شمال إفريقيا الرومانية

المدن الرومانية الثلاث في ليبيا: صبراتة، المسرح، المعابد والبحر

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في العصر الروماني، كانت المنطقة الواقعة غرب ليبيا تُعرف باسم طرابلس (Tripolitania)، نسبةً إلى مدنها الثلاث (tri polis). وكانت هذه المدن مستعمرات فينيقية سابقة خضعت لاحقًا لسيطرة قرطاج. وكانت صبراتة، الواقعة في أقصى الغرب بين هذه المدن الثلاث، قد بلغت ازدهاراً كبيراً في العصر الروماني، وتضم اليوم بعضاً من أروع الآثار الرومانية في ليبيا. وقد عاش الكاتب الروماني-الإفريقي أبوليوس في صبراتة.

منتدى صبراتة
الضريح الليبي-البونيقي للإله بَس (المصدر)

أُسِّست صبراتة في القرن السادس قبل الميلاد على يد مستوطنين فينيقيين قادمين من صور أو صيدون. وهي آخر المستعمرات الفينيقية الثلاث التي أُنشئت في المنطقة. واسمها ذو أصل ليبي قديم يعني “سوق الحبوب”.

حوالي سنة 550 ق.م، خضعت صبراتة، مثل بقية المنطقة، لسيطرة الإمبراطورية القرطاجية. ويُعد ضريح بَس الأثر البونيقي الوحيد الباقي في صبراتة.

بعد الحرب البونيقية الثانية، أصبحت المنطقة تحت حكم الملك ماسينيسا ملك نوميديا. وبينما أصبحت لبدة الكبرى وأويا (طرابلس) مدينتين حرّتين تحت السيادة الرومانية بعد ثورة يوغرطة، بقيت صبراتة نوميدية لمدة قرن آخر. وكان ميناء صبراتة يُستخدم كمنفذ تجاري للمناطق الصحراوية التابعة لمملكة نوميديا.

قطعة نقدية من صبراتة (المصدر)

ضُمّت صبراتة إلى روما بعد الحرب الأهلية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد. وكانت أولاً جزءاً من مقاطعة أفريكا نوفا، ثم من أفريكا البروقنصلية. ومع ذلك، ظلّ النفوذ البونيقي قوياً في صبراتة؛ فقد واصلت المدينة ضرب النقود بكتابات بونيقية خلال عهد الإمبراطور أغسطس.

مسرح صبراتة

في العصر الروماني، كان غرب ليبيا يُعرف أولاً باسم سيرتيكا نسبة إلى خليج سرت، ثم باسم طرابلسية نسبةً إلى مدنها الثلاث: لبدة الكبرى، أويا وصبراتة. وقد أصبحت صبراتة مستعمرة رومانية حوالي سنة 157 م، خلال حكم الإمبراطور أنطونينوس بيوس. أما طرابلسية، التي كانت في البداية جزءاً من مقاطعة أفريكا البروقنصلية، فقد أصبحت مقاطعة رومانية مستقلة في عهد الإمبراطور سبتميوس سيفيروس، المولود في لبدة الكبرى.

الحمّامات الرومانية (المصدر)

شهدت صبراتة ازدهاراً كبيراً في العصر الروماني، خاصة في عهد السلالة السيفيرية. وقد تضاعف حجمها تقريباً. وتضم المدينة آثاراً جميلة جداً من المباني الرومانية، محفوظة بشكل رائع. وأهمها المسرح، الذي بُني خلال عهد سبتميوس سيفيروس أو سلفه كومودوس. كما تحتوي المدينة على منتدى، وعدة معابد، منها معبد هرقل الذي بناه كومودوس، إضافة إلى حمّامات رومانية تطلّ على البحر. كما حُفظت عدة فسيفساء جميلة.

بازيليك أبوليوس

في القرن الثاني الميلادي، حوكم الكاتب الروماني-الإفريقي أبوليوس، مؤلف رواية الحمار الذهبي، بتهمة السحر في صبراتة. وقد سُمّيت البازيليك التي جرى فيها المحاكمة باسم بازيليك أبوليوس. وفي القرن الخامس، حُولت إلى كنيسة.

فسيفساء مسيحية في صبراتة: الطاووس رمز مسيحي للخلود (المصدر)

في العصر الروماني، أصبحت طرابلس من أكثر مناطق الإمبراطورية الرومانية انتشاراً للمسيحية. ففي سنة 255م، شارك أسقف أويا في مجمع إقليمي انعقد في قرطاجة، وتحدث باسم زملائه في لبدة الكبرى وصبراتة. وهذا يدل على وجود جماعة مسيحية في صبراتة في ذلك الوقت، لها أسقف، رغم أن اسمه غير معروف. ولا تزال عدة بقايا كنائس ظاهرة في صبراتة اليوم.

تعرضت صبراتة لأضرار كبيرة أثناء تسونامي سنة 365م. وهُجرت المدينة إلى حد كبير في العصر الوندالي. وشهدت بعض الانتعاش في الفترة البيزنطية، لكنها فقدت أهميتها كثيراً بعد الفتوحات العربية.

الفينيقيون في شمال إفريقيا

التين والرمان: فاكهتان أدخلهما الفينيقيون إلى شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

كثير من النباتات والثمار التي نراها اليوم جزءًا من المشاهد الطبيعية في شمال إفريقيا ليست في الأصل من هذه المنطقة، بل أدخلها الفينيقيون على سفنهم قبل ثلاثة آلاف سنة. وإلى جانب الزيتون والكرمة، اللّذين سبق أن تحدّثنا عنهما، نعرِض اليومَ مُساهَمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِلفينيقيّين في إنتاجِنَا الزراعي في منطقتنا: التين والرمان.

التين: فاكهة الجنة

يُعدّ التين من أقدم الأشجار المثمرة التي دجّنها الإنسان، ويُرجَّح أن موطنه الأصلي هو آسيا الوسطى. ويعود تاريخ تدجين شجرة التين إلى نحو 4500 قبل الميلاد، أي قبل تدجين الزيتون بزمن طويل. وقد بدأت زراعة التين في الشرق الأوسط، المنطقة التي ظهرت فيها لأول مرة الزراعة المستقرة في ما يُعرف بـ الهلال الخصيب.

