شمال إفريقيا الرومانية

دوميتيوس ألكسندر: غاصب عرش من شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

في بداية القرن الرابع، عرفت الإمبراطورية الرومانية سلسلة من الحروب الأهلية بين المتنافسين على العرش الإمبراطوري. في هذا السياق، أعلن نائب حاكم العام الرومانية في شمال إفريقيا، دوميتيوس ألكسندر، نفسه إمبراطوراً لفترة وجيزة.

السياق

الامبراطورية الرومانية المقسمة

في عام 293، قام الإمبراطور دقلديانوس بإدخال إصلاحات جذرية على إدارة الإمبراطورية. حيث تم تقسيم الإمبراطورية، فأصبح إمبراطورًا على الشرق وجعل مكسيميانوس إمبراطورًا على الغرب. وكان كل من الإمبراطورين يساعده قيصر (إمبراطور مساعد) مخصص لخلافته. وكان الهدف من نظام الحكم الرباعي هذا، زيادة قدرة السلطة على العمل. كما أراد دقلديانوس إلغاء الخلافة الوراثية لصالح اختيار الأفضل.

وفشل نظام تقاسم السلطة هذا بسبب شجع هؤلاء الرجال الأربعة، الذين أراد كل منهم أن يحكم بمفرده. في عام 305، تنازل دقلديانوس طواعية عن العرش لصالح قيصره، غاليريوس، وأجبر مكسيميانوس على أن يحذو حذوه، لكن مكسيميانوس كان مترددًا في التخلي عن السلطة. فعندما توفي قسطنطيوس كلوروس، قيصر وخليفة مكسيميانوس، في عام 306، فاندلعت حرب أهلية في الجزء الغربي من الإمبراطورية بين سيفيروس، خليفته المعين، وابنه قسطنطين، الذي يحظى بدعم قوات والده، ومكسنتيوس، ابن مكسيميانوس. وانتحر دقلديانوس عام 311، بعد أن أصيب بالإحباط بسبب فشل النظام الذي أنشأه. 

ثورة دوميتيوس ألكسندر

عملة معدنية عليها صورة دوميتيوس ألكسندر

دوميتيوس ألكسندر هو نائب (الحاكم العام) أبرشية إفريقيا، التي تضم المقاطعات الرومانية في شمال إفريقيا، باستثناء موريطنية الطنجية، التي تنتمي إلى أبرشية إسبانيا. وهو ليس من أصل إفريقي.

حوالي عام 308، أرسل مكسنتيوس، أحد المطالبين بالعرش في الغرب، صورته إلى إفريقيا ليتم الاعتراف به كإمبراطور. ورفضت القوات الرومانية المتمركزة في قرطاج ذلك. فأمر مكسنتيوس دوميتيوس ألكسندر بإرسال ابنه كرهينة إلى روما. فرفض دوميتيوس ألكسندر ذلك وأعلنه جيشه إمبراطورا.

كان دوميتيوس ألكسندر يملك وسيلة ضغط ممتازة على روما وهي المقاطعات الأفريقية التي تزود العاصمة الإمبراطورية بالقمح. بينما كان يسيطر مكسنتيوس على إيطاليا، وتحالف دوميتيوس ألكسندر مع قسطنطين، الذي كان يسيطر على بريطانيا وغاليا.

في عام 310، أرسل مكسنتيوس جيشًا إلى إفريقيا، الذي تغلب بسهولة على قوات دوميتيوس ألكسندر دون مقاومة تذكر. تم نهب قرطاج وسيرتا خلال هذه الحرب. وقُتل دوميتيوس ألكسندر نفسه.

لاحقا

في عام 312، حقق قسطنطين انتصارًا حاسمًا على مكسنتيوس في إيطاليا، في معركة جسر ميلفيو، ليصبح الحاكم الوحيد للإمبراطورية الرومانية الغربية. وعزا قسطنطين انتصاره إلى المسيح واعتنق المسيحية، ليصبح أول إمبراطور روماني مسيحي.

وبعد انتصاره، أعاد قسطنطين بناء مدينة سيرتا، التي دمرت بشكل كبير بعد ثورة دوميتيوس ألكسندر، وأطلق عليها اسم قسطنطينة.

وبعد حوالي عشر سنوات، بنى قسطنطين ”روما جديدة“ على مضيق البوسفور، والتي ستصبح عاصمة إمبراطورتيه وهي  مدينة القسطنطينية، الملقبة بمدينة قسطنطين.

شمال إفريقيا الرومانية

البابار والباكوات: الثورات الأمازيغية في القرن الثالث

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

خلال القرن الثالث، اهتزت الإمبراطورية الرومانية بأطول أزمة في تاريخها، والتي عرفت سلسلة طويلة من الحروب الأهلية ومحاولات الانفصال والغزوات الأجنبية. واستغل الأمازيغ القارة الأفريقية، الذين لم يتقبلوا السيطرة الرومانية، هذه الفرصة للتمرد.

السياق

في العصر الروماني، كانت المدن الكبرى مثل قرطاج وسيرتا (قسنطينة) وقيصرية (شرشال) وتنجيس (طنجة) مأهولة بسكان من أصول مختلطة، رومانية وأفريقية على حد سواء. وكان الأمازيغ الرومانيون في المدن يقدرون الراحة المرتبطة بفن العيش الروماني، وقد اكتسبوا نفوذا قويا في الإدارة الإمبراطورية. وفي المقابل، حافظ الأمازيغ في المناطق الريفية على نمط حياتهم التقليدي وكانوا معادين للسيطرة الرومانية. وفي القرن الثالث، عندما كان النفوذ الروماني أضعف من أي وقت مضى، انتهزوا الفرصة للتمرد.

