المسيحية في شمال افريقيا

الدوناتيون: مسيحية أخرى من شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

في القرنين الرابع والخامس، كانت الغالبية الساحقة من سكان شمال أفريقيا مسيحيين، لكنها كانت تنتمي إلى تيار ديني اعتبرته الكنيسة الرسمية هرطقة، وهو الدوناتية، الذي نشأ في أفريقيا كحركة احتجاج من السكان الأصليين ضد هيمنة الرومان على الشؤون الدينية.

السياق

في مطلع القرن الرابع، تعرّضت الكنيسة المسيحية في الإمبراطورية الرومانية لموجة جديدة من الاضطهاد، كانت الأسوأ على الإطلاق. فقد دُمّرت أماكن العبادة المسيحية، وأُحرقت نصوصهم المقدسة، وقُتل أكثر من ثلاثة آلاف مؤمن بسبب إيمانهم. وكانت كنيسة أفريقيا الرومانية من أكثر الكنائس تضرراً، مما أكسبها لقب “كنيسة الشهداء”.

قسطنطين، أول إمبراطور مسيحي

في عام 311، أصدر الإمبراطوران غاليريوس في الشرق وقسطنطين في الغرب مرسوماً بالتسامح وضع حداً للاضطهادات؛ وللمرة الأولى في التاريخ أصبح بإمكان المسيحيين ممارسة شعائرهم بحرية. وفي العام التالي، أي سنة 312، اعتنق الإمبراطور قسطنطين نفسه المسيحية.

وقد استقبل مسيحيو الإمبراطورية الرومانية هذه التغيرات بارتياح كبير، لكنها حملت أيضاً نتائج غير متوقعة: فبعد أن أصبح الإمبراطور مسيحياً، أخذت الكنيسة تتأثر أكثر فأكثر بالسياسة الإمبراطورية الرومانية على حساب مهمتها الروحية. ولم يرقَ هذا التطور للشعوب التي كانت، مثل الأمازيغ في شمال أفريقيا، معادية للهيمنة الرومانية ومتمسكة بحريتها.

نشأة الدوناتية

بدأ الجدل المتعلق بالدوناتية كخلاف لاهوتي حول الموقف الذي يجب أن تتخذه الكنيسة تجاه المؤمنين الذين أنكروا إيمانهم تحت الإكراه أثناء الاضطهاد. وكانت هذه المسألة قد شغلت الكنيسة من قبل، في القرن السابق، في زمن الأسقف قبريانوس القرطاجي.

رسم متأخر لدوناتوس

في عام 311، بعد انتهاء الاضطهادات مباشرة، اختير شماس من قرطاج يُدعى کیسیلیانوس أسقفاً جديداً للمدينة. غير أن بعض المسيحيين احتجوا على هذا التعيين، إذ اتُّهم کیسیلیانوس بأنه سلّم نصوصاً مقدسة للسلطات الرومانية أثناء الاضطهاد ليتم حرقها. فبالنسبة لخصومه، كان من المستحيل أن يتولى شخص ارتكب مثل هذا الفعل مسؤوليات في الكنيسة. اجتمع سبعون أسقفاً من نوميديا سراً في قرطاج واختاروا أسقفاً آخر هو منسوريوس. وبعد وفاته بقليل، اختير دوناتوس، الذي كان أسقف كاساي نيغراي (نقرين الحالية في ولاية تبسة بالجزائر)، خلفاً له. وسيصبح دوناتوس، ذو الشخصية القوية، زعيم للحركة.

أطلال كنيسة في تيبازة، الجزائر

بعد عامين، أدان مجمع كنسي برئاسة أسقف روما الدوناتية. وتمت تبرئة کیسیلیانوس من التهم الموجهة إليه والاعتراف به بوصفه الأسقف الشرعي الوحيد لقرطاج. كما أكد المجمع أن صحة الأسرار الكنسية لا تعتمد على صلاح الشخص الذي يقوم بها، بل على الله الذي يعمل من خلاله؛ وبالتالي، حتى لو كان کیسیلیانوس مذنباً، فإن ذلك لا يمنع الله من أن يواصل إظهار نعمته عبر الكنيسة من خلاله.

كنيسة دوناتية في سبيطلة، تونس

ومع ذلك، أصر الدوناتيون على رفض الخضوع لأسقف يرونه غير جدير. وفي أنحاء أفريقيا الرومانية انضم عدد متزايد من الأساقفة إلى معسكرهم مع أتباعهم، كما التحقت بهم جماعات مسيحية منشقة قبل ذلك. وهكذا انقسمت الكنيسة المسيحية في شمال أفريقيا: ففي كثير من المدن يمكن اليوم العثور على أطلال كنيستين، واحدة كاثوليكية (رومانية) والأخرى دوناتية، وغالباً ما تكونان متجاورتين. ولم يكن الخلاف لاهوتياً فقط؛ بل كان أيضاً رفضاً من المسيحيين في شمال أفريقيا لأن تُفرض عليهم قرارات كنيسة روما.

كان كل من الدوناتيين والكاثوليك يعتبرون أنفسهم ورثة ترتليان و قبريانوس القرطاجي: فالأولون استندوا إلى تشديدهما على القداسة والتشدد في مواجهة الخطيئة، بينما استند الآخرون إلى تعليمهما حول وحدة الكنيسة.

وبينما استخدم الكاثوليك اللغة اللاتينية فقط في العبادة، استخدم الدوناتيون اللغات الأمازيغية المحلية، وهو ما يفسّر على الأرجح نجاحهم.

ومع مرور الوقت أخذت حشود متزايدة تتدفق إلى الكنائس الدوناتية: عبيد فارون، فلاحون بلا أرض، وأمازيغ من الأرياف يعادون الوجود الروماني في أراضيهم. وسرعان ما أصبحت الدوناتية التيار الغالب في شمال أفريقيا. وفي تلك الفترة بلغ انتشار المسيحية أبعد مدى داخل القارة. لكن مع شعبيتها، فقدت الحركة شيئاً من طابعها الروحي؛ فمع أن معظم الدوناتيين كانوا مؤمنين صادقين على الأرجح، إلا أنهم تورطوا في قبول أشخاص بدوافع اجتماعية وسياسية أكثر من كونها دينية. وسرعان ما دخلوا حتى في تحالفات مع السلطة السياسية.

الختان

الختان

كانت الختان أو اللاهوت جماعات عنيفة تناضل ضد الظلم الذي تعرّضت له ساكنة الأرياف في شمال أفريقيا. كانوا يطالبون بتحرير العبيد وإلغاء الديون، لأن الفقراء كانوا في الغالب هم من يراكمون الديون لفائدة كبار ملاك الأراضي. وكانوا يجولون بالأرياف، يحرقون المزارع بها ويهاجمون المسافرين وكل من يعتبرونه عدواً.

في البداية كانت حركتهم مجتمعية بحتة، لكن نحو سنة 340 تحالفوا مع الدوناتيين. ومع هذا التحالف تبنّوا فكرة الاستشهاد المسيحية، فصاروا يهاجمون المواقع العسكرية الرومانية مسلحين بعصي بسيطة، أملاً في أن يموتوا شهداء. وكان شعارهم الحربي باللاتينية Laudate Deum أي “الحمد لله”.

لم يكن كثير من الدوناتيين يؤيدون تجاوزات الختان، وأراد قادة الدوناتيين في قرطاج النأي بأنفسهم عنهم، لكنهم خافوا من انقسام حركتهم، لأن أساقفة نوميديا وموريطنية كانوا يدعمونهم.

