يهود في شمال افريقيا

معبد أونياس: معبد يهودي في مصر

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

في عهد البطالمة، بنى أونياس، وهو كاهن يهودي لاجئ إلى مصر، معبدًا في مدينة ليونتوبوليس المصرية. ورغم أنّه لم يستطع منافسة معبد أورشليم، فقد كان هذا المعبد يحظى بشعبية واسعة بين يهود مصر، إذ أتاح لهم عبادة الله دون الاضطرار إلى القيام بالرحلة الطويلة والمكلفة إلى فلسطين.

تصوّر تخيّلي لمعبد أونياس – صورة من إنشاء ChatGPT

السياق

تدمير أورشليم على يد نبوخذ نصر
(المصدر)

في سنة 586 قبل الميلاد، هُزمت مملكة يهوذا على يد الملك البابلي نبوخذ نصر. دمّر البابليون أورشليم، بما في ذلك المعبد الذي بناه الملك سليمان بن داود. ونُفي اليهود وتشتتوا في أنحاء الإمبراطورية البابلية. وقد اعتبر الأنبياء اليهود هذا النفي حكمًا إلهيًا بسبب عصيان الشعب لشريعة الله.

Modèle du Second Temple de Jérusalem, reconstruit après le retour d’exil

بعد سبعين عامًا، سمح إمبراطور فارس كورش الكبير، المنتصر على البابليين، لليهود الذين تشتتوا في إمبراطوريته الشاسعة بالعودة للعيش في أرض أجدادهم. أسس اليهود العائدون من المنفى موطنًا قوميًّا يهوديًّا جديدًا في فلسطين، تحت سلطة الإمبراطورية الفارسية. وقد أُعيد بناء مدينة القدس، مع هيكلها. ومع ذلك، لم يعد جميع اليهود من المنفى؛ إذ بقيت جماعات يهودية مهمة في عدة مدن ومناطق من الشرق الأوسط.

إمبراطورية البطالمة التي كانت تتضمن فلسطين

بعد قرنين، سقطت الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر. وبعد موته، تقاسمت إمبراطوريته الضخمة بين قادته. فخضعت فلسطين أولًا لحكم البطالمة في مصر، ثم للسلوقيين في سوريا. وقد سعى اليهود إلى الحفاظ على هويتهم ودينهم في مواجهة ضغوط الحكّام الجدد، وهم يونانيون ووثنيون.

وفي الفترة نفسها، استقر عدد كبير من اليهود في الإسكندرية، عاصمة البطالمة، وفي مختلف أنحاء مصر وصولًا إلى قورينة. وكانت الجالية اليهودية في الإسكندرية من أكبر الجاليات في العالم القديم، وقد ترجمت نصوصها المقدسة إلى اليونانية.

الكاهن الأكبر أونياس والسلوقيون

الإمبراطورية السلوقية، وفيها فلسطين

في سنة 198 قبل الميلاد، غزا السلوقيون فلسطين. وكان البطالمة يتّبعون سياسة متسامحة نسبيًا تجاه اليهود، بينما حاول السلوقيون إرغامهم على التخلي عن دينهم والاندماج في الحضارة اليونانية.

في سنة 175 ق.م، عُزل أونياس الثالث من منصب الكاهن الأكبر. وتفيد المصادر اليهودية أنّه أُجبر على التخلي عن منصبه بسبب معارضته لسياسة التهلين التي فرضها السلوقيون على يهوذا. أما خلفاؤه، فقد بدأوا بإدخال عادات يونانية تخالف تعاليم التوراة.

أنطيوخوس الرابع أبيفانيس، الإمبراطور السلوقي الذي دنّس معبد أورشليم

بعد ثلاث سنوات، استولى الكاهن الأكبر الجديد مينلاوس على آنية من معبد أورشليم ليهديها إلى بعض وجهاء السلوقيين. فاحتج أونياس واتّهم منلاوس بسرقة كنوز المعبد. وفرّ أونياس إلى مدينة دفنه السورية (حربيات في تركيا الحالية)، قرب أنطاكية عاصمة السلوقيين، حيث قُتل على يد مينلاوس بدعم من أحد الولاة السلوقيين.

إنّ لجوء أونياس إلى دفنه، المشهورة بمعبدها الكبير لأبولو أرتميس، يلقي بظلال من الشك على الصورة التي تقدّمها المصادر اليهودية عنه باعتباره كاهنًا تقيًا كان يسعى لحماية شعبه من الانحراف عن عبادة الله. والأرجح أنّه عُزل لأنه كان مواليًا للبطالمة أكثر من اللازم.

التمرد المكابي

أثارت الإصلاحات المتهلِّنة التي فرضها مينلاوس معارضة شديدة في يهوذا. وفي سنة 167 ق.م، دنّس الإمبراطور السلوقي أنطيوخوس الرابع أبيفانيس معبد أورشليم بإقامة مذبح لزيوس داخله، وتقديم خنزير قربانًا عليه. وقد أدّى تدنيس المعبد واضطهاد اليهود إلى اندلاع ثورة كبرى في فلسطين: التمرد المكابي (167–160 ق.م).

معبد أونياس في ليونتوبوليس

أونياس الرابع، الكاهن الأكبر في مصر – صورة من إنشاء ChatGPT

هرب ابن الكاهن الأكبر أونياس، الذي كان يُدعى أيضًا أونياس، إلى مصر بعد وفاة والده. واستقر في بلاط البطالمة، حيث أقام علاقات جيدة معهم. وبفضله، ازدادت مكانة الجالية اليهودية في مصر ونفوذها.

بعد التمرد المكابي، كان أونياس يأمل أن يستدعوه يهود فلسطين ليعود إلى منصب الكاهن الأكبر. لكن قادة الثورة أعلنوا أنفسهم كهنة كبار ثم ملوكًا، مؤسسين السلالة الحشمونية.

حوالي سنة 145 ق.م، قرر أونياس بناء معبد يهودي في مصر. وقد حصل على إذن الملك بطليموس السادس فيلوميتور لبناء المعبد في ليونتوبوليس (تل اليهودية حاليًا، على بعد نحو 20 كلم شمال القاهرة). أراد أونياس منح يهود مصر مركزًا دينيًا مستقلًا عن أورشليم، وربما طمح إلى جعل معبده المعبد الشرعي لليهود بعد تدنيس معبد أورشليم. غير أنّ معظم اليهود — ومنهم يوسيفوس فلافيوس — اعتبروا خطوته خيانة.