وكان التين من أفضل الأشجار المرشّحة للتدجين، إذ يُعدّ من أسهل الأشجار المثمرة استنباتًا: فالحصول على شجرة جديدة يمكن أن يتم بزرع بذرة، أو بغرس فرع مقتطع من شجرة التين، أو حتى بقطعة من الثمرة نفسها. كما أنّ شجرة التين شديدة التحمّل للحر والبرد، ما يجعلها قادرة على النمو في بيئات مناخية متنوعة. وتنتج الشجرة حتى ثلاث غلال في السنة.

انتشرت شجرة التين في كامل حوض البحر المتوسط بفضل التجار الفينيقيين. وفي شمال إفريقيا، بدأت زراعته في قرطاج وسائر المستعمرات الفينيقية. ومع مرور القرون، تأقلم هذا الوافد الجديد بشكل ممتاز مع بيئته الجديدة، حتى أصبح اليوم من أكثر الأشجار المثمرة انتشارًا في المنطقة. وقد ورد في أحد الأحاديث أن التين فاكهة من فواكه الجنة.

الرمان: التفاحة البونيقية

زهرة شجرة الرمان

الرمان شجرة موطنها الأصلي هو إيران الحالية، وقد زُرعت هناك منذ نحو 5000 سنة. وفي الإمبراطورية الفارسية، كانت زهرة الرمان تُعد رمزًا مقدسًا، يدلّ على الوفرة والخصب والملوكية.

ومن موطنه هذا، انتقلت زراعة الرمان إلى الشرق الأوسط كلّه، وصولًا إلى فينيقيا. وكما فعلوا مع الزيتون والكرمة والتين، كان الفينيقيون هم الذين نشروا شجرة الرمان في أرجاء البحر المتوسط عبر شبكتهم التجارية وإمبراطوريتهم الاستعمارية.

وفي العصر الروماني، ارتبط الرمان بقوة بمدينة قرطاج، حتى إن الرومان كانوا يسمّونه Malum punicum أي التفاحة البونيقية. أما اسمه الفرنسي (grenade) فيرتبط بمملكة غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس. أما اسمه العربي رمان، فيعود إلى جذر سامي يدل على معنى الرفعة والعلو.

وتُعد دول شمال إفريقيا اليوم من كبار منتجي الرمان. وفي سنة 1986، أهدت تونس للصين شتلات من صنف محلي ذي بذور ليّنة، وقد لقي رواجًا كبيرًا في السوق الصينية.

وماذا عن التين الشوكي؟
هذا الصبار الغريب ذو الثمار المحبوبة جدًا في شمال إفريقيا قادم من مكان أبعد بكثير: فموطنه الأصلي صحراء المكسيك. ولم يكن معروفًا في العالم القديم قبل اكتشاف أمريكا، ثم أُدخل بعد ذلك إلى حوض البحر المتوسط وانتشر بسرعة كبيرة.

ويكثر وجوده خاصة في المناطق شبه الصحراوية من شمال إفريقيا، حتى إنه في الفترة الاستعمارية كان يُسمّى “التين البربري” (نسبة إلى بلاد الأمازيغ). أما في الدارجة، فيسمّى “كرموص النصارى”، أي تين النصارى، وهو اسم يحتفظ بشيء من أصله البعيد.
شمال إفريقيا الرومانية

والد دقلديانوس: عبد مُعتَق لسيناتور من أصلٍ شمال أفريقي؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

تذكر بعض المصادر أنّ والد الإمبراطور الروماني دقلديانوس كان عبدًا مُعتَقًا لدى سيناتور يُدعى أنولّينوس. ويُشير اسم هذا السيناتور إلى أنه من أفريقيا الرومانية.

دقلديانوس

وُلد الإمبراطور المستقبلي دقلديانوس حوالي سنة 242 في دلماتيا (في كرواتيا الحالية). وتتفق جميع المصادر التاريخية على أنه جاء من خلفية اجتماعية متواضعة. ويكتب المؤرخ الروماني أوتروبيوس أن دقلديانوس كان يُعدّ عمومًا ابنَ كاتبٍ، لكنه يضيف أن بعض المصادر تقول أيضًا إن والده كان عبدًا مُعتَقًا لسيناتور يُدعى أنولّينوس. وهذه الروايتان ليستا متعارضتين بالضرورة، فقد كان يوجد عبيد يعملون كتبةً لدى أسيادهم.

ويرى بعض المؤرخين أنّ وصف دقلديانوس بأنه «ابنُ مُعتَق» ربما كان دعاية أطلقها خصومه لتشويه سمعته. غير أن ذكر مؤرخ موثوق مثل أوتروبيوس لهذه المعلومة، مع تحديد اسم السيّد السابق، يمنح هذه الرواية قدرًا من المصداقية.

مراسم عتق والد دقلديانوس – صورة منشأة بواسطة ChatGPT

يدلّ اسم أنولّينوس على أنه ينتمي إلى عائلةٍ ذات أصول إفريقية، إذ عُثر على عدة نقوش تحمل هذا الاسم في مدن مختلفة من أفريقيا الرومانية. ويُعدّ بوبليوس كورنيليوس أنولّينوس أشهر أفراد هذه العائلة، وكان حليفًا لسبتيميوس سيفيروس، وقاد قواته في حربه ضدّ غريمه بيشينيوس نيجر. وُلد بوبليوس كورنيليوس أنولّينوس في غرناطة جنوب إسبانيا، وهي منطقة قريبة من شمال أفريقيا، وتُفسّر أصوله الإفريقية علاقته بأول إمبراطور من أصل شمال أفريقي.

كما خدم أحد أفراد هذه العائلة، وهو غايوس أنيوس أنولّينوس، بصفته حاكمًا (برقنصلاً) على أفريقيا، ثم تولى منصب والي روما، خلال عهد دقلديانوس. وقد لعب دورًا مهمًا في حملة اضطهاد المسيحيين في عهده، وأمر بإعدام عدد من الشهداء المسيحيين في أفريقيا. وربما كان هذا الشخص ابنَ السيناتور الذي قام بعتق والد دقلديانوس.

