أم مجرد إعادة تأويل تاريخية خاطئة؟

معظم أولئك الذين يزعمون أن سبارتاكوس كان نوميديًا لا يكلفون أنفسهم عناء ذكر مصادرهم. وبعد اكتشاف هذه الفكرة على فيسبوك، استغرقني الأمر ساعات من البحث لأجد أخيرًا منشورًا يذكر مصدر الفكرة. ويبدو أن المؤرخ اليوناني بلوطرخس هو الذي أشار إلى أصول سبارتاكوس النوميدية.

يعد بلوطرخس، إلى جانب مؤرخ يوناني آخر هو أبيان الإسكندري، أحد أكثر المصادر القديمة شمولاً عن حياة سبارتاكوس. كتابه حيوات موازية هي سلسلة من السير الذاتية القصيرة لأشخاص مشهورين من العصور القديمة. يذكر بلوطرخس سبارتاكوس في سيرته الذاتية عن كراسوس، الجنرال الروماني الذي قاتله.

عد التحقق، تبين أن الترجمة الفرنسية لكتاب حيوات موازية من قبل أليكسيس بييرون، المنشورة عام 1853 والمتوفرة مجانًا عبر الإنترنت، تشير بالفعل إلى أن سبارتاكوس كان “Thrace de nation et de race numide” (ثراسيًا جنسية ونوميديًا أصلا). أما ترجمة أخرى أقدم بقليل لدومينيك ريكار (1829) فتذكر أنه كان “Thrace de nation, mais de race numide” (ثراسيًا جنسية، ولكن نوميديًا أصلا) هذا الوصف لا يبدو منطقيًا إلا إذا افترضنا أنه أو عائلته كانوا نوميديين هاجروا إلى تراقيا.

لكن هل هذا كافٍ لحسم المسألة؟ ليس تمامًا، لأن ترجمات بلوطرخس إلى لغات أخرى لا تذكر كلمة “نوميدي” (numide). وفقًا للترجمة الإنجليزية لجون درايدن (1683)، التي نقحها أ.هـ. كلوف (1859)،  وُصف سبارتاكوس بأنه “a Thracian of one of the nomad tribes” (ثراسي من إحدى القبائل البدوية (بدوية = nomades)) وقد كانت عدة قبائل ثراسية بدوية.

نوميديا القديمة

نظرًا لهذه الاختلافات، كان من الضروري الرجوع إلى النص اليوناني الأصلي. تصف أقدم مخطوطات حيوات الموازية سبارتاكوس بأنه “ἀνὴρ Θρᾷξ τοῦ vομαδικοῦ γένους” (aner thrax tou nomadikou genous)، وتعني حرفيًا: “رجل ثراسي من العرق البدوي”. في وقت لاحق، في عام 1955، اقترح الفقيه اللغوي الألماني كونراد تسيجلر أن كلمة “nomadikou” قد تكون تحريفًا لـ “Maidikou”، وهي قبيلة ثراسية معروفة. هذا التصحيح مقبول على نطاق واسع اليوم، وتُغير الطبعات اليونانية الأحدث النص إلى “ἀνὴρ Θρᾷξ τοῦ Μαιδικοῦ γένους” (aner thrax tou Maidikou genous). الترجمات الفرنسية التي تصف سبارتاكوس بأنه نوميدي نُشرت قبل هذا التعديل. (المصدر)

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لنا؟ إذا كان كونراد تسيجلر على حق، فإن سبارتاكوس كان “ثراسيًا من عرق المايدي” أو “ثراسيًا من قبيلة المايدي“. وبالتالي، فإن الترجمة التي تصفه بأنه نوميدي تصبح مستحيلة، لأنها اعتمدت على مخطوطة محرفة. وحتى لو كان تسيجلر مخطئًا وكانت “nomadikou” جزءًا من النص الأصلي، فإن الترجمة الأكثر منطقية ستكون: “ثراسي من قبيلة بدوية“. كلمة “نوميدي” لا تتناسب مع النص الأصلي!

أخطأ المترجمون الفرنسيون بين “nomade” (بدوي) و “numide” (نوميدي) بسبب التشابه بين الكلمتين. كما تأثروا على الأرجح بروح عصرهم: كلتا الترجمتين اللتين تحتويان على “نوميدي” تعودان إلى فترة ما قبل بداية استعمار فرنسا للجزائر وما بعدها بقليل، عندما كانت فرنسا ترى أن الأمازيغ “الأصليين”، المنحدرين من النوميديين القدماء، يمثلون “البدو” بامتياز.

بعيدًا عن المسألة اللغوية، فكرة أن سبارتاكوس كان نوميديًا يعيش في تراقيا لا تبدو منطقية: ماذا كان يفعل نوميدي في تراقيا في ذلك الوقت؟ المنطقتان كانتا بعيدتين عن بعضهما ولم تكن بينهما روابط تجارية.

حجج إضافية

مصارع تراقي

يحتج في بعض الأحيان بإن سبارتاكوس لم يكن من أصول ثراسية، بل كان “مصارعًا ثراسيًا”. المصارعون الثراسيون كانوا نوعًا من المصارعين يرتدون دروعًا مستوحاة من الجنود الثراسيين الذين هزمتهم روما. هذا احتمال، لكنه غير مرجح، حيث يتفق جميع المؤرخين القدماء الذين ذكروا سبارتاكوس على أنه كان ثراسيًا عرقا. كما أن اسمه يشير إلى ذلك: فهو اسم ثراسي، وقد كان هناك عدة ملوك من تراقيا يُدعون سبارتاكوس.

يزعم منشور على صفحة الفيسبوك”Histoires Berbères”  أن سبارتاكوس كان نوميديًا، وأنه “ذهب إلى صقلية على أمل الوصول إلى نوميديا بمساعدة العبيد الصقليين“. بينما كان صحيحا أن سبارتاكوس ذهب إلى صقلية، إلا أن دوافعه كانت مختلفة: كان في صقلية عدد كبير من العبيد، وخاصة في مناجمها، وقد شهدت ثورات عبيد سابقة. كان سبارتاكوس يأمل في كسب العبيد الصقليين إلى قضيته، لكنه لم يكن ينوي الذهاب لاحقًا إلى نوميديا.

عبد نوميدي آخر؟

أوينوماوس، الذي أدى دوره بيتر مينساه

في مسلسل Spartacus، أوينوماوس، أحد قادة تمرد سبارتاكوس، كان نوميديًا. لكن أوينوماوس التاريخي كان في الواقع غاليًا.

شارك أكثر من 100,000 عبد في تمرد سبارتاكوس، لذلك من المحتمل جدًا أن يكون هناك نوميديون وآخرون من شمال إفريقيا بينهم. ومع ذلك، لم يُذكر أي من قادة التمرد المعروفين بالاسم على أنهم نوميديون أو من شمال إفريقيا.

خلاصة

كما رأينا، لم يكن سبارتاكوس نوميديًا، والادعاء بذلك يستند إلى خطأ في الترجمة. هناك ما يكفي من الأبطال في نوميديا القديمة وشمال إفريقيا دون الحاجة إلى اختلاق أخرين جدد.

اترك تعليقاً