قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

إسبانيا القرطاجية: قرطاج جديدة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English – Español

ترجمة إبراهيم كرموم

بعد الحرب البونيقية الأولى، توجه الجنرال القرطاجي حملقار برقا إلى إسبانيا، لغزو إمبراطورية جديدة، لتعويض خسائر بلاده في صقلية وجزر البحر الأبيض المتوسط الأخرى، وطموحه كان في الأساس الانتقام من روما في المستقبل. وبعد وفاته، واصل صهره صدربعل وابنه حنبعل المغامرة.

السياق التاريخي

الأراضي القرطاجية في إسبانيا، قبل الحرب البونية الأولى

كان لقرطاج مستعمرات في إسبانيا في أوائل القرن السابع، مثل مدينة غادس في مضيق جبل طارق، الذي كان أحد الموانئ الرئيسية لإمبراطوريته ونقطة البداية المحتملة للرحلات الاستكشافية من قبل المستكشفين القرطاجيين. يمكن اعتبار هذه المدن القرطاجية في إسبانيا أول مستعمرات أفريقية في أوروبا. وسعت قرطاج سيطرتها على منطقة كبيرة من الساحل، باتجاه الجنوب والشرق من شبه الجزيرة الأيبيرية.

فقدت معظم الأراضي خلال الحرب البونيقية الأولى: في نهاية هذه الحرب، سيطرت قرطاج على غادس وعدد قليل من المدن الأخرى على الساحل الجنوبي لإسبانيا.

غزوات برقا في إسبانيا

إسبانيا القرطاجية في ذروتها

في عام 236، قرر حملقار برقا، آخر قائد للجيش القرطاجي خلال الحرب البونيقية الأولى، بعد إخضاع تمرد المرتزقة السابقين في الجيش القرطاجي، استعاد الأراضي التي فقدتها قرطاج في إسبانيا، وكان غزوه لشبه الجزيرة الأيبيرية شأنًا عائليًا، حيث كان برفقته صهره صدربعل وابنه حنبعل. وكان يتكون جيشه أساسا من المقاتلين النوميديين.

وفقًا للمؤرخ اليوناني بوليبيوس، ضعفت قرطاج بسبب الحرب لدرجة أنها لم تستطع وضع أسطول تحت تصرف حملقار، لذلك اضطر جيشه إلى السير من قرطاج إلى طنجيس قبل عبور مضيق جبل طارق.

في غضون ثماني سنوات، استولى حملقار على نصف شبه الجزيرة الأيبيرية بالأسلحة والدبلوماسية، ونجاحاته تزيد من مكانة الشخص الذي كان يعتبر من أعظم الاستراتيجيين العسكريين في تاريخ قرطاج. وطموحه بناء إمبراطورية قرطاجية جديدة في إسبانيا، والتي ستكون كان بمثابة أساس لحرب جديدة ضد روما.

في عام 228، توفي حملقار في ساحة المعركة عن عمر يناهز 46 عامًا فقط. ومع ذلك، فإن وفاته لن تكون نهاية المغامرة، إذ واصل صهره صدربعل غزواته.

بعد وقت قصير من وفاة حملقار ، أسس صدربعل العاصمة الجديدة لإسبانيا برقا: قرطاج الجديدة (قرطاجنة اليوم).

قُتل صدربعل عام 221، على يد عبد ملك قبيلة سلتيك محلية، للانتقام لموت سيده. وتولى حنبعل ابن حملقار الحكم.

عند وصولهم إلى إسبانيا، كان لدى حملقار وخلفائه طموح لتعزيز سيطرتهم على هذه المنطقة من أجل استخدامه لمهاجمة روما. وفي عام 218، جهز حنبعل الجيش في قرطاج الجديدة وغزا إيطاليا.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

الحروب البونيقية: قرطاج ضد روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

في بداية القرن الثالث قبل الميلاد، كانت هيمنة الإمبراطورية القرطاجية مهددة بنشأة روما، التي سيطرت على معظم إيطاليا. وكان الصراع بين الإمبراطوريتين الجارتين على ساحلي البحر الأبيض المتوسط أمراً لا مفر منه. يعتبر هذا المقال ملخصا للسلسلة المخصصة للحروب البونيقية الثلاث.

الجذور التاريخية

وفقاً للتقاليد، تأسست روما عام 753 قبل الميلاد من طرف لاجئين من أصل طروادة هربوا من أنقاض مدينتهم في أعقاب حرب طروادة، لذلك يطلق على مدينة “طروادة الجديدة” والمقدر لها أن تحيي أمجاد طروادة القديمة.

