Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة هشام دريدي
في القرن الثالث قبل الميلاد، أراد الملك اليوناني بيروس الإبيري أن يضع حدًّا للهيمنة الرومانية والقرطاجية في البحر المتوسّط، فقام بغزو صقلية لطرد القرطاجيين منها. ورغم أنّه حقق عدّة انتصارات، اضطر لاحقًا إلى الانسحاب، تاركًا لقرطاج استعادة المناطق التي كان قد فتحها.
السياق

كان بيروس ملكَ إبيروس، وهي منطقة تُقابل ألبانيا الحالية. وهو يونانيّ الأصل، وكان قريبًا بعيدًا للإسكندر الأكبر.
في تلك الفترة، كانت روما تسعى لفرض سيطرتها على كامل شبه الجزيرة الإيطالية. وبعد إخضاع الإتروسكيون، لم تبق خارج النفوذ الروماني سوى المدن اليونانية في جنوب إيطاليا (ماغنا غريسيا). أما صقلية فكانت مقسّمة بين النفوذ القرطاجي والمدن اليونانية التي تقودها سرقوسة. وقد خاض اليونانيون والقرطاجيون سبع حروب من قبل للسيطرة على الجزيرة.
في سنة 280 ق.م، دخلت مدينة تارانتوم في بوليا في صراع مع روما، فاستنجدت ببيروس. فجاء الملك بقواته إلى جنوب إيطاليا وحقق انتصارات عدّة على الرومان، خصوصًا في هيراكليا ثم في أسكولوم. لكن هذه الانتصارات كلّفته خسائر بشرية جسيمة، ممّا جعل عبارة «انتصار بيريّ» تُستخدم إلى اليوم للدلالة على الانتصار الذي يساوي الهزيمة بسبب غلاء ثمنه.
بيروس في صقلية (278–276 ق.م)
بعد انتصاره في أسكولوم، وصلت إلى بيروس رسائل من المدن اليونانية في صقلية تطلب مساعدته لطرد القرطاجيين من الجزيرة. وفي الوقت نفسه، دعاه المقدونيون لتولّي العرش بعد وفاة ملكهم. وبينما كان بيروس لا يزال يطمح إلى بناء إمبراطورية، أدرك أنه غير قادر على مواصلة الحرب ضد روما، فاختار التوجّه إلى صقلية.

نزل بيروس في الجزيرة سنة 278 ق.م، وبعد أن أجبر القرطاجيين على رفع حصارهم عن سرقوسة أعلنه السكان ملكًا على صقلية، وكانت قواته تضمّ 30 ألفًا من المشاة، و3000 فارس، و20 فيلًا حربيًا، و200 سفينة.
دامت حملته في صقلية ثلاث سنوات. وبعد انتصاره على القرطاجيين في هيراكليا مينوا، انضمت إليه مدن أخرى موالية لقرطاج مثل سيلينوس وسيجيستا. وفي سنة 277 ق.م، سقطت إيريكس، أهمّ حصون قرطاج في صقلية. كما أخضع المامرتيين في مسينة.
في سنة 276 ق.م، حاصر بيروس مدينة ليليبايوم، آخر معاقل قرطاج في الجزيرة. لكنه أدرك أنّ السيطرة عليها تستوجب أيضًا إغلاق مرفئها البحري، فجمع الأموال من مدن صقلية لبناء أسطول قوي. أدّت هذه الضرائب القاسية إلى تدهور شعبيته، ففقد دعم المدن اليونانية. وفي الوقت نفسه، بدأ الرومان يستعيدون المناطق التي كان بيروس قد فتحها في جنوب إيطاليا. فرفع بيروس حصاره عن ليليبايوم وانسحب من صقلية.
ما بعد ذلك
عاد بيروس إلى إيطاليا، لكنه هُزم سنة 275 ق.م في معركة بِنِفِنتوم أمام الرومان. ثم رجع إلى اليونان وتُوّج ملكًا على مقدونيا. قُتل سنة 272 ق.م بعد محاولته الفاشلة السيطرة على أسبرطة ثم على كامل الپيلوبونيز. وبعد موته، خضعت تارانتوم، آخر مدينة إيطالية مستقلّة، للحكم الروماني.

استعادت قرطاج السيطرة على المدن التي تركها بيروس، فعاد ميزان القوى بين اليونانيين والقرطاجيين كما كان قبل الحرب. وبعد نحو عقد واحد فقط، دخلت روما وقرطاج—اللّتان كانتا حليفتين ضد بيروس—في صراع جديد للسيطرة على الجزيرة، وهو ما عُرف بالحرب البونية الأولى.