حوالي سنة 345، وبعد أن بدأ الختان تمرداً واسعاً ضد ملاك العبيد والدائنين، تدخلت السلطات الرومانية أخيراً لقمعهم. وبالنسبة للرومان لم يكن هناك فرق بين الدوناتيين والختان؛ فكلاهما اعتُبر مثيراً خطيراً للاضطرابات يجب القضاء عليه.

ثورة فرموس

بترا (مكلو)، حصن فيرموس

بعد الختان، وجد الدوناتيون حليفاً جديداً بالصدفة، تحالفاً سيضر بهم في النهاية.

في سنة 370 تمرّد الأمير الموري فرموس على الرومان وأعلن نفسه ملكاً على موريطنية. دعمه الدوناتيون أملاً في التحرر من السيطرة الرومانية. لكن فرموس هُزم، فتضررت سمعة الدوناتيين

الختم

مع مرور الزمن بدأ عدد متزايد من الدوناتيين يشعرون بخيبة أمل من تطور الحركة. فحوالي 370–380 طُرد اللاهوتي تيكونيوس من الحركة لأنه انتقد تطرفها. وحوالي 385 كتب الأسقف الكاثوليكي أوباتوس الميليفي مؤلفاً ضد الدوناتيين أعاد كثيراً من المعتدلين منهم إلى الكنيسة الكاثوليكية.

أوغسطينوس أسقف هيبون

أما أوغسطينوس الشهير، أعظم لاهوتيي أفريقيا الرومانية، فقد تعرّف على الجدل الدوناتي بعد تعيينه أسقفاً بهيبو سنة 395. ورغم أن الدوناتيين كانوا يشكلون الأغلبية في مدينته، فقد أقنع معظمهم بالعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية بالحوار وروح المحبة التي كان يتحلى بها. وكان يلتقي العديد من الأساقفة الدوناتيين من مدن أخرى، ورغم الاختلاف معهم، يتحدث عنهم باحترام ويصفهم بأنهم رجال أتقياء مستقيمون.

ومن أبرز شخصيات الدوناتية المتأخرة الأسقف أوباتوس من تاموقادي (تيمقاد)، الذي دعم سنة 395 ثورة غيلدون، شقيق فرموس، ضد الإمبراطور.

وفي سنة 411 قرر الإمبراطور هونوريوس عقد مؤتمر في قرطاج لحسم النزاع نهائياً. اجتمع 286 أسقفا كاثوليكياً و279 أسقفاً دوناتياً للنقاش حول ما يختلفون حوله. مثّل الكاثوليك أوغسطينوس أسقف هيبّون، بينما مثّل الدوناتيين بتيليانوس، أسقف قسنطينة الدوناتي، الذي في السابق محامياً مشهوراً. وترأس الجلسات مارسيلينوس، حاكم أفريقيا الرومانية.

أوغسطينوس يناقش الدوناتيين

اتسم النقاش بموقف تصالحي من الكاثوليك، إذ كانوا مستعدين للسماح للدوناتيين بالاحتفاظ بأساقفتهم وكنائسهم إذا عادوا إلى الكنيسة الكاثوليكية، في حين اتسم الدوناتيون بعجرفتهم الرافضة لأي تسوية. وفي النهاية حُكم عليهم بالعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية: فمَن قبل منهم سُمح له بالاحتفاظ بكنيسته، أما من رفض فكان عرضة للسجن.

انضم معظم الدوناتيين إلى الكنيسة الكاثوليكية، بينما تعرض الذين استمروا في مقاومتهم للاضطهاد من السلطات الرومانية بمساندة السلطات الكنسية الكاثوليكية. وتُظهر القصة المؤلمة لهذا الاضطهاد كيف يمكن لدينٍ كان مضطهداً قبل وقت قصير أن يصبح مضطهداً للآخرين عندما يرتبط بالسلطة السياسية.

استمرت بعض المجتمعات الدوناتية الصغيرة في الأرياف حتى زمن الاحتلال الوندالي، ثم شهدت نوعاً من الانتعاش في العصر البيزنطي. وربما ساهم وجودهم في تسهيل الفتح العربي للمنطقة، إذ كان اليهود والمسيحيون الدوناتيون المضطهدون من البيزنطيين يرون في المسلمين القادمين محررين.

تأثير الدوناتية

فسيفساء الدوناتيين في سبيطلة، تونس

تكشف قضية الدوناتيين عن التوتر الدائم بين دين يطمح إلى العالمية وله مؤسسة مركزية، وبين تعبيره المحلي داخل ثقافة معينة. ويذكّرنا الدوناتيون بحركات الخوارج التي ازدهرت في شمال أفريقيا بعد قرون، حين طرحت فكرة “إسلام أمازيغي” في مقابل الإسلام “العربي”. وفي العالم المسيحي يشبه رفضهم الخضوع لكنيسة رسمية اعتبروها “غير طاهرة” ومتواطئة مع السلطة السياسية موقف الإصلاحيين البروتستانت في القرن السادس عشر.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

وليلي: مدينة أمازيغية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كانت وليلي، المتواجدة بشمال مدينة مكناس المغربية، عاصمة مملكة موريطنية القديم. ورغم أن المدينة شهدت تطورًا كبيرًا في العهد الروماني، فإن سكانها ظلّوا في معظمهم من السكان الأفارقة الأصليين. وبعد القرن الثالث الميلادي، أصبحت وليلي مدينة أمازيغية من جديد بعد انسحاب الرومان منها، حيث حكمها زعماء قبائل محليون تملكوا بنيتها التحتية الحضرية الرومانية.

الأصول

منظر عام لمدينة وليلي

بُنيت مدينة وليلي في سهلٍ خصبٍ عند سفح جبل زرهون. والمنطقة المحيطة بها مأهولة منذ ما لا يقل عن خمسة آلاف عام، إذ عُثر فيها على فخاريات من العصر الحجري الحديث.

أما اسم “Volubilis”، فهو الشكل اللاتيني للاسم الأمازيغي وليلي (ⵡⴰⵍⵉⵍⵉ). وقد اقتُرحت فرضيتان حول أصل الاسم: قد يكون مشتقًّا من الكلمة الأمازيغية واليليت، أي الدفلى، وهي نبتة منتشرة في المنطقة، أو من الفعل الأمازيغي وَلّي (أي فعل الاستدارة). وفي اللاتينية كان يُنطق حرف V في “Volubilis” مثل حرف الواو.

وليلي، عاصمة موريطنية

خارطة موريطنية القديمة


قبل العصر الروماني، كانت وليلي جزءًا من مملكة موريطنية، التي كان تاريخها مجهولا إلى حد كبير. كان ملوك موريطنية القدامى يحكمون اتحادًا قبليًا من الرحل بلا عاصمة ثابتة، إذ كان بلاطهم متنقلا. ومع ذلك، كانت وليلي من أهم المراكز في مملكتهم.

نصب بونيقي


في القرن الثالث قبل الميلاد، كان موقع وليلي مأهولًا من قِبَل القرطاجيين، كما تشهد على ذلك معبد بعل والنقوش المكتوبة باللغة البونيقية. واستمر التأثير البونيقي طويلًا بعد سقوط قرطاج.