خلال القرنين الثالث والرابع، نفدت روما سلسلة من الحملات العسكرية التي مكنتها من السيطرة على شبه الجزيرة الإيطالية، مما جعل جنرالات الرومان يتطلعون إلى صقلية، حيث كان القرطاجيون موجودين بالفعل…

موجز


ساهمت الحرب البونيقية الأولى (264-241) في تطلع روما وقرطاج للسيطرة على صقلية والجزر المجاورة.

خلال الحرب البونيقية الثانية (218-201)، عبر الجنرال القرطاجي حنبعل جبال الألب من أجل غزو إيطاليا من الشمال وكاد أن يدمر روما إلى أن تم إرساله إلى إفريقيا.

أسفرت الحرب البونيقية الثالثة (149-146) عن سقوط قرطاج و تدميرها.

– الحرب البونيقية الأولى (264-241): معركة صقلية
– حرب المرتزقة: تمرد أفريقيا على قرطاج
– إسبانيا القرطاجية: قرطاج جديدة
– الحرب البونيقية الثانية (218-201): انتقام حنبعل
– فرّق تسد: الملوك الأمازيغ خلال الحروب البونيقية
– الجنرال المهزوم: حنبعل بعد الحرب البونيقية الثانية
– الحرب النوميدية القرطاجية: معركة قرطاج الأخيرة
– الحرب البونيقية الثالثة (149-146) وتدمير قرطاج
– قرطاج والحروب البونيقية بإنياذة فيرجيل

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

تاريخ واحة سيوة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

تمتد تامازغا، أرض الأمازيغ، من واحة سيوة في الصحراء المصرية إلى جزر الكناري على ساحل المحيط الأطلسي. سنكتشف في هذا المقال تاريخ واحة سيوة.

واحة سيوة

تعد سيوة، أي سالي باللهجة الأمازيغية المحلية، أكبر واحة في الصحراء الغربية المصرية، إذ نجد هذه الواحة الخضراء في قلب منطقة غير صالحة للسكن، ذات المناخ المعتدل، تسقيها مئات مصادر المياه الطبيعية و تخصب تربتها كما تتيح زراعة أشجار الزيتون والنخيل.

سخت جعمو باللغة الهيروغليفية

كانت واحة سيوة مأهولة بالسكان منذ الألفية العاشرة قبل على الأقل. عاش سكانها الأوائل، من أصل أمازيغي، على الزراعة. كان الاسم المصري للواحة   يعني «حقل الأشجار». يحتمل أن الاسم الحديث لسيوة مشتق من كلمة أسيوان، أي الطائر الجارح، في إشارة إلى أوراكل عمون، الإله ذو رأس الصقر.

تعود أول الاتصالات المعروفة بين سيوة ومصر إلى السلالة الفرعونية رقم 26 (664-525)، مع إنشاء مقبرة، والتي استخدمت حتى العصر الروماني. كانت الواحة رسميًا جزءًا من الإمبراطورية المصرية، لكن درجة انصهارها مع مصر مشكوك فيه.

في نفس الوقت تقريبًا، اكتشف يونانيو قورينائية الواحة أيضًا، إذ يستحضر المؤرخ اليوناني هيرودوت «ينبوع الشمس»، الذي يكون مياهه أبرد في حرارة الظهر و هو أحد مصادر مياه سيوة

آثار أوراكل عمون في سيوة

خلال العصور القديمة، اشتهرت واحة سيوة بأوراكل الإله المصري عمون الذي بناه الفرعون أحموس الثاني (570-526)، وقد شاع هذا الهيكل من قبل اليونانيين في قورينائية. بعد ذلك، يُطلق على سيوة أحيانًا اسم الأمونيوم، أو «واحة عمون».

بعد الفتح الفارسي لمصر في عام 525، أرسل إمبراطور فارس قمبيز الثاني جيشًا من 50000 رجلا للسيطرة على سيوة. هذا الجيش لم يصل قط إلى الواحة، إذ فقد تمامًا في الصحراء، دون أن يترك أي أثر.

ذهب الإسكندر الأكبر، بعد غزو مصر وتأسيس عاصمته الجديدة في الإسكندرية، إلى سيوة للتشاور مع أوراكل عمون. كانت هذه الرحلة صعبة، إذ تاهت قافلته في الصحراء وعانت من عاصفة رملية ونفذت منها المياه. عند وصوله، اعترف به الأوراكل «ابن عمون»، مما جعله إلهًا وأكد شرعيته كفرعون مصر.