نقش يخلد ذكرى انتصار الرومان على البابار (المصدر)

في تلك الحقبة، كان هناك اتحادين لقبائل الأمازيغ يسيطران على المناطق الريفية داخل حدود الليمس الرومانية. حيث كان بابار يعيشون في موريطنية القيصرية والسطيفية (الجزائر الحالية) وكانت منطقة القبائل قلب أراضيهم التي تمتد إلى الونشريس وصولا إلى وهران. ويعتقد المؤرخ الفرنسي غابرييل كامبس أن مصطلح ”Berbère“ ليس مشتقا من كلمة ’بربر‘ كما هو شائع، بل من كلمة ”بابار“. أما الباكوات، فكانوا يعيشون في موريطنية الطنجية (المغرب الحالي)، في منطقة تازة والريف الشرقي. وذكر الباكوات في نقوش تعود إلى القرن الثاني، بينما ذكر بابار لأول مرة في نقش في وليلي، يخلد لقاء بين مبعوث الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس (235-222) و “princeps gentis Bavarum et Baquatum”، أمير شعبي البابار والبكوات. ويوصف شعبي البابار والبكوات أحيانا بأنهما من الشعوب البدوية، وأحيانا أخرى بأنهما من الشعوب الجبلية المستقرة، مما يشير إلى وجود قبائل بدوية ومستقرة في آن واحد. ويوضح عالم الجغرافيا الروماني يوليوس هونوريوس أن نهر مالفا (ملوية) كان يشكل الحدود بين أراضي البابار والبكوات.

التمرد البابار

خريطة التمرد البابار (انقر للتكبير) (المصدر)

ثار بابار عام 253 وواجهوا القوات الرومانية في موريطنية. وفي عام 255، قاموا بغزو نوميديا. وهاجموا كويكول (جميلة)، ثم صعدوا نهر أمبساغا (واد الرمل) حتى ميليفيوم (ميلة)، حيث هُزموا وصدهم مندوب نوميديا ماكرينوس ديسيانوس عام 259. وهذه الأحداث موصوفة في نقش عُثر عليه في لامبايزيس (تازولت).

ويروي نقش آخر، عُثر عليه بالقرب من بلدة مهدية في سهل سطيف، قصة التمرد البابار في موريطنية.

نقش ثنية المكسن (المصدر)

لم تكن هزيمة البابار في نوميديا كافية لوقف تمردهم، ففي عام 260، قُتل القائد الروماني لأوزيا (سور الغزلان)، الذي كان قد أسر وأعدم زعيم البابار فاراكسن، في كمين. فوقعت هجمة أخرى بعد ذلك بقليل في ممر ثنية المكسن، في سلسلة جبال البابور. ويذكر نقش عُثر عليه في ساحة المعركة الأسماء الثلاثة لـ”الملوك“ الذين قادوا هذه المعركة، وهم، تاغانين، ماسمول، وفاهم. ويشير لقب ”ملوك“ إلى أنهم كانوا يقودون قوات كبيرة العدد.

واندلعت ثورة جديدة بين عامي 290 و 298، مما أجبر الإمبراطور مكسيميانوس على القدوم بنفسه إلى موريطنية لقيادة الحملة ضد المتمردين.

المصدر

ثورة البكوات

مذبح السلام في وليلي، الذي يخلد ذكرى اتفاق السلام بين زعيم البكوات، أوكميت، والرومان

تسبب البكوات في الكثير من المشاكل للرومان منذ القرن الثاني. فحوالي عام 117، بعد مقتل الجنرال الروماني الموري، لوسيوس كوييتوس، هاجموا مدينة قرتينة الرومانية (تنس). وحوالي عام 173، تحالفوا مع قبيلة الماكينيت المجاورة ودمروا معا فيلقا رومانيا بالقرب من وليلي، مما دفع الرومان إلى بناء أسوار جديدة للمدينة. وعاد السلام بين البكوات والرومان عام 175، من خلال اتفاق بين الرومان وزعيم البكوات، أوكميت. وحوالي عام 180، أصبح زعيم البكوات الجديد مواطنا رومانيا.

وحوالي عام 235، عقد البكوات غير الراضين عن توسع أراضي مدينة وليلي الرومانية على أراض كانوا يستخدمونها سابقا كمراعي، تحالفا مع البابار. فأرسل الرومان مبعوثين لإقناعهم بفسخ تحالفهم. وتشير سلسلة من أربعة مؤتمرات نُظمت بين عامي 239 و245 إلى مفاوضات مكثفة لحل المشكلة بالطرق الدبلوماسية، لكن دون جدوى.

أطلال جوليا فالينتيا (باناصا)، أول مدينة رومانية غزاها البكوات

ودخل البكوات في حالة تمرد في نفس الوقت الذي أعلنه فيه بابار. فحوالي عام 259، استولوا على مدينة جوليا فالنتيا الرومانية (بناصا) في سهل الغرب. وبعد ذلك بقليل، استولوا على تاموسيدا (بالقرب من القنيطرة).

وعاد السلام للمنطقة خلال العقد 270. فحوالي عام 277، منح الرومان زعيم البكوات لقب rex (ملك). ومع ذلك، أبرمت معاهدة سلام جديدة عام 280 بهدف إحلال سلام دائم. وبعد ذلك بوقت قصير، أخلى الرومان مدينة وليلي. واستولى البكوات عليها واستعادوا أراضيهم دون قتال.

