شمال إفريقيا الرومانية

شمال إفريقيا في الأسطورة الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

تستمد الأسطورة الرومانية الكثير من عناصرها من الأسطورة اليونانية. كان للرومان علاقات أوثق بشمال إفريقيا مقارنة باليونانيين، وقد ابتكروا أساطيرهم الخاصة في هذه المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بقرطاج، وكذلك بالسكان الأصليين الأمازيغ. بالإضافة إلى الإنيادة لفيرجيل، تشمل المصادر الأخرى للأساطير المذكورة في هذا المقال التحولات، البطلات والأعياد لأوفيد، بالإضافة إلى أساطير هيجين.

الإلهة “إفريقيا”: تجسيد للقارة

كان الرومان يربطون المناطق الجديدة التي يغزونها بآلهة معينة. كانت الإلهة “إفريقيا”، إلهة الخصوبة والوفرة، تُصوَّر كامرأة، يُعتقد أنها أمازيغية، وترتدي غطاء رأس على شكل فيل. وقد خصصنا لها مقالًا مفصلا.

عليسة، ملكة قرطاج

عليسة

عليسة (وتُعرف أيضًا باسم أليسّا) هي المؤسِّسة الأسطورية وأول ملكة لقرطاج. كانت شقيقة الملك بيغماليون الصوري وزوجة أكرباس (أو زكربعل، الذي يُدعى سِكيه في الإنيادة)، الكاهن الأعظم في المدينة. بعد أن قتل شقيقها زوجها، هربت عليسة مع حلفائها من فينيقيا واستقروا في شمال إفريقيا، حيث أسسوا مدينة قرطاج. ولقد كتبنا مقالًا تفصيليًا عن أسطورة عليسة.

تظهر عليسة بشكل متكرر في الأسطورة الرومانية. وفقًا لـ الإنيادة، وقعت عليسة في حبّ إينياس عند مروره بقرطاج، وتزوجا سرًا، مما خالف العهد الذي قطعته عليسة لزوجها الراحل بألّا تتزوج مجددًا. ثم تركها أينيس ورحل إلى إيطاليا ليؤسس روما. غلب اليأس ديدو فانتحرت، وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، لعنت أينيس ونسله إلى الأبد. ويُقال إن هذا الحب الخائب ولعنته كانا السبب وراء الحروب البونيقية. ولقد كتبنا كذلك مقالًا مفصلا عن العلاقة بين إينياس وعليسة.

يارباس، ملك الجيتول

يارباس، الذي يمكن أن يكون مستوحًى من ملك نوميدي تاريخي، وهو ابن الإله جوبيتر-آمون (اندماج بين الإله الأعلى لكل من الرومان من جهة والفينيقيين/القرطاجيين من جهة أخرى) وحورية من قبيلة الغرمنت، والذي أصبح ملكًا للجيتول. وفقًا لـ الإنيادة، طلب يد عليسة للزواج قبل وصول إينياس إلى قرطاج، وكان زواجهما سيمثل اتحادًا بين سكان شمال إفريقيا الأصليين والوافدين الفينيقيين. لكن عليسة رفضت طلبه التزامًا بوعدها لزوجها الراحل بعدم الزواج مجددًا.

عندما علم يارباس بحب عليسة لإينياس، غضب وهدد بمهاجمة قرطاج. وعندما هجرها إينياس، أعربت عليسة عن خشيتها من أن يقوم يارباس بإجبارها على الزواج منه بالقوة. ووفقًا لأوفيد، فقد غزا يارباس قرطاج بعد انتحار عليسة.

آنا بيرينا، شقيقة عليسة

آنا بيرينا

آنا هي شقيقة عليسة التي فرت معها من صور. بعد وفاة عليسة المأساوية، لجأت إلى جزيرة مالطا، حيث وعدها ملكها بحمايتها. لكنها اضطرت للفرار مجددًا بعد ثلاث سنوات، عندما هدد بيغماليون، شقيقها، بشن حرب على مالطا للقبض عليها. واستقبلها أينيس بعد غرقها في إيطاليا، لكي تظهر لها عليسة في الحلم لتحثها على عدم البقاء معه. وفي النهاية، جرفها نهر وتحولت إلى إلهة. بالنسبة للرومان، كانت آنا بيرينا (التي يُشتق اسمها من per annum، أي “على مدار السنة”) تجسيدًا لدورة السنة، والوقت الذي يمر دون توقف.