يوبا الثاني

في سنة 25 قبل الميلاد، اختار الرومان الملك يوبا الثاني لحكم مملكة موريطنية الجديدة، التي امتدت لتشمل جزءًا كبيرًا من نوميديا التاريخية. وإلى جانب عاصمته قيصرية (شرشال)، شيّد يوبا الثاني إقامة ثانوية في وليلي، التي أصبحت عاصمته الثانية لإدارة الجزء الغربي من مملكته. كان يوبا الثاني ملكًا ذا أصول إفريقية، لكنه مُتأثر بشدة بالحضارة الرومانية، فحوّل وليلي إلى مدينة رومانية حقيقية تضم منتدى وبازيليكا ومعابد وحمّامات رومانية.

وليلي في العصر الروماني

ضمّت الإمبراطورية الرومانية مملكة موريطنية سنة 40 ميلادية بعد وفاة بطليموس، ابن يوبا الثاني. قاد عيديمون، وهو عبد مُعتَق من العائلة الملكية، ثورة ضد الرومان، لكن وليلي بقيت مخلصة لروما. ومكافأة على ولائهم، منح الإمبراطور حق المواطنة الرومانية لسكانها وأعفاهم من الضرائب لمدة عشر سنوات.

البازليكا الرومانية في وليلي

اختار الرومان تينجيس (طنجة) عاصمةً إقليمية بدلًا من وليلي لقربها من أوروبا. ومع ذلك، بقيت وليلي أكبر مدن المقاطعة عددًا للسكان، إذ بلغ عدد سكانها نحو 20 ألف نسمة في نهاية القرن الثاني الميلادي، معظمهم من الأمازيغ المتروّمنين. وازدهرت المدينة بفضل خصوبة أراضيها التي سمحت بزراعة القمح وإنتاج زيت الزيتون. كما شُقّ طريق لربطها بكلٍّ من تينجيس وليكسوس (العرائش).

النقش الجنائزي لمؤسس كنيس وليلي

استضافت وليلي أيضًا جالية يهودية، وتشهد النقوش الجنائزية على وجود اليهود فيها منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وقد بُني فيها كنيس في القرن الثالث الميلادي. ويُعتبر يهود وليلي أصل الجماعة اليهودية المغربية المؤثرة.

وكما هو الحال في معظم مدن إفريقيا الرومانية، كانت وليلي أرضًا خصبة لانتشار المسيحية. ما زال موقع الكنيسة معروفًا حتى اليوم، رغم اختفاء المبنى نفسه، ولا تزال أساساته مرئية. وتُظهر النقوش المسيحية المكتشفة في وليلي روابط مع منطقة وهران أكثر من تنجيس، مما يدل على أن الرسالة المسيحية جاءت من الشرق. (المصدر باللغة الفرنسية)

قوس قَرَقَلَّة في وليلي

رغم أهمية وليلي، فإن موقعها قرب قبائل أمازيغية كانت تعارض الحكم الروماني جعلها في وضع هش. ولحمايتها، بُنيت خمسة حصون في مواقع القرى الحالية لعين شكور، بلد القعادة، سيدي موسى، سيدي سعيد، وبلد تاكورارت (توكولوسيدا القديمة).كما أمر الإمبراطور مارك أوريليوس ببناء سور يحيط بالمدينة، فيه ثماني بوابات وأربعون برجًا دفاعيًّا.

رحيل الرومان

فقدت الإمبراطورية الرومانية السيطرة على وليلي وعلى كل المناطق الداخلية لموريطنية بعد أزمة القرن الثالث الميلادي. حوالي سنة 255، ثارت اتحاد قبائل الباكوات الأمازيغية من منطقتي تازة والريف الشرقي ضد الرومان، بسبب مصادرة أراضيهم في محيط وليلي. وبعد انتفاضة طويلة ودامية، تم توقيع معاهدة سلام سنة 280، بموجبها تخلّى الرومان عن المدينة.

فسيفساء ديانا في دار فينوس

استعاد الباكوات السيطرة على المدينة وأراضيهم، فأصبحت وليلي مدينة أمازيغية من جديد، محتفظة بالبنية التحتية الرومانية.

وفي سنة 285، عندما أعاد الإمبراطور دقلديانوس تنظيم الإدارة الرومانية بإفريقيا، تم التفكير لفترة قصيرة في استعادة وليلي، لكن الفكرة أُلغيت لتكلفتها العالية.

ورغم انسحاب الرومان، استمر نمط العيش الروماني في المدينة، وتشهد على ذلك فسيفساء سباق العربات في دار فينوس التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي، أي بعد رحيل الرومان.

الفترة اللاحقة

كسيلة

لم تتأثر وليلي كثيرًا بالغزو الوندالي، فقد استقر فيها البيزنطيون ربما لكنهك لم يخلفوا تأثيرا دام في الزمن. وقبل وصول العرب، كانت المنطقة تحت حكم زعماء أمازيغ محليين تُظهر أسماؤهم أنهم كانوا مسيحيين.

في القرن السابع الميلادي، لجأ إلى وليلي العديد من الأمازيغ الفارّين من التوسع الإسلامي، ومنهم الناجين من قبيلة أوربة بعد هزيمة زعيمهم كسيلة. وظلت المدينة مسيحية الأغلبية حتى قرون بعد دخول الإسلام، إذ تعود بعض القبور المسيحية فيها إلى القرن الثاني عشر الميلادي.

ضريح مولاي إدريس في مولاي إدريس زرهون

في سنة 788 ميلادية، استقر الشريف إدريس بن عبد الله، وهو من أحفاد النبي محمد ﷺ، في منطقة وليلي، وأسّس الدولة الإدريسية، التي تُعد أول سلالة ملكية مغربية. ودُفن إدريس الأول في ضريح مولاي إدريس بمدينة مولاي إدريس زرهون المجاورة. وهكذا أصبحت عاصمة موريطنية القديمة أيضًا مهد الأمة المغربية الحديثة.

بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة, شمال إفريقيا الرومانية

ماكروبيوس: آخر كبار الكتّاب الرومان الأفارقة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كان ماكروبيوس كاتبًا لاتينيًا من شمال إفريقيا في القرن الخامس الميلادي. ويُعتبر أحد أبرز الكتّاب الملقبين ب”الجسور” الذين ساهمت أعمالهم في نقل التراث الثقافي للعصور القديمة إلى القرون التي تلتها، وسط الأزمات التي هزّت العالم الروماني في عصره.

ماكروبيوس يقدم أعماله لابنه

وُلد ماكروبيوس أمبروسيوس ثيودوسيوس حوالي سنة 400م، وكتب في بدايات القرن الخامس. يكاد لا يعرف شيء عن حياته، ولا حتى مكان ولادته أو إقامته أثناء مسيرته الأدبية. كتب أنه وُلد “تحت سماء أجنبية”، وهو ما يعني خارج إيطاليا بالنسبة للرومان. ونظرًا لإتقانه اللغة اللاتينية أكثر من اليونانية، إلى جانب أدلة داخلية أخرى في مؤلفاته، يرجّح معظم الباحثين أنه كان من إفريقيا الرومانية.

كان ماكروبيوس وثنيًا يعيش في إمبراطورية رومانية باتت سلفا في ذاك العهد ذات أغلبية مسيحية. ويُعتقد أنه كان على صلة سيماكوس، حاكم روما، الذي كان زعيم المقاومة الوثنية ضد تنصير الإمبراطورية. كان له ابن يُدعى أوستاثيوس، وقد أهداه جميع أعماله.