المصدر

لاحقا

بعد القرن الثالث، لم تعد الإمبراطورية الرومانية تسيطر إلا على المدن الساحلية في شمال إفريقيا، من قيصرية (شرشال) إلى تنجيس (طنجة). وكانت القبائل الأمازيغية في المناطق الداخلية تتمتع باستقلالية واسعة، مع الاعتراف بالسيادة الرمزية للإمبراطور الروماني. وأصبحت وليلي، العاصمة التاريخية لموريطنية، مدينة أمازيغية مرة أخرى، مع الاحتفاظ ببنيتها التحتية الرومانية.

في القرن الرابع، شارك البابار أيضا في ثورة فرموس.

شمال إفريقيا الرومانية

خبز وألعاب: مصارعون ورياضيون وممثلون من شمال أفريقيا في العالم الروماني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

في أفريقيا الرومانية، كما في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت مصارعات الجلادين وسباقات العربات والعروض المسرحية من أكثر وسائل الترفيه شعبية. وكان العديد من الجلادين وسائقي العربات والرياضيين والممثلين المحبوبين لدى الجماهير الرومانية من أصول أفريقية. في هذا المقال، سنتعرف على أشهر الجلادين والرياضيين والمسرحيين والممثلين في أفريقيا الرومانية.

المصارعون

فسيفساء المصارعين، فيلا بار دوك اميرا، زليتن، ليبيا

كان المصارعون مقاتلين مسلحين، يتم تدريبهم على القتال حتى الموت في الحلبة ضد مصارعين آخرين. وكانت هذه المعارك قاسية حيث كان على المقاتل أن يَقتل لكيلا يُقتل وذلك لإمتاع الجمهور. وكان معظم المصارعين من الأسرى أو العبيد الذين أجبروا على القتال، بينما يقاتل البعض الآخر طواعية، وذلك خوفا من الفقر أو سعيا وراء الشهرة.

في روما، تظهر العديد من النقوش الجنائزية للمصارعين أنهم كانوا من أصل أفريقي، وكانوا يحملون أسماء مثل Afer و Numidicus و Maurus و Getulicus. كما ذكر الشاعر الروماني مارتياليس مصارعا يدعى Lucius Afer اشتهر في روما. وفي كابوا، حيث تلقى سبارتاكوس الشهير تدريبه كمصارع، وهو مصارع ثراسي (اشارة إلى درعه، وليس إلى أصوله)، وقُتل وهو في الخامسة والعشرين من عمره بعد عدة انتصارات. وحمل وصفه أيضا لقب Afer.

في أفريقيا، كانت هناك مدارس مخصصة لتدريب المصارعين تعرف باسم (لودي) في كل من قرطاج ولبدة الكبرى وحضرموت (سوسة) ولامبايزيس (تازولت). وكان المصارعون الأفارقة الذين يتم تدريبهم في هذه المدارس ينضمون بعد ذلك إلى فرق المصارعين التي كانت تقاتل في المدن الأفريقية، بينما يتم إرسال أفضلهم إلى روما. وتشير النقوش التي عُثر عليها في توبوربو ماجوس، بالقرب من زغوان في تونس، إلى مصارعين محليين يدعيان كوينتيانوس وبودنتيللا، وهو اسم أنثوي. وكانت المصارعات النساء نادرات، ولذلك كنّ يحظين بتقدير أكبر.

أسود تلتهم خنزيرا بريا، فسيفساء تصور قتال بين الحيوانات، متحف الجم الأثري

وكان المصارعون يقاتلون أيضا الحيوانات البرية في عمليات إعادة تمثيل عملية الصيد كانت تسمى venationes. وفي أحيان أخرى، كانت الحيوانات تقاتل بعضها البعض، أو تلتهم السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، وخاصة الشهداء المسيحيين. وكانت الحيوانات المستخدمة في هذه العروض الضخمة تأتي في الغالب من إفريقيا.

سائقو العربات

فسيفساء سيرك قرطاج

كانت سباقات العربات عنصرا مهما آخر من عناصر العروض الشعبية. وكان هناك في الغالب أربعة إسطبلات: هي الأزرق والأخضر والأحمر والأبيض، والتي كانت مرتبطة بالفصائل السياسية في المجتمع الروماني. وكانت خيول نوميديا، المشهورة في جميع أنحاء العالم القديم بسرعتها الكبيرة، مفضلة بشكل خاص في هذه السباقات. وكان يطلق على المتسابقين اسم Auriges (سائقو العربات)، بينما كانت ساحة السباق تسمى سيركا.

وكان أول سائق عربات من أصل أفريقي مشهور هو ماستانابال، ابن الملك ماسينيسا، ملك نوميديا. ففي عام 168 أو 164، فاز ماستانابال بسباق العربات في مهرجان عموم أثينا، وهو عبارة عن مسابقة رياضية كانت تنظم في أثينا.

ومن سائقي العربات المشهورين أيضا سائق يدعى سكوربوس، والذي يشير اسمه إلى احتمال كونه من أصل أفريقي. وكان ينتمي إلى إسطبل الخضر في روما. توفي عن عمر يناهز سبعة وعشرين عاما، بعد أكثر من 2000 انتصار. ورغم أن سبب وفاته غير معروف، فمن المرجح أن يكون أحد الحوادث العديدة في الحلبة هو ما أودى بحياته. وقد كتب الشاعر مارتياليس قصيدة تكريما له.

تمثال تكريمي لبورفيريوس، في القسطنطينية

كان بورفيريوس، سائق عربات خيل في العصر البيزنطي، يعتبر أفضل سائق عربات خيل في عصره، وهو من أصل ليبي. وعلى عكس التقليد المعتاد الذي يقتصر على نصب تمثال تكريمي واحد لكل بطل، تم نصب ما لا يقل عن سبعة تماثيل لبورفيريوس على طول مضمار سباق الخيل في القسطنطينية، بعد تقاعده في سن الستين تقريبا. وتعتبر حقبته العصر الذهبي لسباقات العربات البيزنطية.