التاريخ الروماني في شمال أفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

الرجل الثالث: ليبيدوس في إفريقيا خلال حكم الثلاثي الثاني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

بعد وفاة يوليوس قيصر، شكّل ثلاثة من أقرب حلفائه ـ أوكتافيوس (الإمبراطور أغسطس لاحقًا)، ومرقس أنطونيوس، وليبيدوس ـ حكمًا ثلاثيًا لتسيير أراضي الدولة الرومانية. وكان ليبيدوس، الأقل شهرة بينهم، هو حاكم شمال إفريقيا.

السياق

كان ليوليوس قيصر عدة أطفال من نساء مختلفات، إلا أنه لم يكن لديه وريث شرعي وفقًا للقانون الروماني. وقبل وقت قصير من وفاته، دعا كليوباترا ملكة مصر إلى روما، مع ابنهما قيصرون. ولربما كان ذلك بغاية جعل قيصرون وريثه، إلا أنه لم يكن لديه وقت كاف : اغتيل في 15 مارس 44.

قطعة ذهبية تحمل صورة ليبيدوس

بعد وفاته، اتحد حليفه المخلص مارك أنطوني وابنه بالتبني أوكتافيان لمحاربة قتلته. وبمجرد انتصارهم، اندلعت تهديدات بمحاربة بعضهما البعض من أجل السلطة. ولتفادي حرب أهلية أخرى، اتفقا على تشكيل حكم ثلاثي (triumvirat، سلطة ثلاثة رجال) مع سياسي روماني آخر هو ليبيدوس، أحد حلفاء قيصر القدامى. وقرّر الرجال الثلاثة تقسيم أراضي الدولة بينهم؛ فحكم ليبيدوس إفريقيا ونوميديا بوصفه بروقنصلًا.

ليبيدوس في إفريقيا

قطعة نقدية تحمل صورة ليبيدوس

كان ليبيدوس يدرك أنّه لا يملك القوة الكافية لمنافسة أوكتافيوس وماركوس أنطونيوس، لذلك تجنّب التدخّل في الصراعات بينهما. وفي سنة 41 ق.م، كلّفه أوكتافيوس بالدفاع عن روما ضد هجوم لوسيوس أنطونيوس، شقيق ماركوس أنطونيوس. وتمكّن لوسيوس، الذي كان يقود قوة أكبر عددًا، من احتلال المدينة بسهولة، فاضطر ليبيدوس إلى الفرار والانضمام إلى معسكر أوكتافيوس.

بعد هذه الأحداث، سلّم ماركوس أنطونيوس إلى ليبيدوس ست فيالق ليرافقه إلى إفريقيا. وهناك اعتزل ليبيدوس الحياة السياسية، واكتفى بإدارة شؤون إفريقيا.

ثيبيليس، مدينة طوّرها ليبيدوس

خلال فترة بروقنصليته، شجّع ليبيدوس على توزيع الأراضي الإفريقية على قدامى الجنود الرومان لبناء شبكة من الموالين له. كما منح المواطنة الرومانية لعدد كبير من أسر النخبة المحلية. وينحدر ليتوس، الذي سيصبح لاحقًا قاتل الإمبراطور كومودوس، من أسرة إفريقية حصلت على المواطنة بفضل ليبيدوس.

وفي قرطاج، التي كانت قد أُعيد بناؤها حديثًا كمدينة رومانية، وقف ليبيدوس ضد التوسعات غير المشروعة، وحرص على عدم إقامة أي بناء فوق موقع المدينة البونية القديمة.

كذلك شجّع ليبيدوس على “رَوْمَنَة” مدينة ثيبيليس النوميدية (سلاوة عنونة، في ولاية قالمة بالجزائر حاليًا).

قطعة ذهبية تحمل صورة سكستوس بومبيوس، ضُربت في صقلية خلال تمرّده

في سنة 36 ق.م، تمرّد سكستوس بومبيوس، ابن بومبيوس، الخصم القديم لقيصر، على الحكم الثلاثي في صقلية. فأرسل ليبيدوس قوات لمحاربته. وبعد هزيمة سكستوس بومبيوس، تنازع ليبيدوس مع أوكتافيوس على السيطرة على الجزيرة. واستغلّ أوكتافيوس الموقف لإقصاء ليبيدوس عن السلطة. فعاد ليبيدوس إلى روما حيث عاش بقية حياته بعيدًا عن الأضواء.

بعد ذلك

في سبتمبر سنة 31 ق.م، تواجهت أساطيل أوكتافيوس وماركوس أنطونيوس في البحر خلال معركة أكتيوم، وانتهت المعركة بانتصار حاسم لأوكتافيوس، إذ دُمّر أسطول ماركوس أنطونيوس، وهو أضخم أسطول عرفته روما. وفرّ ماركوس أنطونيوس وعشيقته كليوباترا إلى الإسكندرية، حيث أنهيا حياتهما بالانتحار بعد وقت قصير.

وبعد أربع سنوات، في سنة 27 ق.م، أعلن أوكتافيوس قيام الإمبراطورية الرومانية، وتسلّم الحكم بصفته أول إمبراطور، واتخذ لقب “أغسطس”.

الفينيقيون في شمال إفريقيا, الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

تـاموسِيغا: المدينة القديمة للصويرة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في العصر الروماني، كان اسم مدينة الصويرة تـاموسِيغا. ورغم أنّها لم تكن ضمن الأراضي الخاضعة لروما، فإنّ تاموسِيغا كانت تربطها علاقات تجارية بإفريقيا الرومانية. وكانت الجزر الصخرية المقابلة للمدينة تضمّ مصنعًا مهمًا لإنتاج اللون الأرجواني منذ العهد الفينيقي.

الجزر الصخرية المقابلة للصويرة

الأصول

طبق فينيقي من القرن السابع ق.م، عُثر عليه في جزيرة موغادور

تضيع أصول المدينة في أعماق التاريخ. فبعد تأسيس قرطاج، أنشأ التجار الفينيقيون سلسلة من المراكز التجارية وراء أعمدة هرقل، على الساحل الأطلسي للمغرب الحالي. وآخر تلك المراكز كان على الأرجح أكادير. ويُرجّح أن موقع الصويرة، بفضل مرفئه الطبيعي الممتاز، احتضن أحد هذه المراكز. وترجع أقدم الآثار الفينيقية في هذا الموقع إلى القرن السابع قبل الميلاد.

