المسيحية في شمال افريقيا

مكسيمليان التيفيستي : أول رافض للخدمة العسكرية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان جيش الإمبراطورية الرومانية الهائل مصدر قوتها، نظرا لحسن تجهيزه و شدة انضباطه. من المقدر أن الجيش الروماني كان يتألف في ذروته من حوالي 450000 جندي. ومع اقتراب نهاية القرن الثالث، أُعدم ماكسيميليان، وهو مسيحي من مدينة تيفست (تبسة) في نوميديا، نظرا لرفضه الخدمة في الجيش. ويُعتبر أول معارض للخدمة العسكرية ومستنكف ضميري، وقدوة لكل من رفض بعده حمل السلاح والقتل في سبيل قضية لم يؤمنوا بها.

وُلد ماكسيمليان التيفستي عام 274 في تيفست (تبسة حاليًا، في الجزائر). كان والده فابيوس فيكتور من قدامى المحاربين في الجيش الروماني. ولأنه ابن جندي سابق، كان ماكسيمليان مُلزمًا بموجب القانون الروماني بالانخراط في الجيش في سن الحادية والعشرين.

خلال ذلك الوقت، تباينت النظرة المسيحية للخدمة العسكرية تباينًا كبيرًا. فإلى جانب استخدام العنف، شكّلت التضحيات في الاحتفالات العسكرية مشكلة أخرى للضمير المسيحي. وبصورة عامة، لم يُسمح عادة للمسيحيين المعمدين بالالتحاق بالجيش (أو على الأقل ثُبطوا عن ذلك)، بينما كان بإمكان الجنود الذين اعتنقوا المسيحية مواصلة خدمتهم. كان لدى بعض المسيحيين، مثل يوليوس أفريكانوس الذي خدم ضابطًا عسكريًا في عهد سيبتيموس سيفيروس، نظرة إيجابية للخدمة العسكرية. وفي عهد حكم دقلديانوس، الذي أعاد الانضباط العسكري الصارم، اتخذت الكنيسة المسيحية موقفا مناهضا للنزعة العسكرية بشدة.

في 12 مارس من عام 295، وهو عيد ميلاده الحادي والعشرين، أخذه والده إلى والي أفريقيا للالتحاق بالجيش. كان والده مسيحيًا، ومن الواضح أنه لم ير أي تناقض بين إيمانه ودعوته العسكرية. مع ذلك، رفض ماكسيميليان الخدمة في الجيش قائلًا: “لا أستطيع الخدمة، لا أستطيع فعل الشر، أنا مسيحي”. كما لم يرغب في ارتداء ميدالية تحمل صورة الإمبراطور دقلديانوس حول عنقه، وهو أمر يلزم به جميع المجندين، لأنه اعتبر ذلك خيانة للمسيح.

بسبب رفضه، ألقي القبض على ماكسيميليان و سجن. وعندما استجوبه الوالي عن سبب رفضه الالتحاق بالجيش، أجاب قائلا أنه يؤمن بأن الإنجيل المسيحي يحرم جميع أشكال العنف، وبالتالي فإن الخدمة في الجيش تخالف ضميره. هدده الوالي بالحكم عليه بالإعدام إذا أصر على ما هو عليه، لكنه أجاب قائلا: “لن أخدم، حتى ولو قطعتم رأسي؛ فأنا لست جنديًا في جيش هذا العالم، بل في جيش إلهي”. خشي الوالي أن يحذو المسيحيون الآخرون حذوه، فأمر بقطع رأسه. حصلت سيدة مسيحية تدعى بومبيانا على جثمانه ودفنته في قرطاج.

يُذكر ماكسيميليان التيفستي كأول معارض للخدمة العسكرية لأسباب ضميرية. ولا شك أن مسيحيين آخرين أُعدموا في الفترة نفسها تقريبا لرفضهم الخدمة في الجيش. وخلال حرب فييتنام، اتخذت مجموعة من القادة الدينيين الأمريكيين المعارضين للحرب اسم “رهبنة ماكسيميليان”، تخليدًا لذكرى سلفهم المجيد من شمال أفريقيا.

شمال إفريقيا الرومانية

غزوات سيبتيموس سيفيروس في الصحراء

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

سيطرت الإمبراطورية الرومانية على حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله. أما في أفريقيا، فلم تُبدِ اهتمامًا حقيقيًا بالأراضي الواقعة خارج ساحل البحر الأبيض المتوسط، داخل القارة. ومع ذلك، في بداية القرن الثالث الميلادي، استولى الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، ذو الأصول الأمازيغية الليبية، لفترة وجيزة على أراضٍ جديدة، موسّعًا نفوذه ليشمل أجزاءً من الصحراء.

