الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

دروسيلا: الأميرة الموريتانية الغامضة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

يُقال أن دروسيلا، ابنة بطليموس آخر ملوك موريتانيا، قد لاقت مصيرٍا استثنائيا عقب وفاة والدها. فوفقًا لمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تزوجت حاكمًا رومانيًا، ثم ملكًا سوريًا لتصبح ملكة على مملكة مجاورة لروما. ومع ذلك، فإن المصادر القديمة التي تذكرها نادرة لدرجة أن بعض المؤرخين يشككون في وجودها. ويلخص هذا المقال ما نعرفه حقًا عن هذه الأميرة الغامضة.

صورة الغلاف: حفل زفاف فيلكس ودروسيلا الموريتانية – صورة من تصميم ChatGPT

هل دروسيلا أميرة موريتانية؟

يوبا الثاني
كليوباترا سيليني

يكتب المؤرخ الروماني تاسيتس أن أنطونيوس فيلكس، العبد المُحرر من العائلة الإمبراطورية الذي أصبح الحاكم الروماني ليهودا، قد “تزوج دروسيلا، حفيدة أنطوني وكليوباترا” (التواريخ، الكتاب الخامس، 9). وهذا المقطع لتاسيتس هو الوحيد الذي يذكر دروسيلا. وكما سيتضح لاحقًا في المقال، فإن رواية تاسيتس تعد مُشكِلة لدرجة أن بعض المؤرخين المعاصرين يعتقدون أنه كان مجانبا للصواب.

أنجب القائد الروماني مارك أنطوني والملكة كليوباترا المصرية ثلاثة أبناء. تزوجت ابنتهما كليوباترا سيليني من الملك يوبا الثاني ملك موريتانيا. أما فيما يخص أبناؤهما الآخرون، فيُرجّح أنهم توفوا في عمر صغير ولم تكن لهم سلالة معروفة.

بطليموس الموريتاني

يعتقد تاسيتس أن دروسيلا كانت ابنة يوبا الثاني وكليوباترا سيليني. ولكن يُرجّح من الناحية الزمنية أنها كانت حفيدتهما وربما ابنة ابنهما بطليموس آخر ملوك موريتانيا بعد وفاة والده. والكلمة اللاتينية التي استخدمها تاسيتس، neptem، عاة ما تُترجم إلى حفيدة ولكنها قد تعني أيضًا أنها تنحذر من سلالة بمعنى أعم.

أُطلق اسم دروسيلا على معظم النساء من النخبة الرومانية في ذلك الوقت تكريمًا لجوليا دروسيلا، شقيقة الإمبراطور كاليجولا. وكانت جوليا دروسيلا ابنة عم بطليموس الموريتاني، لذا كان من المنطقي أن يُسمّي ابنته على اسمها.

قُتل بطليموس الموريتاني عام 40 ميلادي. وأضحت موريتانيا عقب وفاته جزءًا من الإمبراطورية الرومانية. لذلك لو كان لبطليموس ابنة بالفعل فمن المرجح أنها ستكون قد نشأت في روما كما هو الحال مع العديد من أبناء العائلات الملكية المتحالفة.

فيلكس: العبد الذي أصبح حاكمًا

فيلكس، حاكم يهودا

حرر الإمبراطور كلوديوس (أو والدته أنطونيا الصغرى، حسب المصادر) فيلكس. وبفضل نفوذ أخيه بالاس، الذي شغل منصب أمين الخزانة في عهد كلوديوس، عُيّن فيلكس حاكمًا على يهودا. وخلال فترة ولايته، اكتسب سمعة سيئة عنوانها القسوة والفساد واشتهر باغتياله رئيس الكهنة اليهودي يوناثان. وقد احتقر الأرستقراطيون الرومان، مثل تاسيتس، فيلكس العبد السابق الذي بلغ ذروة السلطة.

كيف يُمكن لعبد المحرر أن يتزوج أميرةً من موريتانيا؟ بما أن الأميرة التي فقدت مكانتها كانت بالتأكيد تعيش في البلاط الإمبراطوري، فمن المُرجح أن الإمبراطور نفسه من دبّر زواجهما. مع ذلك، سيكون هذا مُفاجئًا بالنظر لاختلاف مكانتهما الاجتماعية.