ديوميديس وملك ليبيا

ديوميد، ملك أرغوس في اليونان، هو أحد أبطال حرب طروادة. عندما عاد إلى موطنه بعد انتهاء الحرب، اكتشف أن زوجته اتخذت عشيقًا في غيابه، فاضطر إلى الفرار من مدينته تجنبًا للقتل. استقر في جنوب إيطاليا، حيث أسس عدة مستعمرات يونانية (ماجنا غراسيا). في الإنيادة، عندما طلب منه أعداء أينيس مساعدتهم في محاربته، رفض، معتبرًا أن الزمن قد تغيّر وأنه لم يعد يرغب في أن يكون عدوًا للطرواديين.

في طريقه إلى إيطاليا، تحطمت سفينته على سواحل ليبيا، حيث كان يحكم ليكوس، ابن الإله مارس (إله الحرب). كان لليكوس عادة التضحية بكل الغرباء الذين تحطمت سفنهم على شواطئه، ولكن ابنته كاليّرو وقعت في حب ديوميديس وخانت والدها بإنقاذه. إلا أن ديوميديس غادر دون أن يشكرها حتى، مما دفعها للانتحار حزنًا.

يهود في شمال افريقيا

اليهود في إفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

قبل العصر الروماني، كان عدد السكان اليهود في شمال إفريقيا صغيرًا نسبيًا، باستثناء المراكز اليهودية الكبرى مثل الإسكندرية، وقورينا، وجربة. لكن هذا العدد تضاعف بعد تدمير معبد القدس، عندما فرّ العديد من اليهود من فلسطين ليستقروا في أماكن أخرى.

السياق

كانت يهودا، التي كانت سابقًا مملكة عميلة لروما تحت حكم هيرودس الكبير وأبنائه، قد أصبحت مقاطعة رومانية في عام 6 ميلادية. تمتع اليهود ببعض الامتيازات، لا سيما إعفاؤهم من المشاركة في عبادة الإمبراطور، حيث كانوا ملزمين بدلاً من ذلك بتقديم قربان سنوي في معبد القدس مصحوبًا بصلاة من أجل الإمبراطور.

بعد تدمير معبد القدس، استولى الرومان على الشمعدان السباعي (المينوراه) وعلى الأدوات المقدسة للديانة اليهودية – قوس تيتوس، روما

في عام 66 ميلادية، ثار اليهود ضد الاحتلال الروماني. وفي عام 70، حاصر الجيش الروماني القدس، وبعد أربعة أشهر، تم تدمير المدينة ومعبدها.

اندلعت ثورة يهودية أخرى، وهي ثورة بار كوخبا، بين عامي 132 و136. وبعد هذه الثورة، تم نفي آخر السكان اليهود من فلسطين.

اليهود في إفريقيا الرومانية

خريطة المجموعات اليهودية الرئيسية في شمال إفريقيا الرومانية

كانت معظم الجاليات اليهودية التي نشأت في شمال إفريقيا خلال العصر الروماني تتكون من لاجئين تم نفيهم من أرض أجدادهم. وقد كانوا معادين للرومان، الذين دمروا معبدهم وطردوهم من وطنهم. وكان الأمازيغ الذين عاشوا بينهم متضامنين معهم بشدة، حيث كانوا هم أيضاً يعانون من الاحتلال الروماني.

واجه اليهود في شمال إفريقيا منافسة من المسيحية الناشئة. وقد كتب مؤلفون مسيحيون مثل ترتليان القرطاجي، وقبريانوس القرطاجي، وأوغسطينوس الهيبوني كتبًا جدلية ضد العقيدة اليهودية.

في إفريقيا البروقنصلية

كانت الجالية اليهودية في قرطاج، الحاضرة الكبرى في شمال إفريقيا، هي الأكثر عددا في إفريقيا الرومانية. وغاليا ما قد يكون يهود قرطاج هم من أسسوا المجتمعات اليهودية الأخرى في إفريقيا البروقنصلية.

كما سُجّل أيضًا وجود اليهود في مدن أخرى من المقاطعة، مثل أوتيك، وحضرموت (سوسة)، وأويا (طرابلس)، ولبدة الكبرى.