أقام الفينيقيون علاقات مع السكّان الأصليين، وكانوا يتاجرون معهم. وعلى الجزر المقابلة للصويرة، أسسوا مصنعًا لإنتاج الصبغة الأرجوانية من الأصداف البحرية الموجودة على الساحل. وقد منحت صناعة الأرجوان لهذه الجزر اسم Iles Purpuraires (الجزر الأرجوانية).

شجرة الأرغان

إلى جانب الأرجوان، كان الفينيقيون يتاجرون أيضًا بزيت الأرغان، الذي كانت تنتجه القبائل الأمازيغية المحلية من ثمار شجرة الأرغان، وهي شجرة لا تنمو إلا في هذه المنطقة من العالم. ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان الفينيقيون قد بدأوا بالفعل في تصدير زيت الأرغان عبر كامل البحر المتوسط، واستعملوه غذاءً وموادّ تجميلية.

الطريق المحتمل لحنون الملاح

في القرن الخامس قبل الميلاد، قام المستكشف القرطاجي حنّون الملاح برحلة استكشافية على الساحل الغربي لإفريقيا، مؤسسًا مستعمرات على طول طريقه. وفي مذكّرات رحلته، تُسمّى المدينة البونية التي كانت قائمة في موقع الصويرة بـ أرامبيس (حر أنبين، “جبل العنب”). ويبدو أنّها كانت مهجورة قبل زيارة حنون. ويُعرّف بعض الباحثين جزيرة سيرني المذكورة أيضًا في رحلته بأنها جزيرة موغادور، لكنّ الأغلبية ترى أنّها تقع أبعد جنوبًا عند خليج أرجوين في موريتانيا الحالية.

من الفينيقيين إلى الأمازيغ والرومان

بعد سقوط قرطاج، ضُمَّت المراكز البونية القديمة إلى مملكة موريطنية.

رداء أرجواني روماني

أعاد ملك موريطنية يوبا الثاني إحياء صناعة الأرجوان في الجزر الصخرية. وكان الرومان يستعملون الأرجوان لصبغ توجات أعضاء مجلس الشيوخ. كما أطلق يوبا الثاني بعثة استكشافية إلى جزر الكناري انطلاقًا من الجزر الصخرية.

وفي عهد يوبا الثاني، تطوّرت مدينة على الجزر. وكان الأمازيغ يسمّونها أمغدول (“المحمية جيدًا”)، بينما أطلق عليها الرومان اسم تـاموسِيغا. وكانت المدينة محصورة في الجزر، إذ إن خليج الصويرة لم يكن مأهولًا قبل العصر الحديث.

جرّة من أصل إسباني (هسبانيا بايتيكا)، القرن الثاني الميلادي
قطع نقدية رومانية من القرن الثالث، عُثر عليها في جزيرة موغادور

كانت تاموسِيغا أكبر مدينة في موريطنية تقع خارج حدود الإمبراطورية الرومانية. ورغم ذلك، فقد احتفظت بعلاقات تجارية وثيقة مع إفريقيا الرومانية عبر مينائها. وقد كُشفت في الموقع فيلا رومانية و مقبرة، إضافة إلى جرّة وقطع نقدية، وهي محفوظة اليوم في متحف سيدي محمد بن عبد الله بالصويرة.

لاحقًا

مزار الرگراگة

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، هُجرت تاموسِيغا. وكانت المنطقة المحيطة مأهولة بالقبائل الأمازيغية، ومنها قبيلة الرگراگة التي كانت تدين بالمسيحية قبل وصول الإسلام. وتروي إحدى الروايات أنه في حياة النبي محمد، سافر سبعة رجال من الرگراگة إلى مكة حيث اعتنقوا الإسلام.

قبر سيدي مجدول في الصويرة

في القرن الحادي عشر، دُفن سيدي مجدول، وهو وليّ مسلم من قبيلة الرگراگة، في الصويرة. ويُحتمل أن يكون اسمه أصل التسمية موغادور التي أطلقها البرتغاليون. فقد كان الأمازيغ القدماء يسمّونها أيضًا أمغدول، المشتق من الفينيقية مِغدول بمعنى “الحصن الصغير”.

قصبة الصويرة التي بناها سيدي محمد بن عبد الله

في أوائل القرن السادس عشر، بنى البرتغاليون حصنًا في موغادور، لكنهم واجهوا مقاومة شرسة من الرگراگة وطُردوا في النهاية على يد السعديين. وقد أنشأ السلطان السعدي أحمد المنصور مصنعًا كبيرًا للسكر في منطقة الصويرة، وجلب للعمل فيه عبيدًا سودًا من إفريقيا جنوب الصحراء — وهم أسلاف الگناوة. أما المدينة الحديثة فقد بناها في القرن الثامن عشر السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).

ومع نهاية الحماية الفرنسية، تغيّر اسم موغادور إلى الصويرة، من العربية الصويرة (“السور الصغير”) — وهو معنى قريب من الاسم الأمازيغي والفينيقي واللاتيني القديم.

كنيس “صلاة الكحل” في الصويرة

تعود الجماعة اليهودية المؤثرة في الصويرة إلى القرن الثامن عشر، لكن من المحتمل أنّ يهودًا عاشوا في تاموسِيغا في العصر الروماني، رغم غياب الأدلة الأثرية. ويُرجّح ذلك لأن جماعات يهودية كانت موجودة في مدن موريطنية الرومانية مثل وليلي وشالة. وللسبب نفسه، فإن وجودًا مسيحيًا في تلك الفترة غير موثّق، لكنه مرجّح بدرجة كبيرة.

اليوم، تعتزّ الصويرة بإرثها الثقافي المتنوع، بجذوره الأوروبية والمغربية والإفريقية (مهرجان كناوة)، وبمكوناته الإسلامية واليهودية والمسيحية. ويُظهر التاريخ القديم أنّ هذا التنوع ليس جديدًا: فمنذ أكثر من ألفي عام، كان الأمازيغ الأصليون والتجار الفينيقيون والمغامرون الرومان يتجاورون في ميناء المدينة وشوارعها.