غزوات سبتيموس سيفيروس الصحراوية

قبل سبتيموس سيفيروس

كانت الحدود الجنوبية لأفريقيا الرومانية من أخطر حدود الإمبراطورية، إذ تعرضت لهجمات متكررة من القبائل الأمازيغية القادمة من الصحراء. ولمواجهة هذه التمردات، أنشأ الرومان مقاطعة عسكرية خاصة في جنوب نوميديا، والتي كانت عاصمتها لامبايزيس (تازولت).

في عام 19 قبل الميلاد، غزا لوسيوس كورنيليوس بالبوس، حاكم أفريقيا، واحة كيداموس (غدامس)، التي كان يسكنها الجرمنتيون سابقا. ومن كيداموس، أطلق رحلة استكشافية لاستكشاف الصحراء، وصولًا إلى نهر النيجر. قبل سيبتيموس سيفيروس، كانت السيطرة الرومانية على كيداموس محدودة.

الحملة الأفريقية لسيبتيموس سيفيروس

بعد انتصاره على الفرس، قرر سيبتيموس سيفيروس تأمين الحدود الجنوبية لإمبراطوريته، في موطنه أفريقيا. بدأ بتأسيس حامية عسكرية في كيداموس، ومن هناك شنّ حملة عسكرية ضد الجرمنتيين. استولى أولاً على مدينتي الجرمنتيين، غربية وغلاية (بو نجم)، جنوب لبدة الكبرى، حيث أقام معسكرات عسكرية. وفي عام 202، غزا جرمة، عاصمة الجرمنتيين، وسيطر على أراضيهم.

قام سيبتيموس سيفيروس أيضًا بتوسيع أراضي نوميديا ​​الرومانية، من خلال غزو أجزاء كبيرة من أراضي الجيتول.

بعد حملته الأفريقية، قام سيبتيموس سيفيروس بتحصين كامل الحدود الصحراوية، بحيث لم يعد بإمكان القبائل البدوية في الصحراء مهاجمة أفريقيا الرومانية ثم الفرار إلى الصحراء.

لم تدم غزوات سيبتيموس سيفيروس طويلًا: إذ عجز الرومان عن الدفاع عن أراضيهم الجديدة، لعدم اعتيادهم على مناخ الصحراء. فسريعًا ما قام الجرمنتيون باستعادة جميع أراضيهم، بما فيها كيداموس.

المسيحية في شمال افريقيا

تراث منسي: الكنائس والمباني المسيحية الأخرى في شمال أفريقيا القديمة (3/3 – الجزائر والمغرب)

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

ابتداءً من القرن الأول الميلادي، انتشر دين جديد بسرعة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية: المسيحية. وقد شكّل شمال أفريقيا، من مدنه العالمية الكبرى إلى مناطقه الريفية النائية، أرضًا خصبةً للإنجيل المسيحي. في هذه المقالة، سنكتشف الكنائس الرئيسية والآثار المسيحية الأخرى التي لا تزال قائمة حتى اليوم في الجزائر والمغرب.

اﻟﺴﻠﺴﻠﺔ: اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ واﻟﻤﺒﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ – ﺗﻮﻧﺲ – ﻟﯿﺒﯿﺎ – اﻟﺠﺰاﺋﺮ واﻟﻤﻐﺮب

في الجزائر

أطلال كنيسة هيبون

كانت سيرتا (قسنطينة)، عاصمة نوميديا، أقدم مركز مسيحي في الجزائر الحالية. ويُرجّح أن المدينة كانت ذات أغلبية مسيحية بحلول نهاية القرن الثالث. إلا أنه لم يبقَ في قسنطينة أي أثر لكنيسة مسيحية قديمة.

لاحقًا، أصبحت مدينة هيبون (عنابة) المركز المسيحي الرئيسي في نوميديا، تحت تأثير أسقفها الشهير أوغسطينوس. ولا تزال آثار كنيسة هيبون، حيث كان أوغسطينوس يبشّر، بارزة حتى اليوم.

كنيسة القديسة كريسبينا في تبسة

جنوبًا، تُعدّ كنيسة القديسة كريسبينا في تبسة (تيفيست سابقًا) كنيسة مسيحية محفوظة جيدًا. شُيّدت على مكان استشهاد كريسبينا، وهي امرأة مسيحية قُطع رأسها بسبب إيمانها في تيفيست عام 304. في المنطقة نفسها، لم تُحفظ للأسف كنيستا ماداوروس (مداوروش) وثاغاست (سوق أهراس)، مسقط رأس القديس أوغسطينوس.

الكنيسة الدوناتية للأسقف أوبتات، ثاموغادي

وفي تيمقاد (ثاموغادي سابقًا) توجد أطلال كنيسة الأسقف أوبتات، أحد الشخصيات الدوناتية الرئيسية.

تضم أطلال مدينة سيتيفيس القديمة (سطيف) كنيستين مسيحيتين. كما تضم ​​بلدة كويكول (جميلة) المجاورة آثارًا مسيحية، تضم كنيستين وبيت معمودية.

