Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة هند لفتى
يُعد سينيسيوس القوريني، الفيلسوف الأفلاطوني المحدث المنحدر من إقليم قورينائية، آخرَ الأعلام الكبار الذين أنجبتهم منطقة كانت فيما مضى ذات تأثير واسع. وكان أصله من مدينة بلاغراي (البيضاء)، فمثّل قورينائية باعتباره سفيرًا لدى البلاط الإمبراطوري. وعقب مسيرة سياسية حافلة بالمجد، انتهى به الأمر في أواخر حياته إلى اعتلاء أسقفية بَطْلَمَيْس (طلميثة). وقد انصرفت مؤلفاته إلى التوفيق بين الفكر اليوناني-اللاتيني الكلاسيكي وعلم اللاهوت المسيحي.
الأصول

وُلد سينيسيوس نحو سنة 370، على مقربة من بلاغراي (لبيضاء)، وكان أكبر أبناء أسرة عريقة ذات أصول يونانية، تدّعي الانتساب إلى ملوك إسبرطة. ونشأ في ضيعة أسرته في الجبل الأخضر بين أحضان الطبيعة ومباهج الحياة الريفية، وتلقّى في الوقت نفسه تعليمًا رفيعًا في قورينة، ثم في الإسكندرية.
وكانت قورينائية، في تلك الحقبة، قد أخذت في التراجع بعد ازدهارٍ سابقٍ؛ إذ أضعف زلزال سنة 365 مدينة قورينة، وزادها وهنًا جراء ما تعرّضت له من غارات متكررة من القبائل الأمازيغية المتاخمة، فاستُبدلت ببَطْلَمَيْس (طلميثة) التي غدت حاضرة الإقليم. وفي هذا السياق، تبيّن للشابّ سينيسيوس وجهته في الحياة، فجعلها تتمحور حول صونَ الحضارة اليونانية-الرومانية في قورينائية.

في ريعان شباب سينيسيوس، أرسلته أسرته إلى الإسكندرية ليُتمم تعليمه مع أخيه يوپتيوس، وهناك تتلمذ على الفيلسوفة الشهيرة هيباتيا الإسكندرية، التي عرّفته بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة. وظل يكن لها احتراما عميقًا طوال حياته. ومن رسائله إليها ما يشتمل على أوّل إشارة لـالهيدرومتر (المِكثاف)، وهو أداة لقياس كثافة السوائل يُنسب إليها صنعها.
نحو سنة 395م، رحل سينيسيوس إلى أثينا، وكان يعلّق على هذه الزيارة آمالًا عريضة، غير أنّه رجع بخفي حنين إلى قورينة، إذ كشفت له الرحلة عن تراجع التقليد الفكري اليوناني.
المهمّة إلى القسطنطينية
وفي حدود سنة 398، أوفد سينيسيوس مبعوثًا عن قورينائية إلى البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، ليعرض قضية أبناء قومه ويلتمس من الإمبراطور إعفاءً ضريبيًا يمكِّن المنطقة من النهوض من عثرتها. وفي خطابه إلى الإمبراطور أركاديوس، أسدى إليه النصح بخصوص الحكم بحكامة، مؤكّدًا على ضرورة محاربة الفساد. وبعد مفاوضات دبلوماسية طويلة، كُتب لمهمّته النجاح. غير أنّه خرج من هذه التجربة بنفورٍ شديد من دسائس البلاط الإمبراطوري، مما نغّص على الفيلسوف الشابّ مثاليته.

في القسطنطينية، اتّصل سينيسيوس بالقائد العسكري بايونيوس، أحد رجال حاشية الإمبراطور، وكان هذا الأخير يُبدي اهتمامًا بالتجارب العلمية التي عُرفت بها هيباتيا الإسكندرية، فأهدى إليه، على سبيل التقديم والتعريف، أداةً علمية كان قد صنعها في الإسكندرية، وهي الإسطرلاب، المخصّص لقياس مواقع النجوم. علاوة على هذه الهدية، كتب رسالة حثّ فيها أصحاب السلطة، مدنيين وعسكريين، على العناية بالعلوم والفلسفة.
ويُرجح أنّ إقامته هذه في القسطنطينية كانت أيضًا مناسبةً لاحتكاكه الأوّل بالمسيحية، التي كانت قد غدت ذات تأثير واسع على البلاط الإمبراطوري. فقد كان معظم العالم الروماني، بما في ذلك قورينائية، قد اعتنق هذا الدين الجديد، في حين ظلّت أسرة سينيسيوس جزءا من النخبة المحافظة المتمسّكة بالتقاليد الدينية القديمة. ومع ذلك، لم يؤد اكتشافه للمسيحية إلى القطيعة مع هذا الإرث؛ بل على العكس من ذلك، فقد حمله على السعي إلى صون الفكر اليوناني-الروماني، من خلال إدماجه ضمن إطار الفكر المسيحي.
مهنة في الإسكندرية وقورينائية

