شمال إفريقيا الرومانية

كاروس، كارينوس ونومريان: هل كانت هناك سلالة إمبراطورية ذات أصل إفريقي؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة خديجة الصويري

في أواخر القرن الثالث الميلادي، استولى ضابط عسكري يُدعى كاروس على العرش الإمبراطوري، وأطلق حملة ناجحة ضد الإمبراطورية الفارسية. وقد شاركه في الحكم ابناه كارينوس ونومريان. بعض المصادر تذكر أنّ هذه السلالة كانت ذات أصلٍ شمال إفريقي، لكنّ المؤرخين المعاصرين ينفون هذه الفكرة. في هذا المقال، نتناول أسباب هذا الالتباس.

تمثال نصفي لكاروس

السياق

شهد القرن الثالث أكبر فترة اضطراب في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. فقد تمكن الإمبراطور أوريليان (٢٧٠–٢٧٥م) من إعادة توحيد الإمبراطورية وإرساء قدر من الاستقرار، ولكن الصراعات بين القادة العسكريين عادت بعد وفاته.

حكم كاروس

عملة ذهبية تحمل صورة كاروس

كان ماركوس أوريليوس كاروس قائد الحرس الإمبراطوري في عهد الإمبراطور بروبوس (٢٧٦–٢٨٢م). وعندما اغتيل بروبوس، اختاره الجيش خلفًا له. وتختلف المصادر بشأن دوره في عملية الاغتيال: فبعضها يتهمه بالوقوف وراءها، بينما تصفه أخرى بأنه كان مخلصًا لسلفه وقَبِل العرش انتقامًا له.

عيّن كاروس ابنيه كارينوس ونومريان قيصرين (أي مساعدَيْن للإمبراطور). وفي مطلع سنة ٢٨٣م، رقّى كارينوس إلى رتبة إمبراطور مشارك، وكلفه بإدارة الإمبراطورية في غيابه. ثم توجه كاروس إلى الشرق لشنّ حملة عسكرية على ألدّ أعداء الرومان: الفرس. وقد رافقه ابنه الثاني نومريان.

عملة تحمل صورة كارينوس

كانت حملة كاروس ناجحة؛ فقد كان الشاه بهرام الثاني ضعيفًا بسبب تمرد أخيه هرمز، فلم يتمكن من الدفاع عن أراضيه بفاعلية. استولى كاروس على المدائن طيسفون، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، وتقدم إلى ما وراء نهر دجلة. وكانت تلك أوّل حملة رومانية ناجحة ضد الفرس منذ عهد سيبتيميوس سيفيروس. ونال كاروس بعد انتصاراته لقب بيرسيكوس ماكسيموس.

لكن فتوحات الرومان توقفت فجأة بموت كاروس في يوليو ٢٨٣م. فبحسب الرواية الرسمية، أصابت صاعقة خيمته أثناء عاصفة. ويعتقد بعض جنوده أن موته كان عقابًا إلهيًا لأنه تجاوز الحدود المشروعة للإمبراطورية، بينما ظن آخرون أنه سُمّم، وربما على يد حارسه الشخصي دقلديانوس. ومع ذلك، يبقى اغتيال إمبراطور منتصر في قلب حملته أمرًا مستغربًا.

عملة تحمل صورة نومريان

لم يكن نومريان يمتلك القدرات العسكرية التي تمتع بها والده، فسحب الجيش فورًا من بلاد فارس، وفُقدت جميع الأراضي التي كسبها كاروس.

وأثناء رحلة العودة، كان نومريان مريضًا، فسافر داخل عربة مغلقة. وتولى قائد الحرس الإمبراطوري أريوس آبير قيادة القوات. وفي أحد الأيام، لاحظ بعض الجنود رائحة كريهة تنبعث من العربة. فتحوها فوجدوا نومريان ميتًا منذ أيام. اتُّهم أريوس آبير بقتله وإخفاء موته، فقتله دقلديانوس في الحال، وأعلنته الجيوش إمبراطورًا. ومن الممكن أيضًا أن يكون دقلديانوس نفسه المسؤول عن مقتل نومريان.

أما كارينوس، الذي بقي في روما لإدارة شؤون الحكم، فسار لمواجهة دقلديانوس. لكن قواته انقلبت عليه وانضمت إلى دقلديانوس قبل المعركة، فقُتل كارينوس، وتفرد دقلديانوس بالسلطة.

سلالة ذات أصل إفريقي؟

تتفق أقدم المصادر جميعها على أن كاروس وُلد في ناربو (أربونة) في جنوب بلاد الغال، وأنه نشأ في روما.

غلاف لإحدى نسخ كتاب “التاريخ الأوغسطي”

أما كتاب “التاريخ الأوغسطي”، وهو مجموعة سير إمبراطورية متأخرة تعود للقرن الرابع، فيذكر أنه كان بالأحرى من أصل إيليري (من البلقان). ويقتبس الكتاب من مؤلف مجهول يُدعى فابيوس سيريليانوس قوله إنّ “والديه لم يكونا من بانونيا، بل من قرطاج”. (مصدر)

أعاد المؤرخ في القرن السادس عشر جوزيف سكاليجر إحياء هذه الفكرة، معتمدًا على “التاريخ الأوغسطي” بوصفه مصدرًا موثوقًا، وزعم أن ذكر “ناربو” في المصادر القديمة ليس المقصود به أربونة الغالية بل نارونا في دالماسيا (كرواتيا الحالية). ولم يُدل سكاليجر برأي قاطع حول فكرة الأصل القرطاجي لوالدي كاروس. وقد تبنّى مؤرخون بعده هذا الرأي، من بينهم المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون في كتابه الشهير تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية وانحطاطها. (مصدر)

إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن “التاريخ الأوغسطي” ليس مصدرًا موثوقًا. فقد اشتهر الإيليريون بكونهم جنودًا أشداء، مما يفسر رغبة كاتب السيرة في اختلاق أصل إيليري لكاروس. كما أن أسلاف كاروس المباشرين كانوا من الإيليريين، وكذلك دقلديانوس وخلفاؤه، مما منح “التاريخ الأوغسطي” سلسلة متواصلة من الأباطرة الإيليريين.

وبالتالي، يتفق المؤرخون المعاصرون على أن كاروس وُلد في ناربو في بلاد الغال، ولم يكن من أصل إيليري ولا إفريقي.

اترك رد