نموذج لمعبد أونياس – المصدر

بُني معبد أونياس على أنقاض معبد مصري قديم مكرّس للإلهة باستت. وكان المعبد يشبه نموذج معبد أورشليم، لكن بحجم أصغر وببعض الاختلافات. ويصفه فلافيوس يوسيفوس بأنه كان يشبه حصنًا. وقد خدم أونياس وعائلته فيه ككهنة.

أرض أونياس في مصر

لم يحظَ معبد أونياس بالأهمية الدينية نفسها التي حظي بها معبد أورشليم، لكنه كان يتمتع بشعبية بين يهود مصر الذين كانوا يقدمون فيه الذبائح. ومع مرور الزمن، أصبحت المنطقة التي استقر فيها كثير من اليهود حول المعبد تُعرف باسم «أرض أونياس».

سمح بناء المعبد لـ أونياس بتعزيز مكانته بين يهود مصر، واستمر هو ونسله في لعب دور سياسي مهم داخل الإمبراطورية البطلمية. وخلال الحرب الأهلية بين بطليموس الثامن فيسكون وكليوباترا الثالثة، خدم ابنا أونياس، حلقيا وأنانيا، كضباط في جيش كليوباترا.

كتب المؤرّخ اليهودي جايسون القوريني تاريخًا لتمرد المكابي، وقد بدا متعاطفًا بشدة مع أونياس ووالده، ما يدل على انتشار تأثير أونياس في أجزاء واسعة من الشتات اليهودي.

للمزيد من المعلومات

Tell el-Yahudiya – Egyptian Monuments

Tell el-Yahudiya – Landious Travels

يهود في شمال افريقيا, الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

تفاسكا: الاسم الأمازيغي لعيد الأضحى، وأصله من الفصح

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي

عيد الأضحى، الذي يخلّد ذكرى تضحية إبراهيم، “أب المؤمنين”، هو أهم الأعياد الدينية الإسلامية، حيث تقوم العائلات بذبح الأضاحي من الغنم. في اللغة الأمازيغية، يُعرف هذا العيد باسم “تفاسكا”، وهو اسم مستمد مباشرة من عيد آخر كان الأمازيغ يعرفونه قبل الإسلام بزمن طويل: عيد الفصح. وفي غرب إفريقيا، تحوّل الاسم إلى “تابسكي”.

تضحية إبراهيم

تروي الكتب المقدس أن الله أمر إبراهيم أن يقدّم ابنه قرباناً. فأطاع إبراهيم وانطلق مع ابنه لينفّذ أمر الله. ولكن في اللحظة الأخيرة، وقبل أن يذبح ابنه، أرسل الله ملاكاً أوقفه وأخبره أن طاعته واستعداده للتضحية بأعزّ ما يملك كافية لتُظهر أن قلبه مخلص لله. بعد ذلك، قدّم إبراهيم كبشاً عوضاً عن ابنه.

وتُعتبر قصة تضحية إبراهيم، المذكورة في التوراة والقرآن، حدثاً أساسياً في التاريخ الديني للديانات التوحيدية الثلاث. ويُقدَّم إبراهيم كنموذج للإيمان والطاعة. ولهذا السبب، يذبح المسلمون حول العالم خروفًا في عيد الأضحى، في اليوم العاشر من شهر ذو الحجة.

تضحية عيد الفصح

في اللغة الأمازيغية، لغة السكان الأصليين لشمال إفريقيا، يُعرف العيد باسم “تفاسكا” (ⵜⴰⴼⴰⵙⴽⴰ). قبل دخول الإسلام إلى المنطقة، كان الأمازيغ يعرفون جماعة دينية أخرى عاشت بينهم، وكانوا هم أيضاً يؤمنون بإله واحد ويحتفلون بعيد ديني يُذبح فيه خروف: اليهود. ومن المرجّح أن اسم “تفاسكا” مشتقّ من “عيد الفصح”، وهو عيد يهودي ومسيحي في آن واحد.

يد مريم، الخمسة اليهودية في شمال إفريقيا – بحسب التقاليد، قام بنو إسرائيل برسم يدٍ باستخدام آثار دماء على أبواب بيوتهم

عيد الفصح اليهودي، المعروف بالعبرية بـ “بيساح” (פֶּסַח) أي “المرور”، يخلّد ذكرى خروج بني إسرائيل من عبودية فرعون في مصر، بقيادة النبي موسى. في الليلة التي سبقت الخروج، أمر الله موسى أن يأمر قومه بذبح حمل ورش دمه على أبواب بيوتهم. في تلك الليلة، مرّ ملاك الموت على بيوت المصريين وقتل الأبكار، لكنه “مر” بيوت بني إسرائيل التي وُضع على أبوابها دم الحمل، ولم يدخلها.

رأى الأمازيغ في شمال إفريقيا جيرانهم اليهود يذبحون كل عام خروفاً في هذه المناسبة، فرأوا تشابهاً بين هذه العادة القديمة وما جاء به المسلمون لاحقاً. والجدير بالذكر أن تحوّل حرف الـ”P” إلى “F” شائع في الكلمات الأمازيغية المأخوذة من اللاتينية (مثلاً: pullus “دجاجة” أصبحت afullus بالأمازيغية).

في الإنجيل، يُدعى المسيح حمل الله، الذي يرفع خطايا العالم

عند دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، كان أغلب السكان يهوداً أو مسيحيين. وكان المسيحيون الأمازيغ يرون في تضحية إبراهيم، كما في عيد الفصح اليهودي، رموزاً تشير إلى تضحية أخرى: صلب المسيح، الذي مات ليفتدي البشرية من الخطيئة. أما عيد الفصح المسيحي، فهو عيد قيامة المسيح أكثر مما هو عيد موته. ولهذا السبب، لا يقوم المسيحيون بذبح القرابين، لأنهم يعتبرون أن موت المسيح الفدائي هو القربان الكامل، الذي تمّ مرة واحدة وللأبد. ومع ذلك، كان المسيحيون في شمال إفريقيا لا يزالون على دراية بعادات ذبح الأضاحي، حتى وإن لم يعودوا يطبّقونها.