عاد سينيسيوس القوريني إلى قورينا سنة 402، وفي العام الموالي تزوّج في الإسكندرية، بزوج لم يُنقل إلينا اسمها، إلا أنها معتنقة للديانة المسيخية وتنتمي إلى أسرة إسكندرية ذات نفوذ. وقد رُزقوا بثلاثة أبناء، غير أنّهم تُوفّوا جميعًا في حياته. كما عبّر سينيسيوس في رسائله على شدّة تعلّقه بزوجته وأسرته، حتى إنه نظم قصيدة تكريما لها.
وخلال السنوات التالية، قضى سينيسيوس حياته بين الإسكندرية، حيث كانت تقيم أسرته، وبين موطنه الأصلي في قورينائية. وكان الدفاع عن مدن قورينائية في وجه هجمات القبائل الأمازيغية هو شاغله الأكبر. في سنة 409، أرسل رسالة إلى ترويلوس فيلسوف بلاط الحاكم أنثيميوس، يستنجد به وهذا الأخير لحماية قورينائية من تلك الهجمات. أمّا في الإسكندرية، فقد توطدت صلته بالأسقف ثيوفيلس الإسكندري، ويُحتمل أنّه هو الذي أشرف على مراسم زواجه.
وفي مسيرته الروحية، أخذ سينيسيوس يقترب تدريجيًا من الديانة المسيحية، دون أن يتخلى عن جذوره اليونانية. ولا ريب أنّ إيمان زوجته، إلى جانب صداقته لثيوفيلس الإسكندري، كان لهما أثرٌ حاسم في هذا التحوّل المتدرّج. ومع ذلك، ظلّ وثيق الصلة بالفيلسوفة هيباتيا الإسكندرية، التي على الرغم من وثنيتها، عُرفت بسماحتها تجاه المسيحيين، كما كانت تشرف على العديد من التلاميذ المسيحيين. وبعد أعوام قليلة من زواجه، طلب سينيسيوس أخيرًا أن يُعمَّد.
أسقف بَطْلَمَيْس

في سنة 410، اختار الأسقف ثيوفيلس الإسكندري صديقه سينيسيوس القوريني ليتولّى أسقفية بَطْلَمَيْس، وكان في هذا المنصب، بوصفه أسقف عاصمة قورينائية، صاحبَ سلطة على سائر أساقفة المقاطعة. وقد بدا هذا التعيين مفاجأً؛ فرغم كون سينيسيوس فيلسوفًا كلاسيكيا متمرّسًا، إلا أنه كان ذو علم محدود في شأن النصوص المقدسة المسيحية، إذ من المرجح أنه لم يكن قد تعمد بعد! ومع ذلك، ارتأى لثيوفيلوس أن الكنيسة في حاجةٍ إلى قادة بمثل تعليمه، يتولّون تدبير إدارة النفوذ المسيحي المتنامي في المجتمع. ولم تكن حالة سينيسيوس حالة استثنائية؛ فقد تولى العديد من النبلاء الشباب الآخرين حديثي الاعتناق مسؤوليات في الكنيسة في نفس الفترة تقريبًا.
تردد سينيسيوس القوريني في قبول هذا المنصب. وهذا راجع أولاَ لكون معظم القادة المسيحيين في ذلك العصر غير متزوجين، ولم يكن مستعدًّا للتخلّي عن حياته الأسرية. كما أن بعض آرائه، وفي مقدّمتها الإيمان بأزلية الروح، وهو أصلٌ راسخ في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، يصطدم بما استقر عليه المذهب المسيحي الرسمي. ومع ذلك، انتهى إلى القبول، مشترطًا ألّا يفارق زوجه، وألا يُحمل على الإقرار بعقائد لا يؤمن بها، كخلق النفس، وبعث الأجساد، وفناء العالم في آخر الزمان. ومقابل هذه التنازلات، تعهد بعدم المجاهرة بآرائه. كما يدل قبول هذه الشروط على المرونة العقائدية لسلطة الكنسية المسيحية آن ذاك.