كنيسة القديسة سالسا بتيبازة

في تيبازة (تيباسة سابقًا) توجد كنيسة القديسة سالسا، المُهداة لفتاة مسيحية في الرابعة عشرة من عمرها قُتلت على يد أهل المدينة بسبب إيمانها. كما تضم ​​تيبازة سراديب موتى، أقل شهرة من تلك الموجودة في سوسة.

تعرّضت مدينة قيسارية (شرشال)، عاصمة موريطانيا القيصرية، لدمارٍ واسع النطاق على يد الوندال. ورغم عدم نجاة أي كنيسة من نهبهم، لا تزال المدينة تحتفظ بالعديد من النقوش المسيحية، والتي يُمكن رؤيتها في المتحف الوطني بشرشال.

في المغرب

يحتوي موقع وليلي الأثري على بقايا مسيحية

في المغرب المعاصر، أقدم أثر يدل على الوجود المسيحي هو قطعة فخارية محفور عليها مرساة، عُثر عليها في سوق الأربعاء، تعود إلى القرن الثالث الميلادي. والمرساة رمز مسيحي يرمز إلى طمأنينة المؤمنين في مواجهة عواصف الحياة. (المصدر)

يحتوي موقع وليلي الأثري على نقوش مسيحية. موقع كنيسة وليلي معروف، ولا تزال أساساتها ظاهرة، لكن المبنى نفسه اختفى.

تحتوي أطلال ليكسوس (بالقرب من العرائش) على أقدم كنيسة في المغرب الحالي

في ليكسوس (العرائش)، الموقع الأثري الرئيسي الآخر من العصر الروماني القديم، لا تزال آثار كنيسة ليكسوس القديمة ظاهرة. كما عُثر على نقوش وتحف مسيحية عليها صلبان.

وفي طنجة (تينجيس سابقًا) لم يبق اليوم أي بقايا لكنيسة ما قبل الإسلام، ولكن تم العثور على مقابر مسيحية.

أطلال زيليل

زليل (دشار جديد) مستعمرة رومانية أسسها الإمبراطور أغسطس لتوطين قدامى محاربي حرب أكتيوم. كانت المدينة تقع بين طنجة وأصيلة. يُحتمل أن تكون عبارة عن مبنى قديم كبير، يعود تاريخه إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، أو حتى كنيسة، إلا أن هذه مجرد ترجيحات. ويتوافق تصميم هذه الأخيرة مع تصميم كنائس أخرى متواجدة في أفريقيا الرومانية. كما عُثر على صلبان ورموز مسيحية أخرى على الفخار.

وأخيرا، فإن الموقع الأثري في شالة، بالقرب من الرباط، هو في معظمه من أصل إسلامي (مريني)، ولكن الحفريات كشفت عن مقابر مسيحية من القرن الخامس، وربما حتى أسس كنيسة ما قبل الإسلام.

سيدي يحيى بن يونس: قديس مسيحي بوجدة؟
سيدي يحيى بن يونس هو قديس مدينة وجدة، شرق المغرب. ويقع ضريحه في المدينة، في واحة سيدي يحيى.
بحسب الأساطير المحلية، سيدي يحيى هو القديس يوحنا المعمدان؛ إشارة إلى النبي ابن عم يسوع المسيح ومبشّره الذي يُدعى يحيى بن زكريا في القرآن الكريم، والذي دُفن في وجدة بعد إعدامه على يد الملك هيرودوس أنتيباس ملك يهودا.
قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

نصب الغرفة: التراث البونيقي في العصر الروماني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

بعد الغزو الروماني، لم تختفِ اللغة والثقافة البونيقية، بل حافظ كلاهما على تأثيرهما العميق في الأراضي القرطاجية السابقة. إن نصب الغرف، وهي سلسلة من النصب و الأحجار المكتوبة عُثر عليها في المغراوة بتونس، تُظهر الروابط بين التراث الثقافي البوني والحضارة الرومانية الأفريقية الحديثة.

نصب الغرفة، متحف اللوفر، باريس

إن نصب الغرفة هي مجموعة من الأحجار البونيقية الرومانية المكتوبة، يعود تاريخها إلى أواخر القرن الأول الميلادي وبداية القرن الثاني الميلادي، أي بعد أكثر من مئتي عام من سقوط قرطاج. اكتُشفت هذه الشواهد تدريجيًا، بين عامي 1842 و 1967، في مغراوة، قرب مكثر، في تونس. ولأنها تبعثرت بعد اكتشافها، لم يُحدد مصدرها الدقيق إلا مؤخرًا، من خلال أعمال الباحث التونسي أحمد مشارق.

النصب، متحف مكثر

تُوزّع نصب الغرفة الآن بين عدة متاحف تونسية وأجنبية. ويمتلك المتحف البريطاني في لندن الحصة الأكبر، إذ يضمّ 22 نصبا. ويعرض ثلاث من النصب في متحف اللوفر بباريس، ونصبان أخريان في متحف تاريخ الفنون بفيينا. وأخيرًا، لا يزال 17 من النصب في تونس: 12 في متحف باردو الوطني، و4 في متحف مكثر، والأخيرة في متحف دقة للآثار. تُظهر صورة غلاف هذه المقالة مجموعة متحف باردو.