وأخيرًا، تشير خريطة رومانية قديمة إلى وجود منطقة إمبراطورية تسمى Locus Iudaeorum Augusti (مكان اليهود التابعين لأغسطس) في أقصى شرق المقاطعة، بالقرب من سرت. ولا نعرف ما الذي أدى بهؤلاء اليهود، الذين كانوا على الأرجح عبيدًا للإمبراطور، للعيش هناك. (مصدر)

في نوميديا

لم يكن في نوميديا، خلافًا لموريتانيا، أي وجود يهودي معروف قبل العصر الروماني، ربما بسبب عدم وجود ميناء رئيسي بين قرطاج وطنجيس. ومع ذلك، يشير المؤرخ الفرنسي ريتشارد أيون، الذي تعود أصوله إلى يهود الجزائر، في كتابه اليهود في الجزائر: 2000 عام من التاريخ، إلى وجود يهودي “لا جدال فيه” في سيرتا (قسنطينة)، وهيبون (عنابة)، إجيلجلي (جيجل)، إيول (شرشال)، إيكوسيوم (الجزائر)، المدية، وجنوغو (غوراية)، قبل الغزو الروماني. وهذا أمر محتمل، لكنه يفتقر إلى دليل أثري.

يُثبت وجود جالية يهودية في سيرتا منذ القرن الأول الميلادي من خلال شواهد القبور (المكتوبة باللاتينية). ومن المحتمل أن هذه الجالية كانت موجودة بالفعل قبل تدمير القدس، لكنها توسعت بعد ذلك.

كما يُذكر وجود جالية يهودية في هيبون (عنابة) من قبل المسيحي أوغسطينوس، أسقف هيبون.

في موريتانيا القيصرية

تزوج الملك يوبا الثاني من غلافيرا، أرملة فيليب، ابن الملك هيرودس الكبير. وعلى الرغم من أن غلافيرا لم تكن يهودية، فمن المحتمل أن زواجها قد جلب بعض التأثير اليهودي إلى البلاط.

تُوثَّق الجالية اليهودية في قيصرية (شرشال) منذ القرن الثاني الميلادي. كما بُني كنيس سطيفيس (سطيف) في القرن الثالث، وكان هناك كنيس آخر في أوزية (سور الغزلان) في نفس الفترة. أما كنيس تيبازة، فقد بُني في القرن الرابع.

إلى الجنوب، وُجدت جالية يهودية في منطقة توات، في الصحراء الجزائرية، على الأقل منذ القرن الخامس.

في موريتانيا الطنجية

كان هناك وجود يهودي في موريتانيا قبل العصر الروماني، في وليلي، وفي جبال الريف والأطلس.

وتزايد هذا الوجود خلال الفترة الرومانية، لا سيما في طنجيس، عاصمة المقاطعة الجديدة، ووليلي. وقد بُني كنيس وليلي في القرن الثالث. كما يُوثَّق وجود جالية يهودية في سلا (الرباط).

شمال إفريقيا الرومانية

هل كان سبارتاكوس ذا أصول نوميدية؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كان سبارتاكوس مصارعًا تحول إلى قائد لثورة كبرى للعبيد هددت روما. وبينما يوصف عادة بأنه من منطقة تراقيا، يقول البعض إنه كان ذا أصول نوميدية. في هذا المقال، سنتعرف على أصل هذه الفكرة ونشرح لماذا تعتبر على أنها غير مرجحة.

وفاة سبارتاكوس

من هو سبارتاكوس؟

وُلد سبارتاكوس حوالي عام 103 قبل الميلاد. في شبابه، أُسر على يد الفيالق الرومانية وبِيع إلى مدرسة للمصارعين في قبوة، إيطاليا، حيث تم تدريبه كمصارع. في عام 73 قبل الميلاد، نجح في الهروب مع مصارعين آخرين. وخلال السنوات التالية (73-71 قبل الميلاد)، أصبح قائدًا لثورة من العبيد السابقين.

تُعرف ثورة سبارتاكوس بشكل أساسي من خلال فيلم المخرج ستانلي كوبريك “سبارتاكوس”. يتصرف هذا الفيلم الشهير ببعض الحرية مع الواقع التاريخي: فعلى الرغم من صحة أنه بعد الهزيمة الأخيرة، تم صلب 6,000 عبد متمرد على طول طريق أبيان من روما إلى كابوا، إلا أن سبارتاكوس لم يكن من بينهم؛ فقد قُتل في معركتهم الأخيرة. كما أن سبارتاكوس لم يقاتل لتحرير جميع العبيد أو لإلغاء العبودية، بل فقط من أجل مستقبل أفضل له ولزملائه المتمردين.

في العصر الحديث، أصبح سبارتاكوس رمزًا شيوعيًا أيضا، حيث يُنظر إليه كعبد قاتل لكسر قيوده. وصفه كارل ماركس بأنه “أعظم شخصية في التاريخ القديم”. وقد سُمّيت ألعاب “سبارتاكياد” الرياضية الدولية، التي نُظمت في الاتحاد السوفيتي من 1928 إلى 1937، تكريمًا له. كما تحمل العديد من الأندية الرياضية في روسيا وأوكرانيا وغيرها اسم سبارتاك.