الرياضيون

بوابة بتروني: صالة الألعاب الرياضية في توبوربو ماجوس (المصدر: زاهر كامون)

كانت سباقات الجري والملاكمة والمصارعة ومسابقات الرماية ورمي القرص أو الرمح شائعة جدا في العالم الروماني. وكانت التمارين الرياضية في الصالات الرياضية عنصرا أساسيا في تدريب الشباب، انسجاما مع الشعار اللاتيني ”Mens sana in corpore sano“، ”العقل السليم في الجسم السليم“. كما كانت تقام بانتظام مسابقات رياضية كبرى مستوحاة من الألعاب اليونانيين.

وذكر ماركوس بورسيوس، وهو رياضي من لبدة الكبرى، في نقش تكريمي، فقد فاز بمسابقات رياضية في روما واليونان وآسيا الصغرى.

ومن الرياضيين الأفارقة أيضا فيكتورينوس من مدينة كويكول (جميلة)، بالقرب من سطيف، في الجزائر الحالية. وقد تم تكريمه في نقش في نومييديا.

المسرح

كان المسرح من الفنون المزدهرة في إفريقيا الرومانية. حيث تم بناء أكثر من 40 مسرحا في المدن الإفريقية.

ترنتيوس

كان ترنتيوس، أحد أبرز كتاب المسرح في العالم الروماني، وكان من أصل أفريقي. ولد في قرطاج بين الحربين البونقيتين الثانية والثالثة، وبيع كعبد في روما في شبابه. وكانت مسرحياته الكوميدية اللاتينية المستوحاة من الكوميديا اليونانية تعرض في جميع أنحاء الإمبراطورية.

وكان هناك أيضا ممثلون من أصل أفريقي. في تاموقادي (تيمقاد، في الجزائر الحالية)، حيث تم تقديم مذبح مخصص لأبولو إلى المدينة من قبل مجموعة من الممثلين المتجولين. وفي صبراتة، تظهر التماثيل التكريمية في المسرح أن الممثلين، الذين كانوا في الغالب عبيدا محررين، كان بإمكانهم الوصول إلى مكانة اجتماعية معينة.

كما كانت هناك مسابقات مسرحية. ففي قرطاج، تشير إحدى النقوش إلى ”ممثل تراجيدي متوج“ فاز بالمسابقة المحلية في مجال التراجيديا.

أما عن أسماء بعض الممثلين، فقد عُثر في توبوربو ماجوس على نقش جنائزي يحمل اسم كوينتوس فاليريوس ريستيتوتوس، وهو ممثل كوميدي من المدينة.

شمال إفريقيا الرومانية

ترنتيوس: سيد الكوميديا اللاتينية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

بعد الغزو الروماني لشمال أفريقيا، تبنى سكان المدن الأفريقية اللغة اللاتينية وأسلوب العيش اليوناني الروماني. حيث كان أطفالهم يدرسون اللغة اللاتينية كما يدرس شباب شمال أفريقيا اليوم باللغة الفرنسية أو العربية الفصحى. وكان العديد من أعظم الكتاب والشعراء والمسرحيين اللاتينيين من أصول أفريقية. سنسلط الضوء في هذا المقال على ترنتيوس، سيد الكوميديا اللاتينية.

ترنتيوس

ولد بوبليوس ترنتيوس آفر في قرطاج بين الحربين البونيقية الثانية والثالثة. ويشاع بأن أبويه كانا عبيدا، مثله. ونظرا لإتقانه اللاتينية واليونانية، يفترض بعض المتخصصين أن أمه كانت أمة إيطالية اسرها حنبعل ومن المرجح أنها من جنوب إيطاليا حيث كان هناك العديد من المستعمرات اليونانية.

وفي شبابه، تم نقله إلى روما وبيعه إلى أحد الأسياد الرومانيين. وقام سيده بتعليمه، ثم أعجب بموهبته، فحرره وتبناه، وهو أمر كان شائعا حينها بالنسبة للعبيد الشباب الموهوبين. واسمه اللاتيني مستمد من اسم سيده السابق. وأصبح عضوا في حلقة سكيبيو، وهي مجموعة من الفلاسفة والشعراء الذين كانوا يجتمعون لمناقشة الأدب تحت قيادة سكيبيو اميليانوس.

وبدأ الكتابة في عام 166 قبل الميلاد. استلهم أعماله من الكوميديا اليونانية خصوصا ميناندر. وعلى خلاف الكوميديين اللاتينيين فأعماله الكوميدية أكثر عاطفية وغالبا ما تكون مرتكزة على الكوميديا الشخصية، مع نفسية أكثر دقة. وغالبا ما كانت تحمل حكمة أخلاقية. وألف ترنتيوس ستة أعمال وهي: “فتاة أندروس” و “الحماة” و “المعذب نفسه” و “الخصي” و “فورميو” و “الأخوان”.

حوالي عام 160 قبل الميلاد، سافر ترنتيوس إلى اليونان بحثا عن مصدر إلهام جديد لأعماله ولم يعد إلى روما فقد توفي عام 195 ق.م سواء بسبب المرض أو حادث غرق أثناء رحلة عودته.

وبعد وفاته، بدأت مؤلفاته تنتشر كأعمال أدبية للقراءة وليس كأعمال مسرحية. وسرعان ما فرض نفسه ككاتب كلاسيكي تدرس أعماله في المدارس.

الفرس في شمال أفريقيا

قناة الفراعنة: قناة السويس القديمة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

كانت قناة الفراعنة قناة تربط النيل بالبحر الأحمر في العصور القديمة. وبدأ الفراعنة القدماء في حفر هذه القناة، ومن المرجح أن الإمبراطور الفارسي داريوس الكبير هو من أكملها بعد الغزو الفارسي لمصر.