يبلغ ارتفاع نصب الغرفة حوالي 1.75 مترًا، ولهم قمة مثلثة الشكل، وتحتوي على ثلاثة مستويات متتالية. كما يحمل بعض منها إهداء ات مكتوبة باللغة اللاتينية.

Niveaux médian et inférieur de la même stèle
المستوى العلوي لأحد النصب بمتحف باردو

تمثل المستويات الثلاثة للنصب التذكارية التسلسل الهرمي الكوني وفقًا للنظرة البونيقية التقليدية للعالم. يُظهر المستوى العلوي عالم الآلهة، مُمثلًا في صورة بشرية، مع رموز نجمية للشمس والقمر. تظهر علامة تانيت أحيانًا، إلى جانب آلهة رومانية مثل عطارد والزهرة. أما المستوى الأوسط فهو مستوى المُكرّس، الذي يُكرّس النصب التذكاري للآلهة: يقف فيما يبدو أنه كنيسة صغيرة ذات أعمدة وعوامات. يمكن أن يكون المُكرّس رجلًا أو امرأة. وأخيرًا، يُمثل المستوى السفلي عالم البشر، وغالبًا ما يُظهر هذا المستوى مشاهد تضحيات.

تخبرنا هذه اللوحات الكثير عن التآزر الديني والثقافي في أفريقيا الرومانية في هذا الوقت، مع مزيج بين الآلهة والرموز البونيقية والرومانية.

المسيحية في شمال افريقيا

يوليوس أفريكانوس: باحث مسيحي من شمال أفريقيا في البلاط الإمبراطوري

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان يوليوس أفريكانوس جنديًا ودبلوماسيًا وكاتبًا مسيحيًا من أصل أفريقي روماني ذاع صيته في إدارة الإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس وخلفائه. ورغم خدمته في عهد الأباطرة الوثنيين، كانت صفاته قيّمة جدًا لدى أسياده لدرجة أنه لم يُشكك قط في إيمانه.

حياة يوليوس أفريكانوس

تصوير متأخر ليوليوس أفريكانوس

ادعى سكستوس يوليوس أفريكانوس والمعروف باسم يوليوس أفريكانوس أنه وُلِد حوالي عام ١٦٠ ميلاديًا في إيليا كابيتولينا، المدينة الجديدة التي بناها الرومان في موقع القدس. في ذلك الوقت، بعد طرد عدد من اليهود من فلسطين، استوطن الرومان فيها شعوبًا جديدة من جميع أنحاء الإمبراطورية. وكانت عائلة يوليوس أفريكانوس، ذات الأصول الأفريقية الرومانية، جزءًا من هذه الهجرة.

في شبابه، انضم إلى الجيش الروماني. وبصفته ضابطًا عسكريًا، شارك في حملة الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس ضد الفرس. أراد هذا الإمبراطور، ذو الأصول الأفريقية، أن يُنشئ نخبة رومانية أفريقية جديدة، كان يوليوس أفريكانوس أحد أعضائها.

في مرحلة ما من حياته ـــ لم يتضح متى تحديدًا ـــ اعتنق المسيحية، وهي ديانة كانت لا تزال أقلية في ذلك الوقت. بعد اعتناقه المسيحية، ذهب إلى الإسكندرية للدراسة في المدرسة اللاهوتية المسيحية بالمدينة. مثّل يوليوس أفريكانوس نخبة مسيحية جديدة، وتلقى تعليمًا ممتازًا وفهمًا عميقًا للتراث الثقافي اليوناني الروماني. ورغم خدمته في ظل أباطرة اعتُبروا معادين للمسيحية، إلا أن إيمانه لم يُزعج أحدا قط.

مملكة أسروينا وجيرانها

في عام ٢١٢، عهد إليه الإمبراطور الجديد قرقلة بأهم مهمة في حياته: عيّنه سفيرًا لدى مملكة أسروينا. كان الملك أبجر الثامن ملك أسروينا قد توفي لتوه، وكان ابنه أبجر التاسع، الذي خلفه، قد نشأ رهينة في روما. كان دور السفير الروماني يتمثل في المقام الأول في إبلاغ روما بولاء الملك الجديد. علاوة على ذلك، منذ اعتناق أبجر الثامن المسيحية حوالي عام ٢٠٠، أصبحت أسروينا أول دولة مسيحية رسميًا في التاريخ، قبل أكثر من قرن من روما، مما أثر بلا شك على اختيار المسيحي يوليوس أفريكانوس سفيرًا.