تفاسكا في التاريخ

ترسخ اسم “تفاسكا” (أو “فاسكا”) منذ وقت مبكر بين قبائل الأمازيغ الذين كانت لغتهم قريبة من اللهجات الأمازيغية المعروفة اليوم. ويبدو أن بعض الأشخاص حملوا هذا الاسم، مثل “فاسكات و مزال نتي”، وهو الاسم الأصلي لأبو حفص عمر الهنتاتي، زعيم قبيلة هنتاتة القوية في جبال الأطلس الكبير. وقد منحه ابن تومرت، الزعيم الروحي للموحدين، اسم أبو حفص تيمناً بأحد صحابة النبي محمد، مكافأة له على وفائه. وقد أسّس أحفاده دولة بني حفص في إفريقية (تونس اليوم).

ومع دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا، تحوّل اسم “تفاسكا” إلى “تابسكي”، أولاً في اللغة الولوفية، لغة إحدى أولى الشعوب التي اعتنقت الإسلام في المنطقة، ثم انتشر الاسم في جميع أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء.

ويُعزى تبنّي المسلمين في جنوب الصحراء للاسم الأمازيغي للعيد، بدلاً من اسمه العربي، إلى وجود قبائل صنهاجية (ⵉⵥⵏⴰⴳⵏ) كانت تمتد حتى نهر السنغال. وكان لهذه القبائل دور كبير في التجارة، خاصة تجارة الذهب، مما منحها نفوذاً واسعاً في مدن القوافل جنوب الصحراء. ومن المحتمل أن يكون اسم نهر السنغال – بل واسم الدولة الحديثة السنغال – مأخوذاً من اسم هذه القبائل، الذي نقله الأوروبيون كـ”زناغة“.

في وقت لاحق، غزت الدولة المرابطية، التي تنتمي أيضاً إلى قبائل صنهاجة الأمازيغية، مدينة أودغست في مملكة غانا سنة 1054، ووسّعت نفوذها حتى نهر السنغال. وتوفي الأمير المرابطي أبو بكر بن عمر في منطقة تكانت (في موريتانيا حالياً)، وترك زوجته التكرورية حاملاً بابنهما “نجاجان نجاي”، الذي تقول الأسطورة إنه أصبح مؤسس إمبراطورية الجولوف في السنغال. ويُظهر هذا الرابط التاريخي كيف ساهمت السلالات الأمازيغية في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، وكيف تشابكت مصائر الأمازيغ والممالك الإسلامية جنوب الصحراء.

عيد مبارك سعيد لجميع قرّائنا!!!

يهود في شمال افريقيا, الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

زوجة الملك سليمان: أميرة ليبية؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

يُعتبر الملك سليمان العظيم أحكم رجل في العالم القديم، ويُقال إنه تزوّج من ابنة فرعون، ملك مصر. وتتزامنت فترة حكم سليمان مع بدايات حكم الفراعنة المنحدرين من أصل أمازيغي ليبي. فمن كانت هذه الأميرة المصرية التي تزوّجها سليمان؟ وهل من الممكن أن تكون ذات أصل أمازيغي؟

سليمان وزوجته، ابنة فرعون (صُنع بواسطة ChatGTP)

كان سليمان ثالث ملوك مملكة إسرائيل، ويمثّل عهده ذروة مجد الأمة العبرانية. خلف والده داود، الذي قاد فتوحات واسعة، فحكم سليمان مملكة تمتد على ضفتي نهر الأردن. وهو معروف بشكل خاص ببنائه هيكل أورشليم، الذي كان مركز عبادة الله الواحد في العصور القديمة. ويُعد سليمان ووالده داود نبيَّين في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

يروي النص المقدس قصة زواج سليمان بابنة فرعون كما يلي: «وصاهَر سليمان فرعونَ ملكَ مصر، وأخذ بنت فرعون وأتى بها إلى مدينة داود، إلى أن انتهى من بناء بيته وبيت الرب وسور أورشليم.» (الكتاب المقدس، سفر الملوك الأول 3:1) وبحسب التقليد اليهودي، فقد اعتنقت هذه الأميرة الديانة اليهودية.

تمثال أبو الهول للفرعون سِي آمون

لكن من هو الفرعون الذي تزوّج سليمان ابنته؟ النص لا يذكر اسمه. ويقدّر المؤرخون أن سليمان حكم لمدة أربعين سنة، من سنة 970 إلى 931 قبل الميلاد. وهناك ثلاثة فراعنة حكموا في نفس الفترة: سِي آمون (نيتِرخِپِرْ رع) (986–967 ق.م)، بسوسنس الأول (967–943 ق.م)، وشيشنق الأول (943–922 ق.م). وطبعًا، فهذه التواريخ تقريبية نظرًا لبعد الفترة الزمنية. ويعتقد معظم الباحثين أن سليمان تزوّج ابنة سِي آمون، لكن بسوسنس يبقى احتمالًا ممكنًا أيضًا. أما شيشنق، فالأرجح أنه لم يكن والد الأميرة، إذ بدأ حكمه في أواخر عهد سليمان.

وقد كان عدد من الفراعنة في تلك الحقبة من أصل أمازيغي ليبي. أوسركون الأكبر (992–986 ق.م)، سلف سِي آمون، كان أول فرعون من أصل ليبي. أما سِي آمون وبسوسنس، فليس هناك دليل على أصلهما الليبي. غير أن كاريمالا، ابنة أوسركون الأكبر، وُصفت في إحدى النقوش بأنها «بنت ملك» و«زوجة ملك»، مما يُشير إلى أنها ربما كانت زوجة سِي آمون أو بسوسنس، وبالتالي قد تكون ابنتها (زوجة سليمان المفترضة) نصف ليبية. أما شيشنق الأول، ابن أخت أوسركون، فقد أسّس الأسرة الثانية والعشرين ذات الأصل الليبي.

قبر بنت فرعون في القدس

وبالتالي، حتى إن كنا لا نعرف على وجه اليقين هوية والد زوجة سليمان، فمن الممكن أنها كانت ذات أصل ليبي.

بعد وفاة سليمان، انقسمت مملكته. فقام الفرعون شيشنق الأول بغزو مملكة رَحُبعام ابن سليمان، ونهب كنوز الهيكل والقصور. ويُذكر شيشنق في الكتاب المقدس تحت اسم شيشاق، وهي أول إشارة مكتوبة يُعتقد أنها تعود إلى الأمازيغ. ولهذا السبب، اعتمدت السنة التقريبية لاعتلائه العرش كـ«السنة صفر» في التقويم الأمازيغي الحديث.

