شمال إفريقيا الرومانية

أباطرة الرومان من أصل شمال إفريقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

عقب الغزو الروماني لشمال إفريقيا، تقلدت العديد من الشخصيات ذات الأصول الشمال إفريقية، والمنحدرة من أسر الصفوة الأمازيغية التي تبنت الرومانية، مناصب ومسؤوليات في الإدارة الإمبراطورية. بل وتولى العديد من الأباطرة الحكم وكانوا من أصول إفريقية.

أول مثال

ألبينوس

ولد دسيموس كلوديوس ألبينوس حوالي عام 150 ميلادي في حضرموت (سوسة) بإفريقيا الرومانية، لعائلة من النبلاء الرومان. يأتي لقبه (ألبينوس) من إصابته بالمهق. بنى ألبينوس حياته المهنية في الجيش تحت حكم الإمبراطورين ماركوس أوريليوس وكومودوس، وأصبح حاكماً لبريطانيا الرومانية.

تم اغتيال الإمبراطور كومودوس في ديسمبر سنة 192. كان الحاكم البريتوري كوينتوس إيميليوس ليتوس، الذي شارك في المؤامرة ضده، من أصل إفريقي، من ثينا (طينة، بالقرب من صفاقس، في تونس الحالية).

اختار الجيش السيناتور برتيناكس ليخلفه، لكنه لم يحكم سوى ثلاثة أشهر قبل أن يُغتال هو أيضًا. حينها قامت الحرس البريتوري ببيع العرش الإمبراطوري للسيناتور الغني ديديوس جوليانوس (الذي كانت تربطه أيضًا صلات بأفريقيا، من خلال والدته، التي جاءت من عائلة رومانية استقرت في حضرموت (سوسة)). وقد أثار هذا الحدث استياء الجيش الذي اعتبر بيع العرش في المزاد أمرًا مهينًا، فثار ضد ذلك.

خلال تلك السنة، طالب عدة قادة عسكريين بالعرش الإمبراطوري، من بينهم ألبينوس، الذي حظي بدعم الفيالق الرومانية في بريطانيا.

وفي الحرب الأهلية التي تلت، تحالف ألبينوس مع قائد عسكري آخر من أصل أفريقي أيضًا، وهو سيبتيموس سيفيروس. وافق ألبينوس في البداية على أن يخدم كقيصر (نائب إمبراطور) تحت إمرة سيبتيموس سيفيروس، ويتولى حكم الجزء الغربي من الإمبراطورية.

وبعد هزيمة باقي المطالبين بالعرش، قرر سيبتيموس سيفيروس، وقد عزم على أن يكون الحاكم الأوحد للإمبراطورية، التخلص من ألبينوس، الذي قُتل سنة 197.

سيبتيموس سيفيروس (193–211)

سيبتيموس سيفيروس

يُعتبر سيبتيموس سيفيروس أول وأعظم أباطرة روما من ذوي الأصول الأفريقية، وهو أيضًا مؤسس السلالة السيفيرية التي حكمت لأكثر من ثلاثة عقود. رأى النور في مدينة لبدة الكبرى الليبية، وأسس فيها عدة مبانٍ فاخرة (مثل قوس سيبتيموس سيفيروس الموجود في الصورة الرئيسية). يُمثّل عهده قمة سلطة الرومان الأفارقة داخل الإدارة الإمبراطورية. وبفضل حملاته العسكرية، اتسعت الإمبراطورية الرومانية لتصل إلى أقصى اتساع لها عند وفاته. ومن أبرز فتوحاته كانت ضد قبائل الجرمنتيون. وقد خصصنا له مقالاً شاملاً.

خلفاء سيبتيموس سيفيروس

قرقلة

بعد وفاة سيبتيموس سيفيروس، خلفه ابناه قرقلة وغيتا. ورغم أن سيبتيموس سيفيروس كان يرغب في أن يحكما معًا، إلا أنهما لم يكونا قادرين على تقاسم السلطة. وفي النهاية، قام قرقلة باغتيال غيتا ليستأثر بالحكم وحده.

كان قرقلة (211–217) إمبراطورًا من أصل أفريقي من جهة والده، ومن أصل سوري من جهة والدته. وُلد في لوغدونوم (ليون الحالية) في بلاد الغال. وتشير سيرته إلى أنه، خلال فترة حكمه، جمع أفضل صفات هذه الشعوب الثلاثة. ويُعرف خصوصًا بأنه منح الجنسية الرومانية لجميع الرجال الأحرار في الإمبراطورية.

بعد اغتيال قرقلة، أصبح ماكرينوس، قائد الحرس الإمبراطوري، إمبراطورًا (217–218). وكان هو أيضًا من أصل أفريقي، إذ وُلد في مدينة قيصرية (شرشال الحالية)، ضمن عائلة أمازيغية الأصل.

وبعد أن أُبعدت أسرة سيفيروس عن الحكم، دعمت إيل جبل، ابن إحدى قريبات كركلا، وكانت والدته تزعم أنه الابن غير الشرعي للإمبراطور المغتال. إلا أن معظم المؤرخين المعاصرين يشككون في صحة هذا الادعاء. تم قتل ماكرينوس وتولى إيل جبل الحكم (218–222). وقد اتسم عهده بفضيحة دينية، حيث رفض عبادة الآلهة الرومانية التقليدية، مفضلًا عبادة إله سوري.

وقد عارضت الحرس البريتوري حكم إيل جبل، فقررت الإطاحة به وتنصيب ابن عمه، سيفيروس ألكسندر، إمبراطورًا بدلاً منه (222–235)، ليكون آخر إمبراطور من سلالة السيفيريين. ومع مقتله، انتهت سلالة سيفيروس.

سلالة الغورديين

غورديان الثالث

الأباطرة الثلاثة الذين حملوا اسم غورديان (الأب، الابن، والحفيد) لم يكونوا من أصل أفريقي، لكن كانت لديهم روابط وثيقة بأفريقيا. كان غورديان الأول واليًا على أفريقيا الرومانية قبل أن يُعلن إمبراطورًا من قبل السكان الأفارقة، ثم يُعترف به من قبل مجلس الشيوخ. حكم في قرطاج لبضعة أسابيع في عام 238، مع ابنه غورديان الثاني، قبل أن يُقتل على يد أحد مؤيدي سلفه. أما حفيده غورديان الثالث (238-244)، فمن المحتمل أنه وُلد في تيسدروس (الجم) وربما قام ببناء مدرج المدينة، وهو الأكبر والأفضل حفظًا في أفريقيا الرومانية. مقال مفصل

ما الأباطرة الذين شغلوا منصب حاكم إفريقيا؟
مثل غورديان الأول، خدم عدد من الأباطرة الآخرين كحكّام على مقاطعة إفريقيا الرومانية. غلباس، الذي حكم لبضعة أشهر بين عامي 67 و68، كان حاكماً على إفريقيا نحو سنة 45، في عهد الإمبراطور كلوديوس (41-54). كان فيتليوس واليًا على إفريقيا في سنتي 60 أو 61، في عهد نيرون. كما أن برتيناكس وديديوس جوليانوس، وهما السلفان المباشران لسبتيميوس سيفيروس، شغلا هذا المنصب في عهد كومودوس (180-192)، قبل فترة قصيرة من اعتلائهما العرش.
لكن تولي هذا المنصب لا يعني بالضرورة أن لهم أصولاً إفريقية، أو حتى روابط خاصة بإفريقيا. فقد كان حُكم إفريقيا منصباً مرموقاً تطمح إليه النخبة الرومانية، ولا يُمنح إلا للإداريين الأكثر كفاءة.