أتاحت إقامته في الرها (شانلي أورفا، في تركيا حاليًا)، عاصمة أسروينا، ليوليوس أفريكانوس أن يُكمل شغفه بالبحث العلمي والأدبي. كانت المدينة مركزًا ثقافيًا سريانيًا هامًا، بالإضافة إلى كونها مركزًا لاهوتيًا مسيحيًا بارزًا. ومن أبرز لقاء اته نذكر برديصان، أول مؤلف معروف باللغة السريانية، الذي كتب أعمالًا فلسفية وتاريخية. كما سافر إلى أماكن أبعد، إلى الإمبراطورية الفارسية.

في عام ٢١٣، استُدعي أبجر التاسع إلى روما، فقُتل على يد قرقلة، مما سمح للإمبراطورية الرومانية بضمّ أوسروينا. استقر يوليوس أفريكانوس في فلسطين، حيث كرّس نفسه للكتابة.

إماوس ــــ نيكوبوليس

لا يُعرف الكثير عن حياته بعد عودته من الرها. ولا يُعرف ما إذا كان قد شارك في حملة قرقلة العسكرية ضد الفرس عام ٢١٨. كتب رسالة إلى اللاهوتي المسيحي أوريجانوس الإسكندري، دعاه فيها “ابني”. قاد سفارة من مواطني مدينة إماوس، حيث كان يقيم، إلى الإمبراطور إيل جبل (٢١٨ــــ٢٢٢)، طالبًا ترميم مدينتهم؛ وقد رُممت المدينة بالفعل وسُمّيت نيكوبوليس. ومن أحد أعماله، “سيست” أو “الكستوي”، والذي أهدي إلى الإمبراطور سيفيروس ألكسندر (٢٢٢ــــ٢٣٥). ويُقال إنه افتتح خلال فترة حكمه مكتبة عامة في البانثيون بروما. وتوفي في عهد الإمبراطور غورديان (٢٣٨ــــ٢٤٤).

أعماله

كان يوليوس أفريكانوس يجيد اللغات اليونانية واللاتينية والبونيقية والعبرية والسريانية. وكتب باللغة اليونانية.

عمله تاريخي في جوهره. حيث كتب سجلًا لتاريخ العالم منذ نشأته. ويُعد هذا أول سجل عالمي، يروي قصة جميع البشر، بينما ركز المؤرخون السابقون على شعب معين. كان يوليوس أفريكانوس أيضًا أول من كتب التاريخ من منظور مسيحي، وقد أثر في ذلك تأثيرًا كبيرًا على المؤرخين المسيحيين من بعده.

تتضمن سجلات يوليوس أفريكانوس قائمةً بالفائزين في الألعاب الأولمبية، على مدى ما يقرب من ألف عام، من الدورة الأولى (٧٧٦ قبل الميلاد) إلى الدورة رقم ٢٤٩ (٢١٧ ميلادي). وهذه هي القائمة الكاملة الوحيدة المعروفة للفائزين في الألعاب الأولمبية المتوفرة إلى يومنا هذا.

من أعماله المهمة الأخرى كتاب “سيست” أو “الكستوي”، وهو موسوعة شاملة لجميع المعارف في مجالات متنوعة، من الزراعة إلى العلوم الطبيعية ووصولاً إلى الاستراتيجية العسكرية. في هذا الكتاب، تُثير الأجزاء المتعلقة بفن الحرب دهشة خاصة: فبالنسبة له، الغاية تبرر الوسيلة، والأمر الوحيد المهم هو فعالية الأسلوب، لا أخلاقيته. وهو يُقرّ أساليب مثل تسميم الآبار وسياسة الأرض المحروقة لتحقيق النصر. ولعلّ عنف الأساليب التي يصفها هو السبب في عدم استخدام المؤلفين المسيحيين اللاحقين لكتابه بكثرة، والذين صُدموا بدورهم مما كتبه.

شمال إفريقيا الرومانية

مدرج الجم: أكبر مدرج روماني في شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

يُعدّ مدرج الجم، المعروف أيضا بقصر الجم أو مسرح الجم والواقع في ولاية المهدية بتونس، أكبر مدرج روماني وأفضله حفظًا في شمال أفريقيا، وأحد أفضل الآثار الرومانية حفظًا في العالم. بُني في القرن الثالث الميلادي، وكان يتسع لما يصل إلى 35000 متفرج. وهو الموقع الأبرز في أفريقيا الرومانية.

كانت الجم في العصر الروماني تدعى تيسدروس. وأصبحت المدينة البونيقية السابقة مستعمرة رومانية. وفي أوائل القرن الثالث، تنافست مع حضرموت (سوسة) لتصبح ثاني مدينة في ولاية إفريقيا بعد قرطاج. وكما هو الحال عليه اليوم، كانت هذه المنطقة مركزًا مهمًا لإنتاج زيت الزيتون.