كتب ماكروبيوس كتابين ما زالا متاحين حتى اليوم. عمله الرئيسي “التعليق على حلم سكيبيو” كان من أكثر الكتب اقتباسًا في العصور الوسطى، وأحد أهم المصادر التي تناولت الفكر الأفلاطوني الجديد آنذاك. ففي “حلم سكيبيو” لشيشرون، يظهر القائد الروماني العظيم شيبيون لحفيده سكيبيو اميليانوس، ليكشف له مصيره ومستقبل وطنه، ويُريه المكافآت التي تنتظر الرجال الفضلاء بعد موتهم، ويشرح له كيفية عمل الكون ودور الإنسان فيه. يُعلّق ماكروبيوس على هذا الحلم ويعرض عدة نظريات أفلاطونية جديدة حول أصل ومعنى الأحلام، والخصائص الصوفية للأعداد، وطبيعة النفس، وعلم الفلك، والموسيقى. ومن بين ما ذكره أن حجم الشمس ضعف حجم الأرض. وتستند أفكاره إلى الفلاسفة الأفلاطونيين الجدد أفلوطين وبورفوريوس.

أما عمله الآخر البارز “الساتورناليا”، فهو عرض لحوارات دارت في منزل أحد النبلاء الأثرياء، تناولت مجموعة واسعة من المواضيع التاريخية والأسطورية واللغوية. وينقل فيه آراء كتّاب قدماء مثل فرجيل وشيشرون حول تلك المواضيع.

يُعتبر ماكروبيوس، إلى جانب كتّاب القرن السادس كاسيودوروس وبوثيوس، من أبرز مؤلفي أواخر العصور القديمة الذين أمكنت أعمالهم من نقل التراث الثقافي الإغريقي-الروماني إلى العصور الوسطى.

شمال إفريقيا الرومانية

ماريوس فيكتورينوس: فيلسوف أفلاطوني محدث من شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

في القرن الثالث الميلادي، بدأت تظهر في أرجاء الإمبراطورية الرومانية قراءة جديدة للفلسفة الأفلاطونية، سرعان ما أصبحت المدرسة الفكرية السائدة آنذاك. وكان ماريوس فيكتورينوس، وهو فيلسوف أفلاطوني محدث ذو تأثير كبير، شمال إفريقي يعيش في روما.

أصول الأفلاطونية المحدثة

أفلوطين

كان الفيلسوف اليوناني العظيم أفلاطون يعتقد أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى ظلٍّ للعالم الحقيقي: عالم المثل، وهو عالم أبديّ غير متغيّر، بينما الأشياء المادية، وحتى المفاهيم الفكرية والقيم الأخلاقية التي نعرفها، ليست سوى نسخ ناقصة دائمة التغير منه. والروح الإنسانية تنتمي إلى هذا العالم المثالي، لكنها سُجنت داخل الجسد المادي وتشتاق إلى التحرّر منه عبر طريق الفلسفة.

الأفلاطونية المحدثة هي تطوير للفكر الأفلاطوني، تُعلّم كيف يمكن للنفس أن تسمو فوق العالم المادي وتستعيد حالتها الأصلية. وهي شكل من أشكال التصوّف، تقوم على تمارين عملية تهدف إلى العودة إلى العالم الروحي غير المرئي.

مؤسس الأفلاطونية المحدثة هو أفلوطين، المولود نحو عام 204م في ليوكوبوليس (أسيوط)، مصر. وقد عرض أفكاره في مؤلفه التاسوعات. كان أفلوطين يرى أن مصدر كل شيء وغايته هو الواحد، المبدأ الأول البسيط الذي لا يمكن معرفته. تنبع النفس الإنسانية من هذا الواحد وتحتوي في أصلها على معرفة الكون كلّه في صورة موحّدة، غير أن هذه المعرفة لم يعذ من الإمكان الوصول إليها لأنها سجنت داخل الجسد. أما العالم المادي فليس إلا صورة ناقصة عن تلك المعرفة الأصلية.

وقد قام تلميذ أفلوطين، فرفوريوس الصوري، بنشر فكره وتطويره.

حياة ماريوس فيكتورينوس

منظر لمنتدى تراجان، حيث أُقيم تمثال (مفقود الآن) لماريوس فيكتورينوس

وُلِد غايوس ماريوس فيكتورينوس نحو عام 290م في إفريقيا الرومانية، ويُرجَّح أنه من طاغاست (سوق أهراس)، ولذلك لُقّب بـفيكتورينوس الإفريقي. بدأ في شبابه بتدريس البلاغة، وسرعان ما ذاع صيته إلى درجة أنه عُرضت عليه وظيفة أستاذ في روما، عاصمة الإمبراطورية، حيث كانت له مسيرة مهنية باهرة. وفي سنة 354م أُقيم له تمثال في منتدى تراجان في روما.

في روما، تعرّف على الفلسفة الأفلاطونية المحدثة من خلال مؤلفات أفلوطين وفرفوريوس؛ ولعله كان صغير السن ليتعرف شخصيا على فرفوريوس، الذي توفي نحو عام 305م. تأثر فيكتورينوس بشدة بهذه الفلسفة حتى أنه ترجم مؤلفات أفلوطين وفرفوريوس من اليونانية إلى اللاتينية.

شهدت حياة فيكتورينوس تحوّلات عميقة في الإمبراطورية الرومانية، إذ تحولت المسيحية، التي كانت دين أقلية مضطهدة عند ولادته، إلى الدين السائد في الإمبراطورية. وقد اعتنق فيكتورينوس نفسه المسيحية في شيخوخته، نحو عام 355م. وكان لاعتناقه هذا أثر بالغ في تحوّل مواطنه الإفريقي الأسقف المستقبلي أوغسطينوس الهبوني إلى المسيحية فيما بعد. ويروي أوغسطينوس أنه كان يعتبر نفسه مسيحيًا في السرّ مدةً طويلة قبل أن يعتمد رسميًا، إذ كان يخشى أن يثير غضب الطبقة الأرستقراطية الوثنية التي كان يعمل لديها.

في سنة 362م، حاول الإمبراطور يوليان إعادة إحياء الوثنية في إمبراطوريته، فحرّم على المسيحيين تدريس البلاغة. عندئذ أغلق فيكتورينوس مدرسته وتفرّغ للكتابة حتى وفاته عام 364م.

السياق التاريخي: تنصير الإمبراطورية الرومانية

اعتنق الإمبراطور قسطنطين (306–337م) المسيحية سنة 312م، فكان أول إمبراطور روماني مسيحي. ويُقدَّر أن نسبة المسيحيين حين اعتناقه الدين المسيحي كانت حوالي 10% من سكان الإمبراطورية.
فضلت إدارة قسطنطين وأبنائه الدين الجديد، حتى أصبحت المسيحية الدين الغالب بالإمبراطورية نحو عام 350م.
حاول ابن أخ قسطنطين، يوليان، أن يُعيد الوثنية خلال حكمه القصير (361–363م)، لكنه فشل. وبعده كان جميع الأباطرة مسيحيين. وفي عام 380م أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية.

أعمال ماريوس فيكتورينوس

مخطوطة شرح شيشرون

إلى جانب ترجماته لمؤلفات أفلوطين وفرفوريوس، قام فيكتورينوس بترجمة وشرح أعمال أفلاطون وأرسطو، كما ألّف كتبًا في النحو والبلاغة، وكتب شرحًا على مؤلفات شيشرون.

بعد اعتناقه المسيحية، حاول التوفيق بين الفكر المسيحي والميتافيزيقا الأفلاطونية المحدثة، ولا سيما في كتابه في ولادة الكلمة الإلهية. كما ألّف شروحًا على بعض الأسفار المقدسة.