المسار التقريبي لقناة الفراعنة

وكان أول فرعون مصري حاول بناء قناة بين النيل والبحر الأحمر هو سنوسرت الأول (1878-1839)، وهو فرعون من الأسرة المصرية الثانية عشرة. ولكنه واجه عقبة لا يمكن تجاوزها تتمثل في اختلاف مستوى مياه النهر والبحر. لذلك، تخلى عن مشروعه.

وفي وقت لاحق، تم استئناف مشروع بناء القناة في عهد الفرعون نخاو الثاني (610-595). وتختلف المصادر القديمة حول ما إذا كان قد أكمل بناء القناة أم لا. على أي حال، حتى لو كان قد أكملها، فإن قناته لم تصمد طويلا.

جزء من نصب شالوف التذكاري، أحد المعالم التي تخلد ذكرى بناء القناة على يد داريوس

وبعد الغزو الفارسي لمصر، قرر الإمبراطور داريوس الكبير إنهاء (أو إعادة بناء) القناة. وهناك خمسة معالم أثرية كبيرة في مصر تخلد ذكرى بناء داريوس للقناة. ومن خلال الدعاية التي أحاطت بهذا المشروع، قدم داريوس نفسه على أنه إمبراطور باني، يواصل عمل الفراعنة القدماء.

ولكن هل أكمل داريوس بنفسه بناء القناة؟ هذا ما تؤكده آثاره، ولكن العديد من المؤلفين القدماء، مثل أرسطو وإسطرابون وبليني الأكبر، ذكروا أنه لم يكمل أشغال بناء القناة. على أي حال، يذكر أن مشروعه كان أكثر تقدما من مشاريع أسلافه.

حصن بناه دقلديانوس لحماية مدخل القناة

بعد وفاة الإسكندر الأكبر، استأنف الملك الجديد لمصر، بطليموس الثاني، بناء القناة. وهو أول من حل مشكلة اختلاف منسوب المياه، من خلال بناء السدود. وأعيد بناء القناة مرة أخرى على يد الإمبراطور الروماني تراجان. كما قام الإمبراطور دقلديانوس ببناء حصن لحماية مدخلها.

وفي عهد الفتح الإسلامي لمصر، أعاد عمرو بن العاص فتح القناة التي كانت مغطاة بالرمال. وتم إغلاق مدخلها على البحر الأحمر نهائيا في عام 767، لمنع استخدامها في إمداد التمرد العلوي في مكة. وظل الجزء القريب من النيل، المسمى خليل، قيد الاستخدام كجزء من نظام البنية التحتية المائية لمدينة القاهرة، حتى عام 1890، عندما تم تغطيته بالكامل. وهو يقع اليوم في شارع بورسعيد بالقاهرة.

المسيحية في شمال افريقيا

المسيحية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

منذ القرون الأولى، بدأت المسيحية تنتشر بسرعة في جميع أنحاء الإمبراطورية. وأثبتت شمال أفريقيا، من مدنها العالمية الكبيرة إلى مناطقها الريفية النائية، أنها أرض خصبة للإنجيل المسيحي. حيث أصبحت قرطاج، عاصمة أفريقيا الرومانية، مركزا مسيحيا مؤثرا بشكل خاص.

تأسست كنيسة قرطاج على الأرجح من طرف روما. وفقا للتقليد المسيحي، كان أول أسقف لقرطاج هو كريسبوس ثم إباينيت، وهما مؤمنان مذكوران في النصوص المسيحية المقدسة كأعضاء في كنيسة روما. يعتبر سبيراتوس، أحد شهداء سيليوم (القصرين)، أحيانا أسقفا لقرطاج، ولكن هذا ليس مؤكدا. فأول أسقف موثق رسميا في قرطاج هو أغريبينوس حوالي عام 240.

ترتليان

وُلد ترتليان، أول كاتب مسيحي ناطق باللاتينية، في قرطاج حوالي عام ١٥٥ لعائلة أمازيغية رومانية. امتهن المحاماة والبلاغة. بعد اعتناقه المسيحية، قرر استخدام موهبته البلاغية لنشر إيمانه. دافعت كتاباته الحماسية عن الإيمان المسيحي في وجه هجمات معاصريه.

كما أثار الانتشار السريع للمسيحية، بعقائدها الجديدة والجذرية، العداء. حيث كان الاضطهاد عنيفا في كثير من الأحيان. ففي عام 203، قتلت بيربيتوا، وهي امرأة نبيلة تبلغ من العمر 22 عاما وأما لرضيع، وجاريتها فيلسيتي، التي كانت حاملا، بسبب إيمانهما في قرطاج. وقد كتب ترتليان، عندما رأى كيف أن ثبات الشهداء المسيحيين، الذين كانوا مستعدين للموت على إنكار المسيح، في أيمانهم، يلهم الناس لاعتناق المسيحية قائلا: ”إن دماء الشهداء هي بذرة الكنيسة“.

قبريانوس

كان الأسقف الأكثر نفوذا في قرطاج هو قبريانوس. ولد حوالي عام 210 لعائلة وثنية غنية، ودرس القانون وأصبح محاميا. اعتنق المسيحية وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، ثم وزع ثروته على الفقراء، وذلك اتباعا لتعاليم الكنيسة للمؤمنين الأغنياء. في عام 248، انتخب أسقفا على قرطاج. ألّف العديد من الكتب في العقيدة المسيحية ومات شهيدا عام 258.

كما عاش أوغسطينوس، أعظم لاهوتيي في الكنيسة الرومانية الأفريقية، في قرطاج لعدة سنوات.

