Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة مريمة أڭرام
في العصر الروماني، كانت المنطقة الواقعة غرب ليبيا تُعرف باسم طرابلس (Tripolitania)، نسبةً إلى مدنها الثلاث (tri polis). وكانت هذه المدن مستعمرات فينيقية سابقة خضعت لاحقًا لسيطرة قرطاج، ثم للحكم الروماني. وتُعدّ لبدة الكبرى أهم هذه المدن، إذ كانت مسقط رأس الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس. وقد شهدت المدينة ازدهارًا كبيرًا خلال فترة حكمه، حتى أصبحت تُعرف باسم «روما الإفريقية».

منذ عهد الفينيقيين…

تأسست لبدة الكبرى في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، وكانت في الأصل أكبر المستعمرات الثلاث التي أنشأها الفينيقيون على السواحل الليبية، وهي: لبدة، وأويات (طرابلس)، وصبراتة. وقد كتب المؤرخ الروماني سالوست أن تأسيس لبدة يعود إلى أهل صيدا، في حين وصفها بلينيوس الأكبر بأنها مستعمرة صورّية. أما اسم «لبدة» فهو ذو أصل ليبي أمازيغي وليس فينيقيًا، مما يدل على أن الموقع كان مأهولًا بالفعل من طرف القبائل الليبية الأمازيغية.
وفي عام 515 قبل الميلاد، حاول الأمير دوريوس من إسبرطة إنشاء مستعمرة يونانية في المنطقة، إلا أن سكان لبدة قاموا بطرده. ويبدو أن هذا الحادث دفع قرطاج إلى فرض سيطرتها على المنطقة.

في العصر البوني، أصبحت لبدة تُعرف باسم لبدة الكبرى لتمييزها عن لبدة الصغرى (لمطة في تونس)، وصارت الميناء الشرقي الرئيسي للإمبراطورية القرطاجية، الذي كانت تمرّ عبره تجارة قرطاج مع مصر والشرق الأوسط. أما طنجة، الواقعة عند مضيق جبل طارق، فكانت الميناء الغربي الرئيسي لقرطاج للتجارة مع إسبانيا وما وراءها. وقد كانت لبدة الكبرى، منذ ذلك الحين، تتاجر بمنتجات قادمة من جنوب الصحراء، كانت تشتريها من الجرمنت في فزان.
بعد سقوط قرطاج، أصبحت لبدة الكبرى تحت النفوذ الروماني، مع تمتعها بقدر واسع من الحكم الذاتي واستمرار إدارة يغلب عليها الطابع البوني. وتعود النقوش البونيقية الشهيرة في طرابلس إلى هذه الفترة.
… إلى الرومان…

بعد فترة وجيزة من الحرب البونيقية الثانية، استولى الملك ماسينيسا، ملك نوميديا، على لبدة الكبرى. وخلال ثورة يوغرطة، انحازت المدينة إلى جانب الرومان، فكافأتها روما بمنحها صفة مدينة حرة، مع إعفائها من الضرائب.

شهدت لبدة الكبرى ازدهارًا كبيرًا في بداية العصر الروماني. وتعكس عملاتها النقدية، التي تحمل نقوشًا بونيقية وصورًا لهرقل وديونيسوس، الطابع الثقافي المزدوج للمدينة. وكانت ثروتها تعتمد أساسًا على خصوبة أراضيها. وفي نحو سنة 46 قبل الميلاد، بلغ إنتاجها من زيت الزيتون مستوى مكّنها من تزويد يوليوس قيصر بأكثر من مليون لتر سنويًا.