دروسيلا اليهودية

من جهة أخرى، يتفق المؤرخون على أن فيلكس تزوج سيدة أخرى تدعى دروسيلا وهي ابنة الملك هيرودس أغريبا ملك يهودا. وفي الوقت الذي كانت فيه متزوجة من عزيز ملك إميسا (حمص حاليًا، سوريا)، الذي اعتنق اليهودية ليتزوجها، أغواها فيلكس وأقنعها بترك زوجها والعودة إليه. وكان زواجهما فضيحةً مدوية لليهود والرومان على حد سواء.

ذُكر فيلكس ودروسيلا في الكتاب المقدس: فبعد اعتقال الرسول بولس في القدس بسبب التبشير وبينما كان في السجن ينتظر محاكمته، دعاه الحاكم فيلكس وزوجته للتحدث إليهما عن دينه. وعلى الأرجح كان فيلكس يأمل أن يعرض عليه بولس المال مقابل إطلاق سراحه الأمر الذي رفضه. ويذكر المقطع أن زوجة فيلكس كانت يهودية ما يدل على أنها دروسيلا اليهودية وليست دروسيلا الموريتانية.

أنجب فيلكس ودروسيلا ابنًا أطلقا عليه اسم ماركوس أنطونيوس أغريباس، الذي توفي عام 79 ميلاديًا أثناء ثوران بركان فيزوف جنوب إيطاليا. ويذكر المؤرخ يوسيفوس فلافيوس أنه توفي “مع امرأة” (“σὺν τῇ γυναικὶ”). والترجمة الأرجح أنه توفي مع زوجته، إلا أن هناك احتمالا آخر يقول بأن المؤلف يشير إلى المرأة التي ذكرها سابقًا وهي والدته دروسيلا.

هل هذا يعد لُبسا من جانب تاسيتس؟

الرسول بولس يتحدث مع فيلكس ودروسيلا

كيف يُمكن لنص كتبه تاسيتس أن يتماشى وقصة زواج فيلكس من دروسيلا ابنة ملك يهودا؟ كان من الممكن أن يتزوج فيلكس دروسيلا الموريتانية في روما قبل أن يصبح حاكمًا على يهودا. ومع ذلك، لم يذكر أي مصدر تاريخي أن فيلكس كان متزوجًا بالفعل عندما التقى دروسيلا اليهودية أو أنه طلق ليتزوجها. فالمؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، الذي أبدى غضبًا شديدا لتخلي دروسيلا عن زوجها والزواج من فيلكس، ما كان ليُغفل هذا الأمر لو فعل فيلكس الشيء نفسه!

كتب مؤرخ روماني آخر، سويتونيوس، أن فيلكس “تزوج ثلاث ملكات”. ولكن لا نعرف تحديدًا ما يعنيه بـ“الملكات”. ربما كان مجرد لقب شرفي أو استخدامًا ساخرًا للكلمة- وهو الشائع لدى سويتونيوس.

النسب المزعوم لدروسيلا الموريتانية

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن دروسيلا الموريتانية لم تكن يومًا “ملكة” بالمعنى الحرفي للكلمة. فقد مُنح هذا اللقب فقط لملوك الأراضي التي تعترف بها روما، في حين أن موريتانيا كانت مقاطعة رومانية. حتى أن البعض تكهن بأن لقب “ملكة” يعني أن دروسيلا الموريتانية لا بد أنها تزوجت ملكًا آخر فيما بعد. وكثيرًا ما يُذكر اسم سهيموس الإيمسي على أنه زوجها الثاني. ومرة أخرى لا يوجد أي دليل قاطع في المصادر القديمة على ذلك.

دروسيلا في سلالة هيرودس – اضغط للتكبير

يُظهر أيضا فحص دقيق للمصادر، وفقًا ليوسيفوس فلافيوس، أن دروسيلا اليهودية وُعدت بالزواج من بطليموس الموريتاني وهي لا تزال طفلة ( ممارسة شائعة في زمن كانت الزيجات الملكية يحتفل بها غالبًا لتوطيد التحالفات السياسية) ولكن هذا الزواج لم يتم قط لأن بطليموس توفي ودروسيلا لا تزال صغيرة. ودون يوسيفوس يوسيفوس هذا في وقت كان قريبا فيه إلى الأحداث من تاسيتس كما أنه كانت تربطه صلة وثيقة بالعائلة المالكة في يهودا. لذلك يُمكن اعتبار كتاباته موثوقة.