سبارتاكوس: نوميدي؟

تمثال لسبارتاكوس يكسر قيوده

بالنسبة لمؤرخي العالم القديم، مسألة الخلفية العرقية لسبارتاكوس واضحة: فقد كان تراقياً (من بلغاريا الحالية). ومع ذلك، فإن بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمقالات الصحفية تزعم أن سبارتاكوس كان نوميديًا. فهل هذه نظرية موثوقة أم مجرد إعادة تأويل تاريخية خاطئة؟

معظم أولئك الذين يزعمون أن سبارتاكوس كان نوميديًا لا يكلفون أنفسهم عناء ذكر مصادرهم. وبعد اكتشاف هذه الفكرة على فيسبوك، استغرقني الأمر ساعات من البحث لأجد أخيرًا منشورًا يذكر مصدر الفكرة. ويبدو أن المؤرخ اليوناني بلوطرخس هو الذي أشار إلى أصول سبارتاكوس النوميدية.

يعد بلوطرخس، إلى جانب مؤرخ يوناني آخر هو أبيان الإسكندري، أحد أكثر المصادر القديمة شمولاً عن حياة سبارتاكوس. كتابه حيوات موازية هي سلسلة من السير الذاتية القصيرة لأشخاص مشهورين من العصور القديمة. يذكر بلوطرخس سبارتاكوس في سيرته الذاتية عن كراسوس، الجنرال الروماني الذي قاتله.

عد التحقق، تبين أن الترجمة الفرنسية لكتاب حيوات موازية من قبل أليكسيس بييرون، المنشورة عام 1853 والمتوفرة مجانًا عبر الإنترنت، تشير بالفعل إلى أن سبارتاكوس كان “Thrace de nation et de race numide” (ثراسيًا جنسية ونوميديًا أصلا). أما ترجمة أخرى أقدم بقليل لدومينيك ريكار (1829) فتذكر أنه كان “Thrace de nation, mais de race numide” (ثراسيًا جنسية، ولكن نوميديًا أصلا) هذا الوصف لا يبدو منطقيًا إلا إذا افترضنا أنه أو عائلته كانوا نوميديين هاجروا إلى تراقيا.

لكن هل هذا كافٍ لحسم المسألة؟ ليس تمامًا، لأن ترجمات بلوطرخس إلى لغات أخرى لا تذكر كلمة “نوميدي” (numide). وفقًا للترجمة الإنجليزية لجون درايدن (1683)، التي نقحها أ.هـ. كلوف (1859)،  وُصف سبارتاكوس بأنه “a Thracian of one of the nomad tribes” (ثراسي من إحدى القبائل البدوية (بدوية = nomades)) وقد كانت عدة قبائل ثراسية بدوية.

نوميديا القديمة

نظرًا لهذه الاختلافات، كان من الضروري الرجوع إلى النص اليوناني الأصلي. تصف أقدم مخطوطات حيوات الموازية سبارتاكوس بأنه “ἀνὴρ Θρᾷξ τοῦ vομαδικοῦ γένους” (aner thrax tou nomadikou genous)، وتعني حرفيًا: “رجل ثراسي من العرق البدوي”. في وقت لاحق، في عام 1955، اقترح الفقيه اللغوي الألماني كونراد تسيجلر أن كلمة “nomadikou” قد تكون تحريفًا لـ “Maidikou”، وهي قبيلة ثراسية معروفة. هذا التصحيح مقبول على نطاق واسع اليوم، وتُغير الطبعات اليونانية الأحدث النص إلى “ἀνὴρ Θρᾷξ τοῦ Μαιδικοῦ γένους” (aner thrax tou Maidikou genous). الترجمات الفرنسية التي تصف سبارتاكوس بأنه نوميدي نُشرت قبل هذا التعديل. (المصدر)

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لنا؟ إذا كان كونراد تسيجلر على حق، فإن سبارتاكوس كان “ثراسيًا من عرق المايدي” أو “ثراسيًا من قبيلة المايدي“. وبالتالي، فإن الترجمة التي تصفه بأنه نوميدي تصبح مستحيلة، لأنها اعتمدت على مخطوطة محرفة. وحتى لو كان تسيجلر مخطئًا وكانت “nomadikou” جزءًا من النص الأصلي، فإن الترجمة الأكثر منطقية ستكون: “ثراسي من قبيلة بدوية“. كلمة “نوميدي” لا تتناسب مع النص الأصلي!

