Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة أنس حانة
تعد حضارة الإغريق واحدة من أبرز حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط، وقد ألفت منطقة شمال إفريقيا وعاشرت قومهم، خاصة بعد تأسيس المستعمرات اليونانية في قورينائية خلال القرن السابع قبل الميلاد. وانبهر اليونانيون كثيرا بالمنطقة الواقعة غرب القارة الإفريقية، والتي كانوا يعتبرونها حافة العالم. وتمكنوا من تمرير بعض من أساطيرهم إلى شمال إفريقيا، وكما جرت العادة، استولوا على بعض الآلهة الأمازيغية من خلال إعطائهم أسماء يونانية.
أطلس: العملاق الذي أصبح جبلاً
ألهمت جبال الأطلس التي تعتبر أعلى سلسلة جبلية في حوض البحر الأبيض المتوسط، العديد من الأساطير.
وفقًا لأسطورة حرب الجبابرة اليونانية، فقد كان أطلس في الأصل عملاقًا ينتمي إلى جيل سابق من الآلهة التي أطاحت بها الآلهة الأولمبية. وجزاء لتمرده، حكم عليه زيوس، ملك الآلهة الجديد، بالوقوف ساكنًا في أقصى نهاية العالم، على قمة الجبال التي ستحمل اسمه فيما بعد، حاملا قبة السماء على كتفيه إلى الأبد.
وتفيد أسطورة أخرى بأن أطلس كان أول ملك لموريطنية. عندما جاء البطل بيرسيوس إلى بلاطه طالبًا الضيافة، طرده أطلس بعيدًا بدلاً من الترحيب المشرف الذي تتطلبه العادة. ثم كشف بيرسيوس عن رأس الميدوزا أمام أطلس، وهو وحش كان قد قتله سابقا، وحوّل كل من رآه إلى حجر. فتحجر الملك ذو القامة الفارعة، وهكذا ظهرت جبال الأطلس.
تختلف الرواية التي تقدمها الأسطورتان. فالرواية الثانية هي عبارة عن أسطورة محلية اعتمدها اليونانيون. ومع الوقت، أصبح ملك موريتانيا مرتبطًا بالعملاق أطلس، الذي كان يعيش في نفس المنطقة.
أصول ليبيا
في الأسطورة اليونانية، كانت ليبيا أميرةً مصرية، ابنة الملك إبافوس (المحدَّد مع الإله المصري آبيس). وقد اختطفها بوسيدون، إله البحر، وأنجبت له ابنَيْن: بيلوس وآغنور.
كانت قورينة أميرةً يونانية وصيّادة شغوفة. وقد أحبّها الإله أبولّون بعدما رآها تقتل أسدًا بيديها العاريتين، ثم أخذها إلى ليبيا، حيث أسّسا مدينة قورينة.
كما يُوصَف إله البحر تريتون بأنه كان يعيش في ليبيا.
وبحسب بعض المصادر الأسطورية، وُلدت الإلهة أثينا في ليبيا.
حديقة هيسبيريدس
كانت هيسبيريدس (حديقة التفاح الذهبي) حديقة رائعة، تابعة لبنات العملاق أطلس – بنات المساء الثلاث -. كان يحرس هذه الحديقة تنين وتحتوي على شجرة تثمر تفاحًا ذهبيًا. من المحتمل أن تكون هذه الثمرة إشارة أسطورية إلى البرتقال، حيث لم تكن هذه الفاكهة معروفة بعد في اليونان.
ويعتبر هرقل واحدا من أعظم أبطال الأسطورة اليونانية، وكان والده أله بينما كانت والدته امرأة بشرية، ما جعله نصف إله. ولكي يحظى بقبول الآلهة، كان عليه أن يتم اثنا عشر مهمة صعبة، من بينها سرق التفاح الذهبي من حديقة هيسبيرديس.
ووفقا لرواية بديلة، فإن هرقل لم ينجز هذه المهمة بمفرده، بل ساعده أطلس. وعندما جاء هرقل باحثا عن أطلس لكي يسأله عن مكان الحديقة، عرض عليه أطلس أن يحضر له التفاح الذهبي بنفسه، بشرط أن يحمل له هرقل السماء خلال تلك الفترة. في الواقع، كان أطلس سعيدًا جدًا بالتخلص من حمله الثقيل، ولم يكن ينوي حمله مرة أخرى. وعندما عاد أطلس، طلب منه هرقل الماكر أن يستعيد السماء على كتفيه لفترة وجيزة، حتى يجد وضعية مريحة، ثم هرب بالتفاح.
كانت حديقة هيسبيريدس الأصلية خارج حدود عالم البشر، في مكان تصله الآلهة فقط. فيما بعد، تغيرت الأسطورة بعد بداية الاستعمار اليوناني في قورينائية لتصبح الحديقة في يوهسبريدس (بنغازي). وحددت الروايات اللاحقة الحديقة في حافة العالم : في ليكسوس (العرائش)، موريطنية، أو في إسبانيا.
عنتي العملاق