غورديان الثالث، الإمبراطور الذي يرجح أنه بنى المدرج

ليس هنالك تاريخ دقيق لبناء المدرج. وساد الاعتقاد لفترة طويلة بأنه بُني على يد الإمبراطور غورديان الأول، الذي كان واليًا على أفريقيا قبل اعتلائه العرش الإمبراطوري، مع ابنه غورديان الثاني، الذي كان نائبًا لوالده في تيسدروس قبل أن يختاره والده إمبراطورًا مشاركًا. إلا أن فترة حكمهما الوجيزة (22 يومًا) لم تكن كافية لهما لتحقيق هذا المشروع. ولذلك يُرجّح أن يكون غورديان الثالث (238ــ244)، حفيد غورديان الأول، هو من قام ببنائه. تفترض هذه النظرية أن غورديان الثالث وُلد في تيسدروس، وأنه على غرار سيبتيموس سيفيروس في لبدة الكبرى، شعر برغبة في تزيين مدينته الأم. إلا أن هذا مجرد افتراض، ولا يوجد دليل أثري يؤكده. كما تُظهر الهياكل الأقدم أن المدرج بُني على أنقاض مدرج أقدم.

يتميز المدرج بشكله البيضاوي، ويبلغ طوله 148 مترًا وعرضه 122 مترًا. يبلغ طول الساحة 65 مترًا وعرضها 39 مترًا. يضم المبنى 64 رواقًا موزعة على ثلاثة طوابق، ويبلغ ارتفاع جدرانه 36 مترًا. وتقدر سعته بما بين 27000 و45000 مقعد. وهذا يجعله ليس فقط أكبر مدرج روماني في أفريقيا (أكبر من مدرج قرطاج)، بل أيضًا واحدًا من أكبر المدرجات في العالم.

بالإضافة إلى حجمه، يتمتع مدرج الجمّ بحفظٍ رائع. وهو المدرج الروماني الوحيد، إلى جانب الكولوسيوم في روما، الذي بقيت واجهة واحدة سليمة تمامًا على جميع مستوياته الثلاثة. فُقدت عليّته (الجزء العلوي الذي يُتوّج المبنى)، ولكن يُرجّح أنها كانت تُشبه عليّة الكولوسيوم.

أسود تلتهم خنزيرًا بريًا، فسيفساء تُظهر معارك الحيوانات، متحف الجم الأثري

عندما كانت المدينة في أوج ازدهارها، استضاف مدرج تيسدروس العروض الترفيهية التي كانت شائعة في جميع أنحاء العالم الروماني: معارك المصارعين، ومعارك الوحوش البرية، والسباقات، وغيرها من ألعاب السيرك. ولاقت إعادة تمثيل صيد القطط الكبيرة رواجًا خاصًا. كما استُخدم المدرج كمكان للإعدام، حيث كان يُقتل السجناء على يد المصارعين أو تأكلهم الوحوش البرية. وكان من بين من أُعدموا في الساحة شهداء مسيحيون.

خلال حرب مقاومة ديهيا (الكاهنة) ضد الغزاة العرب، لجأ جيشها إلى مدرج الجم.

أُدرج هذا الموقع الاستثنائي على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979. وبعد هذا القرار، أُطلقت حملة ترميم وحفظ. وقد مكّن ترميم المدرجات المسرح من الوصول إلى سعة استيعابية تصل إلى 500 شخص، لإقامة الحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية الأخرى. ومنذ عام 1985، ينظم به مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية، الذي أسسه الرئيس التونسي السابق محمد الناصر، المولود في الجم.

بالإضافة إلى مدرجها، كان لدى تيسدروس أيضًا سيرك (حلبة سباق عربات)، بحجم سيرك ماكسيموس تقريبًا في روما، بسعة تصل إلى 30000 شخص.

يهود في شمال افريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

حرب كيتوس : انتفاضة يهودية في قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

ثارت الجالية اليهودية في قورينة ضد الحكم الروماني من ١١٥ إلى ١١٧. وامتد التمرد إلى جميع أنحاء قورينائية ثم مصر وقبرص وصولًا إلى فلسطين. وكان لوسيوس كوييتوس، وهو قائد روماني من أصول موريسكية، مسؤولاً عن قمع المتمردين.

السياق

منذ أن دمر الرومان القدس عام 70 ميلاديًا، لم يعد لليهود عاصمة وطنية. كان معظم اليهود لا يزالون يعيشون في فلسطين، بينما انتشر الآخرون في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وخارجها. كانت الجاليات اليهودية في الإسكندرية وقورينة من بين الأكثر عددًا ونفوذًا في الإمبراطورية، ويعود تاريخها إلى العصر البطلمي.

في ذلك الوقت، ثار اليهود بانتظام على الاحتلال الروماني لوطنهم. قاد يهود الشتات في الغالب انتفاضة 115ـ117 بمشاركة ضئيلة من يهود فلسطين. في التاريخ اليهودي، تُعرف هذه الانتفاضة بـ”ثورة الشتات” (מרד הגלויות).