أخطأ المترجمون الفرنسيون بين “nomade” (بدوي) و “numide” (نوميدي) بسبب التشابه بين الكلمتين. كما تأثروا على الأرجح بروح عصرهم: كلتا الترجمتين اللتين تحتويان على “نوميدي” تعودان إلى فترة ما قبل بداية استعمار فرنسا للجزائر وما بعدها بقليل، عندما كانت فرنسا ترى أن الأمازيغ “الأصليين”، المنحدرين من النوميديين القدماء، يمثلون “البدو” بامتياز.

بعيدًا عن المسألة اللغوية، فكرة أن سبارتاكوس كان نوميديًا يعيش في تراقيا لا تبدو منطقية: ماذا كان يفعل نوميدي في تراقيا في ذلك الوقت؟ المنطقتان كانتا بعيدتين عن بعضهما ولم تكن بينهما روابط تجارية.

حجج إضافية

مصارع تراقي

يحتج في بعض الأحيان بإن سبارتاكوس لم يكن من أصول ثراسية، بل كان “مصارعًا ثراسيًا”. المصارعون الثراسيون كانوا نوعًا من المصارعين يرتدون دروعًا مستوحاة من الجنود الثراسيين الذين هزمتهم روما. هذا احتمال، لكنه غير مرجح، حيث يتفق جميع المؤرخين القدماء الذين ذكروا سبارتاكوس على أنه كان ثراسيًا عرقا. كما أن اسمه يشير إلى ذلك: فهو اسم ثراسي، وقد كان هناك عدة ملوك من تراقيا يُدعون سبارتاكوس.

يزعم منشور على صفحة الفيسبوك”Histoires Berbères”  أن سبارتاكوس كان نوميديًا، وأنه “ذهب إلى صقلية على أمل الوصول إلى نوميديا بمساعدة العبيد الصقليين“. بينما كان صحيحا أن سبارتاكوس ذهب إلى صقلية، إلا أن دوافعه كانت مختلفة: كان في صقلية عدد كبير من العبيد، وخاصة في مناجمها، وقد شهدت ثورات عبيد سابقة. كان سبارتاكوس يأمل في كسب العبيد الصقليين إلى قضيته، لكنه لم يكن ينوي الذهاب لاحقًا إلى نوميديا.

عبد نوميدي آخر؟

أوينوماوس، الذي أدى دوره بيتر مينساه

في مسلسل Spartacus، أوينوماوس، أحد قادة تمرد سبارتاكوس، كان نوميديًا. لكن أوينوماوس التاريخي كان في الواقع غاليًا.

شارك أكثر من 100,000 عبد في تمرد سبارتاكوس، لذلك من المحتمل جدًا أن يكون هناك نوميديون وآخرون من شمال إفريقيا بينهم. ومع ذلك، لم يُذكر أي من قادة التمرد المعروفين بالاسم على أنهم نوميديون أو من شمال إفريقيا.

خلاصة

كما رأينا، لم يكن سبارتاكوس نوميديًا، والادعاء بذلك يستند إلى خطأ في الترجمة. هناك ما يكفي من الأبطال في نوميديا القديمة وشمال إفريقيا دون الحاجة إلى اختلاق أخرين جدد.

شمال إفريقيا الرومانية

إسطرابون: جغرافي روماني يصف شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

كان إسطرابون فيلسوفا ومؤرخا وجغرافيا مؤثرا خلال العصور الرومانية القديمة، وكان أول من ألف جغرافية عالمية. وسنكتشف في هذا المقال وصفه لشمال إفريقيا.

إسطرابون

ولد إسطرابون حوالي العام 64 قبل الميلاد، بأماسية (الواقعة في شمال-شرق تركيا الحالية)، من عائلة منحدرة من نبلاء مملكة البنطس، ولكنها مرومنة. وخلال شبابه، وكالكثير من شبان الأسر الميسورة في ذلك العهد، استهل الترحال. وفضلا عن آسيا الصغرى التي ينحدر منها، جاب إيطاليا واليونان والأقاليم الشرقية للإمبراطورية الرومانية ومصر، التي رحل منها عبر النيل إلى إثيوبيا.

كان إسطرابون معروفا خاصة كمؤلف كتاب “الجغرافيا”، وهو عبارة عن “جغرافيا عالمية” شاملة تضم سبعة عشر جزءا، مستوحاة من رحلاته، وتعطي لمحة عن كل مناطق العالم المعروف آنذاك، بالإضافة إلى عادات شعوبها، واستلهم في إعداد هذا المؤلف من أعمال مؤلفين يونان أمثال بوسيدونيوس وبوليبيوس وإراتوستينس، والذي لم يتردد على الرغم من ذلك في انتقاد خلاصاتهم وتتميمها بملاحظاته الخاصة. ويهدف مؤلفه خاصة إلى الثناء على قدوم الإمبراطورية الرومانية وتأثيرها “الحضاري” على جل العالم كما كان يعرفه. ويعتبر إسطرابون أعظم جغرافي خلال العصور القديمة.