اخر إمبراطور إفريقي

عملة تحمل صورة إميليانوس

وُلد آخر إمبراطور روماني من أصل أفريقي، إميليانوس، في جربة، لكنه كان من أصل موريتاني. حكم لمدة ثلاثة أشهر في عام 257. مقال مفصل

وبحسب بعض المصادر فإن الإمبراطور كاروس (282-283) كان أيضًا من أصل أفريقي، إلا أن المؤرخين المعاصرين يشككون في هذا الأصل.

وأخيراً، كان هناك أيضاً العديد من الإمبراطورات من أصل شمال أفريقي.

الغاصبون من أصول شمال أفريقية
إلى جانب هؤلاء الأباطرة، ادّعت شخصيات أخرى من أصول شمال أفريقية العرش الإمبراطوري دون أن تنجح في ذلك.
أوّل غاصب من أصول شمال أفريقية هو ألبينوس، الذي ذُكِر سابقًا في هذا المقال. كان منحدرًا من هادروميتوم (سوسة)، وقد أعلن نفسه إمبراطورًا سنة 193، قبل أن يُهزَم على يد سبتيم سيفير.
وفي سنة 240، بينما لم يكن الإمبراطور غورديان الثالث قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، أعلن سابينيانوس، حاكم أفريقيا، والمنحدر من أشولا (رأس بطريّة شمال صفاقس)، نفسه إمبراطورًا بدلًا منه. كان متمركزًا في قرطاج، ويُسيطر على أفريقيا، لكن لم يُعترف به في بقية أنحاء الإمبراطورية. ولم تدم ثورته طويلًا، إذ قضى عليه سريعًا أنصار غورديان الثالث.
وبحسب Historia Augusta، وهي مجموعة سير للأباطرة الرومان كُتبت في القرن الرابع، أعلنرجل يُدعى كيلسوس، وهو قائد عسكري متمركز في أفريقيا الرومانية، نفسه إمبراطورًا خلال عهد غالينوس (253–268). لكن معظم المؤرخين المحدثين يرون أنّ هذا الغاصب لم يوجد أصلًا.
وحوالي سنة 308، وفي خضمّ الحرب الأهلية بين المتنافسين على العرش الإمبراطوري، أراد أحد هؤلاء المتنافسين، مكسنتيوس، أن يُعترف به في أفريقيا. غير أن دوميتيوس ألكسندر، الحاكم العام لأفريقيا الرومانية، رفض ذلك وأعلن نفسه هو أيضًا إمبراطورًا. وقد هُزِم وقُتِل على يد مكسنتيوس بعد ذلك بسنتين.
وأخيرًا، في سنة 413، تمرّد هيراكليانوس، الحاكم العام لأفريقيا الرومانية، على الإمبراطور هونوريوس. وللاستيلاء على العرش، نزل في إيطاليا، لكنّه هُزِم هناك.
الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

يوبا الثاني وغايوس قيصر: عندما ساند ملك موريتانيا الدبلوماسية الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

أثناء تولي الإمبراطور الروماني أغسطس الحكم، أرسل حفيده غايوس قيصر إلى آسيا بهدف استعادة الاستقرار في المناطق الشرقية من إمبراطوريته، التي اهتزت بسبب الأزمات المختلفة. واختار أغسطس مستشارين من ذوي الخبرة لمرافقة الشاب، بمن فيهم الملك يوبا الثاني ملك موريتانيا. وتظهر مشاركة يوبا الثاني في هذه الحملة تأثيره على الشؤون الرومانية.

غايوس قيصر

السياق

بما أن الإمبراطور أغسطس لم يرزق بأبناء ما يعني لا يوجد وريث له بموجب القانون الروماني. أنجبت ابنته الوحيدة، جوليا، ولدين: غايوس ولوكيوس، فتبناهما أغسطس بهدف جعلهما خلفاء له.

مملكة هيرودس الكبير

سنة 4 قبل الميلاد، توفي هيرودس الكبير ملك يهودا وحليف الرومان. فلجأ أبناؤه إلى روما لإدارة شؤون خلافته.

فضل مجلس الشيوخ الروماني أرخيلاوس، أحد أبناء هيرودس، لأنه وعد بضخ مبلغ مالي مهم في خزانة الإمبراطورية. وعند دخول القوات الرومانية إلى يهودا لجمع هذه الأموال، اندلعت ثورة في المدن اليهودية. اضطر الإمبراطور إلى استدعاء الجحافل الرومانية المتمركزة في سوريا لإعادة فرض الأمن.

في الوقت نفسه، أُطيح بالملك تيغران الرابع ملك أرمينيا، وهو حليف آخر للرومان، على يد الإمبراطور الفارسي. ومن أجل مواجهة الفارسيين في أرمينيا، احتاجت روما إلى فيالقها السورية، التي كانت منخرطة بالفعل في يهودا.

قرر الإمبراطور حينها تنظيم حملة كبرى في الشرق، بهدف بسط الاستقرار في يهودا واستعادة السيطرة على أرمينيا. كان هدفه إعادة الهيمنة الرومانية حتى نهر الفرات. وبما أن أغسطس كان طاعنًا في السن ولا يقدر على قيادة حملة بنفسه في الشرق، فاختار حفيده، غايوس قيصر، الذي كان شابًا لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ويفتقر للخبرة الضرورية لمثل هذه المهمة. ولإحاطته وتقديم المشورة له، اختار الإمبراطور مجموعة من الرجال المتمرسين. كان أحدهم الملك يوبا الثاني ملك موريتانيا، الذي يعرفه أغسطس جيدًا لأنه نشأ في روما. ويُظهر هذا الاختيار مدى تقدير الإمبراطور ليوبا الثاني.

حملة غايوس قيصر

في يهودا

تقسيم مملكة هيرودس الكبير

تتمثل المرحلة الأولى من الحملة في سوريا، ثم يهودا، حيث أوكل إلى غايوس مهمة تنفيذ مخطط تقسيم مملكة هيرودس الكبير الذي اعتمدته روما. وحاز أرخيلاوس على نصف مساحة أراضي والده، بينما اقتسم إخوته ما تبقى. أتاحت هذه التسوية تهدئة الأوضاع في المنطقة.

بينما كان غايوس ورفاقه في يهودا، أشاد به الإمبراطور لاختياره عدم تقديم القرابين للآلهة الرومانية في القدس، إذ كان ذلك سيعتبر استفزازًا من جانب السكان اليهود بالمدينة.

في يهودا، التقى يوبا الثاني، الذي أصبح أرملاً منذ وفاة زوجته كليوباترا سيليني عام 5 قبل الميلاد، بـغلافيرا، أرملة الإسكندر، أحد أبناء هيرودس الكبير، والتي سيتزوجها لاحقًا كزوجة ثانية له.

في شبه الجزيرة العربية

بعد إعادة الاستقرار في يهودا، رجع غايوس إلى سوريا، حيث استعد للحرب ضد الفرس الفارسيين.

مملكة الأنباط

في إحدى فترات إقامته في الشرق، قاد غايوس حملة استكشافية إلى شبه الجزيرة العربية، التي كانت بالنسبة للرومان تعني مملكة الأنباط، وهي سلالة عربية حكمت منطقة واسعة تمتد من جنوب سوريا إلى شبه جزيرة سيناء ومنطقة الحجاز، وعاصمتها البتراء، المدينة الشهيرة المنحوتة في الصخر. يبدو أن غايوس ورفاقه وصلوا حتى خليج العقبة، جنوب الأردن حاليا.