ونظراً لغياب أي ذكر آخر لأي أميرة موريتانية تدعى دروسيلا، فإن النظرية الأكثر ترجيحاً هي أن تاسيتس ظنّ خطأً أن دروسيلا اليهودية تنحدر من نسل كليوباترا ومارك أنطوني. ويمكن تفسير هذا اللبس من خلال ذكر يوسيفوس فلافيوس لخطط الزواج بين بطليموس الموريتاني ودروسيلا اليهودية. ومن المحتمل أيضاً أن تاسيتس أراد ببساطة المبالغة في التفاوت الاجتماعي بين فيلكس وزوجته بادعاء نسبٍ أكثر شهرةً لها مما هو عليه في الواقع.

عملة طُبعت عليها صورة زنوبيا

زعمت زنوبيا، الملكة العربية لتدمر في سوريا والتي قادت ثورة ضد روما في القرن الثالث الميلادي، أنها تنتمي لسلالة كليوباترا المصرية. وتدعي بعض المصادر أن دروسيلا الموريتانية وزوجها الثاني سهيموس الإيمسي أصبحا أجداد زنوبيا وكذلك جوليا دومنا، الزوجة السورية للإمبراطور سبتيموس سيفيروس. ومع ذلك، يعتقد معظم المؤرخين المعاصرين أن هذه الأميرة الموريتانية لم تكن موجودة قط وأن جميع المصادر التي تذكرها مبنية على اللبس الذي وقع فيه تاسيتس.

الفرس في شمال أفريقيا, الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

إيناروس سايس: الأمير المصري ذو الأصول الليبية الثائر ضد الفرس

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

كان إيناروس أميرًا مصريًا من أصل ليبي.  وخلال الاحتلال الفارسي لمصر قاد إيناروس، الذي يُرجّح انتماؤه إلى السلالة الفرعونية القديمة التي أطاح بها الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد، ثورةً ضد الإمبراطور الفارسي أرتحششتا.  وقد حظي بدعم اليونانيين في الحلف الديلي، وهي اتحاد كونفدرالي بقيادة أثينا.

يعتقد بعض العلماء أن ختم زفينجورودسكي قد يُمثل استسلام إيناروس عقب هزيمته

من كان إيناروس؟

أطلال سايس

كان إيناروس أمير مدينة سايس في دلتا النيل.  وقد حكم منطقةً امتدت من سايس إلى ماريا على ساحل البحر الأبيض المتوسط.  وكانت سايس مدينة مهمة في مصر ومقرًا للسلالة الفرعونية التي انهارت.  وكان والد إيناروس يُدعى بسماتيك تيمّنًا بالفرعون الذي أطاح به الفرس، ما يوحي بأنه ربما كان من نسله.

ذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن إيناروس كان من أصول ليبية.  ويتم أحيانا القول بأن الأسرة الفرعونية السادسة والعشرون، التي أطاح بها الفرس، تعود لأصل ليبي لكن هذا يبقى خبرا غير مؤكد.  وفي جميع الأحوال، فبما أن أراضيها  كانت جزءًا من المناطق التي سكنتها القبائل الليبية، فرعاياها يعتبرون ليبييين.

كثيراً ما يُخلط بين إيناروس وإيناروس آخر عاش قبله بقرنين: إيناروس الأرثريبي، الأمير المصري من أصل ليبي أيضاً، الذي ثار ضد الاحتلال الآشوري لمصر.  وتخلط الروايات الأسطورية بين حياة الشخصيتين.  وللتمييز بينهما يتحدث المؤرخون عن إيناروس الأول وإيناروس الثاني.

ثورة إيناروس

خريطة المعارك بين إيناروس والفرس

طرد إيناروس، حوالي 460 قبل الميلاد، جباة الضرائب الإمبراطوريين من أراضيه وبدأ بحشد جيش للثورة على الإمبراطورية الفارسية.

 تحالف إيناروس في ثورته مع جاره الأمير أميرتايوس الذي كان يسيطر على المستنقعات الواقعة شمال دلتا النيل، وهي منطقة يصعب على الجيوش الأجنبية اختراقها.  ويعتقد معظم العلماء أن أميرتايوس كان على صلة بالفرعون المستقبلي أميرتايوس، الذي هزم الفرس بعد حوالي ستين عامًا وأعاد السيادة المصرية.