منظر لمدينة الصويرة اليوم
شمال إفريقيا الرومانية

ألبينوس: أول مدّعٍ إفريقي للعرش الإمبراطوري

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، كان أول شمال إفريقي يطالب بالعرش ضابطًا عسكريًا يُدعى ألبينوس، وهو من أصل مدينة حضرموت (سوسة). عيّنه الإمبراطور كومودوس حاكمًا على بريطانيا الرومانية، ثم أعلن نفسه إمبراطورًا خلال الأزمة التي أعقبت مقتل كومودوس. وبما أنه لم يكن قويًا بما يكفي لفرض سلطته على كامل الإمبراطورية، تحالف مع ضابط عسكري آخر من أصل إفريقي هو سبتيميوس سيفيروس، الذي نصّبه إمبراطورًا مساعدًا، قبل أن يقوم لاحقًا بقتله.

أصول

ألبينوس

ولد دسيموس كلوديوس ألبينوس حوالي عام 150 ميلادي في حضرموت (سوسة) بإفريقيا الرومانية، لعائلة من النبلاء الرومان. تتميّز هذه الفترة بتصاعد نفوذ الرومانيين الأفارقة داخل الإدارة الرومانية. يأتي لقبه (ألبينوس) من إصابته بالمهق.

بنى ألبينوس حياته المهنية في الجيش تحت حكم الإمبراطورين ماركوس أوريليوس وكومودوس، وأصبح حاكماً لبريطانيا الرومانية. في تلك الفترة، كان هناك عدد كبير من العسكريين من أصل إفريقي متمركزين في بريطانيا؛ من بينهم كوينتوس لوليوس أوربيكوس، حاكم بريطانيا من سنة 139 إلى 142م، وهو مولود في تيديس بنوميديا (اليوم بني حميدان بولاية قسنطينة)، وقد اشتهر ببناء سور أنطونين.

ألبينوس يطالب بالعرش

اغتيال كومودوس على يد ليتوس

تم اغتيال الإمبراطور كومودوس في ديسمبر سنة 192. كان الحاكم البريتوري كوينتوس إيميليوس ليتوس، الذي شارك في المؤامرة ضده، من أصل إفريقي، من ثينا (طينة، بالقرب من صفاقس، في تونس الحالية).

اختار الجيش السيناتور برتيناكس ليخلفه، لكنه لم يحكم سوى ثلاثة أشهر قبل أن يُغتال هو أيضًا. حينها قامت الحرس البريتوري ببيع العرش الإمبراطوري للسيناتور الغني ديديوس جوليانوس (الذي كانت تربطه أيضًا صلات بأفريقيا، من خلال والدته، التي جاءت من عائلة رومانية استقرت في حضرموت (سوسة)). وقد أثار هذا الحدث استياء الجيش الذي اعتبر بيع العرش في المزاد أمرًا مهينًا، فثار ضد ذلك.

خلال تلك السنة، طالب عدة قادة عسكريين بالعرش الإمبراطوري، من بينهم ألبينوس، الذي حظي بدعم الفيالق الرومانية في بريطانيا.

وفي الحرب الأهلية التي تلت، تحالف ألبينوس مع قائد عسكري آخر من أصل أفريقي أيضًا، وهو سيبتيموس سيفيروس. بعد استيلائه على روما، أصبح سبتيميوس سيفيروس أول إمبراطور من أصل إفريقي. وافق ألبينوس على أن يخدم كقيصر (نائب إمبراطور) تحت إمرة سيبتيموس سيفيروس، ويتولى حكم الجزء الغربي من الإمبراطورية.

وبعد هزيمة باقي المطالبين بالعرش، قرر سيبتيموس سيفيروس، وقد عزم على أن يكون الحاكم الأوحد للإمبراطورية، التخلص من ألبينوس، الذي قُتل سنة 197.

شمال إفريقيا الرومانية

الإمبراطورات ذوات الأصل الشمال-أفريقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

بعد الفتح الروماني لشمال أفريقيا، تولّى العديد من الشخصيات ذات الأصل الشمال-أفريقي، المنحدرين من أسر أمازيغية اندمجت في الثقافة الرومانية، مناصب مهمة في الإدارة الإمبراطورية. وإلى جانب الأباطرة ذوي الأصل الأفريقي الذين تحدّثنا عنهم سابقاً، كان هناك أيضاً إمبراطورات من أصول شمال-أفريقية، سنتعرّف عليهن في هذا المقال.

فولفيا بلوتيلا: زوجة قَرَقَلَّة

تمثال نصفي لفولفيا بلوتيلا

قَرَقَلَّة، ابن أوّل إمبراطور ذي أصل شمال-أفريقي سبتيميوس سيفيروس، حكم أولاً مع والده ثم منفرداً بعد وفاته.

في أبريل سنة 202، وكان عمر قَرَقَلَّة 14 عاماً، رتّب والده زواجه من فولفيا بلوتيلا. والد الإمبراطورة الجديدة، غايوس فولفيوس بلاوتيانوس، كان قائداً للحرس البريتوري. وكان ابن عمّ سفيروس وحليفه المقرّب، ومن مواليد لبدة الكبرى مثله. وكان زواج ابنته من الإمبراطور الشاب يهدف إلى تدعيم هذه التحالفات داخل الأسرة الحاكمة.

كان الزواج القسري بين قَرَقَلَّة وفولفيا بلوتيلا زواجاً فاشلاً جداً، إذ كان قَرَقَلَّة يحتقر زوجته. المؤرّخ اللاتيني كاسيوس ديو يقول إن الإمبراطورة الجديدة كانت تعيش حياة إسراف، لكن هذا على الأرجح دعاية هدفت إلى تشويه سمعتها. وتشير كتابات على بعض العملات إلى أنهما أنجبا ابنة، لكن الواقع أنّ زواجهما لم يُستهلك على الأرجح.

في سنة 205، أُعدم غايوس فولفيوس بلاوتيانوس بتهمة الخيانة. ونُفيت فولفيا بلوتيلا إلى صقلية مع أخيها. وبعد وفاة سبتيميوس سبفيروس سنة 211، أمر قَرَقَلَّة بقتلهما.