وقد واصل أوغسطينوس هذا المشروع الفكري الذي بدأه فيكتورينوس، فمزج بين المسيحية والأفلاطونية المحدثة، معتبرًا أن الخلاص المسيحي هو الغاية القصوى للمسار الصوفي الذي تحدّثت عنه الأفلاطونية المحدثة. وكان لأوغسطينوس أثر عظيم بحيث تأثرت اللاهوتيات المسيحية للقرون الوسطى كلّها بهذا التراث الفلسفي الأفلاطوني المحدث.        

المسيحية في شمال افريقيا

وباء قبريانوس: جائحة سُمّيت باسم أسقفٍ من شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كانت الأمراض والأوبئة شائعة جدًا وغالبًا ما تكون مدمّرة في العصور القديمة. ومن بين أكثر الأوبئة فتكًا التي اجتاحت العالم الروماني ما يُعرف باسم طاعون قبريانوس، وقد سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى أسقف قرطاج الذي ذكره في كتاباته.

مجموعة من الأطباء الرومان

كانت الطبابة الرومانية من أكثر الممارسات تقدّمًا في العالم القديم. فقد تعلّم الرومان الكثير من الطب الإغريقي، وكان لديهم معرفة جيدة بتشريح جسم الإنسان. غير أنهم كانوا عرضةً للأمراض المعدية لجهلهم بوجود الجراثيم. فقد أصابت الأوبئة الأغنياء والفقراء على حد سواء. وأسوأ هذه الأوبئة كان ذاك الذي اجتاح الإمبراطورية الرومانية لمدة خمسة عشر عامًا، من سنة 165 إلى 180 ميلادية، وأودى بحياة عشرة ملايين شخص، أي نحو ربع السكان، ومن بينهم الإمبراطور ماركوس أوريليوس نفسه.

وعرف وباء آخر، دام قرابة عشرين سنة، من 250 إلى 270 ميلادية، باسم “طاعون قبريانوس” في المصادر التاريخية. ويُقدّر أن أكثر من نصف سكان مدينة الإسكندرية، وهي أول مدينة عانت منه، قد ماتوا. وفي روما، بلغ عدد الوفيات في ذروة الوباء خمسة آلاف شخص يوميًا. ولا يُعرف على وجه اليقين ماهية هذا المرض: فقد يكون الجدري، أو الحصبة، أو أحد أنواع الحمى النزفية الفيروسية مثل إيبولا.

قبريانوس القرطاجي

وقد كتب قبريانوس القرطاجي، الذي كان أسقف العاصمة الرومانية لإفريقيا آنذاك، عن هذا الوباء. وكانت الجماعة المسيحية متضررة بشدة مثل بقية السكان، حيث مات عدد كبير من المسيحيين. كما أن الوثنيين اتهموا المسيحيين بأنهم السبب في انتشار الطاعون، معتبرين إياه عقابًا إلهيًا لمن تخلوا عن الديانة الرومانية. ومع ذلك، اختلف موقف المسيحيين عن معاصريهم اختلافا جذريا: فبينما حاول كل من توفر على الإمكانيات للهروب من المدن الموبوءة أن يفرّ، اختار المسيحيون البقاء والعناية بالمرضى، سواء كانوا يشاطرون نفس العقيدة معهم أم لا. وقد فسّر قبريانوس هذا الموقف في كتابه عن الموت.

يصف قبريانوس أعراض المرض بدقة قائلاً: “تسترخي الأمعاء في تدفّقٍ دائم يفرغ الجسد من قوّته؛ تنشأ النار في نخاع العظام لتتحول إلى قروحٍ في الحلق؛ تتعرض الأمعاء لقيءٍ متواصل؛ وتشتعل العيون بدمٍ متدفق؛ وفي بعض الحالات تبتر الأقدام أو أطراف الجسد بسبب العدوى والتعفن؛ ومن الضعف الناتج عن فقدان الأعضاء تضعف الحركة، أو يثقل السمع، أو يعمى البصر.”

لكن، لماذا اختار المسيحيون البقاء؟ لأن إيمانهم حرّرهم من الخوف من الموت: “فلنطرح جانبًا خوف الموت، ولنُفكّر في الخلود الذي يتبعه.” كما رأوا في هذا الوباء فرصة مثالية لتطبيق وصية المسيح الأولى، وهي محبة القريب، من خلال رعاية المرضى ومن فقدوا أحبّاءهم، داخل الجماعة المسيحية وخارجها. وتشير الشهادات التاريخية إلى أن المسيحيين كانوا يزورون المرضى ويعتنون بهم. وقد اكتسب بعضهم في الغالب مناعة نتيجة تعرّضهم للفيروس، مما قد يكون جعل مقاومتهم للمرض تبدو معجزة لأولئك الذين شهدوها!

وفي الكتاب نفسه، يجيب قبريانوس عن السؤال الذي يتكرر دائمًا في أوقات المحن: لماذا يسمح الله بكل هذا الألم؟ “يا إخوتي الأحبّاء، ما أعظم أن يكون هذا الوباء الرهيب اختبارًا للبرّ والرحمة في كل إنسان، وامتحانًا لضمائر البشر، لنرى فعلا هل يهتم الأصحاء بالمرضى؟ هل يُحبّ الأقارب أقرباءهم بمحبةٍ صادقة؟ هل يشفق السادة على خادميهم الواهنين؟ هل لا يتخلى الأطباء عن مرضاهم المتوسّلين؟ هل يترك العنيف عنفَه؟ وهل يطفئ الطامع نار جشعه ولو خوفًا من الموت؟ هل يتواضع المتكبر؟ وهل يلين قلب الأشرار؟ وهل حين يموت أحباؤهم، يُقدِم الأغنياء، حتى في تلك اللحظات، على العطاء؟ وهل يتصدقون وهم على وشك الموت دون أن يتركوا ورثة؟ حتى وإن لم يجلب هذا الموت فائدة أخرى، فقد أفاد خدام الله بأنهم تعلّموا ألا يخافوا الموت، بل يرغبوا في الاستشهاد. فهذه ليست نهايات بل تدريبات، تمنح النفس مجد الشجاعة، وتُهيّئها لإكليل الحياة.”

وتؤكد المصادر المسيحية والوثنية على حد سواء أن سلوك المسيحيين أثناء الوباء ترك أثرًا عميقًا لدى من شهدوه، وجعل الكثيرين يعتنقون دينهم.

شمال إفريقيا الرومانية

أبوليوس: مؤلّف أوّل رواية باللاتينية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

بعد الفتح الروماني لشمال إفريقيا، تبنّت الساكنة الحضرية لإفريقيا بحماسة اللغة اللاتينية وأسلوب الحياة الإغريقي–الروماني. وكان أبناؤهم يدرسون اللاتينية، تماماً كما يدرس شباب شمال إفريقيا اليوم بالفرنسية أو بالعربية الفصحى. وقد كان عدد من أعظم الكتّاب والشعراء والمسرحيين باللاتينية من الرومان الأفارقة. في هذا المقال، سنكتشف أبوليوس، مؤلّف الحمار الذهبي، أقدم رواية مكتوبة باللاتينية.

وُلِد لوسيوس أبوليوس مادورينسيس حوالي سنة 124م، في مادوروس (مداوروش الحالية)، وهي مستعمرة رومانية في نوميديا، على الحدود مع جيتوليا. كان والده قاضياً في المدينة. يصف أبوليوس نفسه بأنه “نصف نوميدي، نصف جيتولي”. وكان اسمه الأول غير معروفا، لكن جرت العادة أن يُطلق عليه اسم بطل روايته، لوسيوس.