أسطول خاريتيميدس

حظي إيناروس أيضًا بدعم من الحلف الديلي، وهي اتحاد مكون من المدن اليونانية بقيادة أثينا المعادية للفرس.  وأرسلت الحلف الديلي أسطولًا مكونا من 200 سفينة لدعم إيناروس بقيادة الجنرال الأثيني خاريتيمدس.

بعد وصول الأثينيين، حارب تحالف المتمردين بقيادة إيناروس ضد جيش فارسي مؤلف من 400,000 جندي بقيادة آخمينس، أخ الإمبراطور أرتحششتا، في معركة بابريميس.  وقد هُزم الفرس وفُرض عليهم التراجع.  ولكن بعد وقت قصير حارب الأثينيون الأسطول الفارسي ودمّروه.

ثم حاصر المتمردون مدينة منف، التي لجأ إليها الناجون من الجيش الفارسي.  واستمر هذا الحصار لمدة أربع سنوات.  وأرسل الإمبراطور أرتحششتا رسولًا إلى إسبرطة باليونان لإقناع الإسبرطيين، أعداء الأثينيين التاريخيين، بمهاجمة أثينا لإجبار الأسطول الأثيني على الانسحاب من مصر.  وعندما أعرب الإسبرطيون عن رفضهم، أرسل أرتحششتا جيشًا كبيرًا إلى مصر لمحاربة المتمردين.

نموذج لسفينة ثلاثية المجاديف، التي استخدمتها الأساطيل اليونانية والفارسية

هُزم المتمردون عند وصول الجيش الفارسي الجديد وأُجبروا على رفع الحصار عن ممفيس.  وفرّ الأثينيون إلى جزيرة بروسوبيتس (جزيرة إبيار) في دلتا النيل، حيث أرسوا أسطولهم.  وحاصر الفرس الجزيرة لثمانية عشر شهرًا وتمكنوا في النهاية من ربط الجزيرة بالقارة عبر شق قنوات لتصريف مياه النهر، ما مكّنهم من العبور.  هُزم اليونانيون وقُتلوا وتمكن عدد قليل فقط من الناجين من الفرار إلى قورينة ومن هناك عادوا إلى أثينا بحرًا.

كما تم تدمير جيش يوناني جديد أرسل من أثينا لمساعدة المحاصرين في بروسوبيتس.

لجأ إيناروس، المهزوم والجريح، إلى بابريمس آخر معاقله في مستنقعات دلتا النيل.  وبعد مقاومة دامت عامًا هُزم وأُسر.  وسُجن في سوسة عاصمة الإمبراطورية الفارسية حيث أُعدم عام 454.

خاتمة

تعتبر ثورة إيناروس، رغم فشلها الذريع، أهم ثورة مصرية ضد الحكم الفارسي.  ووفقًا للمؤرخ اليوناني هيرودوت، ألحق إيناروس ضررًا كبيرا بالفرس أكثر من أي شخص سبقه.

أثارت هزيمة إيناروس موجة من الذعر في اليونان، ما دفع الحلف الديلي إلى نقل كنوزه من جزيرة ديلوس إلى أثينا.

وبعد مرور حوالي ستين عامًا تقريبًا هزم الأمير المصري أميرتايوس (الذي ربما كان من نسل حليف إيناروس) الفرس واستعاد السيادة المصرية وأصبح فرعونًا وأسس سلالة جديدة.

مدن قورينائية الأخرى, اليونانيون في شمال أفريقيا

مدن قورينائية الأخرى: المدينة المينائية لقورينة، أبولونيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

تأسست أبولونيا (مرسى سوسة)، شمال قورينة، على أنها ميناء لها. وبعد ذلك، أصبحت مدينة مهمة بحد ذاتها، وأخذت مكان قورينة وبطلميس باعتبارها عاصمة لقورينائية.

الميناء الشرقي لأبولونيا

من المرجح أن أبولونيا كانت نقطة إنزال لأوائل المستعمرين اليونانيين في ليبيا، في القرن السابع قبل الميلاد. ويوفر هذا الموقع مرسى آمنًا للسفن بفضل خليجيه.