العالم حسب إسطرابون

بعد كتابين تقديميين يعرضان نظرية العلوم الجغرافية، تصف كل من الكتب التي تليها جهة من جهات العالم. فالثالث منها إلى العاشر مخصصة للقارة الأوروبية، في حين أن الحادي عشر إلى السادس عشر خصصت لآسيا، والسابع عشر عني بإفريقيا. ويحتوي هذا الأخير على ثلاثة فصول: الأول حول مصر، والثاني حول إثيوبيا، والثالث حول “ليبيا”، أي كل شمال القارة امتدادا من مصر. وسوف نولي اهتمامنا هنا لهذا الفصل الأخير.

كانت القارة الإفريقية بالنسبة لإسطرابون على شاكلة مثلث يقطن الناس في قاعدته فقط، أي في الساحل المتوسطي، بالإضافة إلى إثيوبيا، لكون داخله يعرف حرا شديدا لا يمكن العيش فيه. وحتى المناطق القابلة للاستقرار بالقارة كانت جلها صحراوية، وبالخصوص في مارماريكا وتلك الموجودة حول سرت.

ويبتدأ إسطرابون بموريطنية، وخاصة نواحي أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق)، بالإضافة إلى مدينة ليكسوس (العرائش)، ثم طنجيس (طنجة)، و”قبور الإخوة السبعة” (Septem Fratres باللاتينية) – وهي التلال السبعة المتواجدة حول شبه جزيرة سبتة– وأخيرا جبل أبيلا (جبل موسى). ويصف موريطنية على أنها منطقة جد خصبة، ومأهولة بالعديد من الحيوانات البرية خاصة منها القرود، وبها كروم عملاقة.

بين أعمدة هرقل وقرطاج، لم يذكر إسطرابون سوى موقعا واحدا جديرا بالاهتمام: “إيول”، والتي تم تغيير اسمه مؤخرا إلى قيصرية (شرشال). في المقابل، يصف جزر البحر الأبيض المتوسط، مثل كورسيكا وسردينيا وصقلية ومالطا ولنبذوشة. ويذكر كذلك بإسهاب قرطاج ونواحيها.

بعد قرطاج، يعطي وصفا تفصيليا لتخوم سرت الصغرى والكبرى، بالإضافة إلى لائحة المدن التي تقع فيها. وفي النهاية، اختتم الفصل حول قورينائية ومارماريكا.  

استمر إسطرابون في العمل على مؤلفه حتى وفاته عن عمر يناهز التسعين. وتبين الإشارة إلى الوفاة الحديثة للملك يوبا الثاني النوميدي، في سنة 23 بعد الميلاد (“مات يوبا بدوره تاركا ابنه بطليموس خليفةً ووريثا”) إلى أنه توفي بدوره بعيد موت يوبا الثاني بقليل.

يمكن الإطلاع على فصل إسطرابون عن ليبيا على الإنترنت هنا.

الفرس في شمال أفريقيا

فتح الفرس لمصر

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

مصر، أقدم وأعرق أمة في العالم القديم، غزتها العديد من الأمم الأجنبية عبر تاريخها الذي يمتد لآلاف السنين: الهكسوس، الليبيون، النوبيون… هؤلاء الغزاة الأجانب تم استيعابهم بسرعة عامةً في الأمة المصرية. في القرن السادس قبل الميلاد، سيطرت الإمبراطورية الفارسية القوية على كل الشرق الأوسط إلى حدود الهند وطمحت إلى غزو مملكة الفراعنة أيضًا.

الغزو الفارسي

 ختم زفينجورودسكي: الإمبراطور الفارسي يضرب فرعون مصر برمحه وهو يمسك أربعة أسرى مصريين

بحسب رواية المؤرخ اليوناني هيرودوت، بدأ الصراع بين فارس ومصر بعد أن طلب الإمبراطور الفارسي قورش الكبير من الفرعون أحمس الثاني إرسال طبيب عيون مصري إلى بلاطه. لإرضاء هذا الطلب، أجبر أحمس أحد أطبائه على النفي إلى فارس، تاركًا أسرته وراءه. للانتقام، استغل طبيب العيون قربه من قمبيز الثاني، ابن وخليفة قورش، لإثارة الفتنة بينه وبين الفرعون.