تعتبر دوافع هذه الحملة غير مؤكدة. في ذلك الوقت، كان الحارث الرابع، ملك الأنباط الذي حكم من عام 9 قبل الميلاد إلى 40 م، وكان حليفاً للرومان. ومن المحتمل أن تكون الحملة قد هدفت إما للتأكد من ولائه أو لدعمه ضد خصم ما، لكننا لا نعرف أكثر من ذلك.

قبيل (أو بعد) هذه الحملة الاستكشافية، ألف يوبا الثاني كتاباً “حول شبه الجزيرة العربية”، عن جغرافية المنطقة وأعراف العرب وأهداه للأمير الشاب غايوس. وتؤكد المراجع الرومانية أنه كتب هذا المؤلف قبل الحملة، لتحضير غايوس للقاء العرب، لكن المؤرخين الحديثين يرجحون أنه استند إلى المعلومات التي جمعها خلال الحملة في تأليفه. وهذا العمل، وهو الوحيد الذي خطه يوبا الثاني باللاتينية، ولاقى اقبالاً واسعاً في روما وأسهم كثيرًا في ولع الرومان بشبه الجزيرة العربية.

في أرمينيا

المملكة الأرمينية

بعد عودة غايوس ورفاقه من شبه الجزيرة العربية، واصلوا الاستعدادات للحرب ضد الفارسيين. في عام 1 م، وافق ملك الفارسيين، الذي لم يكن مستعدًا للقتال، أخيرًا على الانسحاب من أرمينيا. اختار الرومان أريوبارزاني الأتروباتيني ملكًا جديدًا على أرمينيا.

في الوقت ذاته، حتى لو لم يعد الفارسيون يدّعون ملكية أرمينيا، فقد واصلوا معارضة النفوذ الروماني من خلال دعم المتمردين الأرمن القوميين. غزا غايوس أرمينيا في العام الثاني لقمع الثوار. في العام الذي يليه، دعاه أبادون، قائد التمرد، للحضور والتحدث إليه في حصنه. اتضح أن هذه الدعوة كانت كمينًا: فقد أصيب غايوس بجروح بالغة واضطر رفاقه لحمله للانسحاب. توفي بعد عدة أشهر متأثراً بإصاباته، عن عمر 23 عاماً فقط. كما توفي شقيقه لوكيوس بسبب المرض في العام الثاني، في ماساليا، عن عمر 18 عاماً.

لاحقًا

بعد وفاة غايوس ولوكيوس المفاجئة، فقد الإمبراطور أغسطس حفيديه الوحيدين اللذين كان يجهزهما لخلافته.

عاد يوبا الثاني إلى وطنه. لا يُعرف ما إذا كانت زوجته الجديدة غلافيرا قد رافقته، إذ لم يُعثر على أي نقش يحمل اسمها في موريتانيا.  تطلّقا حوالي عام 7 م، وتزوجت غلافيرا مرة أخرى من أرخيلاوس، ابن هيرودس الكبير.

شمال إفريقيا الرومانية

عظماء الإمبراطورية الرومانية من أصول أفريقية: فرونتو، معلم الإمبراطور

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

عقب الغزو الروماني لشمال إفريقيا، تولى العديد من الشخصيات من أصول شمال أفريقية، والمنحدرين من عائلات النخبة الأمازيغية الرومانية، بمهام في الإدارة الإمبراطورية وأظهروا براعتهم في روما وفي أرجاء الإمبراطورية. يُقدر أنه بحلول أواخر القرن الثاني الميلادي، كان ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الروماني من أصول أفريقية! وفي هذا المقال، الذي يندرج ضمن سلسلتنا عن الأعلام الرومانيين الأفارقة، سنتناول حياة الخطيب فرونتو، الذي شغل منصب معلم الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

ولد المتحدث ماركوس كورنيليوس فرونتو قرابة سنة 100 م في سيرتا (قسنطينة حاليًا)، وتعود أصول عائلته إلى الأمازيغ، إلا أنه كان مواطنًا رومانيًا منذ ولادته.

استقر خلال سنوات شبابه في روما بغرض الدراسة، واشتغل خلال مسيرته المهنية في العاصمة الإمبراطورية كمحام وخطيب وعالم نحو، وكانت شهرته عظيمة لدرجة أنه كان يعتبر أعظم خطيب منذ شيشرون. بعد أن جمع ثروة كبيرة، بنى العديد من المباني الفخمة؛ كما استحوذ على حدائق مايكيناس الشهيرة، التي كانت من بين أروع الحدائق في روما.

في عام 142، انتُخب قنصلًا لمدة شهرين. وفي وقت لاحق، عُرض عليه منصب حاكم آسيا، لكنه رفض لأسباب صحية. وقد بلغ ذروة حياته المهنية عندما اختاره الإمبراطور أنطونينوس ليكون مربيًا لابنيه، الإمبراطورين المستقبليين ماركوس أوريليوس ولوسيوس فيروس، ويعتبر الشخص عرّف ماركوس أوريليوس، الملقب بـ “الإمبراطور الفيلسوف”، على مبادئ الفلسفة الرواقية.

توفي فرونتو حوالي 165م وتزامنت مع انتشار وباء الطاعون الذي فتَك بربع سكان الإمبراطورية آنذاك (ما يقارب عشرة ملايين نسمة)، بمن فيهم الإمبراطور ماركوس أوريليوس نفسه. لا توجد أي مصادر تثبت وفاة فرونتو جراء الطاعون، لكن يبقى ذلك سيناريو محتمل.

كانت أعمال فرونتو الأدبية وما تزال الرسائل التي تراسل بها مع ماركوس أوريليوس ولوسيوس فيروس متوفرة حتى يومنا هذا، كثيرة  جانب رسالتين في قواعد اللغة. يقتبس الكاتب المسيحي الروماني الأفريقي مينوسيوس فيليكس جزءًا من أحد خطابات فرونتو حيث يهاجم العقيدة المسيحية الناشئة ويتهم المسيحيين بإقامة طقوس عربدة محرمة. ويشير إليه ماركوس أوريليوس بعاطفة عميقة، سواء في رسائله الشخصية أو في كتابه»  التأملات « .

بعد لفرونتو، ذاع صيت أفريقيا الرومانية لما أنجبته من أساتذة مرموقين في مجال الخطابة.

ملحوظة : لا تتضمن صورة الغلاف تمثالًا لفرونتو، وإنما تمثال الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

شمال إفريقيا الرومانية

تاكفاريناس وإيديمون الثورات الأمازيغية ضد الاحتلال الروماني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

بينما تقبّل سكان المدن الكبرى في شمال إفريقيا التطورات الناجمة عن الرومنة، ظلت القبائل الأمازيغية رافضةً للاحتلال الروماني وكانت تنتفض بشكل مستمر. في سنة 17 ميلادية، قاد تاكفاريناس، وهو جندي سابق في الجيش الروماني، انتفاضة ضد الاستعمار الروماني في شمال إفريقيا. وبعد اغتيال الملك بطليموس الموريطاني، ثار إيديمون، وهو عبد محرر كان في خدمة بطليموس، على ضم مملكة موريتانيا إلى الإمبراطورية الرومانية.

انتفاضةتاكفاريناس

ينتمي تاكفاريناس، الذي ولد في تاغاست (سوق أهراس حاليًا) إلى قبيلة الموسالميين الجيتولية، التي كانت تستوطن منطقة الشطوط (الجزائر وتونس). بعد خدمته كجندي في الجيش الروماني، انشق عن الجيش وانضم إلى قبيلته الموسالمية، حيث تزعم مجموعة من المقاتلين وشنّ عدة هجمات على مناطق سيطرة روما. واستفاد من خبرته العسكرية في تنظيم رجاله وتحويلهم إلى قوة عسكرية فعالة، لدرجة أن قبيلته انتخبته زعيمًا لهم.