في شبابه، درس أبوليوس أولاً في قرطاج، ثم في أثينا، حيث اطّلع على الفلسفة الأفلاطونية. ثم انتقل إلى روما لدراسة البلاغة اللاتينية، قبل أن يعود إلى شمال إفريقيا. كما سافر إلى مصر وآسيا الصغرى، حيث انخرط في عدة عبادات غامضة (حركات دينية سرية)، كما أصبح كاهناً للإله أسكليبيوس.

عند عودته إلى إفريقيا، استقر في أويّا (طرابلس)، حيث استضافه صديق كان قد درس معه في أثينا، وانتهى به الأمر بزواجه من والدة صديقه، بودنتيلا، وهي أرملة ثرية تكبره عمرا بكثير. وبعد وفاتها، رفع بعض أفراد عائلتها دعوى قضائية ضد أبوليوس، متهمين إياه باللجوء للسحر لاستمالة بودنتيلا – والاستيلاء على مالها. جرت المحاكمة في مدينة صبراتة المجاورة، لكن التهمة كانت سخيفة إلى درجة أن أبوليوس بُرّئ بسهولة. ونُشرت مرافعة دفاعه في تلك المحاكمة تحت عنوان خطاب في السحر.

أهم أعمال أبوليوس هي رواية الحمار الذهبي، وهي أقدم رواية مكتوبة باللغة اللاتينية. هذه القصة الخيالية الجريئة تروي مغامرات لوسيوس (الذي يُرجّح أن يكون المؤلّف نفسه)، وهو شاب وقع ضحية فضوله: فبينما كان يحاول إلقاء تعويذة لتحويل نفسه إلى طائر، تحوّل بالخطأ إلى حمار. وليصبح مجددا من البشر، كان عليه أن يأكل الورود. ومن هنا استهل رحلته الطويلة بحثاً عن الخلاص. وتم أخيرا إنقاذه من طرف الإلهة إيزيس، واستعاد صورته البشرية، ليصبح كاهناً لها.

وقد يكون طرح موضوع تدخل إيزيس لإنقاذ البطل نقداً للمسيحية الناشئة، التي كانت تنتشر بسرعة في شمال إفريقيا خلال حياة المؤلّف. تُقدَّم إيزيس كإلهة مخلِّصة، أي كمنقذة وثنية، في مقابل مفهوم الخلاص المسيحي.

كيوبيد وبسيشه

خلال أسفاره، يروي لوسيوس لقرّائه سلسلة من القصص الجانبية الخارجة عن خط السرد الرئيسي. أشهر هذه “الحكايات الموازية” هي أسطورة كيوبيد وبسيشه. كانت بسيشه أصغر بنات إحدى الملوك وأكثرهن جمالاً، حتى إن الناس بجلوها كتجسيد للإلهة فينوس، آلهة الحب. فغارت فينوس منها، وأمرت ابنها كيوبيد أن يجعلها تقع في غرام أفظع الرجال. لكن كيوبيد ما إن رآها حتى وقع هو نفسه في حبها بجنون. خطفها إلى قصر بديع، حيث كان يزورها كل ليلة، على ألا تراه بعينيها. وحين عادت لتزور شقيقتيها، غارتا من سعادتها وأقنعتاها بأن عشيقها لا بد أن يكون وحشاً، ولهذا لا يسمح لها برؤيته. وفي الليلة التالية، أشعلت بسيشه مصباح زيت لترى وجهه، فإذا بها تكتشف وجه الإله الجميل نائماً إلى جانبها. وبينما كانت تتأمله، سقطت قطرة من الزيت الساخن على جلده، فأيقظته. عندها انتهت سعادة بسيشه: طُردت من القصر وحُكم عليها بالتشرد والتجوال، بحثاً عن حبها الضائع. أسطورة بسيشه أقدم من أبوليوس، لكن روايته هي النسخة الوحيدة الكاملة التي وصلت إلينا اليوم. وبطريقة ما، تُجسّد بسيشه صورة لوسيوس نفسه، الذي أضاع نفسه بسبب رغبته في معرفة محرّمة، وحكم عليه كذلك بالتشرد والتجوال، بحثا عن الخلاص.

المسيحية في شمال افريقيا

إرث ﻣﻨﺴﻲ: اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ واﻟﻤﺒﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ (2/3 – ليبيا)

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

منذ القرن الأول، انتشرت ديانة جديدة، هي المسيحية، بسرعة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. وقد تميزت منطقة شمال إفريقيا، من مدنها الكبرى المتعددة الثقافات إلى أكثر أريافها نائية، بكونها أرضًا خصبة للغاية لانتشار رسالة الإنجيل. في هذا المقال، سنكتشف أهم الكنائس وبقايا الآثار المسيحية الأخرى التي ما زالت قائمة إلى اليوم في ليبيا.

اﻟﺴﻠﺴﻠﺔ: اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ واﻟﻤﺒﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ – ﺗﻮﻧﺲ – ﻟﯿﺒﯿﺎاﻟﺠﺰاﺋﺮ واﻟﻤﻐﺮب

طرابلس الغرب

الكنيسة البيزنطية في لبدة الكبرى

يضم الموقع الأثري في لبدة الكبرى بقايا كنيسة مسيحية قديمة ذات صحنين محفوظة بشكل جيد. كما أن البازيليكا السيفيرية، إحدى أبرز معالم المدينة التي بُنيت أصلاً بأمر من الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس، قد تحولت هي الأخرى إلى كنيسة خلال الحقبة البيزنطية.

وتوجد أطلال الكنيسة البيزنطية في أويا (طرابلس) بالقرب من المدينة القديمة لطرابلس.

بازيليكا أبوليوس

في مدينة صبراتة، تحولت بازيليكا أبوليوس، التي كانت البازيليكا الرومانية القديمة (محكمة)، إلى كنيسة سنة 440م. وقد حملت اسم الكاتب النوميدي أبوليوس، صاحب رواية الحمار الذهبي، الذي اتُّهم بالسحر وتمت محاكمته في صبراتة. كما شُيّدت هناك كنيسة أخرى بعد الفتح البيزنطي الجديد تُعرف باسم بازيليكا جستنيان.

وفي غدامس، اكتُشفت مقابر مسيحية ونقوش أثرية.

قورينائية

الكنيسة المركزية في أبولونيا (المصدر)


تحتوي قورينة، التي تُعتبر أول منطقة في شمال إفريقيا انتشرت فيها المسيحية، على بعض أجمل وأكثر البقايا الأثرية المسيحية الرومانية صمودا في وجه الزمن. لكن للأسف، يصعب الوصول إليها اليوم بسبب عدم الاستقرار السياسي.

تحتوي المدينة القديمة قورينة على عدة كنائس. إحداها، التي تتألف من ثلاثة أروقة، تقع بجوار المنتدى مباشرة. أما الكنيسة الرئيسية في قورينة فكانت تقع في أبولونيا، مدينة الميناء.

الكنيسة المحصنة في بطوليمايس

تضم مدينة بطلميس (طلميثة)، العاصمة الجديدة لقورينائية، أطلال عدة كنائس. وتعتبر الكنيسة المحصنة، التي تعد من أبرزها، أكبر الكنائس المسيحية في شمال إفريقيا. هنالك خدم سينسيوس القوريني كأسقف.

وفي توخيرة (توكرة)، تحتوي الكنيسة المحصنة، بيزنطية، على لوحات فسيفسائية جميلة، يمكن مشاهدتها على هذه الصفحة.

إسقليبيون بالاجراي (البيضاء)، وهو مَعبد مهم للإله الإغريقي أسكولاب، إله الطب، حيث كان المرضى يقصدونه في حجٍّ طلبًا للشفاء، قد تم تحويله إلى كنيسة.

