Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة محمد المباركي
في عهد البطالمة، بنى أونياس، وهو كاهن يهودي لاجئ إلى مصر، معبدًا في مدينة ليونتوبوليس المصرية. ورغم أنّه لم يستطع منافسة معبد أورشليم، فقد كان هذا المعبد يحظى بشعبية واسعة بين يهود مصر، إذ أتاح لهم عبادة الله دون الاضطرار إلى القيام بالرحلة الطويلة والمكلفة إلى فلسطين.

السياق

(المصدر)
في سنة 586 قبل الميلاد، هُزمت مملكة يهوذا على يد الملك البابلي نبوخذ نصر. دمّر البابليون أورشليم، بما في ذلك المعبد الذي بناه الملك سليمان بن داود. ونُفي اليهود وتشتتوا في أنحاء الإمبراطورية البابلية. وقد اعتبر الأنبياء اليهود هذا النفي حكمًا إلهيًا بسبب عصيان الشعب لشريعة الله.

بعد سبعين عامًا، سمح إمبراطور فارس كورش الكبير، المنتصر على البابليين، لليهود الذين تشتتوا في إمبراطوريته الشاسعة بالعودة للعيش في أرض أجدادهم. أسس اليهود العائدون من المنفى موطنًا قوميًّا يهوديًّا جديدًا في فلسطين، تحت سلطة الإمبراطورية الفارسية. وقد أُعيد بناء مدينة القدس، مع هيكلها. ومع ذلك، لم يعد جميع اليهود من المنفى؛ إذ بقيت جماعات يهودية مهمة في عدة مدن ومناطق من الشرق الأوسط.

بعد قرنين، سقطت الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر. وبعد موته، تقاسمت إمبراطوريته الضخمة بين قادته. فخضعت فلسطين أولًا لحكم البطالمة في مصر، ثم للسلوقيين في سوريا. وقد سعى اليهود إلى الحفاظ على هويتهم ودينهم في مواجهة ضغوط الحكّام الجدد، وهم يونانيون ووثنيون.
وفي الفترة نفسها، استقر عدد كبير من اليهود في الإسكندرية، عاصمة البطالمة، وفي مختلف أنحاء مصر وصولًا إلى قورينة. وكانت الجالية اليهودية في الإسكندرية من أكبر الجاليات في العالم القديم، وقد ترجمت نصوصها المقدسة إلى اليونانية.
الكاهن الأكبر أونياس والسلوقيون
في سنة 198 قبل الميلاد، غزا السلوقيون فلسطين. وكان البطالمة يتّبعون سياسة متسامحة نسبيًا تجاه اليهود، بينما حاول السلوقيون إرغامهم على التخلي عن دينهم والاندماج في الحضارة اليونانية.
في سنة 175 ق.م، عُزل أونياس الثالث من منصب الكاهن الأكبر. وتفيد المصادر اليهودية أنّه أُجبر على التخلي عن منصبه بسبب معارضته لسياسة التهلين التي فرضها السلوقيون على يهوذا. أما خلفاؤه، فقد بدأوا بإدخال عادات يونانية تخالف تعاليم التوراة.

بعد ثلاث سنوات، استولى الكاهن الأكبر الجديد مينلاوس على آنية من معبد أورشليم ليهديها إلى بعض وجهاء السلوقيين. فاحتج أونياس واتّهم منلاوس بسرقة كنوز المعبد. وفرّ أونياس إلى مدينة دفنه السورية (حربيات في تركيا الحالية)، قرب أنطاكية عاصمة السلوقيين، حيث قُتل على يد مينلاوس بدعم من أحد الولاة السلوقيين.
إنّ لجوء أونياس إلى دفنه، المشهورة بمعبدها الكبير لأبولو أرتميس، يلقي بظلال من الشك على الصورة التي تقدّمها المصادر اليهودية عنه باعتباره كاهنًا تقيًا كان يسعى لحماية شعبه من الانحراف عن عبادة الله. والأرجح أنّه عُزل لأنه كان مواليًا للبطالمة أكثر من اللازم.

أثارت الإصلاحات المتهلِّنة التي فرضها مينلاوس معارضة شديدة في يهوذا. وفي سنة 167 ق.م، دنّس الإمبراطور السلوقي أنطيوخوس الرابع أبيفانيس معبد أورشليم بإقامة مذبح لزيوس داخله، وتقديم خنزير قربانًا عليه. وقد أدّى تدنيس المعبد واضطهاد اليهود إلى اندلاع ثورة كبرى في فلسطين: التمرد المكابي (167–160 ق.م).
معبد أونياس في ليونتوبوليس

هرب ابن الكاهن الأكبر أونياس، الذي كان يُدعى أيضًا أونياس، إلى مصر بعد وفاة والده. واستقر في بلاط البطالمة، حيث أقام علاقات جيدة معهم. وبفضله، ازدادت مكانة الجالية اليهودية في مصر ونفوذها.
بعد التمرد المكابي، كان أونياس يأمل أن يستدعوه يهود فلسطين ليعود إلى منصب الكاهن الأكبر. لكن قادة الثورة أعلنوا أنفسهم كهنة كبار ثم ملوكًا، مؤسسين السلالة الحشمونية.
حوالي سنة 145 ق.م، قرر أونياس بناء معبد يهودي في مصر. وقد حصل على إذن الملك بطليموس السادس فيلوميتور لبناء المعبد في ليونتوبوليس (تل اليهودية حاليًا، على بعد نحو 20 كلم شمال القاهرة). أراد أونياس منح يهود مصر مركزًا دينيًا مستقلًا عن أورشليم، وربما طمح إلى جعل معبده المعبد الشرعي لليهود بعد تدنيس معبد أورشليم. غير أنّ معظم اليهود — ومنهم يوسيفوس فلافيوس — اعتبروا خطوته خيانة.

بُني معبد أونياس على أنقاض معبد مصري قديم مكرّس للإلهة باستت. وكان المعبد يشبه نموذج معبد أورشليم، لكن بحجم أصغر وببعض الاختلافات. ويصفه فلافيوس يوسيفوس بأنه كان يشبه حصنًا. وقد خدم أونياس وعائلته فيه ككهنة.

لم يحظَ معبد أونياس بالأهمية الدينية نفسها التي حظي بها معبد أورشليم، لكنه كان يتمتع بشعبية بين يهود مصر الذين كانوا يقدمون فيه الذبائح. ومع مرور الزمن، أصبحت المنطقة التي استقر فيها كثير من اليهود حول المعبد تُعرف باسم «أرض أونياس».
سمح بناء المعبد لـ أونياس بتعزيز مكانته بين يهود مصر، واستمر هو ونسله في لعب دور سياسي مهم داخل الإمبراطورية البطلمية. وخلال الحرب الأهلية بين بطليموس الثامن فيسكون وكليوباترا الثالثة، خدم ابنا أونياس، حلقيا وأنانيا، كضباط في جيش كليوباترا.
كتب المؤرّخ اليهودي جايسون القوريني تاريخًا لتمرد المكابي، وقد بدا متعاطفًا بشدة مع أونياس ووالده، ما يدل على انتشار تأثير أونياس في أجزاء واسعة من الشتات اليهودي.
للمزيد من المعلومات
