قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

قرطاج والحروب البونيقية بإنياذة فيرجيل

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هدى حمدي

 تعد الإنياذة رائعة الشاعر الروماني فيرجبل، وهي ملحمة تروي رحلة إينياس، سلف الرومان الخرافي، بعد فراره من طروادة، مسقط رأسه نحو أرض مجهولة: إيطاليا، حيث وعدته الآلهة بتأسيس طروادة جديدة ‘روما’ على يد نسله بهدف السيطرة على العالم. ورغم أن هذه القصة حدثت قبل ما يزيد ب 1000سنة عن قيام الإمبراطورية الرومانية، فإنها تحيلنا -ببراعة بيانها- على شخصيات وأحداث أكثر راهنية من تاريخ الرومان. وفي هذا المقال، سنكتشف كيف تصور هذه القصيدة، التي أصبحت الأسطورة المؤسسة للإمبراطورية الرومانية، قرطاج والحروب البونيقية.

إينياس يلتقي بعليسة في قرطاج، بريشة بول سيزان

في طريقه إلى إيطاليا، تحطمت سفينة إينياس على الساحل القرطاجي، حيث كان أوائل المستعمرين الفينيقيين منهمكين في بناء مدينتهم بقيادة الملكة عليسة. وقد سر إينياس غاية السرور بعمران هذه الحاضرة الجديدة وقانونها حتى كان على وشك ترك هدفه والاستقرار بها؛ سيما بعد زواجه سرا من عليسة التي شغفت به حبا وتوسلت إليه بأن يظل معها لكي يشاركها في الحكم، مع أنها كانت قد وعدت زوجها عاشرباص (زيكاربعل) بعدم الارتباط بعد وفاته. وما زاد الطين بلة(من منظور الرومان) هو تبني إينياس لثقافة هؤلاء الغرباء من حيث اللباس والعادات.

بالنسبة لشاعر الرومان، فإن قرطاج مثلت خطر ‘الوصول المزيف’، فلو آثر إينياس سعادته على ضالته، وأصبح ملكا على قرطاج مع عشيقته لنسي حلم بلوغ الأرض الموعودة التي سيقيم بها حفيداه أعظم الحضارات ولما قامت لمدينتها الخالدة قائمة. ولكن هيهات أن يتم له ذلك، فقد بعث جوبيتر رسولا إلى إينياس يأمره بالرحيل؛ فهو بطل اختارته الآلهة لمهمة مقدسة، ولا يمكنه أن يضعف أمام رغباته الخاصة.

كان تنفيذ هذا الأمر الإلهي بركوب البحر شاقا على نفس إينياس الذي تعلق بعليسة ولم يعد يطيق فراقها، وتظهر في هذا المشهد أخلاق الروماني الأصيل الذي يتفانى في أداء واجبه مهما كلفه الأمر.

وقد جن جنون عليسة عندما سمعت بهذا الخبر: فكيف لمن ملك قلبها أن يهجرها بهذه السهولة؟ لكن إينياس فسر لها بنبرة حازمة أنه لا يملك الخيار؛ فقد شاءت الأقدار أن يغامر في سبيل نشأة روما.

مقتل عليسة

لم تتمالك عليسة نفسها بعد إبحار سفينة إينياس، فعمدت إلى سيف كان قد تركه؛ وقبل أن تضع حدا لحياتها، صاحت قائلة: ‘لا وئام بين شعبينا منذ اليوم، ولينهض من رفاتي منتقم يعذب الطرواديين الغزاة بقوة الحديد والنار كلما سنحت له الفرصة؛ إنني أطلب أن يحل غضبي على برهم وبحرهم، وأن يتوارثوا هذه الحرب الضروس أبا عن جد.’ وقد تحققت هذه اللعنة بالفعل في الحروب البونيقية، وفي سليل ملكة قرطاج حنبعل الذي أرعب روما.

وتذكرنا شخصية عليسة في هذه القصة بملكة أجنبية أخرى: كليوباترا التي لم تكن علاقتها مع مارك أنطوني بأقل خطرا على روما من صراعها مع قرطاج؛ فمثلما خان الجنرال الروماني وطنه ومبادئه من أجل الحصول على خيرات مصر، كذلك رفض بطل طروادة مغادرة قرطاج وتشبه بالفينيقيين في لباسهم، غير أنه عاد إلى إيطاليا، على غرار أغسطس قيصر، ليؤسس أعجوبة زمانه نزولا عند رغبة الآلهة.

اترك رد