أقنع طبيب العيون قمبيز أولاً بأن يطلب يد ابنة الفرعون للزواج لتعزيز الروابط مع مصر. ولكن أحمس، الذي لم يكن يرغب في أن تصبح ابنته محظية للإمبراطور الفارسي، ولم يكن يجرؤ أيضًا على تحدي جاره القوي علنًا، قرر أن يرسل بدلاً منها ابنة أبريس، سلفه الذي قتله. عندما اكتشف قمبيز الحقيقة، شعر بالغضب من الخداع، فغزا مصر. توفي أحمس قبل أن يواجه الجيش الفارسي، لكن ابنه بسماتيك الثالث هُزم بسهولة على يد قمبيز.

الساترافية الأولى (525-404 ق.م)

حدث فتح الفرس لمصر في عام 525 قبل الميلاد. حكم قمبيز وخلفاؤه مصر بلقب فراعنة، وشكلوا الأسرة الفرعونية السابعة والعشرين. وبما أنهم لم يكونوا دائمًا في مصر، فقد كانوا يُمثلون بحاكم يُعرف بالساتراب. على الرغم من جهودهم لاحترام الثقافة والتقاليد المصرية، إلا أن الفرس كانوا غير محبوبين في مصر. وبالأخص، أثارت قرار قمبيز بوقف تمويل المعابد من الضرائب غضب الكهنة المصريين.

بعد غزوه لمصر، أرسل قمبيز جيشًا مكونًا من 50 ألف جندي للسيطرة على واحة سيوة. لم يصل هذا الجيش إلى الواحة أبداً؛ فقد فُقد بالكامل في الصحراء دون أن يترك أي أثر.

بعد وفاة قمبيز في عام 522، اندلع تمرد. أطاح بيتوباستيس الثالث، وهو وريث الأسرة الفرعونية القديمة، بالساتراب اريانديس وأعلن نفسه فرعونًا. تدخل الإمبراطور الجديد دارا وقمع التمرد وأعاد اريانديس في عام 521.

 تمثال مصري للإمبراطور دارا الأول

خلال حكمه، استورد داريوس حرفيين وعمال مصريين إلى فارس لبناء قصوره. كما قام ببناء قناة تربط النيل بالبحر الأحمر.

في عام 515، استغل الفرس الصراعات الداخلية في قورينائي للسيطرة عليها.

في عام 497، عُزل الساتراب اريانديس الذي حكم مصر منذ بداية الفتح الفارسي وأُعدم بأمر من دارا، على ما يبدو لأنه حاول الحصول على استقلال مصر تحت حكمه.

اندلع تمرد مصري آخر بعد وفاة دارا في عام 486. قام الإمبراطور الجديد خشايارشا بقمعه وعين أخاه أخمينيس كحاكم. اشتهر خشایارشا بمحاولته الفاشلة لغزو اليونان.

خلال حكم الإمبراطور أرتحششتا الأول (465-424)، تمكن الزعيم الليبي إيناروس، وهو سليل الفراعنة القدامى، من السيطرة على جزء من مصر بدعم من اليونانيين من الحلف الديلي. لكنه هُزم وقُتل في عام 454.

خلال هذه الفترة، كانت مصر تشهد تمردات متكررة ضد الفرس. انتهت هذه السلسلة من التمردات بالإطاحة بالحكم الفارسي في عام 404، عندما أطاح أميرتايوس، وهو سليل الفراعنة القدامى، بالإمبراطور دارا الثاني. حاول ابنه أرتحششتا الثاني استعادة السيطرة على مصر دون نجاح.

استعادة السيادة (404-343 ق.م)

أعلن أميرتايوس نفسه فرعونًا وأعاد تأسيس مملكة أسلافه. كانت الأسر الفرعونية الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون والثلاثون مصرية.

الساترافية الثانية (343-332 ق.م)

الإمبراطور ارتخشاشا الثالث بزي الفراعنة

لم يتخلَّ الفرس عن طموحهم في استعادة مصر.

جعل الإمبراطور أردشير الثالث (359-338) من هذا الفتح أولويته الأولى. بعد فشل أول في عام 351، عاد في عام 343 بعد سنوات من التحضيرات الدقيقة، على رأس جيش يتألف من أسطول ضخم وعدد كبير من المرتزقة اليونانيين. هذه المرة، خضعت مصر.

أعلن أردشير نفسه فرعونًا، وأصبحت الأسرة الفرعونية الحادية والثلاثون فارسية.

في عام 332، استولى الإسكندر الأكبر على مصر. أسس فيها مدينة جديدة، الإسكندرية، التي طمح إلى جعلها عاصمة إمبراطوريته. بعد عامين، هزم الإسكندر آخر ملوك الفرس، داريوس الثالث(336-330).