يهود في شمال افريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

حرب كيتوس : انتفاضة يهودية في قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

ثارت الجالية اليهودية في قورينة ضد الحكم الروماني من ١١٥ إلى ١١٧. وامتد التمرد إلى جميع أنحاء قورينائية ثم مصر وقبرص وصولًا إلى فلسطين. وكان لوسيوس كوييتوس، وهو قائد روماني من أصول موريسكية، مسؤولاً عن قمع المتمردين.

السياق

منذ أن دمر الرومان القدس عام 70 ميلاديًا، لم يعد لليهود عاصمة وطنية. كان معظم اليهود لا يزالون يعيشون في فلسطين، بينما انتشر الآخرون في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وخارجها. كانت الجاليات اليهودية في الإسكندرية وقورينة من بين الأكثر عددًا ونفوذًا في الإمبراطورية، ويعود تاريخها إلى العصر البطلمي.

في ذلك الوقت، ثار اليهود بانتظام على الاحتلال الروماني لوطنهم. قاد يهود الشتات في الغالب انتفاضة 115ـ117 بمشاركة ضئيلة من يهود فلسطين. في التاريخ اليهودي، تُعرف هذه الانتفاضة بـ”ثورة الشتات” (מרד הגלויות).

تُعرف هذه الانتفاضة اليوم باسم “حرب كيتوس”، وهو تحريف لاسم لوسيوس كوييتوس، الجنرال الروماني (الموريسكي الأصل) الذي قمعها.

الانتفاضة

خريطة حرب كيتوس (المصدر)

في عام ١١٥، قاد الإمبراطور الروماني تراجان حملة عسكرية ضد الإمبراطورية الفرسية. وفي هذه الحملة، جمع معظم القوات المتمركزة في الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية، ولم يترك سوى بضعة جنود في كل مدينة… وهو ما كان بيئة مثالية لانتفاضة.

ثار يهود قورينة بقيادة رجل يدعى لوكواس، فقتلوا الفيالق الرومانية التي بقيت في المدينة. ودمروا العديد من المعابد بالإضافة إلى المباني المدنية التي كانت رموزا للاحتلال الروماني، كالبازيليكا والحمامات العامة. وأعلن لوكواس نفسه “ملكا على اليهود”.

بعد استيلاء المتمردين على قورينائية بأكملها، غادروا إلى الإسكندرية. تخلى الحاكم الروماني عن المدينة قبل وصولهم. دخل المتمردون المدينة ودمروا المعابد وقبر بومبيوس.

خلال هذه الفترة، غزا الإمبراطور تراجان العديد من المدن شرقا والتي كانت تابعة سابقا للإمبراطورية الفرسية، مثل الرها (شانلي أورفا)، ونصيبين، وسلوقية، وأربيل. كانت كل مدينة من هذه المدن تضم جالية يهودية قوية. شجعتهم ثورة قورينة، فثاروا في هذه المدن فور مغادرة الإمبراطور، وذبحوا ما تبقى من الحاميات الرومانية.

في عام ١١٧، ثار اليهود في قبرص بقيادة أرتيميون، فقتلوا القوات الرومانية المتمركزة في الجزيرة، بالإضافة إلى المدنيين اليونانيين.

قمع الانتفاضة

لوسيوس كوييتوس وفرسانه، على عمود تراجان، روما

ولإخماد الثورة، استدعى تراجان أحد أبرز جنرالاته: لوسيوس كوييتوس، ابن زعيم قبلي موريسكي ساعد الرومان في الاستيلاء على موريتانيا.

قاد لوسيوس كوييتوس حملة ناجحة لاستعادة المدن الشرقية التي انضمت إلى التمرد. في الوقت نفسه، استعاد جنرال روماني آخر، مارسيوس توربو، السيطرة على مصر وقبرص وقورينائية.

فرّ لوكواس، زعيم المتمردين، إلى فلسطين، وطارده مارسيوس توربو. فر آخر المتمردين إلى مدينة اللد. وحاصر لوسيوس كويتوس، الذي عُيّن حاكمًا على مقاطعة يهودا الرومانية،مدينة اللد. وسقطت المدينة وقُتل المتمردون.

عواقب

تسبب التمرد في مقتل أكثر من 200 ألف شخص في قورينائية. نهب المتمردون مدينة قورينة، ودمروا جميع مبانيها تقريبًا. واستغرقت إعادة إعمار المدينة عدة عقود.

يهود في شمال افريقيا

اليهود الأمازيغ: قبائل اعتنقت اليهودية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة سليمان العبدلاوي

يذهبُ المؤرخ المسلم ابن خلدون الذي عاش في فترة العصور الوسطى إلى اعتبار أنّ عدداً من القبائل الأمازيغية اعتنقت اليهودية في عهد الرومان، وأنّ هذه القبائل الأمازيغية التي تهودت كانت لا تزال موجودة في شمال أفريقيا وقت الفتوحات العربية. ماذا نفهم من هذا؟ وهل هناك أي دليل على اعتناقهم اليهودية؟

ابن خلدون

ليس هناك أي دليل أثري على اعتناق القبائل الأمازيغية للديانة اليهودية. وعلى الرغم من أن هذا ليس مفاجئاً نظراً لأن تاريخ قبائل الأطلس والصحراء غير موثق بشكل جيد نسبيًا، إلا أننا نعي بأن اليهود عاشوا بين هذه القبائل.

متى اعتنق الأمازيغ اليهودية؟ بعد تعرض شمال أفريقيا للغزو البيزنطي مرة ثانية في القرن السادس، فرض البيزنطيون قيودًا على اليهود في قرطاج والمدن الأخرى الخاضعة لسيطرتهم. وفرّ على إثره العديد من اليهود المضطهدين من هذه المدن للعيش بين القبائل الأمازيغية في الجبال والصحراء. وإذا كان قد تم كسب أي من هذه القبائل عن طريق التبشير، فمن المحتمل أن يكون ذلك في هذا الوقت. ويشير بعض المتخصصين إلى أن هذا التحول قد بدأ قبل ذلك بأربعة قرون، في الصحراء الليبية، مع يهود القيروان الفارين من قمع ثورة كيتوس. وتشير شخصية ”النبي“ الأمازيغي موشيه بن شلاح (الذي ذكره ابن خلدون باسم موسى بن صلاح) إلى تأثير يهودي أقدم من ذلك.