الكنيسة البيزنطية في الأثرون

توجد كنيستان بيزنطيتان أخريان في منطقة درنة: الأولى في إريثرون (الأثرون)، والثانية في ناوستاثموس (رأس الهلال). ويمكن رؤية كنيسة ناوستاثموس على صورة الغلاف لهذا المقال.

أما مدينة أولبيا القديمة (قصر ليبيا)، التي أعيد بناؤها في العصر البيزنطي بأمر من الإمبراطورة ثيودورا، فتحتوي على كنيستين بيزنطيتين تزينهما نحو خمسين لوحة فسيفسائية تُعد من بين الأجمل في العالم.

الفسيفساء البيزنطية في أولبيا (المصدر)
المسيحية في شمال افريقيا, الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا

الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا: ترتليان، أب الكنيسة اللاتينية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

خلال القرون الأولى من العصر المسيحي، شكّلت شمال إفريقيا، من مدنها الكبرى والمتعددة الثقافات إلى مناطقها الريفية النائية، أرضًا خصبة بشكل خاص للدين المسيحي الناشئ. وقد كانت ثلاث من أعظم الشخصيات المسيحية في ذلك الوقت من شمال إفريقيا. في هذا المقال، سنكتشف سيرة ترتليان القَرطاجي، أول كاتب مسيحي باللاتينية.

وُلد كوينتوس سبتيميوس فلورنس ترتليانوس حوالي عام 155 ميلادية في قرطاج. يشير اسمه العائلي “سبتيميوس” إلى انتمائه إلى عشيرة “سبتيميا”، وهي عائلة إفريقية مترومنة بارزة، ما يعني أنه كان على صلة قرابة بعيدة بالإمبراطور سيبتيميوس سيفيروس. كان والده قائد مئة في الجيش الروماني. وتبقى أصوله العرقية موضع جدل: فبينما وصف نفسه بأنه “بونيقي بين الرومان”، إلا أن العديد من الأمازيغ في منطقة قرطاج كانوا قد تبنّوا اللغة والثقافة البونيقية. وعلى أي حال، فرغم أن عائلته كانت مترومنة وأنه درس باللاتينية، إلا أنه لم يكن من أصل روماني.

درس ترتليان القانون الروماني في قرطاج ليصبح محاميًا وخطيبًا. وكانت إفريقيا الرومانية حينها مشهورة بخطبائها البارعين.

أصبح ترتليان مسيحيا حوالي عام 197 أو 198 ميلادية، وكان عمره حوالي أربعين سنة. لا تُعرف ظروف اعتناقه للمسيحية، إلا أن إشاراته إليه في كتاباته تدل على أنه كان مفاجئًا وجذريًا. ووجّه كتابين من كتبه إلى زوجته، التي كانت أيضًا مسيحية، وربما كانت كذلك قبله.

بعد تحوّله، قرر أن يُسخّر مواهبه ككاتب وخطيب في خدمة دينه. كتب أكثر من ثلاثين كتابًا، بعضها موجّه إلى الجمهور الوثني دفاعًا عن المسيحية (الاعتذارية، إلى الأمم)، وبعضها إلى جمهور مسيحي تناول فيه مسائل عقائدية (في المعمودية، في الصلاة) وأخرى أخلاقية (في العروض، في الحشمة)، بالإضافة إلى تفنيده لعدة بدع (ضد ماركيون، ضد فالنتينوس). وقد عكَس أسلوبه الكتابي الناري شخصيته الشغوفة. ويُعد أول كاتب مسيحي كتب باللاتينية. وكان أيضاً أول من استخدم مصطلح “الثالوث”.

قرب نهاية حياته، انجذب ترتليان إلى تعاليم المونتانية، وهي حركة مسيحية اعتُبرت لاحقًا هرطقة. وتظهر كتاباته المتأخرة نزعةً إلى التشدّد الأخلاقي، وهو ما يميز أتباع المونتانية. فقد عارض، من بين أمور أخرى، زواج الأرامل مرة ثانية، معتبرًا إياه نوعًا من الزنا ضد الزوج المتوفى. والأكثر غرابة: في كتابه عن حجاب العذارى، ذكر الحجاب الكامل للوجه الذي كانت تلبسه النساء العربيات في زمانه، أي قبل قرون من الإسلام1. وبدل أن يجد ذلك غريبا، كان قد عبّر ترتليان عن إعجابه بهن، وبدا حتى وكأنه يشجع النساء المسيحيات على الاقتداء بهن! بطبيعة الحال، لم تكن هذه التعاليم مجسدة لمسيحية تلك الحقبة، بل كانت آراء ترتليان آراء أقليات معدودة.

استشهاد بيربيتوا وفيليسيتي

من أشهر اقتباسات ترتليان قوله: “دماء الشهداء هي بذور الكنيسة.” فقد شهد ترتليان استشهاد العديد من الرجال والنساء المسيحيين، بعضهم في قرطاج، ممن كانوا مستعدين للتضحية بحياتهم بدلًا من التخلي عن إيمانهم. وقد رأى أيضًا كيف أن إيمانهم الراسخ كان يُدهش كل من يشاهدهم ويقود آخرين إلى اعتناق المسيحية.

  1. نساء العرب، رغم كونهن وثنيات، سيكنّ لكن مثلاً يُحتذى به؛ فهن لا يكتفين بتغطية رؤوسهن، بل يغطين وجوههن بالكامل، فلا يتركن إلا فتحة لعين واحدة، مفضلات بذلك التنازل عن نصف النور على أن يُعرَضن وجههن بالكامل للناظرين. هناك، المرأة تؤثر أن ترى على أن تُرى. ولهذا صرحت إحدى ملكات روما [ميسالينا، زوجة الإمبراطور كلوديوس] أنهن جد بائسات، لأنهن يقدرن على أن يحببن أكثر مما يُحَببن، مع أنه يمكن القول إنهن سعيدات، إذ إنهن في منأى عن شقاء أكثر شيوعا، حيث إن النساء عادة ما يُحَببن أكثر مما يستطعن أن يُحببن. إن الحياء الذي تفرضه هذه التقاليد الوثنية يبدو أطهر، بل وأشد قسوة من حيائنا نحن. (عن حجاب العذارى، الفصل 17). ↩︎
المسيحية في شمال افريقيا

المسيحيون في إفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

منذ القرن الأول، بدأت ديانة جديدة تُعرف بالمسيحية بالانتشار السريع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وكانت شمال إفريقيا، من مدنها الكبرى متعددة الثقافات إلى أكثر مناطقها الريفية عزلة، أرضًا خصبة بشكل خاص لنشر الرسالة المسيحية. في هذا المقال، سنكتشف كيف انتشرت المسيحية في المقاطعات الرومانية المختلفة لشمال إفريقيا.

إفريقيا البروقنصلية

الراعي الصالح، نقش مسيحي في سراديب حضرموت (سوسة)

كانت قرطاج، عاصمة إفريقيا الرومانية، مركزًا مسيحيًا ذا تأثير كبير. ومن قرطاج، انتشرت المسيحية في جميع أنحاء شمال إفريقيا. وقد خصصنا مقالاً مفصلاً عن المسيحية في قرطاج.