على فراش الموت، طلب الإسكندرُ الأكبر أن يُدفَن في معبد آمون في سيوة. لكنه دُفن في نهاية المطاف في الإسكندرية.

ينبوع كليوباترا

وفقًا للأسطورة، زارت ملكة مصر كليوباترا أيضًا واحة سيوة للتشاور مع أوراكل عمون، ولكن بشكل خاص للاستحمام في ينابيعها الساخنة الطبيعية، والمعروفة بفوائدها العلاجية والاسترخاء. الربيع الذي كانت تستحم فيه يحمل اسمها. حالياً تحظى السياحة الحرارية  بشعبية كبيرة في سيوة.

مع ضم مصر من قبل الإمبراطورية الرومانية، أصبحت واحة سيوة وأوراكلها تحت السلطة الرومانية. استخدم الرومان سيوة والواحات الأخرى من الصحراء الشرقية المصرية كأماكن للنفي، حيث أرسلوا سجناء سياسيين.

من بين السجناء المنفيين إلى سيوة كان المسيحيون المضطهدين من قبل السلطات الرومانية. ذكر الأسقف أثناسيوس من الإسكندرية أن قادة الكنيسة المصرية  تعرضوا للنفي إلى سيوة. يشهد نص تم اكتشافه مؤخرًا على وجود أسقف سيوة في القرن الرابع. بعد تنصير الإمبراطورية الرومانية، تحولت أوراكل عمون القديمة إلى كنيسة مكرسة لمريم العذراء. ومع ذلك، يبدو أن المسيحية كان لها تأثير ضئيل على السكان الأصليين في الواحة، الذين كانوا مسيحيين  بالاسم فقط وقت وصول الإسلام.

وصل الإسلام إلى سيوة عام 708، عندما حاصرت قوات موسى بن نصير الواحة. تراجع سكانها إلى حصنهم وقاوموا الغازي بشجاعة الذي تم صده في النهاية. بعد فترة وجيزة، فشل طارق بن زياد أيضًا في غزو الواحة. لم يترسخ الإسلام في سيوة إلا بعد عدة قرون، حوالي عام 1150.

بعد فترة وجيزة، اختفى سكان سيوة بالكامل تقريبًا، وانخفض عددهم إلى حوالي أربعين رجلاً، بسبب الهجمات المتكررة من القبائل البدوية. في القرن الثالث ، بنى أولئك الذين بقوا مدينة جديدة: قلعة شالي، التي ما تزال موجودة حتى اليوم. يذكر المؤرخ المصري المقريزي أن واحة سيوة أحصت حوالي 600 نسمة في نهاية القرن 13 الذين يتحدثون لغة تشبه لغة قبيلة زناتة

في عصرنا هذا، يبلغ عدد سكان واحة سيوة حوالي 30000 نسمة، معظمهم من الأمازيغ. وترتبط اللغة الأمازيغية المحلية، السيوية، باللغات الأمازيغية في الصحراء الليبية. يعيش البدو المستقرون أيضًا في الواحة. غالبية السكان مسلمون، ولكن هناك أيضًا طائفة قبطية مسيحية.. وما تزال المناظر الطبيعية الفريدة والتراث التاريخي والثقافي الغني لهذه الواحة تثير إعجاب الزوار.

لمعرفة المزيد (باللغة الإنجليزية)

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

هل مدينة قرطاج هي ترشيش المذكورة في التوراة؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

تشير التوراة العبرية عدة مرات لمدينة او منطقة تقع بعيداً عن البحر تسمى ترشيش (תַּרְשִׁישׁ بالعبرية ). تدعي بعض المصادر أن ترشيش هي مدينة قرطاج، فما رأيك ؟

ترشيش في التوراة

السفينة الفينيقية

ذكرت ترشيس في عدة مقاطع تاريخية ونبوية من التوراة العبرية، وغالبًا كمصدر للمعادن الثمينة مثل الفضة والذهب والقصدير والحديد. تقول إحدى هذه المقاطع أن الملك سليمان “كَانَ لِلْمَلِكِ فِي ٱلْبَحْرِ سُفُنُ تَرْشِيشَ مَعَ سُفُنِ حِيرَامَ. فَكَانَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ تَأْتِي مَرَّةً فِي كُلِّ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ. أَتَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ حَامِلَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً وَعَاجًا وَقُرُودًا وَطَوَاوِيسَ.” (١ ملوك ١٠:٢٢)