المسرح اليوناني لأبولونيا

 لم يكن ميناء أبولونيا مدينةً مستقلة في بداياته بل مجرد تابع لـقورينة المتكونة من الميناء وبعض المساكن الموزعة على طول الساحل دون دفاعات عسكرية فعّالة إذ كان أعداء قورينة يأتون من اليابسة أكثر من البحر. وحتى اسم أبولونيا ذُكر متأخرًا، في القرن الأول، على يد الجغرافي الروماني سترابو. ويبدو أن هذا يشير إلى أن ميناء قورينة لم يكن له اسم خاص به لفترة طويلة.

يعود تاريخ أقدم البقايا الأثرية التي تم العثور عليها في أبولونيا إلى القرن السادس: مزهرية وقطعتان خزفيتان من كورينث ورودس.

عملة تحمل صورة ثيبرون

غزا الإسكندر الأكبر مصر عام 332 وأسس عاصمته الجديدة التي هي الإسكندرية. وقد خضع له اليونانيون القورينئيون فرحًا بوجود ملك يوناني يطمح لتوحيد جميع اليونانيين. وبعد وفاة الإسكندر الأكبر، حاول ثيبرون، المرتزق القادم من إسبارطة، غزو قورينائية. وقد بدأ بالسيطرة على أبولونيا (تذكر المصادر الميناء فقط دون اسم) مستفيدًا من غياب المنشآت الدفاعية. وبعد هزيمته، صُلب ثيبرون في أبولونيا.

رأس منحوت لبطلميس الثالث إيرغيتيس (المصدر)

بعد ذلك أصبحت قورينائية جزءًا من الإمبراطورية البطلمية. ولحماية أبولونيا، شيد البطالمة سورًا حول مينائها. وقد وُجد في أبولونيا رأس منحوت للملك بطلميس الثالث إيرغيتيس.

تشير قطع الخزف والفخار المُكتشفة في أبولونيا إلى حجم التبادلات الاقتصادية بين ميناء قورينة وبقية العالم المتوسطي في القرنين الثالث والثاني. فحوالي نصف هذه القطع يأتي من المدن اليونانية عبر بحر إيجة وخاصة الأمفورات (أواني فخارية)، التي تأتي من جزيرة رودس ويُصنع ربعها في قورينائية نفسها ويأتي سُدسها من ماغنا غراسيا (صقلية وجنوب إيطاليا)، التي معظمها نبيذ إيطالي مستورد. ورغم أن قورينائية كانت تحت السيادة المصرية، توجد آثار قليلة جدًا من نقراطيس، المستعمرة اليونانية القديمة في مصر.

أكروبوليس أبولونيا

صارت أبولونيا مدينةً مستقلة بحلول نهاية الحقبة الهلنستية. ووفقًا للعالم الفرنسي أندريه لاروند، وبالاستناد إلى نص للمؤرخ اليوناني-الروماني بلوتارخ، أصبحت المدينة مستقلة عن قورينة بعد تدخل روماني، حوالي عام 85، خلال الحرب الأهلية بين سولا وماريوس.

الحمامات الرومانية لأبولونيا

أضحت قورينائية جزءًا من الإمبراطورية الرومانية عام 74. وقد عاشت أبولونيا، مثل بقية المدن اليونانية في قورينائية، فترة ازدهار في بداية العصر الروماني مع تطوير المباني العامة. وقد أقامت المدينة تمثالًا للإمبراطور الروماني هادريان في أثينا، وتمثالًا آخر للإمبراطور ماركوس أوريليوس في إيليوسيس.

تراجعت أهمية باركي وبالاجراي في العصر الروماني، بينما زادت أهمية أبولونيا وبطلميس. وأصبح البنتابوليس يتألف الآن من قورينة وبرنيكي (بنغازي) وتوخيرة (توكرة) وبطلميس (طلميثة) وأبولونيا.

الكنيسة المركزية في أبولونيا (المصدر)

كانت قورينائية أول منطقة في شمال أفريقيا تصلها المسيحية، وهي الآن تحتوي على بعض أفضل الآثار المحفوظة للكنائس المسيحية القديمة في شمال أفريقيا. أصبحت أبولونيا مركزًا مهمًا للمسيحية. وأول أسقف معروف لأبولونيا كان يوفرانور، الذي تلقى رسالة من أسقف الإسكندرية حوالي عام 260. وكانت الكنيسة الرئيسية لقورينة تقع في أبولونيا.

