شمال إفريقيا الرومانية

المدن الرومانية الثلاث في ليبيا: أويا، طرابلس القديمة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

في العصر الروماني، كانت المنطقة الواقعة غرب ليبيا تُعرف باسم طرابلس (Tripolitania)، نسبةً إلى مدنها الثلاث (tri polis). وتُعد أويا، المدينة القديمة لطرابلس، أقدم هذه المدن. فقد أسّسها الفينيقيون باسم أويات، ثم احتلّها لفترة قصيرة الإغريق القورينيون، قبل أن تشهد ازدهاراً كبيراً في العصر الروماني. ولا تزال عدة آثار رومانية قائمة في طرابلس اليوم.

قوس ماركوس أوريليوس: أهمّ بقايا المدينة الرومانية
إعادة بناء لمرفأ أويات الفينيقي – صورة منشأة بواسطة ChatGPT

في القرن السابع قبل الميلاد، استقرّ تجار فينيقيون، يُرجّح أنهم قدموا من مدينة صور، في موقع طرابلس الحالية. وكانت خليج طرابلس يشكّل ميناءً طبيعياً مثالياً لسفنهم. وعلى شبه الجزيرة الصغيرة غرب الخليج، أسّسوا مدينة سمّوها أويات (𐤅𐤉𐤏𐤕)، وهي أقدم المستعمرات الفينيقية الثلاث في المنطقة.

سفنكس البونيقي من أويا (المصدر)

لاحقاً، استولى الإغريق القورينيون على أويات وسمّوها أويا (Ἐώα)، وهو الاسم اليوناني المشتق من اسمها الفينيقي القديم. وفي حوالي سنة 550 ق.م، تدخّل القرطاجيون واستعادوا المدينة من الإغريق، فضمّوها إلى إمبراطوريتهم مع لبدة الكبرى وصبراتة، لكن المدينة احتفظت باسمها اليوناني.

بعد سقوط قرطاج، أصبحت المنطقة تحت النفوذ الروماني. ووفي ربيع سنة 70 ميلادية، اندلعت حرب بين لبدة الكبرى ومدينة أويا المجاورة. وكان سبب النزاع في الأصل توترات بين فلاحي المدينتين بسبب سرقة المحاصيل والماشية. ونظرًا لقلة عدد سكان أويا، فقد تحالفوا مع الجرمنت في فزان، وقاموا معًا بنهب الأرياف المحيطة بلبدة الكبرى وترويع سكانها، مما اضطرهم إلى الاحتماء داخل أسوار مدينتهم. وقد انتهى النزاع بتدخل الوالي الروماني.

إعادة بناء المدينة الرومانية أويا – صورة منشأة بواسطة ChatGPT

في العصر الروماني، كان غرب ليبيا يُعرف أولاً باسم سيرتيكا نسبة إلى خليج سرت، ثم باسم طرابلسية نسبةً إلى مدنها الثلاث: لبدة الكبرى، أويا وصبراتة. وقد أصبحت أويا مستعمرة رومانية في عهد الإمبراطور تراجان. وكانت طرابلسية تابعة في البداية للمقاطعة الرومانية أفريقيا البريتورية، قبل أن تصبح مقاطعة مستقلة في عهد سبتيموس سيفيروس، المولود في لبدة الكبرى.

واجهة معبد «جينوس كولونياي»

كانت أويا/طرابلس، بخلاف لبدة الكبرى وصبراتة، مأهولة بالسكان بشكل متواصل منذ العصر الروماني حتى اليوم. ومن المفارقة أنّ هذا الاستمرار في السكن جعل آثارها الرومانية أقلّ حفظاً من آثار المدن المجاورة، لأن السكان إمّا أعادوا استخدام حجارة المباني المهدّمة، أو شيّدوا مبانيهم فوق المدينة القديمة. وأهم بناء روماني بقي محفوظاً هو قوس ماركوس أوريليوس (انظر الصورة أعلاه)، الذي شُيّد سنة 165 م في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس تخليداً لانتصار أخيه لوسيوس فيروس على ملك فارس فولوغاسيس الرابع. وتُحفظ بقايا معبد روماني صغير يُعرف باسم جينوس كولونياي في متحف طرابلس. ومن المؤكد أنّ تحت المدينة الحديثة آثاراً أخرى تنتظر أن تُكتشف، غير أنّ أعمال التنقيب في باطن طرابلس كانت محدودة حتى الآن.

أبوليوس

عاش الكاتب الإفريقي-الروماني أبوليوس، مؤلف الحمار الذهبي وهو أول رواية مكتوبة باللاتينية، في مدينة أويا. أما محاكمته الشهيرة بتهمة السحر فقد جرت في مدينة صبراتة المجاورة.

في العصر الروماني، أصبحت طرابلسية من أكثر مناطق الإمبراطورية انتشاراً للمسيحية. ففي سنة 255 م، شارك أسقف أويا ناتال في مجمع إقليمي عُقد في قرطاج، وتحدث باسم زملائه أساقفة لبدة الكبرى وصبراتة. ويُظهر اختياره ممثلاً لكافة مدن طرابلسية أن العبادة المسيحية كانت ربما أكثر رسوخاً في أويا، رغم أن لبدة الكبرى كانت أكبر وأقوى نفوذاً.

في القرن الخامس، استولى الوندال على أويا وبقية طرابلسية. وكان أسقف أويا كريسكونيوس من بين الأساقفة الأفارقة الذين نفاهُم الملك الوندالي هنريك سنة 484 م.

خريطة عربية لِطرابلس

شهدت المدينة نوعاً من الازدهار في العصر البيزنطي. ولا تزال أطلال الكنيسة البيزنطية في أويا مرئية قرب المدينة القديمة في طرابلس.

بعد الفتح العربي لطرابلسية، اختار العرب مدينة أويا عاصمةً إقليمية جديدة. واستُبدل اسمها القديم باسم طرابلس (طرابلس الغرب) في القرن التاسع تقريباً. وتُلقّب المدينة أحياناً بـ«عروسة البحر» نظراً لجمال شواطئها.

اترك رد