في سفر النبي يوناس، بعد أن أمره الله بالتوجه إلى نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية والتبشير فيها، عصى النبي الله ورفض الذهاب إلى أعداء شعبه وركب سفينة متوجهة إلى ترشيش (يونان 1:3). أثناء الإبحار، علقت السفينة في عاصفة، وألقي بيونس في البحر، ثم ابتلعه حوت كبير وهو حي. ويشار إلى أن ترشيش في هذه الرواية ذات دلالة رمزية أكثر من كونها مكان محدد: يسعى النبي إلى الفرار قدر المستطاع في الاتجاه المقابل لما أشار إليه الله له.

إذن، تقع ترشيش أقصى غرب فلسطين بعيدا عن البحر الأبيض المتوسط، وتصدر المعادن الثمينة وثروات أخرى.

حجر نورا

ترشيش في مصادر أخرى

ورد ذكر ترشيش أيضًا في نقش تكريمًا للملك الأشوري أسرحدون وفي حجر نورا، وهو نقش فينيقي عثر عليه في سردينيا ويعد أقدم نقش فينيقي خارج أراضي الفينيقيين.

ترشيش وقرطاج

أنجز اليهود المقيمين في الإسكندرية الترجمة السبعينية، وهي النسخة اليونانية للتوراة العبرية، في القرن الثالث قبل الميلاد وترجموا ترشيش ب كارخيدون (Καρχηδών) وهو الإسم اليوناني لقرطاج. تستخدم الفولغاتا، النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس، هذه الترجمة.

حكم الملك سليمان قبل حوالي قرن من التاريخ التقليدي لتأسيس قرطاج. غير أنه يحتمل أن المدينة تأسست في وقت أبكر مما افترض القدماء وبالتالي كانت موجودة بالفعل حينئذ. وتدعم هذه الفكرة حقيقة أن سليمان قام ببعثته مع حيرام، ملك صور، المدينة-الدولة الفينيقية التي نشأت منها قرطاج.

كان تحديد ترشيش مع قرطاج معروفًا على نطاق واسع في العصور القديمة والعصور الوسطى، لكنها موضع تساؤل حالياً. يعتبر أفضل دليل ينسف هذه الفرضية وجود نقش فينيقي يذكر ترشيش (حجر نورا، اكتشف عام 1773): يعرف الفينيقيون مدينة قرطاج، فلماذا يسمونها باسم آخر؟

ما هي الاحتمالات الأخرى؟ يعرف المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس ترشيش بمدينة طرسوس الواقعة في قيليقية (تركيا حالياً)، لكن هذا مستبعد لأن هذا الموقع  قريبًا جدًا من فلسطين.

بعد العثور على حجر نورا، استند بعض المتخصصين إلى ترجمتهم للنقش للتأكيد على أن ترشيش كانت في سردينيا.، غير أن آخرين ترجموا النقش بشكل مختلف.

تارتيسوس حوالي 500 قبل الميلاد

تتمثل الفرضية الأكثر احتمالا في كون ترشيش هي في الواقع تارتيسوس، وهي حضارة قديمة معاصرة للإمبراطورية القرطاجية استوطنت جنوب إسبانيا، إذ كان التارتيسيين شركاء تجاريين مهمين لقرطاج: فقد أنتجوا المعادن، بما في ذلك الفضة والقصدير، وهما عنصران أساسيان لصناعة البرونز، الذي باعوه للتجار القرطاجيين.

من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن هذه النظرية ليست بعيدة جدًا عن تلك التي تربط ترشيش بقرطاج: فالسفن التجارية الفينيقية (والعبرية) التي اشترت معادن ثمينة من التارتيسيين مرت بالتأكيد عبر ميناء قرطاج، وربما أيضًا عبر الموانئ البونيقية الأخرى في إسبانيا.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

هل أصل كلمة السردين من اللغة الأمازيغية ؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم كرموم

تنتشر أسراب السردين في سواحل شمال إفريقيا ودأب سكان هذه المنطقة على صيدها وأكلها منذ آلاف السنين. لدى هذا الصنف من السمك ميزة خاصة تتمثل في أن اسمه متطابق في اللغة الأمازيغية والعربية إضافة إلى اللغات الأوروبية! وبما أن اللغة الأمازيغية تعد أقدم لغة في هذه البقعة من العالم، يمكن أن نتساءل عما إذا كانت هذه الكلمة من أصل غير اللغة الأمازيغية.