بعد تأسيس الإمبراطورية الرومانية، كانت لبدة الكبرى، رغم تبعيتها لمقاطعة أفريقيا البروقنصلية، تتمتع بوضع مدينة حرة معفاة، حيث لم يكن الوالي يمارس عليها سوى رقابة محدودة. غير أنها فقدت هذا الامتياز في عهد الإمبراطور تيبيريوس، الذي دمجها بالكامل ضمن الإدارة الإمبراطورية، ومع ذلك ظلت من أكثر مدن أفريقيا الرومانية نفوذًا. وفي عهد الإمبراطور طريانوس، أصبحت مستعمرة رومانية.
وفي ربيع سنة 70 ميلادية، اندلعت حرب بين لبدة الكبرى ومدينة أويا المجاورة. وكان سبب النزاع في الأصل توترات بين فلاحي المدينتين بسبب سرقة المحاصيل والماشية. ونظرًا لقلة عدد سكان أويا، فقد تحالفوا مع الجرمنت في فزان، وقاموا معًا بنهب الأرياف المحيطة بلبدة الكبرى وترويع سكانها، مما اضطرهم إلى الاحتماء داخل أسوار مدينتهم. وقد انتهى النزاع بتدخل الوالي الروماني.

بلغت المدينة ذروة ازدهارها في عهد ابنها البار الإمبراطور سبتيموس سيفيروس، الذي وُلد في لبدة الكبرى. وقد جعل سبتيموس سيفيروس من طرابلس إقليمًا رومانيًا مستقلاً بذاته عن مقاطعة أفريقيا البروقنصلية، واتخذ من لبدة الكبرى عاصمة له. ونظرًا لارتباطه العميق بمدينته الأم، حوّلها إلى واحدة من أجمل مدن الإمبراطورية الرومانية، حيث أمر ببناء منتدى وبازيليكا وحلبة لسباق الخيل. كما قام بتوسعة المدرج الذي شُيّد في عهد نيرون، ليصبح قادرًا على استيعاب ما يصل إلى 15,000 متفرج. ومنذ عهد سبتيموس سيفيروس، أصبحت لبدة الكبرى تُعرف باسم «روما إفريقيا».

ازدهرت لبدة الكبرى بفضل التجارة العابرة للصحراء، حيث كانت تبيع سلعًا ثمينة وغريبة مثل العاج، والحيوانات البرية المخصصة لألعاب السيرك، والأحجار الكريمة، وخشب الأبنوس، وريش النعام.
وتُعدّ فيلا بار دوك أمّيرا، الواقعة قرب لبدة الكبرى، من أجمل الفيلات الرومانية على الساحل الشمال الإفريقي، وهي مشهورة بفسيفسائها التي يمكن مشاهدتها في المتحف الأثري بطرابلس.
وفي العصر الروماني، أصبحت طرابلس من أكثر مناطق الإمبراطورية الرومانية انتشارًا للمسيحية. وكان أول أسقف معروف لبدة الكبرى هو فيكتور، وهو معاصر للإمبراطور سبتيموس سيفيروس، ثم أصبح لاحقًا أسقفًا لروما. وفي العصر البيزنطي، حُوّلت البازيليكا التي شيدها سبتيموس سيفيروس إلى كنيسة، كما لا تزال هناك بقايا كنائس مسيحية أخرى مرئية حتى اليوم.

وقد شهدت لبدة الكبرى تراجعًا كبيرًا خلال أزمة القرن الثالث، ثم تعرضت للدمار نتيجة تسونامي أعقب زلزال سنة 365. وفي السنوات اللاحقة، اشتكى سكان المدينة إلى الإمبراطور فالنتينيان بسبب فساد أحد المسؤولين الرومان الذي كان يجبرهم على دفع رشاوى مقابل حمايتهم.

بعد الفتح الوندالي، قام الوندال بتدمير أسوار المدينة لتفادي أي تمرد محتمل. ثم أعاد البيزنطيون بناء لبدة الكبرى، لكنها لم تستعد أبدًا مجدها السابق. وبعد الفتح العربي للمنطقة، اختار العرب مدينة طرابلس لتكون عاصمة جديدة، مما أدى إلى هجران لبدة الكبرى.

واليوم، تُعدّ أطلال «روما إفريقيا»، الواقعة قرب مدينة الخمس الحديثة، من أبرز المواقع الأثرية في غرب ليبيا، وهي مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. وعلى الرغم من أنها أقل شهرة من مواقع برقة، وقد أُهملت خلال سنوات الحرب الأهلية، فإن لبدة الكبرى تمتلك كل المقومات لتصبح وجهة سياحية رائدة. ويتضمن هذا المقال الصادر عن موقع Middle East Eye صورًا جميلة جدًا لهذا الموقع.
