Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة إبراهيم أيت دامي
في القرن الثالث للميلاد، شهدت الإمبراطورية الرومانية أطول فترات الاضطراب في تاريخها، عُرفت بـ“الفوضى العسكرية”، حيث تنافس الضباط والقادة العسكريون على الحكم. وخلال بضعة عقود فقط، تعاقب على العرش نحو ثلاثين طامعًا في الإمبراطورية. وفي عام 238م، وهو العام الذي بلغَت فيه الأزمة ذروتها، تولّى ستة أباطرة الحكم في سنة واحدة! ثلاثة منهم، وإن لم يكونوا من أصل إفريقي، فقد كانت لهم صلات وثيقة بإفريقية، وحكموا من قرطاج.
السياق

بعد اغتيال سيفيروس ألكسندر، آخر أباطرة السلالة السيفيرية ذات الأصل الإفريقي سنة 235م على يد جنوده، اختارت الجيوش الرومانية ضابطًا من أصل تراقي يُدعى ماكسيمين كإمبراطور جديد. أقرّ مجلس الشيوخ هذا القرار على مضض، نظرًا لأصول ماكسيمين المتواضعة، إذ كان أول إمبراطور لا ينحدر من الطبقة الأرستقراطية الرومانية. ولتثبيت سلطته، بدأ ماكسيمين بتصفية كبار المسؤولين المقرّبين من سلفه.
إفريقية تنتفض

كان ماكسيمين إمبراطورًا مكروهًا للغاية. وفي سنة 238م اندلعت ثورة في المقاطعة الإفريقية من الإمبراطورية، بلغت من شدتها أن ملاّكي الأراضي سلّحوا عمّالهم الزراعيين. دخل الثوار مدينة تيسدروس (الجمّ بتونس حاليًا)، وقتلوا أحد الموظفين الرومانيين فيها، ثم أعلنوا غورديان، الحاكم العام لإفريقيا، إمبراطورًا بدلًا من ماكسيمين. تردد غورديان، الذي بلغ الثمانين من عمره، في قبول المنصب بسبب سنّه، لكنه وافق أخيرًا بشرط أن يشاركه ابنه الحكم، فلقّبا بـ”غورديان الأول” و”غورديان الثاني”، واتّخذا اللقب الشرفي أفريكانوس.

بعد أيام قليلة، دخل غورديان إلى قرطاج وسط ترحيب واسع من السكان والسلطات المحلية، وأرسل رسائل إلى مجلس الشيوخ الروماني الذي اعترف به إمبراطورًا شرعيًا. لكن والي نوميديا، كابيليانوس، وكان له خصومة قديمة مع غورديان بسبب نزاع قضائي، تحالف مع ماكسيمين وغزا إفريقيا. التقى الجيشان قرب قرطاج، فقُتل غورديان الثاني في المعركة، وانتحر والده شنقًا بحزامه، لينتهي حكمهما بعد اثنين وعشرين يومًا فقط
ما بعد ذلك

بعد فشل التمرّد الإفريقي، وجد مجلس الشيوخ نفسه في موقف حرج، إذ كان ماكسيمين متجهًا نحو روما لاستعادة عرشه، ولا أمل في رحمته بعد أن دعموا خصمه. فاختار المجلس اثنين من أعضائه، بوبينوس وبلبينوس، كإمبراطورين مشتركين. غير أن الشعب الروماني، الذي كره الأرستقراطية، استقبلهم بالاحتجاج ورشق موكبهم بالحجارة والعصي. وتحت ضغط الشارع، استدعوا الشاب غورديان الثالث، حفيد غورديان الأول وابن أخ غورديان الثاني، ليشاركهما الحكم.
وفي طريقه إلى روما، حاصر ماكسيمين مدينة أكيليا، لكن جنوده تمرّدوا عليه وقتلوه بعدما نفدت المؤن. وبعد وقت قصير، قُتل بوبينوس وبلبينوس على يد الحرس الإمبراطوري، وبقي غورديان الثالث الإمبراطور الوحيد.

يُعد غورديان الثالث أصغر إمبراطور في تاريخ روما، إذ لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره حين تولّى الحكم، وكان عرشه هشًّا بسبب صغر سنّه. ويُرجَّح أنه هو من أمر ببناء المدرّج الشهير في تيسدروس (الجمّ)، أكبر وأفضل مدرّجات إفريقيا الرومانية حفظًا. وفي عام 240م، تمرّد سابينيانوس، والي إفريقيا الرومانية، وأعلن نفسه إمبراطورًا في قرطاج، لكنه هُزم على يد والي موريطانيا.
قُتل غورديان الثالث سنة 244م في معركة ضد الفرس، وخلفه في الحكم فيليب العربي (244–249م)، الذي استطاع أن يعيد قدرًا من الاستقرار إلى الإمبراطورية قبل أن تعود الاضطرابات بعد وفاته.