كان عنتي (آنتيوس باليونانية، أي الغريم) عملاقا ينحدر من بوسايدون (إله البحر) وغايا (إلهة الأرض). وقد كان أول ملك لليبيا وحامي شمال إفريقيا ضد الاستعمار الخارجي. وأصر على مصارعة كل مسافر يمر من مملكته. وكان عنتي قادرا على استرجاع قوته كلما لمس الأرض، إذ كان ابنها، مما مكنه من الفوز ضد كل من واجهه.
تحدى عنتي هرقل بينما كان الأخير في طريقة إلى حديقة هيسبيريدس، ولكي يتمكن من ضربه، رفعه هرقل في الهواء، حتى يحرمه من استرجاع قوته بلمسه للأرض، ثم خنقه حتى الموت.
في أقدم الأساطير، عاش عنتي في الصحراء الليبية، في إشارة إلى الاتصالات بين اليونانيين القورينائيين والأمازيغ الليبيين. بينما تضعه الأساطير اللاحقة في مكان أبعد بكثير في الغرب، في موريطنية.
مضيق جبل طارق

كان يُنظر إلى الأرض في علم الكونيات القديم على أنها قرص مسطح، محاط بالمحيط الكوني، الذي يمثل كتلة مائية لا حصر لها، إذ امتصت مياه جميع محيطات العالم. وكانت موريطنية وإسبانيا تعتبر آخر المناطق المأهولة قبل المجهول المليئة بالوحوش المخيفة. يمثل مضيق جبل طارق نهاية العالم المتحضر، حيث “أعمدة هرقل”، وهما جبلان على جانبي المضيق، يشيران للمسافرين إلى أنهم وصلوا إلى حافة العالم المعروف.
توجد العديد من الأساطير حول أصول المضيق. وفقًا لإحدى الروايات، فإن هرقل، أثناء عبوره جبال الأطلس أثناء بحثه عن حديقة هيسبيريدس، ضرب جبلًا كان في طريقه. وبسبب قوته الخارقة، انقسم الجبل إلى قسمين، مما أدى إلى خلق كلا الجانبين من المضيق مما كان في السابق قارة واحدة. وأصبح قسما هذا الجبل أعمدة هرقل. وتقول مصادر أخرى أنه بدلاً من إنشاء المضيق، قام في الواقع بتضييقه، لمنع وحوش البحر التي تعيش في المحيط الأطلسي من دخول البحر الأبيض المتوسط.
مثلت المدن الواقعة على ضفاف المضيق دورًا مهمًا في النظرة اليونانية للعالم، باعتبارها حراسًا للعالم المتحضر. وتذكر بعض المصادر تنجيس (طنجة) كونها المكان الذي قاتل فيه هرقل أنتايوس. وبعد قتله، نام هرقل مع زوجته تنجيس ابنة الملك أطلس الموريتاني. أسس ابنهما صيفاقس مدينة تنجيس وأطلق عليها اسمًا تيمنا بوالدته. أما في الأصل فإن المدينة أقدم من هذه الأسطورة، بيد أنها كانت وسيلة لليونانيين لاختراع أصل يوناني لمدينة كانت مهمة بالنسبة لهم.
كما اعتبر اليونانيون هرقل مؤسسا لمدينة إيكوزيوم (الجزائر العاصمة). فلما عاد من حديقة الهسبيريديس ترك وراءه عشرين من رفاقه اللذين أسسوا المدينة.
الأمازونيات الليبيات
تتعتبر الأمازونيات شعبا أسطوريا مكونا من محاربات قاتلن اليونانيين في عدة مناسبات. عاشت إحدى مجموعات الأمازون الرئيسية في ليبيا. وكانت ملكتهم تدعى ميرينا.
أوديسيوس في أفريقيا
تعتبر ملحمة هوميروس واحدة من أشهر القصائد الملحمية في العصور القديمة، والتي تحكي عن رحلات أوديسيوس، أحد أبطال حرب طروادة، للعودة إلى موطنه في جزيرته الأصلية، إيثاكا.
لا يمكن تحديد الأماكن التي زارها أوديسيوس بدقة. مغامراته مليئة بالخيال لدرجة أنه لا يمكن إنشاء أي صلة مباشرة بالأماكن والأشخاص الحقيقيين. ومع ذلك، فمن الممكن أن تكون بعض الأحداث قد وقعت في شمال أفريقيا.

في الكتاب التاسع، هبط أوديسيوس ورفاقه على جزيرة. يطعمهم السكان أوراق اللوتس، وهو نبات، بمجرد تذوقه، يجعلهم ينسون كل شيء عن بلدهم وعائلاتهم وكل حياتهم الماضية، حتى يتمنون البقاء هناك إلى الأبد. يضطر أوديسيوس إلى القبض على رفاقه وإجبارهم على المغادرة بالقوة. ويعتقد معظم المختصين أن جزيرة أكلة اللوتس هي جزيرة جربة في تونس.
بعد أن فقد جميع رفاقه، بات بأوديسيوس بمفرده في جزيرة تسمى أوجيجيا، حيث سيقضي 7 سنوات مع الحورية كاليبسو، التي وعدته بالخلود إذا وافق على البقاء معها والزواج منها. توصف كاليبسو بأنها ابنة العملاق أطلس، وتقع جزيرتها في أقصى نهاية العالم. التعريف الأكثر شيوعًا لهذه الجزيرة هو جوزو، في أرخبيل مالطا، ولكن حددها متخصصون آخرون أقرب إلى أعمدة هرقل. أحد الاحتمالات هو جزيرة ليلى الواقعة على الساحل المغربي.