هناك جدل حول ديانة ديهيا (الكاهنة) الشهيرة، ملكة الأوراس التي قادت المقاومة ضد الفاتحين العرب. فوفقًا لبعض المصادر (خاصة ابن خلدون)، تنحدر الكاهنة من قبيلة أمازيغية تهودت، بينما تزعم مصادر أخرى أنها كانت مسيحية. ومن المحتمل أيضاً أن تكون قبيلتها قد اعتنقت اليهودية أولاً ثم المسيحية.

ويشكك المتخصصون الآن في وجود قبائل يهودية أمازيغية في الوقت الراهن، لأسباب ليس أقلها أن رواية ابن خلدون كُتبت بعد عدة قرون من الحدث. وقد أشار العالِم الإسلامي التونسي محمد الطالبي أيضًا إلى أن ترجمة ابن خلدون إلى الفرنسية غير دقيقة: فهي لا تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الشرطية لروايته. علاوةً على ذلك، أثبت عالم الآثار الفرنسي غابرييل كامبس أن قبيلتي جاراوا ونفزاوة اللتين ذكرهما ابن خلدون على أنهما كانتا يهوديتين كانتا مسيحيتين قبل وصول الإسلام.

وبناء على ذلك، يمكننا أن نستنتج أنه في حين كان هناك بالتأكيد اعتناقا لليهودية من قبل الأفراد، وربما حتى من قبل مجموعات صغيرة على المستوى المحلي، فإن الاعتناق الجماعي للبهودية لقبائل بأكملها أمر غير مستبعد.

وفي المقابل، أظهرت الدراسات الوراثية الحديثة أن يهود شمال إفريقيا لديهم تراث جيني يختلف عن بقية سكان شمال إفريقيا، ولكنه أقرب إلى تراث يهود أوروبا والشرق الأوسط. وبالتالي، ليس هناك شك في أن الغالبية العظمى من يهود شمال إفريقيا ينحدرون من اليهود الذين نشأوا في فلسطين. المساهمة الأمازيغية موجودة، لكنها ليست عاملاً حاسمًا على المستوى الجيني.

يهود في شمال افريقيا

يهود كهوف الصحراء الليبية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

منذ العصور القديمة، كانت المجتمعات اليهودية التي تعيش في الصحراء تعيش تحت الأرض. حيث كانت منازلهم ومعابدهم اليهودية عبارة عن كهوف منحوثة، وأشهرها تلك الموجودة على هضبة غريان في غرب ليبيا، والمعروفة باسم الجبالية باللهجة المحلية.

تم إثبات وجود اليهود ساكني الكهوف منذ العصور القديمة. فقد تحدث عنهم المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس. وعاشت مثل هذه المجتمعات لقرون في المناطق الصحراوية في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الحالي. ولم يبق منها في عصرنا هذا سوى تلك الموجودة في غريان وبدرجة أقل في جبال مطماطة في تونس.

ويعتبر وصف عالم الآثار ناحوم سلوشتز (1906) الأكثر تفصيلا لطبيعة الحياة في مجتمعات سكان الكهوف اليهود في غريان. حيث ذكر بأن مساكنهم تحت الأرض تتمحور حول فناء كان يستخدم كإسطبل وورشة عمل للحرفيين وكمطبخ. وبأن المساكن الفردية عبارة عن مقصورات محفورة في جدران هذه الأفنية. وبأن المعابد اليهودية كانت مبنية تحت الأرض، و بأن المقابر كانت الشيء الوحيد المتواجد فوق الأرض.

وكيهود مزاب، كان يهود غريان من الناطقين بالعربية في منطقة معظم سكانها من الناطقين بالأمازيغية.

وبعد الغزو الإسباني لطرابلس عام 1510، فر ما يقارب 800 يهودي من طرابلس إلى غريان والمناطق المحيطة بها. وعلى مدى القرون التالية، هاجر العديد من يهود غريان إلى طرابلس والمدن الساحلية الليبية الأخرى وقابس في تونس. وفي بداية القرن العشرين، كان لا يزال هناك ما بين 2000 و2500 يهودي في جبل نفوسة. وكغيرهم من اليهود الليبيين، فقد هاجر يهود نفوسة خلال القرن العشرين.

وتتطابق بعض الألقاب الشائعة في المجتمع اليهودي في شمال أفريقيا، مثل فيتوسي وغالولا وأنكري وماغايدس وسيتروك وجبالي وغرياني وسروسي، مع أسماء مناطق في جبل نفوسة. وهذا يدل على أن هذه العائلات من أصول نفوسية.

لم يعد هناك يهود يسكنون الكهوف في عصرنا هذا. ويقوم السكان المحليين بتأجير بعض كهوفهم للسياح.

يهود في شمال افريقيا

اليهود المغاربة: تاريخ يمتد لألف سنة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

يعتبر اليهود المغاربة، وهم أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي، أقلية ذات نفوذ ومحترمة. في هذا المقال، سنتعرف على تاريخ هذه الجالية الموجودة في المغرب منذ العصور القديمة ما قبل الرومانية.

وصل اليهود الأوائل إلى المغرب على الأرجح في القرن السادس قبل الميلاد، خلال فترة الغزو البابلي للقدس. واستقرت أقدم جالية يهودية موثقة في المغرب الحالي في إفران أطلس الصغير، في إقليم كلميم، والتي يعود تاريخها إلى عام 361 قبل الميلاد. وبما أن هؤلاء اليهود قد وصلوا إلى هذه المناطق الجنوبية، فمن المؤكد أنهم استقروا في مناطق أقصى شمالًا.

حوالي عام 150 قبل الميلاد، أجبرت موجة من الاضطهاد بعض اليهود في قورينة على الهجرة، اذ وصلوا إلى طنجة عن طريق البحر، واستقروا في جبال الريف والأطلس.

تشهد النقوش الجنائزية في وليلي، عاصمة موريتانيا التاريخية، على وجود جالية يهودية في القرن الثاني قبل الميلاد.

نقش قبر مؤسس كنيس وليلي

ازداد عدد اليهود في المغرب بشكل ملحوظ خلال فترة الحكم الروماني، خصوصاً بعد تدمير القدس على يد الرومان عام 70 ميلادية. وفي مدينة وليلي، تم إنشاء كنيس يعود تاريخه إلى القرن الثالث الميلادي، كما يتضح من نقش على قبر المؤسس، وهو شخص يدعى سيسيليانوس. ما يزال مكان هذا الكنيس مجهولاً في موقع وليلي الأثري. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مجتمعات يهودية في كل من طنجة، ليكسوس (العرائش)، سلا، وأزمور، التي كانت تقع خارج حدود موريتانيا الرومانية.