تاكفاريناس وحلفاؤه: المور، الموسالميين، السينيتيين، والجرمانتيين (مصدر)

في سنة 17 ميلادية، قاد تكفاريناس واحدة من أكبر الثورات في تاريخ شمال إفريقيا ضد الاستعمار الروماني. تحالف مع الزعيم الموري مازيفا، الذي يُعتقد أنه كان في صراع مع الملك يوبا الثاني، كما انضم إليه أفراد من قبيلة السينيت التي كانت تقطن جنوب تونس، إلى جانب دعم الجرمانتيين. لم تذكر المصادر التاريخية أسباب هذاه الثورة، لكن يبدو أن سيطرة روما على المراعي التقليدية للرحّل كانت الشرارة التي أشعلت فتيل التمرد. 

بالنسبة للرومان، لم يكن هذا مجرد سلسلة من الغارات المعتادة على الحدود، بل شكل تهديدًا استراتيجيًا خطيرًا، إذ فاقت قوات حلفاء تاكفاريناس القوات الرومانية عددًا. ومع ذلك، اعتمد الرومان على تفوقهم العسكري، مما ألحق خسائر جسيمة بتاكفاريناس، ليضطر في النهاية إلى الفرار مع ما تبقى من جنوده نحو الصحراء.

شاهدة جنائزية لجندي روماني

لم تنتهِ ثورة تكفاريناس عند هذا الحد، إذ أدرك أنه لا يستطيع الصمود أمام الجيش الروماني في مواجهة مباشرة، فلجأ إلى استخدام تكتيكات حرب العصابات. استغل معرفته الجيدة بالمنطقة، مستفيدًا من أساليب القتال التي أتقنتها القبائل الأمازيغية منذ العصور القديمة. كان رجاله يشنون هجمات مباغتة ثم يختفون في الجبال أو الصحراء.

حصل الجيش الروماني على دعم الملك يوبا الثاني وابنه بطليموس، اللذين قدما مساعدات عسكرية ولوجستية لروما. لكن الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت لها أبعاد اقتصادية أيضًا، إذ أدت هجمات الثوار إلى اضطراب الإنتاج الزراعي في مناطق سيطرة الرومان، مما تسبب في ارتفاع حاد لأسعار القمح في روما.

بعد سنوات من الثورة، أرسل تكفاريناس مبعوثين إلى روما لعرض اتفاق سلام مقابل منح أراضٍ لأنصاره، لكن الإمبراطور تيبيريوس رفض التفاوض معه واعتبره خائناً ولصاً.

في محاولة لإنهاء هذه الانتفاضة، أرسل الرومان القائد المحنك كوينتوس يونيوس بلايسوس، الذي تمكّن خلال ثلاث سنوات من تحقيق عدة انتصارات مستفيدًا من الوحدات المتنقلة الجديدة، مما مكّنهم من مطاردة الثوار في كل مكان. كانت تكمن قوة تاكفاريناس في استمرار انضمام جنود جدد إلى جيشه، أغلبهم من قبائل الصحراء.

عام 24 ميلادية، حاصر الحصن الروماني في ثوبورسيكوم، ويعتبر موقع هذا الحصن محل جدل، إذ يُرجّح البعض أنه خميسة في الجزائر أو تبورزوك في تونس. لكن جيشه هُزم من قبل قوات المشاة الرومانية، مما اضطره إلى الفرار نحو موريتانيا. طلب الرومان من الملك بطليموس المساعدة في القبض عليه، لينتهي به المطاف في معسكره الأخير في أوزيا، والتي تُعرف اليوم بسور الغزلان في الجزائر. شن الرومان هجوما عليه وذبحوه رفقة أتباعه، مما شكل نهاية للثورة.

ثورةإيديمون

بطليموس موريتاني

كان إيديمون عبدًا منزليًا بطليموس، آخر ملوك موريتانيا، ونال حريته مكافأة على إخلاصه. اغتيل بطليموس عام 40 ميلاديًا أثناء زيارته لروما، بأمر من الإمبراطور كاليغولا، الذي رأى فيه منافسًا محتملًا. فتح موته الباب أمام ضم موريتانيا إلى الإمبراطورية الرومانية.

اغتيال بطليموس أدى إلى انتفاضة إيديمون ضد روما انتقامًا لسيده، لكن ثورة إيديمون لم تحظَ بنفس التأييد الشعبي الذي لقيته انتفاضة تكفاريناس، إذ تشير نقوش وليلي إلى أن أغلب سكان المدينة قاتلوا ضده. ومع ذلك، حصل على دعم بعض قادة القبائل المورية، مثل سابالوس، في حين انحاز بعض القادة المتأثرين بالثقافة الرومانية إلى جانب روما، أبرزهم لوسيوس كويتوس.

بعد اغتيال كاليغولا سنة 41 ميلادية، أرسل الإمبراطور كلوديوس جيشين بقيادة الجنرالين بولينوس وجيتا لإخماد الثورة. نجح بولينوس في أن يصبح أول روماني يعبر جبال الأطلس، وخاض الجيش الروماني مواجهات دامية مع الثوار، مما أدى إلى دمار جزئي في مدينة تنجيس (طنجة). كما اندلعت معارك أخرى في مدن وليلي وليكسوس (العرائش)، وتمودا (تطوان).

بعد أربع سنوات، انتهت الثورة في عام 44 بانتصار روماني حاسم، حيث استسلم سابالوس ورجاله. يذكر المؤرخ الروماني ديون كاسيوس أن استسلام سابالوس جاء بعد أن شاهد الجنرال الروماني جيتا يستخدم طقوسًا أمازيغية تقليدية لجلب المطر، مما دفعه للاعتقاد بأن خصمه يمتلك قوى خارقة. يبقى مصير سابالوس وأيديمون مجهولًا.

بعد هذه الثورة، تم تقسيم موريطانيا إلى مقاطعتين رومانيتين: موريتانيا القيصرية وموريتانيا الطنجية.

الثورات الأمازيغية الأخرى

تعد ثورة تاكفاريناس وإيديمون الأكثر شهرة، ولكنها ليست الثورات الأمازيغية الوحيدة ضد الرومان، إذ قام الرومان بإنشاء مقاطعة عسكرية خاصة في جنوب نوميديا، عاصمتها لامبيز (تازولت)، من أجل محاربة هذه الثورات.

لوسيوس كويتوس وفرسانه

في عام 118 م، أمر الإمبراطور هادريان بإعدام الجنرال ذي الأصل الموري لوسيوس كويتوس (ابن لوسيوس كويتوس الذي قمع ثورة إيديمون). أثارت وفاته تمرداً في موريتانيا، حيث كان يتمتع بشعبية كبيرة. أرسل هادريان رجله الموثوق به، الجنرال كوينتوس مارسيوس توربو، لإخماد الثورة.

حدثت انتفاضات أخرى في عهد الإمبراطور أنطونيوس (138-161). في عهد ابنه ماركوس أوريليوس (161-180)، شن الموريون من موريتانيا الطنجية غارات في إسبانيا. استقر الوضع إلى حد ما في عهد الأسرة الإمبراطورية السيفيرية، ذات الأصل الأمازيغي. قرب نهاية القرن الثالث، اضطرت روما مرة أخرى لمواجهة العديد من الثورات، بقيادة البابار، وهو اتحاد أمازيغي من موريتانيا القيصرية.