أبولونيا بازيليكا

أصبحت أبولونيا لفترة وجيزة في مرحلة ما من القرن الرابع عاصمةً لإقليم قورينائية الروماني. وبعد زلزال عام 365 الذي دمّر قورينة وأبولونيا، أصبحت بطلميس، التي نجت نسبيًا، عاصمةً إقليميةً مرةً أخرى.

دُمِّرت مدينة بطلميس عام 411 بهجوم شنته قبائل أمازيغية. وبعد الهجوم بفترة وجيزة، أصبحت أبولونيا عاصمةً إقليميةً خلفًا لبطلميس. وفي الوقت نفسه، حصلت المدينة على اسم جديد: فقد استُبدِل اسمها اليوناني القديم، الذي كان يُشير إلى الإله الوثني أبولو، وهو اسمٌ غير مقبول في إمبراطوريةٍ مسيحية، باسم سوزوسا، “مدينة المُخلِّص”.

ثيودورا

عاشت ثيودورا، الإمبراطورة البيزنطية المستقبلية في فترة شبابها في سوزوسا وقد كانت محبوبة هيسيبولس، الحاكم البيزنطي لقورينائية. وكانت هذه أول زيارة لها إلى شمال إفريقيا، تلك المنطقة التي ستظل عزيزة عليها. وفي عام 539، أمرت ثيودورا بإعادة بناء أولبيا (قصر ليبيا)، وهي مدينة قديمة في قورينائية دمرها الوندال. سُميت المدينة الجديدة ثيودورياس، تكريمًا لمؤسسها. وتحتوي إحدى كنائس المدينة على حوالي خمسين لوحة فسيفساء التي تُعتبر من أجمل الفسيفساء في العالم.

فسيفساء بيزنطية في أولبيا (المصدر)
مدن قورينائية الأخرى, اليونانيون في شمال أفريقيا

المدن قورينائية الأخرى: العاصمة الجديدة، بطلميس

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

أسس بطلميس المصري مدينة بطليموس (طلميثة) في القرن الثالث قبل الميلاد. وأضحت مقر الحاكم البطلمي لقورينائية وواصلت المدينة الازدهار في العصر الروماني.

طلال بطلميس

تأسست مدينة بطلميس حوالي 240 قبل الميلاد وقبلها كانت هناك مدينة يونانية مجهولة الاسم وكانت ميناء لمدينة باركي.

قصر الحاكم

قرر الملك بطلميس الثالث يورجيتيس عند استعادته السيطرة على قورينةئية عقب وفاة ماجاس القوريني، تشييد مدينة جديدة تحمل اسمه لتكون مقراً لحكامه. وقد غطت أسوار بطلميس مساحة بلغت 280 هيكتاراً. وعلى الرغم من حجمها الكبير، لم تكن المدينة يوماً مأهولة بالسكان بقدر ما كانت عليه باركي أو برنيكي (بنغازي).

الضريح الملكي لبطلميس

كان معظم حكام قورينائية ينتمون لأفراد العائلة الملكية البطلمية الأصغر سنًا وغالبًا ما يكونون الإخوة الأصغر أو أبناء الملك. حكم بطلميس الثامن فسكون قورينائية كتابع لأخيه بطلميس السادس فيلوميتور الذي طرده عام 163 من مصر. وعلى الرغم من أنه حكم قورينائية، فإن الضريح الملكي الواقع غرب بطلميس يبدو أنه كان معدا له كمقبرة، لكنه في النهاية لم يُدفن هناك حيث أُعيد إلى الحكم كملك لمصر في عام 145 وتوفي في الإسكندرية.

فيلا الأعمدة

نُصب بطلميس أبّيون، ابن بطلميس الثامن، ملكًا على قورينائية عام 105. وبعد وفاته سنة 96 أوصى بمملكته لروما لأنه لم يترك وريثا. ورغم أن الرومان أعادوا تأسيس قورينة عاصمةً لقورينائية الرومانية، ظلت بطلميس مدينة مهمة.