خلال أسقفية قبريانوس وخلفائه، بدأت كنيسة قرطاج تأثر بشكل قوي على المسيحيين في جميع أنحاء إفريقيا الرومانية، وذلك من خلال تنظيم المجامع الإقليمية التي كانت تعقد في قرطاج بمشاركة أساقفة من مدن أخرى في المنطقة.

من المرجح أن أغلب سكان قرطاج والمنطقة المحيطة بها كانوا يعتنقون المسيحية منذ نهاية القرن الثالث، قبل أن يعتنقها الإمبراطور الروماني قسطنطين، عندما كانت الديانة المسيحية لا تزال مضطهدة. وقد بدأ انتشار المسيحية من قرطاج إلى جميع أنحاء شمال أفريقيا.

شمال إفريقيا الرومانية

لوتشيوس ألبينوس: عندما أعلن حاكم روماني نفسه ملكا على موريطنية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

كان لوتشيوس ألبينوس موظفا رومانيا وحاكم لموريطنية. في عام 69، بعد هزيمة المطالب بالعرش الإمبراطوري الذي كان يدعمه، أعلن نفسه ملكا على موريطنية، تحت اسم يوبا! و قتل بعد ذلك بوقت قصير.

تولى لوتشيوس ألبينوس أول منصب مهم له عندما عُيّن حاكم على مقاطعة يهودا الرومانية عام 62، بعد وفاة سلفه. وبينما كان في طريقه إلى المقاطعة، استغل رئيس الكهنة اليهودي الوضع ليأمر برجم يعقوب أخو يسوع المسيح وزعيم الجماعة المسيحية في أورشليم حتى الموت. وبمجرد وصوله، أمر ألبينوس بعزل رئيس الكهنة. ولم يكن للسلطات الدينية اليهودية حينها الحق في الحكم على رجل بالموت وإعدامه دون موافقة روما. وتميزت فترة ولايته بتوترات متزايدة بين اليهود والرومان.

بعد قضائه عامين في يهودا (62-64)، عُيّن ألبينوس حاكم على موريطنية القيصرية. وامتدت ولايته فيما بعد لتشمل موريطنية الطنجية.

ملك موريطنية يوبا الثاني، الذي يدعي ألبينوس أنه خليفته

بعد اغتيال الإمبراطور نيرون في يونيو 68، غرقت روما في حالة من الفوضى. حيث تقاتلت الفصائل العسكرية من أجل السلطة، وتعاقب أربعة أباطرة على السلطة في غضون عام واحد. ودعم ألبينوس، أوثو، أحد المطالبين بالعرش، والذي تولى الحكم من يناير إلى أبريل 69 قبل أن ينتحر. وبعد وفاته، تمرد ألبينوس على روما، وتخلى عن ولايته وأعلن نفسه ملكا على موريطنية، تحت اسم يوبا. حتى أنه هدد بعبور المضيق لغزو إسبانيا. فأرسل الإمبراطور الجديد فيتليوس فيالق إلى موريطنية لمحاربته. ومع قلة الدعم من السكان المحليين، هزم ألبينوس بسهولة وأعدم.

يهود في شمال افريقيا

يهود كهوف الصحراء الليبية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

منذ العصور القديمة، كانت المجتمعات اليهودية التي تعيش في الصحراء تعيش تحت الأرض. حيث كانت منازلهم ومعابدهم اليهودية عبارة عن كهوف منحوثة، وأشهرها تلك الموجودة على هضبة غريان في غرب ليبيا، والمعروفة باسم الجبالية باللهجة المحلية.

تم إثبات وجود اليهود ساكني الكهوف منذ العصور القديمة. فقد تحدث عنهم المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس. وعاشت مثل هذه المجتمعات لقرون في المناطق الصحراوية في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الحالي. ولم يبق منها في عصرنا هذا سوى تلك الموجودة في غريان وبدرجة أقل في جبال مطماطة في تونس.

ويعتبر وصف عالم الآثار ناحوم سلوشتز (1906) الأكثر تفصيلا لطبيعة الحياة في مجتمعات سكان الكهوف اليهود في غريان. حيث ذكر بأن مساكنهم تحت الأرض تتمحور حول فناء كان يستخدم كإسطبل وورشة عمل للحرفيين وكمطبخ. وبأن المساكن الفردية عبارة عن مقصورات محفورة في جدران هذه الأفنية. وبأن المعابد اليهودية كانت مبنية تحت الأرض، و بأن المقابر كانت الشيء الوحيد المتواجد فوق الأرض.

وكيهود مزاب، كان يهود غريان من الناطقين بالعربية في منطقة معظم سكانها من الناطقين بالأمازيغية.

وبعد الغزو الإسباني لطرابلس عام 1510، فر ما يقارب 800 يهودي من طرابلس إلى غريان والمناطق المحيطة بها. وعلى مدى القرون التالية، هاجر العديد من يهود غريان إلى طرابلس والمدن الساحلية الليبية الأخرى وقابس في تونس. وفي بداية القرن العشرين، كان لا يزال هناك ما بين 2000 و2500 يهودي في جبل نفوسة. وكغيرهم من اليهود الليبيين، فقد هاجر يهود نفوسة خلال القرن العشرين.

وتتطابق بعض الألقاب الشائعة في المجتمع اليهودي في شمال أفريقيا، مثل فيتوسي وغالولا وأنكري وماغايدس وسيتروك وجبالي وغرياني وسروسي، مع أسماء مناطق في جبل نفوسة. وهذا يدل على أن هذه العائلات من أصول نفوسية.

لم يعد هناك يهود يسكنون الكهوف في عصرنا هذا. ويقوم السكان المحليين بتأجير بعض كهوفهم للسياح.

