Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة صفاء المنصاري
منذ القرن الأول، انتشرت المسيحية بصفتها ديانة جديدة بشكل سريع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وقد أثبتت منطقة شمال أفريقيا، من مدنها العالمية الكبيرة إلى مناطقها الريفية النائية، أنها أرض خصبة بشكل خاص للإنجيل المسيحي. وأول مدينة في شمال أفريقيا وصلت إليها الرسالة المسيحية هي مدينة قورينة.

وحسب التقليد المسيحي، فإن الرسالة المسيحية قد بشر بها في قورينة على يد مرقس، مؤلف أحد الأناجيل. كان مرقس من أهل قورينة، فبشر هنا، ثم واصل طريقه إلى الإسكندرية. آنذاك، كانت هنالك جماعة يهودية قوية في قورينة، وكان مرقس نفسه عضوًا فيها، ومن المؤكد أنه بشرهم أولاً. وكما هو الحال في العالم الروماني بأكمله، كان العديد من المتحولين الأوائل إلى المسيحية من خلفية يهودية.

تذكر الكتب المقدسة المسيحية عدة مسيحيين آخرين من قورينة. وإن سمعان القوريني، وهو يهودي من قورينة كان في أورشليم وقت صلب المسيح، و يعتقد أنه أمر بمساعدة المسيح على حمل صليبه إلى مكان إعدامه. وتدل طريقة ذكره مع ابنيه ألسكندر وروفوس على أنهم كانوا معروفين في الجماعة المسيحية الأولى.
وكانت الكرازة المسيحية في الأصل موجهة فقط إلى الجاليات اليهودية في المدن المختلفة. والمؤمنون الأوائل الذين بشروا بالإنجيل أيضًا لليونانيين، في أنطاكية بسوريا، كانوا في الأصل من قبرص وقورينة. هؤلاء المؤمنون اليهود من قورينة كانوا من مدينة يونانية وعاشوا حياتهم بأكملها بين اليونانيين، لذلك لم يترددوا في التواصل معهم.
وكان أحد رؤساء الكنيسة الأنطاكية، وهو لوسيوس، من قورينة. ولا نعرف إن كان يهوديًا أم يونانيًا. وحسب التقليد المسيحي، أصبح لوسيوس فيما بعد أول أسقف على قورينة.
وكان زعيم آخر لكنيسة أنطاكية هو سمعان، الملقب أيضًا بالنيجر، والذي يعني “أسود”، ربما لأنه كان أسود البشرة. نسبته بعض التقاليد إلى سمعان القيرواني. إلا أن سكان قورينة في ذلك الوقت لم يكونوا من السود. ربما لم يكن سمعان من القيروان، بل من جنوب صحراء أفريقيا الكبرى، أو ربما من إثيوبيا.
بعد القرن الأول، أسقف قورينة التالي المعروف بالاسم ثيودورس، استشهد عام 303، أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس.

انتشرت الرسالة المسيحية من قورينة إلى المنطقة بأكملها. وقد ورد ذكر الأساقفة واسيليدس من بطلميس (طلميثة)، وعمون من برنيكي (بنغازي)، وأوفرانور من أبولونيا (سوسة) حوالي عام 260، في رسائل كتبها أسقف الإسكندرية. كان سابيليوس، وهو عالم لاهوت مسيحي من قورينائية قام بالتدريس في روما في نفس الوقت تقريبًا. وآريوس مؤسس الهرطقة الأريوسية كان من بطلميس. وشارك الأساقفة زبيروس من باركي (المرج)، وسيرابيون أسقف أنتيبيرجوس (طبرق)، وتيتوس أسقف باريتونيوم (مرسى مطروح) في مجمع نيقية عام 325. وكان سينيسيوس القوريني أسقف بطلميس في بداية القرن الخامس.

كما ازدهرت المسيحية في قورينائية في العصر البيزنطي. لا تزال مدينة أولبيا (قصر ليبيا) القديمة، الواقعة بين باركي (المرج) وبالاجراي (البيضاء)، تحتوي على كنيستين بيزنطيتين، مع حوالي 50 فسيفساء تعتبر من أجمل الكنائس في العالم. توجد كنيسة بيزنطية أخرى محفوظة جيدًا في الإريثروم (الأثرون)، بالقرب من درنة.

إرث ﻣﻨﺴﻲ: اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ واﻟﻤﺒﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ (2/3 – ليبيا)
ألقيت سلسلة من المحاضرات حول التاريخ المسيحي الليبي قبل الإسلام في عام 2008 في كلية الدعوة الإسلامية في طرابلس، ألقاها اللاهوتي المسيحي الأمريكي توماس أودن. لاحقًا، كتب أودن كتابًا بعنوان Early Libyan Christianity: Uncovering a North African Tradition (المسيحية الليبية المبكرة: الكشف عن تقاليد شمال إفريقيا) استنادًا إلى هذه المحاضرات.