في عام 429، عبر الوندال من إسبانيا إلى موريتانيا وبدأوا في حملة للسيطرة على شمال إفريقيا. نظرًا للقيود المتزايدة التي كان اليهود يتعرضون لها في ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية، فقد دعموا هذا التوغل، حيث وعدهم الوندال بحرية دينية.

في القرن السابع، استقر العديد من اليهود الإسبان في المغرب، هربًا من اضطهاد ملوك القوط الغربيين لإسبانيا، الذين اعتنقوا الكاثوليكية.

خلال الفتوحات العربية الإسلامية، حارب اليهود إلى جانب الأمازيغ المسيحيين والوثنيين. في الفترة المضطربة التي تلت الثورة البربرية عام 743، عاشت مجتمعات يهودية في عاصمة الممالك الخارجية الجديدة، مثل سجلماسة وتلمسان. تشير بعض المصادر إلى أن مؤسس دولة برغواطة، طريف المتغري، كان من أصول يهودية. وكان اليهود، القادمون من الأندلس أو القيروان، من أوائل سكان فاس بعد تأسيسها على يد الأدارسة. وقد سكنت المنطقةَ عدةُ عائلات يهودية قبل وصول مولاي إدريس.

العلم القديم للإمبراطورية الشريفية، مزينة بنجم داوود

منذ ذلك الحين، لعبت الطائفة اليهودية دورًا هامًا في جميع الممالك التي تعاقبت على المنطقة. وبعد استعادة إسبانيا من قبل الممالك المسيحية، استقر العديد من المسلمين واليهود الذين طردوا من إسبانيا في المغرب، وخاصة في مناطق فاس ومكناس وتطوان. وبالإضافة إلى المدن التي سبق ذكرها، تعتبر كل من صفرو والصويرة من المراكز الهامة الأخرى لليهود المغاربة.

خلال الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الحماية الفرنسية على المغرب، دافع السلطان محمد بن يوسف، الذي أصبح لاحقًا الملك محمد الخامس، عن اليهود المغاربة ضد القوانين التمييزية التي فرضتها حكومة فيشي، مؤكداً علنًا أنه لا يميز فرقًا بين رعاياه من المسلمين واليهود.

أندري أزولاي

يعيش حاليا ما يقارب 2000 يهودي في المغرب، يتركزون بشكل أساسي في الدار البيضاء، مراكش، وفاس. ورغم التراجع الكبير في أعدادهم خلال القرن العشرين، إلا أنهم ما زالوا يمثلون أكبر جالية يهودية في شمال إفريقيا والعالم الإسلامي. وقد بذلت الدولة جهودًا كبيرة لتثمين التراث الثقافي اليهودي المغربي. يعتبر أندري أزولاي الشخصية اليهودية المغربية الأكثر تأثيرًا، إذ شغل منصب مستشار للملك الحسن الثاني والملك محمد السادس. وُلِد في 17 أبريل 1941 بمدينة موغادور، المعروفة اليوم باسم الصويرة. تشغل ابنته، أودري أزولاي، منصب المديرة العامة لمنظمة اليونسكو. ومن بين الشخصيات المغربية اليهودية الأخرى المعروفة، رغم اعتناقه المسيحية، الفنان الكوميدي جاد المالح.

لمعرفة المزيد:

ميمونة ، جمعية تعمل على تثمين الإرث الثقافي لليهود المغاربة

متحف اليهودية المغربية

يهود في شمال افريقيا

اليهود في إفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هيثم بارز

قبل العصر الروماني، كان عدد السكان اليهود في شمال إفريقيا صغيرًا نسبيًا، باستثناء المراكز اليهودية الكبرى مثل الإسكندرية، وقورينا، وجربة. لكن هذا العدد تضاعف بعد تدمير معبد القدس، عندما فرّ العديد من اليهود من فلسطين ليستقروا في أماكن أخرى.

السياق

كانت يهودا، التي كانت سابقًا مملكة عميلة لروما تحت حكم هيرودس الكبير وأبنائه، قد أصبحت مقاطعة رومانية في عام 6 ميلادية. تمتع اليهود ببعض الامتيازات، لا سيما إعفاؤهم من المشاركة في عبادة الإمبراطور، حيث كانوا ملزمين بدلاً من ذلك بتقديم قربان سنوي في معبد القدس مصحوبًا بصلاة من أجل الإمبراطور.

بعد تدمير معبد القدس، استولى الرومان على الشمعدان السباعي (المينوراه) وعلى الأدوات المقدسة للديانة اليهودية – قوس تيتوس، روما

في عام 66 ميلادية، ثار اليهود ضد الاحتلال الروماني. وفي عام 70، حاصر الجيش الروماني القدس، وبعد أربعة أشهر، تم تدمير المدينة ومعبدها.

اندلعت ثورة يهودية أخرى، وهي ثورة بار كوخبا، بين عامي 132 و136. وبعد هذه الثورة، تم نفي آخر السكان اليهود من فلسطين.

اليهود في إفريقيا الرومانية

خريطة المجموعات اليهودية الرئيسية في شمال إفريقيا الرومانية

كانت معظم الجاليات اليهودية التي نشأت في شمال إفريقيا خلال العصر الروماني تتكون من لاجئين تم نفيهم من أرض أجدادهم. وقد كانوا معادين للرومان، الذين دمروا معبدهم وطردوهم من وطنهم. وكان الأمازيغ الذين عاشوا بينهم متضامنين معهم بشدة، حيث كانوا هم أيضاً يعانون من الاحتلال الروماني.

واجه اليهود في شمال إفريقيا منافسة من المسيحية الناشئة. وقد كتب مؤلفون مسيحيون مثل ترتليان القرطاجي، وقبريانوس القرطاجي، وأوغسطينوس الهيبوني كتبًا جدلية ضد العقيدة اليهودية.

في إفريقيا البروقنصلية

كانت الجالية اليهودية في قرطاج، الحاضرة الكبرى في شمال إفريقيا، هي الأكثر عددا في إفريقيا الرومانية. وغاليا ما قد يكون يهود قرطاج هم من أسسوا المجتمعات اليهودية الأخرى في إفريقيا البروقنصلية.