زوجة ماكرينوس

كان مكْرينوس، قائد الحرس البريتوري التابع لقَرَقَلَّة والذي حكم لفترة قصيرة بعد وفاة سيده، من أصل شمال-أفريقي ومن مواليد قيصرية (شرشال). لا نعرف إلا القليل جداً عن زوجته، التي تُسمّى نونيا كلسا في مصادر متأخرة وضعيفة الموثوقية. وإذا كان الاسم صحيحاً، فقد يشير إلى أنها أيضاً من أصل أفريقي مثل زوجها، لأن اسم نونيا كان شائعاً في نوميديا وموريطنية، وكذلك في إسبانيا.

زوجات إيل جبل

جوليا سؤامياس، والدة إيل جبل

كان إيل جبل ابن جوليا سؤامياس، وهي ابنة عمّ قَرَقَلَّة. وبعد مقتل قَرَقَلَّة، أوصلته أمّه إلى العرش بادّعاء أنه الابن غير الشرعي للإمبراطور الراحل. يشك معظم المؤرخين المعاصرين في أن قَرَقَلَّة كان والده حقاً.

كان إيل جبل من أصل سوري، فوالدته تنحدر من العائلة الملكية في إمِسا (حمص). ولكي يرمز لوحدة الإمبراطورية، شُجِّع على اتخاذ زوجة من المقاطعات الغربية. وقد وُصِفت اثنتان من زوجاته أحياناً بأنهما من أصل شمال-أفريقي، لكن الروابط الفعلية مع أفريقيا ضعيفة جداً.

جوليا كورنيليا باولا

كانت الزوجة الأولى لإيل جبل، جوليا كورنيليا باولا، من أسرة أرستقراطية رومانية قديمة. نعلم أن عائلتها كانت تمتلك أراضي في أفريقيا، وأن بعض أفرادها عاشوا هناك. لكن لا يوجد دليل على أن جوليا كورنيليا باولا نفسها كانت لها علاقة أصلية بأفريقيا.

في سنة 220، طلّق إيل جبل جوليا كورنيليا باولا ليتزوّج أكويليا سيفيرا. وقد أثار هذا الزواج فضيحة هائلة في روما، إذ إن الإمبراطورة الجديدة كانت كاهنة فستالية! وكانت الفستاليات، اللواتي يحرسن النار المقدسة للإلهة فِستا، يُقسمن على البقاء عذارى دائماً. وكانت الفستالية التي تفقد عذريتها تُدفن حيّة. ووفقاً لبعض المصادر، فإن إيل جبل قد اغتصب أكويليا سيفيرا، ثم أجبرها على الزواج به ليتفادى العقاب الذي كان ينتظره بسبب فقدانها عذريتها. وبالنسبة إلى إيل جبل، كان زواجهما يرمز إلى الاتحاد بين الإله جبل، الإله السوري للشمس الذي كان كاهنه، والإلهة الرومانية فِستا؛ وكان يأمل بذلك أن يتمكّن من إعلان عبادة الإله جبل عبادةً رسمية جديدة للإمبراطورية.

أنيا فاوستينا

بضغطٍ من محيطه، طلّق إيل جبل أكويليا سيفيرا بعد أقلّ من عام، وتزوّج أنيا فاوستينا، وهي أرملة كان زوجها الأول، بومبونيوس بَسّوس، قد أُعدم بتهمة الخيانة. وكانت أنيا فاوستينا إمبراطورة أكثر قبولاً لدى النخبة الرومانية: فهي ابنةُ حفيدةِ ماركوس أوريليوس، وتنحدر من الأسرة الإمبراطورية القديمة التي سبقت السيفيريين. وكانت أمّها تملك ضيعة واسعة في بيسيذية (في تركيا الحالية)، حيث نشأت. وكما هو الحال مع جوليا كورنيليا باولا، تُوصَف أحياناً بأنها من أصل أفريقي لأن بعض أفراد أسرتها كانوا يملكون أراضي في أفريقيا، لكن لا شيء يدلّ على وجود رابط أعمق من ذلك.

كان زواج إيل جبل من أنيا فاوستينا أقصر حتى من زواجه السابق، فبعد بضعة أشهر طلّقها ليعود إلى أكويليا سيفيرا، مدعياً أن طلاقهما الأول غير شرعي. وقُتل الإمبراطور بعد ذلك بوقت قصير.

لم يكن هيليوغابالوس قريباً من أيٍّ من زوجاته قطّ، إذ كان مثليَّ الميل، وكانت له علاقة مع سائق عربته.

كورنيليا سوبيرا: زوجة إميليانوس

عملة تحمل صورة كورنيليا سوبيرا

كان إميليانوس ضابطاً عسكرياً من مواليد جزيرة جربة، حكم لمدة ثلاثة أشهر فقط سنة 253. وكانت زوجته كورنيليا سوبيرا أيضاً من أصل أفريقي. ويبدو أنهما تزوّجا حين كان إميليانوس ما يزال يعيش في أفريقيا.

شمال إفريقيا الرومانية

كاروس، كارينوس ونومريان: هل كانت هناك سلالة إمبراطورية ذات أصل إفريقي؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في أواخر القرن الثالث الميلادي، استولى ضابط عسكري يُدعى كاروس على العرش الإمبراطوري، وأطلق حملة ناجحة ضد الإمبراطورية الفارسية. وقد شاركه في الحكم ابناه كارينوس ونومريان. بعض المصادر تذكر أنّ هذه السلالة كانت ذات أصلٍ شمال إفريقي، لكنّ المؤرخين المعاصرين ينفون هذه الفكرة. في هذا المقال، نتناول أسباب هذا الالتباس.

تمثال نصفي لكاروس

السياق

شهد القرن الثالث أكبر فترة اضطراب في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. فقد تمكن الإمبراطور أوريليان (٢٧٠–٢٧٥م) من إعادة توحيد الإمبراطورية وإرساء قدر من الاستقرار، ولكن الصراعات بين القادة العسكريين عادت بعد وفاته.