تُعرف هذه الانتفاضة اليوم باسم “حرب كيتوس”، وهو تحريف لاسم لوسيوس كوييتوس، الجنرال الروماني (الموريسكي الأصل) الذي قمعها.

الانتفاضة

خريطة حرب كيتوس (المصدر)

في عام ١١٥، قاد الإمبراطور الروماني تراجان حملة عسكرية ضد الإمبراطورية الفرسية. وفي هذه الحملة، جمع معظم القوات المتمركزة في الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية، ولم يترك سوى بضعة جنود في كل مدينة… وهو ما كان بيئة مثالية لانتفاضة.

ثار يهود قورينة بقيادة رجل يدعى لوكواس، فقتلوا الفيالق الرومانية التي بقيت في المدينة. ودمروا العديد من المعابد بالإضافة إلى المباني المدنية التي كانت رموزا للاحتلال الروماني، كالبازيليكا والحمامات العامة. وأعلن لوكواس نفسه “ملكا على اليهود”.

بعد استيلاء المتمردين على قورينائية بأكملها، غادروا إلى الإسكندرية. تخلى الحاكم الروماني عن المدينة قبل وصولهم. دخل المتمردون المدينة ودمروا المعابد وقبر بومبيوس.

خلال هذه الفترة، غزا الإمبراطور تراجان العديد من المدن شرقا والتي كانت تابعة سابقا للإمبراطورية الفرسية، مثل الرها (شانلي أورفا)، ونصيبين، وسلوقية، وأربيل. كانت كل مدينة من هذه المدن تضم جالية يهودية قوية. شجعتهم ثورة قورينة، فثاروا في هذه المدن فور مغادرة الإمبراطور، وذبحوا ما تبقى من الحاميات الرومانية.

في عام ١١٧، ثار اليهود في قبرص بقيادة أرتيميون، فقتلوا القوات الرومانية المتمركزة في الجزيرة، بالإضافة إلى المدنيين اليونانيين.

قمع الانتفاضة

لوسيوس كوييتوس وفرسانه، على عمود تراجان، روما

ولإخماد الثورة، استدعى تراجان أحد أبرز جنرالاته: لوسيوس كوييتوس، ابن زعيم قبلي موريسكي ساعد الرومان في الاستيلاء على موريتانيا.

قاد لوسيوس كوييتوس حملة ناجحة لاستعادة المدن الشرقية التي انضمت إلى التمرد. في الوقت نفسه، استعاد جنرال روماني آخر، مارسيوس توربو، السيطرة على مصر وقبرص وقورينائية.

فرّ لوكواس، زعيم المتمردين، إلى فلسطين، وطارده مارسيوس توربو. فر آخر المتمردين إلى مدينة اللد. وحاصر لوسيوس كويتوس، الذي عُيّن حاكمًا على مقاطعة يهودا الرومانية،مدينة اللد. وسقطت المدينة وقُتل المتمردون.

عواقب

تسبب التمرد في مقتل أكثر من 200 ألف شخص في قورينائية. نهب المتمردون مدينة قورينة، ودمروا جميع مبانيها تقريبًا. واستغرقت إعادة إعمار المدينة عدة عقود.

المسيحية في شمال افريقيا

كنيسة قورينة: أول مسيحيين بشمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

منذ القرن الأول، انتشرت المسيحية بصفتها ديانة جديدة بشكل سريع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. وقد أثبتت منطقة شمال أفريقيا، من مدنها العالمية الكبيرة إلى مناطقها الريفية النائية، أنها أرض خصبة بشكل خاص للإنجيل المسيحي. وأول مدينة في شمال أفريقيا وصلت إليها الرسالة المسيحية هي مدينة قورينة.

مرقس الإنجيلي

وحسب التقليد المسيحي، فإن الرسالة المسيحية قد بشر بها في قورينة على يد مرقس، مؤلف أحد الأناجيل. كان مرقس من أهل قورينة، فبشر هنا، ثم واصل طريقه إلى الإسكندرية. آنذاك، كانت هنالك جماعة يهودية قوية في قورينة، وكان مرقس نفسه عضوًا فيها، ومن المؤكد أنه بشرهم أولاً. وكما هو الحال في العالم الروماني بأكمله، كان العديد من المتحولين الأوائل إلى المسيحية من خلفية يهودية.

سمعان القوريني يحمل صليب المسيح

تذكر الكتب المقدسة المسيحية عدة مسيحيين آخرين من قورينة. وإن سمعان القوريني، وهو يهودي من قورينة كان في أورشليم وقت صلب المسيح، و يعتقد أنه أمر بمساعدة المسيح على حمل صليبه إلى مكان إعدامه. وتدل طريقة ذكره مع ابنيه ألسكندر وروفوس على أنهم كانوا معروفين في الجماعة المسيحية الأولى.