لمعرفة المزيد

يهود في شمال افريقيا

اليهود المغاربة: تاريخ يمتد لألف سنة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

يعتبر اليهود المغاربة، وهم أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي، أقلية ذات نفوذ ومحترمة. في هذا المقال، سنتعرف على تاريخ هذه الجالية الموجودة في المغرب منذ العصور القديمة ما قبل الرومانية.

وصل اليهود الأوائل إلى المغرب على الأرجح في القرن السادس قبل الميلاد، خلال فترة الغزو البابلي للقدس. واستقرت أقدم جالية يهودية موثقة في المغرب الحالي في إفران أطلس الصغير، في إقليم كلميم، والتي يعود تاريخها إلى عام 361 قبل الميلاد. وبما أن هؤلاء اليهود قد وصلوا إلى هذه المناطق الجنوبية، فمن المؤكد أنهم استقروا في مناطق أقصى شمالًا.

حوالي عام 150 قبل الميلاد، أجبرت موجة من الاضطهاد بعض اليهود في قورينة على الهجرة، اذ وصلوا إلى طنجة عن طريق البحر، واستقروا في جبال الريف والأطلس.

تشهد النقوش الجنائزية في وليلي، عاصمة موريتانيا التاريخية، على وجود جالية يهودية في القرن الثاني قبل الميلاد.

نقش قبر مؤسس كنيس وليلي

ازداد عدد اليهود في المغرب بشكل ملحوظ خلال فترة الحكم الروماني، خصوصاً بعد تدمير القدس على يد الرومان عام 70 ميلادية. وفي مدينة وليلي، تم إنشاء كنيس يعود تاريخه إلى القرن الثالث الميلادي، كما يتضح من نقش على قبر المؤسس، وهو شخص يدعى سيسيليانوس. ما يزال مكان هذا الكنيس مجهولاً في موقع وليلي الأثري. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مجتمعات يهودية في كل من طنجة، ليكسوس (العرائش)، سلا، وأزمور، التي كانت تقع خارج حدود موريتانيا الرومانية.

في عام 429، عبر الوندال من إسبانيا إلى موريتانيا وبدأوا في حملة للسيطرة على شمال إفريقيا. نظرًا للقيود المتزايدة التي كان اليهود يتعرضون لها في ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية، فقد دعموا هذا التوغل، حيث وعدهم الوندال بحرية دينية.

في القرن السابع، استقر العديد من اليهود الإسبان في المغرب، هربًا من اضطهاد ملوك القوط الغربيين لإسبانيا، الذين اعتنقوا الكاثوليكية.

خلال الفتوحات العربية الإسلامية، حارب اليهود إلى جانب الأمازيغ المسيحيين والوثنيين. في الفترة المضطربة التي تلت الثورة البربرية عام 743، عاشت مجتمعات يهودية في عاصمة الممالك الخارجية الجديدة، مثل سجلماسة وتلمسان. تشير بعض المصادر إلى أن مؤسس دولة برغواطة، طريف المتغري، كان من أصول يهودية. وكان اليهود، القادمون من الأندلس أو القيروان، من أوائل سكان فاس بعد تأسيسها على يد الأدارسة. وقد سكنت المنطقةَ عدةُ عائلات يهودية قبل وصول مولاي إدريس.

العلم القديم للإمبراطورية الشريفية، مزينة بنجم داوود

منذ ذلك الحين، لعبت الطائفة اليهودية دورًا هامًا في جميع الممالك التي تعاقبت على المنطقة. وبعد استعادة إسبانيا من قبل الممالك المسيحية، استقر العديد من المسلمين واليهود الذين طردوا من إسبانيا في المغرب، وخاصة في مناطق فاس ومكناس وتطوان. وبالإضافة إلى المدن التي سبق ذكرها، تعتبر كل من صفرو والصويرة من المراكز الهامة الأخرى لليهود المغاربة.

خلال الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الحماية الفرنسية على المغرب، دافع السلطان محمد بن يوسف، الذي أصبح لاحقًا الملك محمد الخامس، عن اليهود المغاربة ضد القوانين التمييزية التي فرضتها حكومة فيشي، مؤكداً علنًا أنه لا يميز فرقًا بين رعاياه من المسلمين واليهود.

أندري أزولاي

يعيش حاليا ما يقارب 2000 يهودي في المغرب، يتركزون بشكل أساسي في الدار البيضاء، مراكش، وفاس. ورغم التراجع الكبير في أعدادهم خلال القرن العشرين، إلا أنهم ما زالوا يمثلون أكبر جالية يهودية في شمال إفريقيا والعالم الإسلامي. وقد بذلت الدولة جهودًا كبيرة لتثمين التراث الثقافي اليهودي المغربي. يعتبر أندري أزولاي الشخصية اليهودية المغربية الأكثر تأثيرًا، إذ شغل منصب مستشار للملك الحسن الثاني والملك محمد السادس. وُلِد في 17 أبريل 1941 بمدينة موغادور، المعروفة اليوم باسم الصويرة. تشغل ابنته، أودري أزولاي، منصب المديرة العامة لمنظمة اليونسكو. ومن بين الشخصيات المغربية اليهودية الأخرى المعروفة، رغم اعتناقه المسيحية، الفنان الكوميدي جاد المالح.

لمعرفة المزيد:

ميمونة ، جمعية تعمل على تثمين الإرث الثقافي لليهود المغاربة

متحف اليهودية المغربية

التاريخ الروماني في شمال أفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

حرب سولا الأهلية : ظل الديكتاتورية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

مع توسع النفوذ الروماني في شمال إفريقيا، أصبح حكم آخر ملوك نوميديا وموريطنية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بروما، لدرجة أن الصراعات السياسية والحروب الرومانية بدأت تؤثر بشكل مباشر على شمال إفريقيا. يتناول هذا المقال، والذي يأتي ضمن سلسلتنا حول آخر عقود الجمهورية الرومانية، الحرب الأهلية الرومانية الأولى، وهي الحرب التي دارت بين ماريوس وسولا، وهما رجلان تعارفا أثناء حربهما ضد يوغرطة.

السياق التاريخي

غايوس ماريوس

وُلد غايوس ماريوس عام 157 ق م في أسرة من عامة الشعب. بدأ حياته العسكرية عام 134 ق م ضابطًا في حصار نومانتيا بإسبانيا. وفي عام 109 ق م، أصبح مساعدًا للقائد الروماني كوينتوس متلوس في حربه ضد يوغرطة في نوميديا. لكنه في عام 108 ق م، ترك ساحة المعركة وترشح للانتخابات القنصلية، مخالفًا بذلك أوامر قائده ماريوس. وفاز بالانتخابات، ثم اختاره الشعب لخلافة متلوس في قيادة الحرب ضد يوغرطة، متجاهلاً بذلك سلطة مجلس الشيوخ وتقاليد الجيش الروماني.

عملة سولا

سنة 138 ق م، ولد لوكوس كورنيليوس سولا في أسرة أرستقراطية عريقة وانضم إلى الجيش في ريعان شبابه، وفي عام 108، انتخب قسطور (أمين خزانة الدولة) وهو في الثلاثين من عمره، وأُرسل إلى نوميديا ليعمل تحت قيادة ماريوس.

تعود جذور العداوة بين الرجلين إلى حرب يوغرطة: فبينما كان سولا الشخص الذي أسَر يوغرطة في الأساس، نسب قائده ،ماريوس، لنفسه الفضل في هذا الانتصار. إضافة إلى ذلك، كان سولا محافظًا يدافع عن التقاليد الرومانية، بينما كان ماريوس إصلاحيًا يسعى لتغيير النظام السياسي.