اختار الإمبراطور ديوكلتيانوس (284–305)، عند إعادته تنظيم إدارة إمبراطوريته، بطلميس عاصمةً لمقاطعة ليبيا العليا (قورينائية). وقد شهدت المدينة تراجعًا خلال القرن الرابع وحلّت محلها أبولونيا عاصمة للمقاطعة. وبعد زلزال سنة 365، الذي دمّر قورينة وبقية مدن قورينائية، في حين نجت بطلميس نسبيًا، أصبحت المدينة مجددًا عاصمة المقاطعة.

الصهريج

شُيّد في بطلميس في العصر الروماني مضمار لسباق الخيل ومدرّج ومسرحان ومبنى مخصص للعروض الموسيقية. كما شُيدت قناة مائية يُرجّح أن الإمبراطور الروماني هادريان من أمر بإنشائها لنقل المياه من نبع يقع على بُعد 8 كيلومترات عن المدينة إلى ساحة الصهاريج، التي كانت تضم 17 صهريجًا مقبّبًا بسعة إجمالية تبلغ 7000 كيلو لتر. وقد استخدمت هذه الصهاريج خلال الاحتلال الإيطالي لليبيا ملجأ للمجاهدين الملتفين حول عمر المختار.

أطلال كنيسة في بطلميس

كانت قورينائية أول منطقة في شمال أفريقيا تصلها المسيحية، وهي الآن تحتوي على بعض أفضل الآثار المحفوظة للكنائس المسيحية القديمة في شمال أفريقيا. أضحت بطلميس مركزًا مسيحيًا هامًا. وكان أول أسقف معروف لبطلميس هو باسيليدس، الذي تلقى رسالة من أسقف الإسكندرية حوالي عام 260. وكان آريوس، مؤسس البدعة الآريوسية، من بطلميس. وفي وقت لاحق، في القرن الخامس الميلادي، أصبح سينيسيوس القيرواني أسقفًا لبطلميس.

تعرضت بطلميس لهجوم ونهب من قبائل الأمازيغ الليبيين عام 411.  ثم أصبحت أبولونيا مجددًا عاصمةً لقورينائية.  وخلال حكم الإمبراطور البيزنطي جستنيان أُعيد بناء بطلميس إلا أن المدينة لم تستعد مجدها السابق أبدًا ودُمّرت في الأخير على يد العرب.

شمال إفريقيا الرومانية

العمارة السيفيرية: العصر الذهبي الثاني للعمارة الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

أشرفت الأسرة السيفيرية، أول أسرة إمبرطورية رومانية ذات الجذور الافريقية، على تشييد العديد من البنايات الفاخرة في كل من روما وأفريقيا وغيرها من الأماكن. ويطلق أحيانا على الحقبة السيفيرية لقب “العصر الذهبي الثاني” للعمارة الرومانية. ولكن فعلى الرغم من أن الأسرة السيفيرية لن تتمكن أبدا من منافسة روح الإبداع والعبقرية الفنية لأسلافها في القرن الأول، فإن مبانيهم التذكارية الضخمة تعكس حاجة الأباطرة لتأكيد سلطتهم في إمبراطورية كانت قد أضحت أكثر شساعة من ذي قبل.

 قوس سيبتيموس سيفيروس في المنتدى الروماني

في روما

قوس سيبتيموس سيفيروس

شيد سيبتيموس سيفيروس بعد الانتصار على الفرس قوس النصر المصنوع من الرخام الأبيض في المنتدى الروماني. ويبلغ قوس سيبتيميوس سيفرس، الأضخم بين جميع أقواس النصر الرومانية، 23 مترا ارتفاعا و25 مترا عرضا. ويحتفي هذا النصب التذكاري الدعائي بقوة روما وتمجيد عظمة إمبراطورها.

وعمل سيبتيموس سيفيروس أيضًا على توسيع القصر الإمبراطوري الواقع على تل بالاتين. وتُعدّ دوموس سيفيريانا، وهي المساحة السكنية والاحتفالية التي شيدها سيبتيموس سيفيروس، أحدث امتداد للقصر الإمبراطوري.

