Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة محمد المباركي
كانت قورينائية القديمة تزرع وتصدّر نبتة لا تنمو إلا في هذه المنطقة: السِّلفيوم. وقد اندثرت هذه النبتة اليوم، لكنها كانت محطَّ تقدير كبير في العالم القديم كلّه، إذ استُعملت دواءً وعطراً وتوابلاً.
كان السِّلفيوم نباتاً ذو ساق غليظة وجوفاء، وجذور ثخينة مكسوّة بقشرة سوداء، وأوراق رقيقة، وزهرات صفراء. وقد كانت ساق السِّلفيوم تصل إلى ثلاثة أمتار طولاً.

كانت مدن قورينائية تُصدِّر السِّلفيوم إلى أنحاء العالم القديم كلّه. وكانت هذه النبتة ذات قيمة عالية جدًّا: إذ كان ثمن ساق السِّلفيوم يُباع بوزنه ذهباً. وبسبب قيمتها الكبيرة، لعب السِّلفيوم دوراً حاسماً في اقتصاد المنطقة، وتحمل كثير من نقود قورينة والمدن المجاورة صور ساق السِّلفيوم.
وتنبع قيمة السِّلفيوم من مادّته الصمغية التي تُسمّى باللاتينية لازِرْبيسْيوم (laserpicium). فعبر شقٍّ صغير في الساق، كان الصمغ يسيل منها برائحة طيّبة. أمّا شقّ الجذور فكان يُنتج صمغاً شفافاً، أنقى وأشدّ تركيزاً، ومن ثمّ أعلى قيمة.

كان للسِّلفيوم استعمالات طبّية وطهوية معاً. فقد اعتُبر علاجاً شبه شامل، يُستعمل للسعال، والتهاب الحلق، والحمّى، وعسر الهضم، والثآليل، وآلام البطن، وغير ذلك من الأسقام. كما عُرف بكونه منشِّطاً جنسياً ومانعاً للحمل، يُخفِّض خصوبة النساء.
وفي الطهو، استُعمل السِّلفيوم لتتبيل عدد كبير من الأطباق. وكانت أوراقه تُقدَّم كعلف للأغنام، فتُكسب لحمها مذاقاً لذيذاً على نحو خاص.
وأخيراً، استُعمل السِّلفيوم كبخور يُحرَق لتعطير الجوّ.
كان السِّلفيوم ينمو حصراً في شرقي ليبيا، في المنطقة الممتدّة تقريباً من درنة إلى خليج سرت. وقد وصف الشاعر الإغريقي بنداروس قورينائية بأنّها «حديقة من الزهور». وكان السِّلفيوم نبتة برّية لا يمكن زراعتها؛ وكل المحاولات لزراعتها خارج موطنها الطبيعي باءت بالفشل.

فما طبيعة هذه النبتة؟ وهل تشبه أي نبتة موجودة اليوم؟ يُرجَّح أن يكون السِّلفيوم نوعاً من الفِرْوَلة (Ferula)، وهي جنس نباتي ما زال ممثَّلاً بعدّة أنواع في بلدان البحر المتوسّط. وتنتج الفِرْوَلة التركية (Ferula drudeana) صمغاً مشابهاً، لكن لا يُعرف أي رابط بينها وبين ليبيا. واقترح بعض المتخصّصين أن السِّلفيوم ربما كان هجِيناً بين أنواع مختلفة من الفِرْوَلات. وهذا قد يفسّر صعوبة زراعته: فالنباتات الهجينة تُظهر خصائص مدهشة في الجيل الأول، لكنها تكون عقيمة في الغالب، ولا يمكن إكثارها من البذور، بل فقط بوسائل خضرية، عبر الجذور.
اختفى السِّلفيوم في بدايات العصر الروماني. ويذكر بلينيوس الأكبر في كتابه التاريخ الطبيعي أنّ آخر ساق سِلْفيوم عُثر عليها في قورينائية قُدِّمت إلى الإمبراطور نيرون على سبيل الغرابة. وكان الاعتقاد الشائع أن السِّلفيوم انقرض بسبب الإفراط في استغلاله، لكن يبدو اليوم أنّ التصحّر الذي أصاب منطقته الأصلية هو السبب الأرجح لاختفائه. في مطلع القرن الخامس، يذكر سينيسيوس القوريني نبات السِّلْفِيوم في إحدى رسائله، بوصفه نباتًا لم يكن موجودًا في زمانه بعد الآن. ويقول إنَّ اختفاءه كان من أسباب تدهور قورينائية، مسقط رأسه.