اندلاع الحرب الأهلية

بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية، انتُخب سولا قنصلًا في عام 88. وفي العام نفسه، سعى ماريوس للحصول على قيادة عسكرية جديدة، فتوصل إلى صفقة سرية مع سولبيكيوس، أحد قادة الشعب، مقابل دعمه، أراد ماريوس أن تُمنح له قيادة الحرب ضد ملك البنطس، ميثراداتس، والتي كانت قد أسندت إلى سولا. عندئذ، أمر سولا قواته بالزحف إلى روما: كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ الروماني التي يستولي فيها شخص ما على السلطة بالقوة.

بعد أن سيطر على روما، نفى سولا ماريوس وأتباعه، وفر ماريوس وأبنائه إلى أفريقيا، حيث استقبله ملك هيمبسال نوميديا بحفاوة ظاهرة، لكنه كان يخطط لأسرهم. ورغم ذلك، تمكن ماريوس وأبناؤه من الفرار.

عاد ماريوس إلى روما سنة 87 ق م وتحالف مع القنصل لوكيوس كورنيليوس كينا. مات عام 86 ق م، بينما يشن  سولا حربًا ضد ميثراداتس، وسيطر أنصار ماريوس وكينا على روما.

خلال هذه الفترة، شن كلا الطرفين حملات تصفية، إذ كانت تتم مصادرة أراضي خصومهم دون محاكمة وتمنح للمبلغين عنهم.

استئناف الحرب الأهلية

تمثال سولا

سنة 84 ق م، أرسل أنصار ماريوس وكينا جيشًا للإطاحة بسولا. لكن قائد الجيش اغتيل وانضم معظم جنوده إلى سولا. وفي الوقت نفسه، أطاح الغاصب حرباص بحليف سولا في مملكة نوميديا، الملك هيمبسال، بدعم من أنصار ماريوس وكينا.

في 83 ق م، بعد انتصار مؤقت على ميثريداتس، زحف سولا بجنوده إلى إيطاليا عازمًا على الإطاحة بأعدائه واستعادة روما. جمع بومبيوس الشاب (الخصم المستقبلي لوليوس قيصر) ثلاثة فيالق لدعمه. وانضم إليه متلوس، القائد السابق للقوات الرومانية ضد يوغرطة. أما خصومه، فقد تحالفوا مع شعبين إيطاليين مجاورين لروما: السامنيين واللوكانيين.

في نونبر عام  82 ق م، دارت معركة ضارية بين قوات سولا وأعدائه عند أبواب روما. أسفرت هذه المعركة عن سقوط حوالي 50,000 قتيل، وانتصر فيها سولا الذي أمر في اليوم التالي بقتل 8,000 أسير أثناء انعقاد مجلس الشيوخ.

بعد الانتصار على خصومه في روما، أرسل سولا جيشًا بقيادة بومبيوس لإعادة هيمبسال إلى عرش نوميديا

في أعقاب الحرب الأهلية : سولا الدكتاتور

درهم ذهبي يصور عربة انتصار سولا الفخمة، صُك سنة 82 قبل الميلاد

بعد انتصاره، انتخب سولا دكتاتوراً من قبل مجلس الشيوخ. قام بتطبيق سلسلة من الإصلاحات الجذرية على مؤسسات الجمهورية، مدعياً أنه يسعى إلى استعادة القيم الرومانية التقليدية. ولكن في الواقع، بدلاً من إعادة النظام القديم، أدت إصلاحاته إلى إدخال عناصر جديدة تماماً، مع ارتفاع أعضاء مجلس الشيوخ وزيادة صلاحيات السلطة القضائية. على عكس الدكتاتوريين السابقين الذين كانوا ينتخبون لمهمة محددة ويتركون مناصبهم بعد إتمامها، سعى سولا إلى استغلال الدكتاتورية لتعزيز مصالحه الشخصية وشن حملة انتقامية واسعة على خصومه.

سنة 80 ق م، انتخب سولا قنصلاً واستقال من منصبه كديكتاتور، وفي العام التالي تقاعد من الحياة العامة وكرس آخر أيامه لكتابة مذكراته إلى أن توفي عام 78 ق م.

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

يوبا الثاني، وريث ماسينيسا، ملك وموريطنية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

نشأ يوبا الثاني، آخر وريث لعرش نوميديا، في روما. عندما كان شابا بالغا، أصبح ملك آخر مملكة في شمال إفريقيا لا تزال مستقلة عن روما، والتي تمتد على كل من نوميديا ووموريطنية التاريخية.

طفولة يوبا الثاني

ولد يوبا الثاني في نوميديا، حوالي 50 قبل الميلاد. وهو ابن يوبا الأول، ملك نوميديا، مما يجعله سليلا مباشر للملك المجيد ماسينيسا. من جهة والدته، يعد سليل حنبعل. وكان طفلا عندما انتحر والده، الذي هزمه قيصر، دون أن يخلفه أحد على عرشه.

بعد وفاة والده، نشأ يوبا الثاني في روما في أسر ذهبي. نشأ على يد أوكتيفيا، أخت الإمبراطور المستقبلي أغسطس، مع العديد من أبناء الملوك الآخرين الذين هزمتهم روما، بما في ذلك كليوباترا سيليني، ابنة الجنرال الروماني مارك أنطوني وكليوباترا من مصر، والتي ستصبح زوجته. في الواقع، يريد الرومان تربية جيل جديد من الملوك الرومانيين، الذين سيخدمون مصالح روما.

حكم يوبا الثاني

يوبا الثاني

في العام 30 قبل الميلاد، اعتلى يوبا الثاني الشاب عرش نوميديا، باعتباره آخر سليل لماسينيسا.

في عام 25، تم اختياره وتتويجه من قبل الإمبراطور الروماني الأول أغسطس كملك لوموريطنية العظيمة التي امتدت إلى غرب نوميديا. وفي نفس العام، تزوج كليوباترا سيليني، ابنة الملكة كليوباترا ملكة مصر والجنرال الروماني مارك أنطوني.

إذا كان عهد ماسينيسا هو العصر الذهبي لمملكة نوميديا، فيمكن اعتبار عهد يوبا الثاني العصر الذهبي لمملكة وموريطنية. عاصمتها هي لول (شرشيل)، والتي أعاد تسميتها قيصرية تكريما للإمبراطور. تمتد مملكته من هيبو (عنابة) وسيرتا (قسنطينة) إلى تينجيس (طنجة). حكم ما يقرب من 50 عامًا (25 قبل الميلاد-23 بعد الميلاد) خلال فترة حكمه، كان حليفًا وثيقًا جدًا لروما. يُذكر بأنه الملك الذي أدخل وموريطنية بشكل نهائي إلى مجال النفوذ الروماني.

كان عهد يوبا الثاني فترة ازدهار كبير. يتم إثراء وموريطنية من خلال تصدير القمح والعنب والأسماك والصبغة الأرجوانية. تطور ميناء تينجيس بشكل كبير وأصبحت مدينة ليكسوس أكبر مجمع صناعي في عالم البحر الأبيض المتوسط. تولى يوبا الثاني الصناعة الفينيقية القديمة لتصنيع اللون الأرجواني في جزر بوربوراري، قبالة موغادور (الصويرة)، بل وأرسل رحلة استكشافية لجزر الكناري.

عملة تحمل صورة يوبا الثاني

في جميع أنحاء مملكته، أقام يوبا الثاني أعمال بناء كبيرة لتزويد مدنه ببنية تحتية عالية الجودة. وأظهر عمله المعماري والنحتي، لا سيما في قيصرية ووليلي، مزيجًا غنيًا من التأثيرات الرومانية والمصرية واليونانية.