كما سُجّل أيضًا وجود اليهود في مدن أخرى من المقاطعة، مثل أوتيك، وحضرموت (سوسة)، وأويا (طرابلس)، ولبدة الكبرى.

وأخيرًا، تشير خريطة رومانية قديمة إلى وجود منطقة إمبراطورية تسمى Locus Iudaeorum Augusti (مكان اليهود التابعين لأغسطس) في أقصى شرق المقاطعة، بالقرب من سرت. ولا نعرف ما الذي أدى بهؤلاء اليهود، الذين كانوا على الأرجح عبيدًا للإمبراطور، للعيش هناك. (مصدر)

في نوميديا

لم يكن في نوميديا، خلافًا لموريتانيا، أي وجود يهودي معروف قبل العصر الروماني، ربما بسبب عدم وجود ميناء رئيسي بين قرطاج وطنجيس. ومع ذلك، يشير المؤرخ الفرنسي ريتشارد أيون، الذي تعود أصوله إلى يهود الجزائر، في كتابه اليهود في الجزائر: 2000 عام من التاريخ، إلى وجود يهودي “لا جدال فيه” في سيرتا (قسنطينة)، وهيبون (عنابة)، إجيلجلي (جيجل)، إيول (شرشال)، إيكوسيوم (الجزائر)، المدية، وجنوغو (غوراية)، قبل الغزو الروماني. وهذا أمر محتمل، لكنه يفتقر إلى دليل أثري.

يُثبت وجود جالية يهودية في سيرتا منذ القرن الأول الميلادي من خلال شواهد القبور (المكتوبة باللاتينية). ومن المحتمل أن هذه الجالية كانت موجودة بالفعل قبل تدمير القدس، لكنها توسعت بعد ذلك.

كما يُذكر وجود جالية يهودية في هيبون (عنابة) من قبل المسيحي أوغسطينوس، أسقف هيبون.

في موريتانيا القيصرية

تزوج الملك يوبا الثاني من غلافيرا، أرملة فيليب، ابن الملك هيرودس الكبير. وعلى الرغم من أن غلافيرا لم تكن يهودية، فمن المحتمل أن زواجها قد جلب بعض التأثير اليهودي إلى البلاط.

تُوثَّق الجالية اليهودية في قيصرية (شرشال) منذ القرن الثاني الميلادي. كما بُني كنيس سطيفيس (سطيف) في القرن الثالث، وكان هناك كنيس آخر في أوزية (سور الغزلان) في نفس الفترة. أما كنيس تيبازة، فقد بُني في القرن الرابع.

إلى الجنوب، وُجدت جالية يهودية في منطقة توات، في الصحراء الجزائرية، على الأقل منذ القرن الخامس.

في موريتانيا الطنجية

كان هناك وجود يهودي في موريتانيا قبل العصر الروماني، في وليلي، وفي جبال الريف والأطلس.

وتزايد هذا الوجود خلال الفترة الرومانية، لا سيما في طنجيس، عاصمة المقاطعة الجديدة، ووليلي. وقد بُني كنيس وليلي في القرن الثالث. كما يُوثَّق وجود جالية يهودية في سلا (الرباط).

يهود في شمال افريقيا

تاريخ يهود قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

ازدهر المجتمع اليهودي في قرطاج، المدينة الكبرى في شمال أفريقيا، بشكل رئيسي خلال العصر الروماني. ويمكن تقسيم تاريخها إلى ثلاثة حقب زمنية: حقبة قرطاج القديمة قبل تدميرها على يد الرومان، وحقبة قرطاج الرومانية الجديدة، و حقبة قرطاج بعد العصر الروماني.

كنيس تونس الكبير

قرطاج القديمة

يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس أن اليهود شاركوا إلى جانب الفينيقيين في تأسيس قرطاج. حيث كان العبرانيون جيرانا للفينيقيين ويذكر الكتاب المقدس العبري أن الملك سليمان قام برحلات بحرية مع حيرام الأول، ملك صور، الدولة المدينة الفينيقية التي أسست قرطاج. وحتى لو كان هناك بالفعل يهود بين سكان قرطاج الأوائل كما يزعم، فلا بد أنهم سرعان ما اندمجوا مع السكان الفينيقيين وتوقفوا عن ممارسة دينهم.

ويرتبط اسم قرطاج أحيانا بترشيش، وهي منطقة جغرافية ذكرت عدة مرات في الكتاب المقدس العبري، كان العبرانيون القدماء يتاجرون معها. في الواقع، ربما تكون ترشيش هي منطقة في اسبانيا يطلق عليها تارتيسوس. ومع ذلك، فإن السفن العبرية التي كانت تتاجر مع تارتيسوس كانت تمر عبر ميناء قرطاج.

وقد وصل يهود آخرون إلى قرطاج بعد الفتح البابلي لوطنهم عام 586 قبل الميلاد. وتعود المجتمعات اليهودية في جربة، وهي الأقدم في شمال أفريقيا، إلى هذه الفترة. و على الرغم من عدم توفر أي بقايا أثرية لوجود اليهود في قرطاج القديمة، الا أن معظم المتخصصين يعتقدون أن وجود مجتمعات يهودية صغيرة في قرطاج، وكذلك في المدن البونيقية الأخرى، أمر مرجح.

قرطاج الرومانية الجديدة

المقبرة اليهودية في قمرت

بعد أن أعاد الرومان بناء قرطاج، استقرت مجموعات جديدة من اليهود في المدينة، خاصة بعد أن دمر الرومان القدس عام 70 م. وتعتبر النقوش التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني أقدم دليل أثري على وجود اليهود في قرطاج.

يشير الكاتب المسيحي ترتليان القرطاجي إلى وجود جماعة يهودية في المدينة، والتي وصفها “بأنها مصدر اضطهاد” ضد المسيحيين القرطاجيين. الا أن الأمر قد يكون عبارة عن تعارض ايديولوجي أكثر مما هو اضطهاد عنيف. ومع ذلك، تظهر ملاحظات أخرى لترتليان أنه كان يحترم اليهود، وايمانهم العميق، ونزاهتهم الأخلاقية ورفضهم لعبادة الأصنام.

يذكر التلمود أسماء أربعة حاخامات من قرطاج، وأشهرهم الحاخام ابا. ومع ذلك، فإن العلماء غير متأكدين مما إذا كانت بعض هذه المراجع تشير إلى قرطاج في شمال أفريقيا، أو قرطاج نوفا (قرطاجنة) في إسبانيا، وهي مدينة كان بها مجتمع يهودي مزدهر.