السردين

يعتبر السردين صنفاً من الأسماك الصغيرة التي تعيش في أسراب في البحر الأبيض المتوسط والسواحل الأطلسية لأوروبا وشمال إفريقيا. ويعد هذا الصنف أحد أكثر الأسماك شيوعاً في هذه المياه. يصطادها ويستهلكها جميع شعوب المنطقة، خاصة سكان شمال إفريقيا، منذ الأزل. حالياً، يمثل سمك السردين أكثر من 60 في المائة من منتجات البحري في المغرب.

يطلق على هذا السمك اسم السرديني (σαρδίνη) في اللغة اليونانية، التي اشتقت منها السردينا (sardina) باللاتينية، ثم السردين (sardine) بالفرنسية. ويسمى باللغة العربية، الفصحى والدارجة، السردين. ووفقاً للقاموس الإلكتروني الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، يسمى هذا السمك السْرْدِين (ⵙⵙⵔⴷⵉⵏ) باللغة الأمازيغية. (كما يشار إليه بمصطلح آخر وهو (ⵜⵉⵍⴷⵓⵜ) تيلدوت، لكنه نادر جداً).

عموماً، عندما تكون كلمة ما متطابقة في اللغة الأمازيغية والعربية أو في العربية والفرنسية، فهذا يدل على أنها منتج تم استيراده العرب أو الفرنسيون، لكن من الواضح أن الأمر مختلف بنسبة لكلمة السردين، إذن لماذا؟

خاصة، إذا كان يطلق على هذا السمك اسم باللغة المحلية، فلماذا سيحل الاسم العربي الفرنسي محل هذا الاسم المحلي؟

يتمثل أبسط تفسير في كون السردين إسم محلي وهي كلمة أصلها أمازيغي دخلت إلى اللغات الأخرى!

أصل الكلمة

من المؤكد أن الإسم اللاتيني والفرنسي للسردين مشتقان من اللغة اليونانية.

تسود نظريتان فيما يتعلق بأصل الإسم اليوناني للسردين :
– إذ تقول الأولى أنه مشتق من جزيرة سردينيا الواقعة في قلب المنطقة التي تعيش فيها هذه الأسماك بأعداد كبيرة.
– والثانية تعتبر أنه مستلهم من مدينة سارد التي تقع في آسيا الصغرى، وبدلاً من الأصل الجغرافي، يعتبر إشارة إلى اللون الأحمر البني للحم السردين الذي يشبه لون العقيق الأحمر، وهو حجر يستخرج في مدينة سارد.
إذا كان أصل إسم السردين أمازيغي، فمن الجلي أنه دخل إلى اللغة اليونانية عبر جزيرة سردينيا وليس مدينة سارد.

سردينيا

سردينيا

يعتبر الأمازيغ سكان سردينيا الأوائل. ووفقاً للأسطورة، أبحر ابن هرقل ساردوس باتر (ⵚⵕⴷⵓⵙ ⴱⴰⵟⵔ) من ليبيا –أي كل شمال إفريقيا بالنسبة لليونانيين– إلى جزيرة سردينيا لتأسيس مستعمرة أمازيغية فيها وكان السردينيون يعبدونه كإله، واستمرت الحضارة النوراجية، التي أسسها ساردوس، من القرن الثامن عشر قبل الميلاد إلى سنة 238 قبل الميلاد عندما احتل الرومان الجزيرة.

في الوقت الذي كان إنتاج الطعام يتم محلياً، يبدو أنه من المستبعد أن يذهب الصيادون اليونانيون كل هذه المسافة إلى سردينيا لصيد مثل هذه الأسماك الصغيرة والشائعة. وإذا أطلقوا عليه هذا الإسم في إشارة إلى جزيرة سردينيا، فمن المحتمل أن آخرين أطلقوا عليها ذلك الإسم قبلهم، ربما الأمازيغ؟

ماذا لو كان العكس؟ ماذا لو أطلق الأمازيغ الذين استوطنوا الجزيرة اسم سردينيا عليها لأنهم عثروا على الكثير من أسماك السردين هناك؟ تظل هذه مجرد تكهنات، في ضل غياب أدلة ملموسة للإشارة إليها، لكنها من شأنه أن يكون منطقيا.

إذن، هل أصل اسم السردين من اللغة الأمازيغية؟ من المؤكد أننا لن نجد جواباً لذلك أبداً، لكن الفكرة مثيرة للاهتمام.

لمعرفة اكثر