كما فضل يوبا الثاني تطوير الفنون والبحث العلمي. اكتشف طبيب بلاطه، أوفوربوس، أن نباتًا من جبال الأطلس له تأثير ملين قوي. ويعتبر يوبا الثاني هو نفسه أحد أكثر الملوك تعلمًا في عصره، حيث كتب العديد من الكتب عن التاريخ والعلوم الطبيعية والجغرافيا والفن. ومن أبرز مؤلفاته كتاب “ليبيكا” الذي تناول جغرافية شمال أفريقيا، بالإضافة إلى تاريخ وعادات سكانها.

كليوباترا سيليني، ملكة موريطنية

أدت الملكة كليوباترا سيليني، دورًا نشطًا للغاية إلى جانبه ومارست تأثيرًا قويًا على سياسته. جلبت عددًا كبيرًا من المستشارين والعلماء والفنانين من بلاط والدتها إلى الإسكندرية للخدمة في قيصرية. كما قامت ببناء منارة على غرار منارة الإسكندرية في ميناء قيصرية، بالإضافة إلى العديد من المعابد المخصصة للآلهة الرومانية والمصرية. بينما أعطت الشعر الروماني في هذه الفترة صورة سلبية للغاية لكليوباترا من مصر، روجت كليوباترا سيليني من وموريطنية بقوة لإرث والدتها.

في غضون منتصف عهده، كلّف الإمبراطور أغسطس يوبا الثاني بمرافقة حفيده غايوس قيصر في حملة استكشافية إلى الشرق من أجل تقديم النصح والإرشاد للشاب. يدل هذا التكليف على مدى الاحترام الذي كان يحظى به يوبا الثاني لدى الإمبراطور.

في أعقاب عهده، واجه يوبا الثاني تمردًا من قبل القبائل الأمازيغية ضد الوجود الروماني في شمال إفريقيا، بقيادة تاكفاريناس، وهو جندي سابق اشتق عن الجيش الروماني وجاء من قبيلة جيتولية الموسالامس. واستمر هذا التمرد بعد وفاته، في عهد ابنه بطليموس.

الضريح الملكي الموريطني

توفيت الملكة كليوباترا سيليني في -5. وتزوج يوبا الثاني مرة أخرى مع غلافيرا، أرملة ابن ملك يهودا هيرودس الكبير. وكان زواجهما تعيسًا، على عكس زواجه السابق ليوبا الثاني من كليوباترا سيليني.

توفي يوبا الثاني في عام 23. ودفن مع كليوباترا سيليني في الضريح الملكي الموريطني بالقرب من تيبازا (تيبازة، الجزائر). هذا النصب، الملقب بـ “قبر الرومية”، الذي أدرج على أنه تراث عالمي لليونسكو.

وفاة وخلافة يوبا الثاني

بطليموس، ملك موريطنية

بعد وفاة يوبا الثاني، خلفه ابنه بطليموس (23-40). الذي ينحدر من العديد من الأنساب الملكية، ولديه واحدة من أرقى البنوات في العالم القديم. والده، يوبا الثاني، الذي يعتبر  من نسل ماسينيسا المباشر ونسل حنبعل من جهة والدته. والدته، كليوباترا سيليني، هي ابنة مارك أنطوني والملكة كليوباترا ملكة مصر. لذلك، فإن بطليموس هو وريث والده ماسينيسا وحنبعل، ومن قبل والدته الأرستقراطية الرومانية، للفراعنة القدماء وبطليموس المصر. وأخيرا، ورث العرش من ملوك موريطنية القدماء.

جعلته هذه البنوة وريثا محتملاً للعرش الإمبراطوري، لكنها شكلت أيضًا خطرًا كبيرًا عليه. في عام 40، قام الإمبراطور كاليغولا بقتله وضم مملكته. وأثار مقتله ثورة مغاربية جديدة ضد روما، بقيادة أيدمون، وهو عبد محرر من البلاط الملكي. ولم يحصل على دعم يذكر من السكان المحليين، وقُتل بعد ذلك بعامين. وسيطر الرومان على شمال إفريقيا بأكملها.

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

الملك ماستانيسوسوس وإيفتاس وأسكاليس : المملكة الطنجية المستقلة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

تمتعت مدينة تينجيس القديمة، التي تم ضمها إلى مملكة موريتانيا بعد الحرب البونيقية الثانية، لكنها حافظت لفترة طويلة على حكم ذاتي واستمرت على وجه التحديد في سك العملات المعدنية الخاصة بها ذات النقوش البونيقية. وفي نهاية عهد بوكوس الأول من موريطنية، سيطر الزعيمان المحليان إيفتاس وابنه أسكاليس على منطقة طنجة.

توفي بوكوس الأول، ملك موريطنية والمعروف  بدوره في حرب يوغرطة، حوالي عام 80 قبل الميلاد. ولا يُعرف سوى القليل جدًا عن ابنه ماستانيسوسوس، الذي خلفه… الذي يمكن أن يظهر في أن سيطرته على مملكته كانت محدودة.

نعلم من المؤرخ الروماني سالوست أنه قبيل وفاة بوكوس الأول، ظهرت مملكة طنجيس المستقلة. وخلف ملكها الأول، إيفتاس، ابنه أسكاليس. يحتمل أنهما سيطرا على الساحل الأفريقي لجبل طارق واتخذا مدينة طنجيس (طنجة) عاصمة لهما.

في السابق، كان يُعتقد أن إيفتاس وأسكاليس ينحدران من السلالة الملكية الموريتانية. نحن نعلم الآن أنهما كانا في الواقع زعماء قبائل ريفية محلية. وتظهر أسمائهما أن لديهما خلفية أمازيغية وليست بونيقية.

يذكر المؤرخ سالوست أن أسكاليس هُزم على يد الجنرال الروماني كوينتوس سيرتوريوس، وهو مؤيد سابق لماريوس في حرب سولا الأهلية، والذي أصبح حاكمًا لهسبانيا. استعاد سيرتوريوس مملكة موريطنية على منطقة طنجة.

لمعرفة المزيد

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

ثلاثة أمراء لمملكة واحدة: خلافة ماسينيسا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

بعد توحيد مملكة نوميديا، حكم الملك ماسينيسا لأكثر من خمسين عامًا. وبعد وفاته، عن عمر يناهز 90 عامًا، تقاسم أبناؤه الثلاثة السلطة الملكية: كان ميسيبسا، الإبن البكر، مسؤولاً عن إدارة المملكة، وقاد غلوسا الجيش، وأقام ماستانابال العدالة.

توفي ماسينيسا عام 148. وشكلت خلافته، في منتصف الحرب البونيقية الثالثة، مصدر قلق كبير للرومان، الذين يشعرون بالقلق من عدم الاستقرار الذي يمكن أن يسببه الصراع على الخلافة بين حليفهم الأول في إفريقيا. ثم قام الجنرال الروماني سكيبيو اميليانوس، الذي عهد إليه ماسينيسا بإدارة ممتلكاته بعد وفاته، بتقسيم القوى الملكية بين أبنائه الثلاثة. قد يكون هذا الحل مستوحى من عادة أمازيغية قديمة لتقاسم السلطة بين ثلاثة رؤساء.

عملة ميسيبسا

تلقى ميسيبسا، الابن البكر لماسينيسا، قصر والده في سيرتا كميراث، مع إدارة المملكة و الخزانة الملكية. بالنسبة له، أعطاه ماسينيسا خاتمه، كرمز للقوة.