وتعد مقبرة قمرت التي يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثالث الاكتشاف الأثري الرئيسي المرتبط بالجماعات اليهودية في قرطاج. حيث تحتوي هذه المقبرة على 105 حجرة دفن، والتي يمكن أن يكون قد دفن فيها ما يصل إلى 1,500 شخص. وتشهد على الهوية اليهودية للمقبرة العديد من الرموز اليهودية.

قرطاج بعد العصر الروماني

في عام 439، غزا الوندال قرطاج وجعلوها عاصمة مملكتهم في شمال أفريقيا. ودعم اليهود الذين كانوا يخضعون لقيود متزايدة في الإمبراطورية الرومانية المسيحية الغزو الوندالي. وفي المقابل ضمن لهم ملوك الوندال الحرية الدينية.

وفقا لبعض المصادر، فإن ملك الوندال جِنْسِريك أخذ معه، بعد نهب روما عام 455، الأواني المقدسة لمعبد القدس إلى قرطاج حيث تم الاحتفاظ بها في خزانة المدينة. وبعد استرداد البيزنطيين لقرطاج عام 533، أمر الجنرال البيزنطي بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومن هناك أعيدت إلى القدس.

وفي حين تمتع اليهود بالحرية الدينية في عهد الوندال، إلا أن الفتح البيزنطي شهد فترة من الاضطهاد، مع فرض قيود على ممارساتهم الدينية وإجبارهم على اعتناق المسيحية. وبالنسبة لليهود، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الأقليات المسيحية المنشقة في شمال أفريقيا، كان الفتح العربي الإسلامي مصدر ارتياح في المقام الأول.

يهود في شمال افريقيا

تاريخ يهود قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

تعد الجالية اليهودية في قورينائية واحدة من أقدم المجتمعات في شمال إفريقيا. ومن قورينة والمدن المجاورة، انتشر اليهود في جميع أنحاء ليبيا الحديثة. في هذا المقال، سنكتشف معا تاريخ يهود قورينة وقورينائية.

كنيس بنغازي ـــ بطاقة بريدية ـــ حقوق الصورة : Dynasty Auction House ـــ مستخدمة بإذن

*يعود وجود اليهود في قورينائية إلى مصر البطلمية: فبعد احتلال فلسطين، قام بطليموس الأول سوتير بترحيل اليهود إلى الإسكندرية، وجميع أنحاء مصر، وصولاً إلى قورينائية. وتبعهم آخرون كمهاجرين اقتصاديين. وكان أشهر اليهود القورنيين في هذا العهد هو ياسون القوريني، الذي كتب كتاباً تاريخياً في خمسة مجلدات عن التمرد المكابي (ثورة يهودية ضد الإمبراطورية السلوقية، أدت إلى تشكيل مملكة يهودية مستقلة في فلسطين).

تمتعت الطائفة اليهودية بقورينائية بعدة قرون من الازدهار: حيث تشهد النقوش، خاصة في برنيكي (بنغازي)، على مجتمعات غنية وراسخة ومؤثرة. وكان يهود بنغازي، على عكس يهود المدن الأخرى في المنطقة، يحكمهم الأركون (الحاكم) الخاص بهم، والذي كان هو نفسه يهوديًا.‎

كما أصبحت قورينة، وخاصة الجالية اليهودية فيها، أول مدينة في شمال إفريقيا تصل إليها المسيحية. وكان مرقس، مؤلف أحد الأناجيل، يهودياً من قورينة. وحسب التقاليد المسيحية، كان يبشر بالرسالة المسيحية في قورينة، ثم في الإسكندرية. وتذكر الكتب المسيحية العديد من المؤمنين اليهود القورينيين الآخرين.

حجرة دراسة يهودية في بنغازي في بداية القرن العشرين

في عام 73، عندما كانت الجيوش الرومانية تحاصر القدس، تعرضت قورينة لانتفاضة يهودية بقيادة جوناثان الحائك الذي تم التبليغ عنه إلى الوالي الروماني آنذاك وقتل مع العديد من اليهود ذوي النفوذ الآخرين.

واندلعت انتفاضة يهودية جديدة بعد ذلك، تُعرف باسم حرب كيتوس، في قورينا في الأعوام 115 ـــ 117. امتدت هذه الثورة، وهي أكبر انتفاضة يهودية ضد الرومان، إلى مناطق أخرى من الإمبراطورية.

وبعد ثورة بار كوخبا (132ـــ135)، وهي آخر انتفاضة يهودية في فلسطين، قام الرومان بترحيل اثنتي عشرة سفينة مليئة باللاجئين من فلسطين إلى قورينائية. وتضاف أعدادهم إلى النصف مليون يهودي الذين كانوا يعيشون بالفعل في المنطقة.

كنيس دار بيشي، طرابلس، 1923

بقي اليهود في قورينائية وانتشروا في جميع أنحاء ليبيا خلال قرون الهيمنة الرومانية والبيزنطية والعربية. وكان اليهود كثر بشكل خاص في منطقة جبال نفوسة.

خلال العهد العثماني، انتقل العديد من اليهود من طرابلس إلى بنغازي. وكان السنوسية مؤيدين لليهود، حيث قدروا مساهمتهم الاقتصادية وموقفهم السلمي.

خلال الحرب العالمية الثانية، قام المحتلون الإيطاليون بسجن حوالي 2000 يهودي ليبي في معسكر اعتقال جادو، في جبال نفوسة، وتوفي حوالي 500 منهم.

كنيس دار بيشي سابقا، طرابلس

كما هو الحال في جميع أنحاء شمال أفريقيا، هاجر معظم اليهود الليبيين خلال القرن العشرين. اليوم، لم يعد هناك أي يهود في ليبيا: لم يتبق سوى حوالي 100 يهودي في وقت الثورة الليبية عام 1969، وآخر اليهود المتبقين غادروا خلال الثمانينيات. ومن المؤسف أن معظم معابدهم وبقية التراث اليهودي الليبي قد دمرت بعد مغادرتهم. منذ عام 2011، والمحلل النفسي اليهودي الليبي ديفيد جيربي الذي يعيش الآن في إيطاليا، يناضل من أجل استعادة التراث اليهودي الليبي.

لمعرفة المزيد