في القرن الثاني، كانت المسيحية موجودة بالفعل في مدن أخرى من إفريقيا البروقنصلية. وقد تم إعدام أولى الشهداء المسيحيين في شمال إفريقيا في مدينة سيليوم (القصرين) سنة 180 ميلادية بسبب إيمانهم. تحتوي سراديب الموتى في حضرموت (سوسة) على قبور نحو 15,000 مسيحي من سكان المدينة. كما وُثِّقت وجود جماعات مسيحية في أوتيك، وهيبو دياريتوس (بنزرت)، تابارورا (صفاقس)، سيكّا (الكاف)، وسوفيتولا (سبيطلة).


في القرن الثالث، بدأت كنيسة قرطاج بعقد مجالس كنسية إقليمية شارك فيها أساقفة من مدن رومانية إفريقية أخرى، لمناقشة قضايا تهم الكنائس كافة. وتزودنا قوائم المشاركين في هذه المجالس بأسماء أول أساقفة مسيحيين في شمال إفريقيا.

طرابلس

منبر بازيليكا سيبتيموس سيفيروس بعد تحويلها إلى كنيسة

وصلت المسيحية إلى طرابلس من قرطاج. فقد شارك أسقف أويا (طرابلس) في مجلس كنسي إقليمي في قرطاج سنة 255 ميلادية، وتحدث باسم زملائه من لبدة الكبرى وصبراتة، ما يدل على وجود جماعات مسيحية راسخة في هذه المدن الثلاث.

حوالي القرن السادس، قام مبشرون مسيحيون من طرابلس بنقل الرسالة المسيحية إلى الجرمنتيين في فزان، الذين اعتنقوا المسيحية بعد ذلك.

وفي عام 533، تم تحويل بازيليكا سيبتيموس سيفيروس، أحد أبرز معالم لبدة الكبرى، إلى كنيسة. (المصدر)

نوميديا

كانت سيرتا (قسنطينة) إلى جانب قرطاج أحد أهم المراكز المسيحية في إفريقيا الرومانية. وكما في قرطاج، كان من المرجح أن غالبية السكان في قيرتا كانوا مسيحيين بحلول نهاية القرن الثالث. وقد عانت كنيسة سيرتا كثيرًا خلال اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس في مطلع القرن الرابع.

أنقاض كنيسة، هيبو

تأسست كنيسة هيبو (عنابة) في منتصف القرن الثالث، واستشهد أسقفها الأول، ثيوجين، عام 259 ميلادية. واكتسبت كنيسة هيبو نفوذاً في القرن الرابع، عندما أصبح أوغسطينوس، أهم شخصية مسيحية في شمال إفريقيا، أسقفًا لها.

كما كانت هناك جماعات مسيحية في ماداوروس (مداوروش)، وطاغاست (سوق أهراس، مسقط أوغسطينوس)، وفي الجنوب أكثر، في تيفاست (تبسة)، لامبايزيس (تازولت)، وتاموقادي (تيمقاد).

موريطنية

كنيسة القديسة صالصا، تيبازة

انتشرت المسيحية في موريطنية القيصرية خلال القرن الثالث، بداية من قيصرية (شرشال) وسيتيفيس (سطيف)، ثم إلى المدن الصغيرة والمناطق الريفية. وقد عُثر على شواهد جنائزية مسيحية في أوزيا (سور الغزلان) تعود لعام 227، وفي تيبازة (238)، وفي للا مغنية (273)، وفي منطقة وهران (302). (المصدر)

 أنقاض مدينة ليكسوس (قرب العرائش) تضم أقدم كنيسة في المغرب المعاصر

في موريطانية الطنجية، أقدم أثر أثري لوجود مسيحي هو قطعة فخارية تعود للقرن الثالث، نُقش عليها مرساة وعُثر عليها في سوق الأربعاء: والمرساة رمز مسيحي يمثل ثبات المؤمن في مواجهة عواصف الحياة. (المصدر) ولا نعلم ما إذا كانت المسيحية وصلت أولاً برًا من موريطانية القيصرية، أم بحرًا عبر ميناء طنجيس (طنجة). ومهما يكن، فقد كانت المسيحية قوية بشكل خاص في المدن الرومانية طنجيس وليكسوس؛ ولا تزال أنقاض الكنيسة القديمة في ليكسوس قائمة حتى اليوم. كما وُجدت نقوش مسيحية في وليلي، تُظهر روابطها مع الجماعة المسيحية في منطقة وهران عوضا عن تلك في طنجيس. (المصدر)

سيدي يحيى بن يونس: قديس مسيحي في وجدة؟
سيدي يحيى بن يونس هو الولي الحامي لمدينة وجدة، شرق المغرب، ويقع ضريحه داخل المدينة، في واحة سيدي يحيى.
وبحسب الأساطير المحلية، فإن سيدي يحيى هو في الواقع يوحنا المعمدان! هذا النبي، ابن خالة يسوع المسيح ومبشّره، مذكور في القرآن باسم يحيى بن زكريا. وبعد أن أُعدم على يد الملك هيرودوس أنتيباس، يُقال إنه دُفن في وجدة.
المسيحية في شمال افريقيا

فيتس لاتينا (اللاتينية القديمة): أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللاتينية تمت في شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

خلال القرون الأولى للعصر المسيحي، أثبتت شمال إفريقيا، من مدنها الكبرى والمتعددة الثقافات إلى مناطقها الريفية النائية، أنها كانت أرضًا خصبة بشكل خاص للإنجيل المسيحي. ويُرجَّح أن أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللاتينية، اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، قد تمت في شمال إفريقيا.

كان المسيحيون الأوائل يقرؤون الكتاب المقدس باليونانية. فقد كُتبت الأناجيل وسائر كتب العهد الجديد باليونانية. أما العهد القديم، فقد استعان المسيحيون بالترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للكتاب المقدس العبري التي أنجزتها الجماعة اليهودية في الإسكندرية.

كانت يتحدث باليونانية أساسًا في المناطق الشرقية من الإمبراطورية الرومانية، من اليونان إلى سوريا ومصر. أما في روما وإيطاليا، فرغم أن اللاتينية كانت اللغة الأكثر شيوعًا، كان معظم الناس يفهمون اليونانية أيضًا. لم يكن الأمر كذلك في شمال إفريقيا وإسبانيا، حيث كان السكان يتحدثون اللاتينية إلى جانب لغاتهم الجهوية. ترجم المسيحيون في هذه المناطق الكتاب المقدس إلى اللاتينية.

لا يُعرف إلا القليل عن تلك الترجمات اللاتينية الأولى للكتاب المقدس. فلم تكن هناك ترجمة واحدة موحدة، بل عدة مخطوطات تُرجمت بشكل منفصل في مناطق مختلفة. وأول إشارة إلى كتاب مقدس لاتيني جاءت من ترتليان القرطاجي في مطلع القرن الثالث، مما يدل على أن الترجمة تمت في منطقة قرطاج.

وفي نهاية القرن الرابع، ترجم اللاهوتي المسيحي جيروموس من سترِيدون الكتاب المقدس كاملًا إلى اللاتينية. وعلى عكس الترجمات الأقدم، لم يعتمد جيروموس على الترجمة السبعينية، بل استند إلى النص العبري الأصلي للعهد القديم. وسرعان ما أصبحت ترجمته، المعروفة باسم “الفولغات”، الترجمة الرسمية للكنيسة اللاتينية. ومنذ ذلك الحين، فقدت الترجمات الأخرى أهميتها.

وتُعرف المخطوطات اللاتينية للكتاب المقدس السابقة للفولغات مجتمعة باسمفيتس لاتينا (اللاتينية القديمة). وتعود أقدم مخطوطة باقية حتى اليوم إلى عام 350 ميلادي.