بصفته أسقفا ل َبطْلَمَيْس، سينيسيوس عارض أندرونكوس، حاكم قورنية الطاغي الذي ألحق العذاب بالأبرياء من رعيته. لكن اتخذ قرار طرده من الكنيسة بعد أن عرض عليه التوبة عدة مرات، إذ هو قرار بمثابة نعي لسينيسيوس، إلا أنه وقف صامدا في وحه ما شهده من تعسفات أُلحقت بأهل بلده. كما يذكر في احدى رسائله، أنّه كاد، في خضمّ هذه المواجهة، أن يتنازل عن منصبه الأسقفي، ولا سيّما حين زُجّ بأحد أصحابه، وهو أمين بيت المال، في السجن بأمر من أندرونكوس. غير أن هذه المحن لم تزده إلا ثباتًا وعزمًا على المضي فيما عزم عليه.
كما كُلِّف أيضا بتسوية نزاع قائمٍ بين أسقفي درنيس (درنة) وإريثروم (الأثرون) بشأن كنيسة تقع على حدود أبرشيتيهما. وقد أعطت خبرته في تدبير الشؤون المدنية أُكلها في هذا الشأن، إذ كان لوساطته أثر في تسوية الخلاف، وهو ما يدلّ على ما كان يوليه من عنايةٍ لوحدة الكنيسة وانسجامها.
وفي سنة 411، حلّ على َبطْلَمَيْس هجوم من القبائل الأمازيغية فدمّروها. وكتب سينيسيوس، وهو في منفاه، عمله الكاتاستاسيس، رثاء سقوط قورينائية.
ففي سنة 413، فقد ابنه الثالث والأخير، فكان ذلك من أشدّ ما نزل به من المصائب. ولم يعمر بعد ذلك طويلا، إذ وافته المنية سنة 414، وقد ناهز الرابعة والأربعين من عمره. وهو على فراش الموت، كتب رسالة إلى هيباتيا؛ التي ما انقضى عام حتى لحقت به قتيلةً.
الأعمال

تُعدّ أشهر أعمال سينيسيوس القوريني تسابيحه التسع، وهي قصائد ذات إلهامٍ أفلاطونيٍّ محدث، تصوّر مسيرة النفس الإنسانية في تطلّعها إلى الاتحاد مع الله. وقد أتم أوّلها قبل اعتناقه المسيحية، ثم جاءت اللاحقة شاهدةً على تطوّر فكره، حيث أخذ يدمج المعاني المسيحية مع روحانيته الأفلاطونية الحديثة. وعلى الجملة، تمثّل أعماله تركيبًا فريدًا يجمع بين الفكر المسيحي والفلسفة الأفلاطونية المحدثة.
وتُستمدّ معرفتنا بحياته، في المقام الأوّل، من رسائله التي بلغ عددها 159 رسالة، وجّهها إلى زوجه، وأخيه، وإلى هيباتيا الإسكندرية، وإلى ثيوفيلس الإسكندري، وسائر الأساقفة وغيرهم. وتكشف هذه الرسائل عن ملامح شخصيته النبيلة.
إحدى رسائله تُعَدّ آخرَ ذِكرٍ لنبات السِّلْفِيوم؛ إذ يكتب أن هذا النبات لم يعد موجودًا في زمانه، وأن اختفاءه كان من أسباب تدهور قورينائية، مسقط رأسه.
كما تُحيل هذه الرسائل إلى قصائد نظمها ولم يصلنا منها شيء.
وقد تقدّم ذكر خطبته في الحُكم الإمبراطوري التي وجّهها إلى الإمبراطور أركاديوس، فضلًا عن رسالته في صناعة الإسطرلاب. وأثناء إقامته في القسطنطينية، كتب أيضًا قصيدة رمزية في الحرب بين الإمبراطورية الرومانية والقوط، ضمنها تأملاتٍ في مسألة الشر وأسباب إمهال الله له.
وكان سينيسيوس، طوال حياته، شديد الافتتان بعالم الرؤى، يعدها سبيلًا تنكشف به للنفس حقائق خفية، وتتصل من خلاله بالخالق. وفي زهاء سنة 405، ألّف رسالة في تعبير الرؤيا.
ومن أعماله عمل فكاهي، عمله عن الصلع، حيث يذهب إلى تفضيل الصلع على الشعر، محتجًّا بأن الرأس الأملس أشبه بالكرة، وهي أكمل الأشكال.
إذ وصلتنا عظتان كنسيتان من عهده في الأسقفية، حيث تقدمان فكرة عن الطريقة التي كانت تُفسر بها النصوص المقدسة المسيحية.
ولمّا خُرّبت بطليميس، كتب عمله الكاتاستاسيس، رثاء سقوط قورينائية.
وأخيرًا، ألف كتابًا فُقد في تربية كلاب الصيد، إذ كان الصيد أحبّ الهوايات إليه، ولم يكفّ عنه إلا حين لم تعد أعباء مسؤولياته تسمح له بممارستها.