يهود في شمال افريقيا

تاريخ يهود قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

ازدهر المجتمع اليهودي في قرطاج، المدينة الكبرى في شمال أفريقيا، بشكل رئيسي خلال العصر الروماني. ويمكن تقسيم تاريخها إلى ثلاثة حقب زمنية: حقبة قرطاج القديمة قبل تدميرها على يد الرومان، وحقبة قرطاج الرومانية الجديدة، و حقبة قرطاج بعد العصر الروماني.

كنيس تونس الكبير

قرطاج القديمة

يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس أن اليهود شاركوا إلى جانب الفينيقيين في تأسيس قرطاج. حيث كان العبرانيون جيرانا للفينيقيين ويذكر الكتاب المقدس العبري أن الملك سليمان قام برحلات بحرية مع حيرام الأول، ملك صور، الدولة المدينة الفينيقية التي أسست قرطاج. وحتى لو كان هناك بالفعل يهود بين سكان قرطاج الأوائل كما يزعم، فلا بد أنهم سرعان ما اندمجوا مع السكان الفينيقيين وتوقفوا عن ممارسة دينهم.

ويرتبط اسم قرطاج أحيانا بترشيش، وهي منطقة جغرافية ذكرت عدة مرات في الكتاب المقدس العبري، كان العبرانيون القدماء يتاجرون معها. في الواقع، ربما تكون ترشيش هي منطقة في اسبانيا يطلق عليها تارتيسوس. ومع ذلك، فإن السفن العبرية التي كانت تتاجر مع تارتيسوس كانت تمر عبر ميناء قرطاج.

وقد وصل يهود آخرون إلى قرطاج بعد الفتح البابلي لوطنهم عام 586 قبل الميلاد. وتعود المجتمعات اليهودية في جربة، وهي الأقدم في شمال أفريقيا، إلى هذه الفترة. و على الرغم من عدم توفر أي بقايا أثرية لوجود اليهود في قرطاج القديمة، الا أن معظم المتخصصين يعتقدون أن وجود مجتمعات يهودية صغيرة في قرطاج، وكذلك في المدن البونيقية الأخرى، أمر مرجح.

قرطاج الرومانية الجديدة

المقبرة اليهودية في قمرت

بعد أن أعاد الرومان بناء قرطاج، استقرت مجموعات جديدة من اليهود في المدينة، خاصة بعد أن دمر الرومان القدس عام 70 م. وتعتبر النقوش التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني أقدم دليل أثري على وجود اليهود في قرطاج.

يشير الكاتب المسيحي ترتليان القرطاجي إلى وجود جماعة يهودية في المدينة، والتي وصفها “بأنها مصدر اضطهاد” ضد المسيحيين القرطاجيين. الا أن الأمر قد يكون عبارة عن تعارض ايديولوجي أكثر مما هو اضطهاد عنيف. ومع ذلك، تظهر ملاحظات أخرى لترتليان أنه كان يحترم اليهود، وايمانهم العميق، ونزاهتهم الأخلاقية ورفضهم لعبادة الأصنام.

يذكر التلمود أسماء أربعة حاخامات من قرطاج، وأشهرهم الحاخام ابا. ومع ذلك، فإن العلماء غير متأكدين مما إذا كانت بعض هذه المراجع تشير إلى قرطاج في شمال أفريقيا، أو قرطاج نوفا (قرطاجنة) في إسبانيا، وهي مدينة كان بها مجتمع يهودي مزدهر.

وتعد مقبرة قمرت التي يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثالث الاكتشاف الأثري الرئيسي المرتبط بالجماعات اليهودية في قرطاج. حيث تحتوي هذه المقبرة على 105 حجرة دفن، والتي يمكن أن يكون قد دفن فيها ما يصل إلى 1,500 شخص. وتشهد على الهوية اليهودية للمقبرة العديد من الرموز اليهودية.

قرطاج بعد العصر الروماني

في عام 439، غزا الوندال قرطاج وجعلوها عاصمة مملكتهم في شمال أفريقيا. ودعم اليهود الذين كانوا يخضعون لقيود متزايدة في الإمبراطورية الرومانية المسيحية الغزو الوندالي. وفي المقابل ضمن لهم ملوك الوندال الحرية الدينية.

وفقا لبعض المصادر، فإن ملك الوندال جِنْسِريك أخذ معه، بعد نهب روما عام 455، الأواني المقدسة لمعبد القدس إلى قرطاج حيث تم الاحتفاظ بها في خزانة المدينة. وبعد استرداد البيزنطيين لقرطاج عام 533، أمر الجنرال البيزنطي بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومن هناك أعيدت إلى القدس.

وفي حين تمتع اليهود بالحرية الدينية في عهد الوندال، إلا أن الفتح البيزنطي شهد فترة من الاضطهاد، مع فرض قيود على ممارساتهم الدينية وإجبارهم على اعتناق المسيحية. وبالنسبة لليهود، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الأقليات المسيحية المنشقة في شمال أفريقيا، كان الفتح العربي الإسلامي مصدر ارتياح في المقام الأول.

شمال إفريقيا الرومانية

المقاطعات الرومانية في شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عائشة أبوناعيم

خلال قرون الاحتلال الروماني لشمال إفريقيا، تم تقسيم المنطقة إلى عدة مقاطعات. سنستكشف في هذا المقال هذه المقاطعات من الشرق إلى الغرب.

مصر

أصبحت مصر مقاطعة رومانية في عام 27 قبل الميلاد، وعاصمتها الإسكندرية، وكانت المدينة الثانية للإمبراطورية بعد روما.