اليونانيون في شمال أفريقيا

عظماء قورينة: كاليماخوس، شاعر البساطة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

خلال العهد الهلنستي، أنجبت قورينة، أول مستعمرة يونانية بليبيا، علماء وشعراء بارزين ساهموا في الإشعاع الثقافي للعالم اليوناني بذلك العهد. سنكتشف. في هذا المقال، سنستكشف شخصية كاليماخوس، شاعر منحدر من قورينة ازدهر في بلاط البطالمة بمصر.

ازداد كاليماخوس حوالي سنة 310 قبل الميلاد بعائلة مؤثرة منحدرة من سلالة باتوس الحاكمة. وكان جده، الذي كان يسمى كذلك كاليماخوس، جينرالا بقورينة.

خلال شبابه، درس بالإسكندرية، عاصمة مصر البطالمة والمدينة الأكثر تأثيرا بالعالم اليوناني آنذاك. وبعد اشتغاله كمعلم، سينتقل للعمل تحت رعاية الملك بطليموس الثاني، الذي كان يريد النهوض بالفنون والثقافة بمملكته. واشتغل كذلك بمكتبة الإسكندرية التي سيصبح لاحقا أمينا لها. وتوفي حوالي سنة 240. وسيصبح إراتوستينس، المنحدر كذلك من قورينة، خليفته على رأس مكتبة الإسكندرية.

كتب كاليماخوس أكثر من 800 مؤلفا، شعرا ونثرا، معظمها فقد. وكان أشهر مؤلفاته الإيتيا، وهي قصيدة في أربعة كتب، تستكشف أصول مختلف العادات الإنسانية. ويفضل شعره المواضيع البسيطة واليومية وحتى الغامضة على القضايا الكبيرة، والنصوص القصيرة والمنقحة على الاعمال الأكثر استفاضة. ولهذا السبب رفض كتابة الملحمات، وهو النوع الأدبي الأكثر شعبية في عهده. تشكل مقاربته للشعر قطيعة جوهرية مع الشعراء اليونان الأقدم.

في إطار وظيفته كأمين لمكتبة الإسكندرية، كتب “البيناكس”، وهو مؤلف بيبليوغرافي يحتوي على ملخص قصير لكل المخطوطات المتواجدة بالمكتبة. وتعد “البيناكس” أول دليل أدبي في التاريخ.

اليونانيون في شمال أفريقيا

عظماء قورينة: إراتوستينس، مؤسس الجغرافيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

خلال العهد الهلنستي، أنجبت قورينة، أول مستعمرة يونانية بليبيا، علماء وشعراء بارزين ساهموا في الإشعاع الثقافي للعالم اليوناني بذلك العهد. سنكتشف. في هذا المقال، سنستكشف شخصية إيراتوستينس، عالم رياضيات اشتهر بكونه أول من حسب محيط الأرض.

ازداد إراتوستينس كذلك بقورينة سنة 276. استكمل دراسته في أثينا، بعد أن ابتدأها في مدرسة محلية، وأصبح بها تلميذا للفيلسوف زينون، مؤسس الرواقية. درس كذلك بالأكاديمية الأفلاطونية. بعد ذلك، استقر بالإسكندرية، التي اكتشف بها الشعر تحت إشراف قوريني أخر، كاليماخوس. وقد خلف كاليماخوس كأمين لمكتبة الإسكندرية.

اهتم إراتوستينس بالرياضيات والعلوم الطبيعية أكثر من الشعر. وهو معروف على وجه الخصوص بحسابه لمحيط الأرض بدقة مدهشة: فقد كانت النتيجة التي توصل إليها جد قريبة لمعرفتنا الحالية لمحيط الأرض.

انطلاقا من ذلك، اعتمد إراتوستينس على معارفه حول حجم الأرض وشكلها لوصفها بتفصيل أكثر، بل وحتى تصوريها. وتحتوي جغرافيته، المستندة بشكل كبير على روايات الرحلات التي وجدها في مكتبة الإسكندرية، على أقدم خريطة معروفة للعالم. وقسم العالم إلى خمس مناطق مناخية: القطبين ومنطقتين معتدلتين والمنطقة الاستوائية الدافئة ومعها خط الاستواء. ويعتبر مؤسس الجغرافيا الحديثة.

خلال شيخوخته، أصبح إراتوستينس أعما، مما منعه من متابعة أعماله. وأصيب على إثر ذلك باكتئاب أدى به إلى إجاعة نفسه حتى الموت. توفي في سنة 194.