حكم كاروس

عملة ذهبية تحمل صورة كاروس

كان ماركوس أوريليوس كاروس قائد الحرس الإمبراطوري في عهد الإمبراطور بروبوس (٢٧٦–٢٨٢م). وعندما اغتيل بروبوس، اختاره الجيش خلفًا له. وتختلف المصادر بشأن دوره في عملية الاغتيال: فبعضها يتهمه بالوقوف وراءها، بينما تصفه أخرى بأنه كان مخلصًا لسلفه وقَبِل العرش انتقامًا له.

عيّن كاروس ابنيه كارينوس ونومريان قيصرين (أي مساعدَيْن للإمبراطور). وفي مطلع سنة ٢٨٣م، رقّى كارينوس إلى رتبة إمبراطور مشارك، وكلفه بإدارة الإمبراطورية في غيابه. ثم توجه كاروس إلى الشرق لشنّ حملة عسكرية على ألدّ أعداء الرومان: الفرس. وقد رافقه ابنه الثاني نومريان.

عملة تحمل صورة كارينوس

كانت حملة كاروس ناجحة؛ فقد كان الشاه بهرام الثاني ضعيفًا بسبب تمرد أخيه هرمز، فلم يتمكن من الدفاع عن أراضيه بفاعلية. استولى كاروس على المدائن طيسفون، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، وتقدم إلى ما وراء نهر دجلة. وكانت تلك أوّل حملة رومانية ناجحة ضد الفرس منذ عهد سيبتيميوس سيفيروس. ونال كاروس بعد انتصاراته لقب بيرسيكوس ماكسيموس.

لكن فتوحات الرومان توقفت فجأة بموت كاروس في يوليو ٢٨٣م. فبحسب الرواية الرسمية، أصابت صاعقة خيمته أثناء عاصفة. ويعتقد بعض جنوده أن موته كان عقابًا إلهيًا لأنه تجاوز الحدود المشروعة للإمبراطورية، بينما ظن آخرون أنه سُمّم، وربما على يد حارسه الشخصي دقلديانوس. ومع ذلك، يبقى اغتيال إمبراطور منتصر في قلب حملته أمرًا مستغربًا.

عملة تحمل صورة نومريان

لم يكن نومريان يمتلك القدرات العسكرية التي تمتع بها والده، فسحب الجيش فورًا من بلاد فارس، وفُقدت جميع الأراضي التي كسبها كاروس.

وأثناء رحلة العودة، كان نومريان مريضًا، فسافر داخل عربة مغلقة. وتولى قائد الحرس الإمبراطوري أريوس آبير قيادة القوات. وفي أحد الأيام، لاحظ بعض الجنود رائحة كريهة تنبعث من العربة. فتحوها فوجدوا نومريان ميتًا منذ أيام. اتُّهم أريوس آبير بقتله وإخفاء موته، فقتله دقلديانوس في الحال، وأعلنته الجيوش إمبراطورًا. ومن الممكن أيضًا أن يكون دقلديانوس نفسه المسؤول عن مقتل نومريان.

أما كارينوس، الذي بقي في روما لإدارة شؤون الحكم، فسار لمواجهة دقلديانوس. لكن قواته انقلبت عليه وانضمت إلى دقلديانوس قبل المعركة، فقُتل كارينوس، وتفرد دقلديانوس بالسلطة.

سلالة ذات أصل إفريقي؟

تتفق أقدم المصادر جميعها على أن كاروس وُلد في ناربو (أربونة) في جنوب بلاد الغال، وأنه نشأ في روما.

غلاف لإحدى نسخ كتاب “التاريخ الأوغسطي”

أما كتاب “التاريخ الأوغسطي”، وهو مجموعة سير إمبراطورية متأخرة تعود للقرن الرابع، فيذكر أنه كان بالأحرى من أصل إيليري (من البلقان). ويقتبس الكتاب من مؤلف مجهول يُدعى فابيوس سيريليانوس قوله إنّ “والديه لم يكونا من بانونيا، بل من قرطاج”. (مصدر)

أعاد المؤرخ في القرن السادس عشر جوزيف سكاليجر إحياء هذه الفكرة، معتمدًا على “التاريخ الأوغسطي” بوصفه مصدرًا موثوقًا، وزعم أن ذكر “ناربو” في المصادر القديمة ليس المقصود به أربونة الغالية بل نارونا في دالماسيا (كرواتيا الحالية). ولم يُدل سكاليجر برأي قاطع حول فكرة الأصل القرطاجي لوالدي كاروس. وقد تبنّى مؤرخون بعده هذا الرأي، من بينهم المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون في كتابه الشهير تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية وانحطاطها. (مصدر)

إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن “التاريخ الأوغسطي” ليس مصدرًا موثوقًا. فقد اشتهر الإيليريون بكونهم جنودًا أشداء، مما يفسر رغبة كاتب السيرة في اختلاق أصل إيليري لكاروس. كما أن أسلاف كاروس المباشرين كانوا من الإيليريين، وكذلك دقلديانوس وخلفاؤه، مما منح “التاريخ الأوغسطي” سلسلة متواصلة من الأباطرة الإيليريين.

وبالتالي، يتفق المؤرخون المعاصرون على أن كاروس وُلد في ناربو في بلاد الغال، ولم يكن من أصل إيليري ولا إفريقي.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

حنبعل الرودسي: كاسر الحصار القرطاجي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في أواخر الحرب البونيقية الأولى، حاصر الرومان مدينة ليليبايوم في جزيرة صقلية. وهناك قام ضابط قرطاجي جريء يُدعى حنبعل الرودسي بعملٍ بطولي: إذ دخل المدينة من البحر على مرأى الرومان، حاملاً المؤن للمدافعين عنها، ثم أفلت من مطاردتهم بفضل سرعة سفينته الخارقة.

كان حنبعل الرودسي ضابطًا في الجيش القرطاجي خلال الحرب البونيقية الأولى. ويُعتقد أن لقبه الرودسي جاء من مهارته في الملاحة، إذ كان سكان جزيرة رودس مشهورين ببراعتهم في البحر. كما كان حنبعل مهندسًا ماهرًا، إذ بنى بنفسه سفينته التي زوّدها بآليات خاصة جعلتها أسرع من باقي سفن الأسطول القرطاجي.