عملة غلوسا

كلف غلوسا، ابنه الثاني، بقيادة الجيش. وكان لديه بالفعل تجربة قوية في الحرب إثر مشاركته في حملات والده ضد قرطاج. وبعد وفاة ماسينيسا، شاركت قوات غلوسا في حصار وتدمير قرطاج.

ماستانابال

أصبح ماستانابال، الإبن الأصغر سنًا، معروفًا في شبابه بفوزه بسباق الالعربات في ألعاب باناثيناك. إنه الأخ الوحيد الذي تلقى تعليمًا يونانيًا، إذ بعد أن درس القانون، تم منحه إقامة العدل، كما كان مسؤولاً عن العلاقات مع رؤساء التابعين.

توفي ماستانابال بعد سنوات قليلة من اتفاق تقاسم السلطة هذا بسبب المرض. ومن غير المعروف متى مات غلوسا، لكن تفاني معبد ماسينيسا في دڨة، في عام 139، يذكر فقط ميسيبسا، مما يدل على أنه حكم بمفرده بالفعل في هذا الوقت. ولا يوجد دليل على وجود صراع بين الأخوين الثلاثة، ولا أن ميسيبسا قد طرد أخويه.

نقش ميسيبسا، شرشال

حافظ ميسيبسا وإخوته على تحالف والدهم مع روما، ولكن بحماس أقل منه. استمروا في إرسال قوات لدعم الحروب الرومانية. تميزت فترة حكمهم باستيطان عدة آلاف من القرطاجيين في نوميديا، الذين فروا من قرطاج بعد تدميرها من قبل الرومان. ساهم هؤلاء الوافدون الجدد في إثراء نوميديا. كانت عاصمة المملكة لا تزال سيرتا (قسنطينة)، ولكن تم تأسيس إيول (شرشال) كمقر للعدالة. بمجرد أن حكم بمفرده، استقر ميسيسبا بسلام في سيرتا، وكرس نفسه للفن والثقافة.

قبل وفاته، اتخذ ميسيبسا ترتيبات لتقسيم مملكته بعد وفاته بين ابنيه هيمبسال وعزربعل وابن أخيه يوغرطة، ابن ماستانابال. وكجزء من اتفاقية الخلافة هذه، يبدو أن ميسيبسا تبنى يوغرطة.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

الجنرال المهزوم: حنبعل بعد الحرب البونيقية الثانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

يعتبر الجنرال القرطاجي حنبعل برقا، الذي غزا إيطاليا خلال الحرب البونيقية الثانية، أحد أروع الاستراتيجيين العسكريين في التاريخ. كان لديه طموح عظيم طوال حياته: تدمير روما، ولم يتخلى عن هذا الطموح حتى بعد هزيمته.

حنبعل ال”شوفت”

حنبعل برقا

في أعقاب الحرب البونيقية الثانية، كان حنبعل يبلغ من العمر 46 عامًا. وبينما انتقصت هزيمته بشكل كبير من شعبيته في قرطاج، دافع عن نفسه بحجة أن الهزيمة كانت بسبب افتقار مجلس الشيوخ إلى الدعم لحملته.

بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب، انتخب حنبعل ال“شوفت” بالمكتب المدني الأعلى للجمهورية القرطاجية. ونادرًا ما كان يشغل هذه الوظيفة رجل عسكري، لكن حنبعل أثبت أنه ماهر كرجل دولة مثلما كان عندما كان جنرالًا.

بموجب معاهدة السلام، دفعت قرطاج 10000 وزنة ذهب على مدار 50 عامًا، أمر حنبعل بمراجعة الشؤون المالية لجميع المؤسسات، مما يؤكد أن الدولة القرطاجية لديها الموارد اللازمة لدفع هذا التعويض دون زيادة الضرائب. ثم بدأ حنبعل سلسلة من الإصلاحات التي تهدف إلى إعادة تنظيم الشؤون المالية للدولة، من أجل مكافحة الفساد واستعادة الأموال التي حولتها النخبة القرطاجية.

على الرغم من أن هذه الإصلاحات كانت تحظى بشعبية كبيرة بين الناس، غير أن حنبعل خلق أيضًا العديد من الأعداء بين الأوليغارشية الذين تعرضت مصالحهم للتهديد. كان المستفيدون الرئيسيون من اختلاس الأموال هم أعضاء مجلس المائة، المحكمة العليا القرطاجية. من أجل تقليل نفوذ المجلس، سن حنبعل قانونًا لانتخاب أعضائه، الذين مارسوا سابقًا سلطتهم مدى الحياة، لمدة عام واحد، مع منع الترشح لولاية ثانية.

في المنفى

بعد بضع سنوات، أرسل الرومان، الذين كانوا قلقين بشأن تجدد ازدهار قرطاج وانزعاجهم قبل كل شيء من الاتصالات بين حنبعل والملك السلوقي أنطيوخوس الثالث،  وفدًا إلى قرطاج، لاتهام حنبعل بالتواطؤ مع عدو لروما. قرر حنبعل، بعد أن أدرك أن لديه العديد من الأعداء خاصة بين ضحايا إصلاحاته المالية، الذهاب إلى المنفى الطوعي. وغادر قرطاج عام 195، بعد سبع سنوات من نهاية الحرب.

سافر أولاً إلى مدينة صور، المدينة الأم لقرطاج، ثم إلى أنطاكية، عاصمة الإمبراطورية السلوقية، وأخيراً إلى أفسس الواقعة في آسيا الصغرى، واستشاره أنطيوخوس الثالث بخصوص خططه المتعلقة بالحرب على روما.

آسيا الصغرى سنة 192 – باللون الأحمر : الإمبراطورية السلوقية وحلفاؤها – باللون الأزرق : حلفاء روما

حتى في المنفى، لم يتخلى حنبعل عن كراهيته لروما ورغبته في هزيمة الرومان. في صيف عام 193، خطط لانقلاب ضد النخبة الموالية للرومان في قرطاج، بدعم ضمني من أنطيوخوس الثالث. لن يتم تنفيذ هذا المشروع أبدًا. كما نصح حنبعل الملك أنطيوخوس الثالث بتجهيز أسطول لغزو جنوب إيطاليا، وعرض قيادة القوات بنفسه.

سنة 190، بعد أن أمضى حنبعل خمس سنوات في بلاطه، عرض عليه أنطيوخوس الثالث أول قيادة عسكرية له،إذ كلفه ببناء أسطول في قيليقية، والذي سيعزز بعد ذلك أسطول الإمبراطورية السلوقية في أفسس. ومع ذلك، فقد هزم أسطوله من قبل أسطول رودس، حليف روما.

خوفا من أن  يسلمه أنطيوخوس الثالث إلى الرومان، هرب حنبعل إلى جزيرة كريت، ثم إلى بيثينيا، حيث خدم الملك بروسياس. وفي عام 183، طالب الرومان الملك بتسليمه لهم ووافق على ذلك، لكن حنبعل رفض الوقوع في أيدي أعدائه وهرب مرة أخرى.

توفي بعد فترة وجيزة عن عمر يناهز 65 عامًا. يروي المؤرخون القدماء روايات مختلفة عن وفاته، إذ وفقًا لباوسانياس، توفي حنبعل بسبب عدوى بعد أن أصيب في إصبعه بسيفه، وحسب المؤرخ تيتوس ليفيوس، فقد انتحر عن طريق شرب السم حتى لا يتم تسليمه، أما المؤرخ أبيان فذكر أن الملك بروسياس أمر بتسميمه.