قورينائية

ضُمت قورينائية إلى روما عام 96 واستقبلت أول حاكم لها عام 74. وفي عام 67، أصبحت جزءا من المقاطعة الرومانية كريت وقورينائية وكانت عاصمتها جورتين في كريت. ولكن في الواقع، ظلت قورينائية مستقلة إلى حد كبير. وأصبحت في نهاية المطاف مقاطعة قائمة بذاتها في عام 296 م، وكانت قورينة عاصمتها، لتخلفها بطلميس بعد عام 365 م.

طرابلس

دخلت طرابلس تحت السيادة الرومانية في عام 105 قبل الميلاد، بعد حرب يوغرطة. وقد كانت في السابق جزءا من مقاطعة أفريكا. في عام 193، جعلها الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، وهو من لبدة الكبرى، مقاطعة قائمة بذاتها.

أفريكا

تأسست مقاطعة أفريكا، وهي أول منطقة استولت عليها روما في شمال أفريقيا، عام 146 قبل الميلاد بعد سقوط قرطاج. كانت أوتيك عاصمتها في البداية، لتحل مدينة قرطاج الرومانية الجديدة مكانها فيما بعد.

ضُمت طرابلس إلى مقاطعة أفريكا عام 105 قبل الميلاد قبل أن تصبح مقاطعة قائمة بذاتها عام 193.

في عام 46 ق.م، عقب الحرب الأهلية الرومانية بين يوليوس قيصر وبومبيوس الكبير، ضم يوليوس قيصر نوميديا الشرقية التي أصبحت فيما بعد مقاطعة أفريكا نوفا (أفريكا الجديدة)، وعاصمتها زامة. وكان أول حاكم لها هو المؤرخ الروماني سالوست الذي استغل منصبه للبحث والكتابة عن تاريخ شمال أفريقيا.

في عام 25 قبل الميلاد، اندمجت مقاطعتا أفريكا فيتوس (أفريكا القديمة) وأفريكا نوفا لتشكلا معا مقاطعة أفريكا البروقنصلية.

وفي عام 40 م، أصبحت المنطقة التي كانت تدعى سابقا نوميديا الغربية جزءا من مقاطعة أفريكا.

نوميديا

ضمت روما عام 40 م نوميديا، وهي عبارة عن بقايا مملكة قديمة أكبر بكثير. وقد كانت في البداية ملحقة بأفريكا البروقنصلية ثم شكلت إلى جانب طرابلس وعاصمتها سيرتا (قسنطينة) مقاطعة خاصة بها عام 193 م. في حين أصبح الجزء الجنوبي مقاطعة عسكرية خاصة، وعاصمتها لمباز (تازولت).

موريطنية

أصبحت موريطنية جزءا من الإمبراطورية الرومانية في عام 40 م بعد وفاة بطليموس، آخر ملوكها.

وفي عام 42، تم تقسيمها إلى مقاطعتين. موريطانيا القيصرية، التي كانت عاصمتها قيصرية (شرشال)، وهي الجزء الذي ضمته موريطنية بعد حرب يوغورثا من نوميديا. وظل النفوذ النوميدي قويا. وتتشكل موريطانيا الطنجية من الأراضي التي كانت ملكا للملك باكا، قبل أن تبدأ نوميديا في استرجاع أراضيها. وبدلا من وليلي، العاصمة التاريخية لموريطانيا، اختار الرومان طنجيس (طنجة) عاصمة للإقليم.

حدود موريطنية الرومانية
رسميا، ضمت الإمبراطورية الرومانية مملكة موريطنية القديمة بأكملها. لكن في الواقع، اقتصرت السيطرة الرومانية الفعلية على شمال المغرب الحالي. بل من المرجح أن غالبية المور لم يخضعوا أبدا للحكم الروماني.
ومن المحتمل أن الحدود كانت تمتد ما بين الرباط والدار البيضاء. وكانت سلا آخر مدينة تحت الحكم الروماني. وقد بنى الرومان ميناء في أنفا (الدار البيضاء)، ولكن من غير المعروف مدى سيطرتهم الفعلية على المدينة و الجهة التي تقع فيها.

بعد إصلاح ديوكلتيانوس

قام الإمبراطور ديوكلتيانوس (284-305) بإصلاح جذري في إدارة الإمبراطورية، وأنشأ عددا كبيرا من المقاطعات الجديدة التي تم تنظيمها على شكل أبرشيات.

ضمت أبرشية مصر كل من مصر وقورينائية. وتم تقسيم مصر إلى أربع مقاطعات وقورينائية إلى مقاطعتين: قورينائية العليا (قورينائية التاريخية) وقورينائية السفلى (مرماريكا)، وعاصمتها بارايتونيوم (مرسى مطروح).

ضمت أبرشية أفريكا كل من طرابلس وأفريكا ونوميديا وموريطانيا القيصرية. كانت موريطانيا الطنجية جزءا من أبرشية هسبانيا. وكانت إفريكا البروقنصلية مقسمة إلى مقاطعتين: زوغيتانيا في الشمال وبيزاسينا في الجنوب، وعاصمتها حضرموت (سوسة). وأخيرا، انفصلت موريطانيا السطايفية، وعاصمتها سيتيفيس (سطيف)، عن موريطانيا القيصرية.

مع تقسيم الإمبراطورية الرومانية على يد ديوكلتيانوس عام 286، تم تقسيم شمال أفريقيا أيضا. فأصبحت مصر وقورينائية جزءا من الإمبراطورية الشرقية، بينما أصبحت بقية المنطقة جزءا من الإمبراطورية الغربية. ومع ذلك، لم تتأثر المنطقة فعليا، حيث شكلت صحراء سرت حدودا كان من الصعب عبورها. وأصبحت قرطاج ثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية الغربية بعد روما.