حوالي سنة 250 قبل الميلاد، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على اندلاع الحرب، كان الرومان قد فرضوا سيطرتهم على معظم جزيرة صقلية. فقرّروا محاصرة مدينة ليليبايوم (اليوم مرسى علي)، التي كانت من آخر المواقع القرطاجية في الجزيرة.

وخلال هذا الحصار، لمع نجم حنبعل الرودسي. فقد روى المؤرخ بوليبيوس أنه دخل ميناء ليليبايوم في وضح النهار، من دون أي محاولة للتخفي عن أنظار العدو، حاملاً المؤن إلى القوات القرطاجية المحاصَرة. ثم غادر الميناء وحده على متن سفينته، متفاديًا ببراعة السفن الرومانية التي حاولت اعتراضه. كانت سفينته سريعة إلى درجةٍ لم يتمكّن أحد من اللحاق بها. ويذكر بوليبيوس أنه توقف عمدًا ليسخر من الرومان ويستفزّهم قبل أن يختفي عن أنظارهم.

بعد نجاح حنبعل الرودسي، تبعه آخرون من القرطاجيين في القيام برحلات مماثلة. وبفضل هذه المهمات الجريئة، تمكّن القرطاجيون من إيصال الإمدادات إلى المدينة المحاصرة، كما حصلوا على معلوماتٍ استخباراتيةٍ عن مواقع العدو وتحركاته. حاول الرومان، المذهولون بجرأة خصومهم، سدّ مدخل الميناء دون جدوى.

سفينة حربية رومانية – Gary Rees – المصدر

وفي إحدى المرات، جنحت سفينة قرطاجية على ضفةٍ رملية، فاستولى عليها الرومان واستخدموها لمطاردة السفن الأخرى التي كانت تأتي بالمؤن. وفي النهاية، أُسِرَ حنبعل الرودسي نفسه خلال إحدى رحلاته. وقد استفاد الرومان من سفينته لبناء أسطولٍ جديدٍ على طرازها، ما مكّنهم من منع القرطاجيين من مواصلة عمليات الإمداد.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

إيناروس من أتريبس: الأمير الليبي الذي أصبح بطلاً لمصر القديمة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

كان إيناروس من أتريبس أميراً مصرياً من أصل ليبي، وقد ثار في القرن السابع قبل الميلاد ضد الاحتلال الآشوري لمصر. وقد ألهم نضاله ضد الآشوريين سلسلةً كاملة من القصص الشعبية في العصور القديمة، عُرفت باسم «دورة إيناروس».

إيناروس من أتريبس – صورة أنشأها ChatGPT
لوحة بعنخي

كان إيناروس ابن الأمير با كن رع نف من مدينة أتريبس (تلّ أتريب) في الدلتا المصرية. وكان من أصل ليبي، إذ كان والده أمير الما. ويُذكر جدّه، بيتيس، في لوحة بعنخي التي تروي قصة غزو مصر على يد ملك كوش بعنخي. وبعد انتصار بعنخي على الفرعون تف ناخت، أعلن بيتيس ولاءه له واعترف به فرعوناً لمصر. وربما شجّع خضوعه هذا سائر زعماء الدلتا على الاعتراف بسيادة الفراعنة النوبيين الجدد.

لوح عاجي مصري عُثر عليه في آشور

حوالي سنة 674 قبل الميلاد، غزا الملك الآشوري أسرحدون (من العراق الحالي) مصر. فقاومه الفرعون النوبي طهارقة، ابن بعنخي. ثم في نحو سنة 667، قام الملك الآشوري الجديد آشوربانيبال بترحيل عدد من القادة المصريين إلى نينوى، عاصمته، وكان با كن رع نف، والد إيناروس، من بينهم. وقد أُعدم هناك. ويُحتمل أن يكون إيناروس قد تولّى الحكم في أتريبس في تلك الفترة، وبدأ مقاومته للآشوريين.

ولا نعرف شيئاً آخر عن حياة إيناروس وكفاحه ضد الآشوريين، إذ إنّ ما وصلنا عنه لا يأتي إلا من الروايات الأسطورية التي ظهرت بعد وفاته. غير أنّ انتشار هذه القصص يشير إلى أنّه كان يُنظر إليه كبطل حتى في حياته. وإذا كانت حكايات دورة إيناروس خيالية إلى حد كبير، فإن بعض عناصرها – مثل أصله الليبي، وأسر والده على يد الآشوريين – تبدو قائمة على وقائع تاريخية حقيقية.

ويذكر عالم المصريات الفرنسي فريديريك پوروّودو في كتابه L’Egypte et la Vallée du Nil – Les époques tardives (مصر ووادي النيل – العصور المتأخرة) عدداً من القصص المنتمية إلى دورة إيناروس، منها: قتال إيناروس ضد الكركدن الأسطوري، ملحمة إيناروس ضد الآشوريين، حكاية بيس، وحرب من أجل الدرع، وحرب من أجل وظيفة آمون، والملك أونامون ومملكة لحيان، والمنافسة على التاج والرمح الخاصين بإيناروس.

ويذكر الجغرافي الروماني سترابون أنّ بسماتيك، ملك مدينة سايس وأحد أقرباء الأسرة الفرعونية القديمة التي أسقطها النوبيون، هزم شخصاً يُدعى إيناروس بمساعدة مرتزقة يونانيين من مدينة ميليتوس. ويُرجّح أن يكون هذا هو إيناروس من أتريبس بعد نهاية حربه ضد الآشوريين. وكان نكاو، والد بسماتيك، قد دعم الآشوريين أثناء غزوهم لمصر. وبعد سنوات قليلة، تغلّب بسماتيك على الفراعنة النوبيين ووحّد مصر تحت سلطته، فأصبح فرعوناً مؤسساً سلالة جديدة.

وغالباً ما يُخلط بين إيناروس من أتريبس هذا وبين إيناروس آخر من سايس عاش بعده بنحو قرنين، وكان هو أيضاً أميراً مصرياً من أصل ليبي، قاد ثورة ضد الفرس أثناء احتلالهم لمصر. وقد اختلطت الأساطير الخاصة بهما حتى صار من الصعب التمييز بينهما، ولهذا يُطلق المؤرخون على الأول اسم إيناروس الأوّل، وعلى الثاني اسم إيناروس الثاني.