اليونانيون في شمال أفريقيا, مدن قورينائية الأخرى

مدن قورينائية الأخرى: توخيرة/أرسينوي، المدينة المنسية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

توخيرة (طُقرة) هي الأقل شهرة بين المدن اليونانية الخمس التي شكّلت البنتابوليس في العصور القديمة. ومع ذلك، فهي على الأرجح أقدم مستعمرة يونانية في ليبيا بعد قورينة نفسها، وتخفي أطلالها كنوزاً أثرية غير متوقعة.

دوليا, صباغة الأقمشة

في العصور القديمة، كانت توخيرة جزءاً من البنتابوليس، وهو تحالف يضم خمس مدن يونانية في المنطقة: قورينة، المدينة الرئيسية، يوهسبريدس (بنغازي)، باركي (المرج)، وبالاجراي (البيضاء). وقد كشفت الحفريات في ميناء توخيرة عن فخاريات قديمة جداً تعود إلى أواخر القرن السابع قبل الميلاد. ويُرجَّح أن توخيرة هي ثاني مدينة أسسها اليونانيون في قورينائية، بعد بضع سنوات فقط من تأسيس قورينة.

كان اسم توخيرة ذا أصل ليبيّ. فالمقطع تو (أو تا) يعني “الأرض”، والمقطع چي يعني “الفم”، أمّا اللاحقة –را فتوحي بالقرب أو المجاورة. وهكذا فإن اسم توخيرة يعني “الأرض القريبة من الفم”، وهو تعبير مجازي يشير إلى الساحل.

مقلع الحجارة (المصدر)

تقع توخيرة على الطريق الساحلي بين قورينة ويوهسبريدس، وهما أكبر مدينتين في البنتابوليس. وإلى الشمال الشرقي من المدينة يوجد مقلع الحجارة الذي استُخرج منه الحجر الجيري المائل إلى الحمرة والمميّز لتوخيرة. وقد استُخدم هذا المقلع أيضاً كمقبرة، حيث تحوّلت الحفر الناتجة عن استخراج الحجر إلى قبور.

كان ميناء توخيرة (الظاهر في صورة الغلاف) على صلة تجارية مع أثينا، كورنثة، والپيلوبونيز. وتُعرض في متحف توخيرة قطع يدوية عُثر عليها أثناء التنقيبات في الميناء.

طبق فواكه أصله من رودس (المصدر)
تمثال صغير لديميتر وبرسيفون — فخَّار يصوّر راقصة آثينية (المصدر)
نقش بارز لامرأة من الرخام — قنينة على شكل رجل بقرون ثور (المصدر)
السور الشرقي (المصدر)

في سنة 332 ق.م، استولى الإسكندر الأكبر على مصر وبنى عاصمته الجديدة: الإسكندرية. وقد رحّب الإغريق في قورينائية بظهور ملك يوناني يطمح إلى توحيد جميع اليونانيين، فسارعوا إلى الخضوع له. وبعد وفاته، سيطر المرتزق الإسبرطي ثيبرون على توخيرة محاولاً إنشاء إمبراطورية في ليبيا. ثم أُلحقت قورينائية بالدولة البطلمية. ومع تأسيس مدينة بطلميس الساحلية على يد بطليموس الثالث إيرغيتيس، أصبحت منافساً خطيراً لتوخيرة.

قطعة ذهبية تحمل صورة أرسينوي الثانية، الملكة التي حملت المدينة اسمها

وفي سنة 276 ق.م، أعلن ماجاس القوريني نفسه ملكاً على قورينائية وحكم حتى وفاته حوالي 250 ق.م. وبعد موته، تزوجت ابنته برنيكي من بطليموس الثالث إيرغيتيس، وأُعيدت تسمية مدينة إوسپيريديس إلى برنيكي تكريماً لها. كما منح البطالمة اسماً جديداً لتوخيرة: أرسينوي، نسبةً إلى أرسينوي الثانية زوجة بطليموس الثاني فيلادلفوس وحماة بطليموس الثالث إيرغيتيس. وهكذا عادت قورينائية إلى الدولة البطلمية مع قدر كبير من الحكم الذاتي.

مرسوم أليكسيماخوس (المصدر)

أصبح بطليموس أبيون، ابن بطليموس الثامن، ملكاً على قورينائية سنة 105 ق.م. وبعد وفاته سنة 96 ق.م دون وريث، أوصى بمملكته لروما. غير أن الرومان لم يستقروا في المنطقة إلا عام 74 ق.م. وفي الفترة الفاصلة، تعرضت أرسينوي لهجوم من قبائل أمازيغية ليبية. وتخلّد نقش محفوظ في متحف المدينة اسم أليكسيماخوس بن سوستراتوس، الذي موّل توسيع أسوار المدينة وجلب المؤن أثناء المجاعة. وقد أصدرت سلطات المدينة مرسوماً لتكريمه.

جيمناسيون الروماني أرسينوي (Source)

خلال حرب أكتيوم، غيّر القائد الروماني ماركوس أنطونيوس اسم أرسينوي مؤقتاً إلى ليوباتريس تكريماً لزوجته كليوباترا السابعة. لكن مع تأسيس الإمبراطورية الرومانية، استعاد اسم أرسينوي، وأصبحت المدينة مستعمرة رومانية. وعلى الرغم من قلة ما نعرفه عن تاريخها في العصر الروماني، فقد شُيّدت فيها عدة مبانٍ، منها صالة رياضية وصباغة للأقمشة. وكان عبادة الإلهة كيبيلا شديدة الشعبية في المدينة، حيث كان يقام لها مهرجان سنوي.

فسيفساء كنيسة القصر (المصدر)

كانت قورينائية أول منطقة في شمال أفريقيا تصلها المسيحية، وهي الآن تحتوي على بعض أفضل الآثار المحفوظة للكنائس المسيحية القديمة في شمال أفريقيا. وكان أول أسقف مسيحي معروف لأرسينوي هو سيكوندوس، الذي شارك في مجمع نيقية عام 324 م. وقد عُثر في المدينة على عدة كنائس، منها «كنيسة القصر» ذات الطابع البيزنطي والمزيّنة بفسيفساء رائعة.

وفي العهد البيزنطي، أمر الإمبراطور جستنيان ببناء أسوار جديدة مع قلعة. وكانت أسوار المدينة متينة إلى درجة أنّ أبولونيوس، آخر حاكم بيزنطي لقورينائية، لجأ إليها خلال الفتح العربي للمنطقة. وقد صمدت المدينة ثلاث سنوات، من 642 إلى 645 م.

الحصن البيزنطي في توخيرة/أرسينوي (المصدر)

اترك تعليقاً