إعادة التشكيل ثلاثي الأبعاد للسبتيزوديوم

وأخيرًا، شيّد سيبتيموس سيفيروس مبنى السبتيزوديوم (أو السبتيسوليوم، أي “الشموس السبعة”) الذي يعد واجهة معمارية ضخمة عند سفح تل بالاتين، مقابل طريق فيا أبيا، الطريق الروماني الرئيسي. ويرجع الهدف الأساسي من هذا المعلم إلى إبهار المسافرين القادمين إلى روما من الجنوب وخاصة القادمين من إفريقيا. ومع أن السبتيزوديوم لم يعد موجودًا اليوم، تم الاحتفاظ بعدة تصورات وتمثيلات له.

وشيد قَرَقَلَّة، ابن سيبتيموس سيفيروس، حمامات كراكلا التي تعد الأكبر في روما والظاهرة على صورة غلاف هذا المقال.

كما وسعت الأسرة السيفيرية ميناء أوستيا، المدينة المينائية لروما. وشيدوا في أماكن متفرقة من إيطاليا العديد من البنايات والمسارح والحمامات والخزائن.

في لبدة الكبرى

منتدى لبدة الكبرى الذي شيده سيبتيموس سيفيروس وأتمم بناءه ابنه قَرَقَلَّة

زُينت بشكل كبير مدينة ميلاد سيبتيموس سيفيروس أثناء فترة حكمه. وجعل من طرابلس مقاطعة رومانية مستقلة تماما ولبدة الكبرى عاصمة لها. وشُيدت العديد من أرقى وأفخم المباني على يديه. 

قوس سيبتيموس سيفيروس، لبدة الكبرى

شيدت سلطات المدينة حينما زار سيبتيموس سيفيرو لبدة الكبرى سنة 203 قوسا تكريما لإنجازاته العسكرية. وقد أعرب الإمبراطور عن شكره لهم ببناء منتدى شاسع يضم بازيليكا (محكمة)، فاخرة التزيين مستوحاة من بازيليكا الأولبية في روما. وقد أكمل قَرَقَلَّة، ابن وخليفة سيبتيميوس سيفيروس، بناء المنتدى والبازيليكا. وتم في العصر البيزنطي تحويل البازيليكا السيفيرية إلى كنيسة.

وأعاد سيبتيموس سيفيروس بناء وتوسيع ميناء لبدة الكبرى بهدف تطوير التجارة.

وأخيرا بنى تحصينات جديدة على الحدود الجنوبية لأفريقيا الرومانية بهدف حماية الأراضي الرومانية من هجمات القبائل الأمازيغية الصحراوية. 

في سوريا

أطلال بالميرا (تدمر) سنة 2010 (قبل أن تدمرها داعش)

تعود أصول الإمبراطورة جوليا دومنا، زوجة سيبتيميوس سيفيروس وأم قَرَقَلَّة، لسوريا وقد حظيت المنطقة بكرم كبير من العائلة الإمبراطورية.

تجديد معبد بل في بالميرا (تدمر) على يد الأسرة السيفيرية

جددت الأسرة السيفيرية في المدينة المجيدة بالميرا (تدمر)، عددا من المباني الرمزية التي بُنيت قبل عهدهم ووسعتها، ومنها معبد بل والكولوناد العظيم والقوس التذكاري.

أما في إمسا (حمص)، مسقط رأس جوليا دومنا، فقد وسعت الأسرة السيفيرية معبد إيل جبل، إله شمس سوري. وكان والد جوليا دومنا الكاهن الأكبر لإيل جبل. لم يعد لهذا المعبد وجودٌ اليوم ويحل محله الجامع الأموي لحمص. 

معبد جوبيتر، بعلبك

أخيرًا، رممت الأسرة السيفيرية معبد جوبيتر في بعلبك، لبنان حاليًا، الذي يعد ثاني أكبر معبد في العالم بعد معبد فينوس في روما.

في أماكن أخرى من الإمبراطورية

في الإسكندرية بمصر، أعاد سيبتيموس سيفيروس وقَرَقَلَّة ترميم هيكل سيرابيون، معبد الإله سيرابيس، الإله الحامي للمدينة.

وفي بريطانيا، أعاد سيبتيموس سيفيروس ترميم وتوسيع جدار هادريان.

كما بنت الأسرة السِّيفيْرية العديد من الحصون على نهر الدانوب، الذي كان يشكل الحدود الشمالية للإمبراطورية، بالإضافة إلى بناء عدة جسور عبر النهر.