Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة صفاء المنصاري
يُعدّ مدرج الجم، المعروف أيضا بقصر الجم أو مسرح الجم والواقع في ولاية المهدية بتونس، أكبر مدرج روماني وأفضله حفظًا في شمال أفريقيا، وأحد أفضل الآثار الرومانية حفظًا في العالم. بُني في القرن الثالث الميلادي، وكان يتسع لما يصل إلى 35000 متفرج. وهو الموقع الأبرز في أفريقيا الرومانية.

كانت الجم في العصر الروماني تدعى تيسدروس. وأصبحت المدينة البونيقية السابقة مستعمرة رومانية. وفي أوائل القرن الثالث، تنافست مع حضرموت (سوسة) لتصبح ثاني مدينة في ولاية إفريقيا بعد قرطاج. وكما هو الحال عليه اليوم، كانت هذه المنطقة مركزًا مهمًا لإنتاج زيت الزيتون.

ليس هنالك تاريخ دقيق لبناء المدرج. وساد الاعتقاد لفترة طويلة بأنه بُني على يد الإمبراطور غورديان الأول، الذي كان واليًا على أفريقيا قبل اعتلائه العرش الإمبراطوري، مع ابنه غورديان الثاني، الذي كان نائبًا لوالده في تيسدروس قبل أن يختاره والده إمبراطورًا مشاركًا. إلا أن فترة حكمهما الوجيزة (22 يومًا) لم تكن كافية لهما لتحقيق هذا المشروع. ولذلك يُرجّح أن يكون غورديان الثالث (238ــ244)، حفيد غورديان الأول، هو من قام ببنائه. تفترض هذه النظرية أن غورديان الثالث وُلد في تيسدروس، وأنه على غرار سيبتيموس سيفيروس في لبدة الكبرى، شعر برغبة في تزيين مدينته الأم. إلا أن هذا مجرد افتراض، ولا يوجد دليل أثري يؤكده. كما تُظهر الهياكل الأقدم أن المدرج بُني على أنقاض مدرج أقدم.

يتميز المدرج بشكله البيضاوي، ويبلغ طوله 148 مترًا وعرضه 122 مترًا. يبلغ طول الساحة 65 مترًا وعرضها 39 مترًا. يضم المبنى 64 رواقًا موزعة على ثلاثة طوابق، ويبلغ ارتفاع جدرانه 36 مترًا. وتقدر سعته بما بين 27000 و45000 مقعد. وهذا يجعله ليس فقط أكبر مدرج روماني في أفريقيا (أكبر من مدرج قرطاج)، بل أيضًا واحدًا من أكبر المدرجات في العالم.

بالإضافة إلى حجمه، يتمتع مدرج الجمّ بحفظٍ رائع. وهو المدرج الروماني الوحيد، إلى جانب الكولوسيوم في روما، الذي بقيت واجهة واحدة سليمة تمامًا على جميع مستوياته الثلاثة. فُقدت عليّته (الجزء العلوي الذي يُتوّج المبنى)، ولكن يُرجّح أنها كانت تُشبه عليّة الكولوسيوم.

عندما كانت المدينة في أوج ازدهارها، استضاف مدرج تيسدروس العروض الترفيهية التي كانت شائعة في جميع أنحاء العالم الروماني: معارك المصارعين، ومعارك الوحوش البرية، والسباقات، وغيرها من ألعاب السيرك. ولاقت إعادة تمثيل صيد القطط الكبيرة رواجًا خاصًا. كما استُخدم المدرج كمكان للإعدام، حيث كان يُقتل السجناء على يد المصارعين أو تأكلهم الوحوش البرية. وكان من بين من أُعدموا في الساحة شهداء مسيحيون.
خلال حرب مقاومة ديهيا (الكاهنة) ضد الغزاة العرب، لجأ جيشها إلى مدرج الجم.

أُدرج هذا الموقع الاستثنائي على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979. وبعد هذا القرار، أُطلقت حملة ترميم وحفظ. وقد مكّن ترميم المدرجات المسرح من الوصول إلى سعة استيعابية تصل إلى 500 شخص، لإقامة الحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية الأخرى. ومنذ عام 1985، ينظم به مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية، الذي أسسه الرئيس التونسي السابق محمد الناصر، المولود في الجم.
بالإضافة إلى مدرجها، كان لدى تيسدروس أيضًا سيرك (حلبة سباق عربات)، بحجم سيرك ماكسيموس تقريبًا في روما، بسعة تصل إلى 30000 شخص.