وكانت الكرازة المسيحية في الأصل موجهة فقط إلى الجاليات اليهودية في المدن المختلفة. والمؤمنون الأوائل الذين بشروا بالإنجيل أيضًا لليونانيين، في أنطاكية بسوريا، كانوا في الأصل من قبرص وقورينة. هؤلاء المؤمنون اليهود من قورينة كانوا من مدينة يونانية وعاشوا حياتهم بأكملها بين اليونانيين، لذلك لم يترددوا في التواصل معهم.

وكان أحد رؤساء الكنيسة الأنطاكية، وهو لوسيوس، من قورينة. ولا نعرف إن كان يهوديًا أم يونانيًا. وحسب التقليد المسيحي، أصبح لوسيوس فيما بعد أول أسقف على قورينة.

وكان زعيم آخر لكنيسة أنطاكية هو سمعان، الملقب أيضًا بالنيجر، والذي يعني “أسود”، ربما لأنه كان أسود البشرة. نسبته بعض التقاليد إلى سمعان القيرواني. إلا أن سكان قورينة في ذلك الوقت لم يكونوا من السود. ربما لم يكن سمعان من القيروان، بل من جنوب صحراء أفريقيا الكبرى، أو ربما من إثيوبيا.

بعد القرن الأول، أسقف قورينة التالي المعروف بالاسم ثيودورس، استشهد عام 303، أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس.

أطلال كنيسة أبولونيا (المصدر)

انتشرت الرسالة المسيحية من قورينة إلى المنطقة بأكملها. وقد ورد ذكر الأساقفة واسيليدس من بطلميس (طلميثة)، وعمون من برنيكي (بنغازي)، وأوفرانور من أبولونيا (سوسة) حوالي عام 260، في رسائل كتبها أسقف الإسكندرية. كان سابيليوس، وهو عالم لاهوت مسيحي من قورينائية قام بالتدريس في روما في نفس الوقت تقريبًا. وآريوس مؤسس الهرطقة الأريوسية كان من بطلميس. وشارك الأساقفة زبيروس من باركي (المرج)، وسيرابيون أسقف أنتيبيرجوس (طبرق)، وتيتوس أسقف باريتونيوم (مرسى مطروح) في مجمع نيقية عام 325. وكان سينيسيوس القوريني أسقف بطلميس في بداية القرن الخامس.

كنيسة آل الأثرون البيزنطية

كما ازدهرت المسيحية في قورينائية في العصر البيزنطي. لا تزال مدينة أولبيا (قصر ليبيا) القديمة، الواقعة بين باركي (المرج) وبالاجراي (البيضاء)، تحتوي على كنيستين بيزنطيتين، مع حوالي 50 فسيفساء تعتبر من أجمل الكنائس في العالم. توجد كنيسة بيزنطية أخرى محفوظة جيدًا في الإريثروم (الأثرون)، بالقرب من درنة.

الفسيفساء البيزنطية في أولبيا (المصدر)

إرث ﻣﻨﺴﻲ: اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ واﻟﻤﺒﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ (2/3 – ليبيا)

ألقيت سلسلة من المحاضرات حول التاريخ المسيحي الليبي قبل الإسلام في عام 2008 في كلية الدعوة الإسلامية في طرابلس، ألقاها اللاهوتي المسيحي الأمريكي توماس أودن. لاحقًا، كتب أودن كتابًا بعنوان Early Libyan Christianity: Uncovering a North African Tradition (المسيحية الليبية المبكرة: الكشف عن تقاليد شمال إفريقيا) استنادًا إلى هذه المحاضرات.

اقرإ المزيد

التاريخ الروماني في شمال أفريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

حرب أكتيوم: الحربالأهلية النهائية للجمهورية الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

مع نمو النفوذ الروماني في شمال أفريقيا، أصبح عهد آخر ملوك نوميديا ​​وموريتانيا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بروما لدرجة أن أصبح للحروب الرومانية والمؤامرات السياسية تأثير متزايد على شمال إفريقيا. في هذا المقال، في سلسلتنا حول العقود الأخيرة للجمهورية الرومانية، سنتعرف على حرب أكتيوم، وهي آخر حرب أهلية رومانية شبت قبل تأسيس الإمبراطورية، والتي وقعت إلى حد كبير في مصر.

السياق

كان ليوليوس قيصر عدة أطفال من نساء مختلفات، إلا أنه لم يكن لديه وريث شرعي وفقًا للقانون الروماني. وقبل وقت قصير من وفاته، دعا كليوباترا ملكة مصر إلى روما، مع ابنهما قيصرون. ولربما كان ذلك بغاية جعل قيصرون وريثه، إلا أنه لم يكن لديه وقت كاف : اغتيل في 15 مارس 44.

مارك أنطوني

بعد وفاته، اتحد حليفه المخلص مارك أنطوني وابنه بالتبني أوكتافيان لمحاربة قتلته. وبمجرد انتصارهم، اندلعت تهديدات بمحاربة بعضهما البعض من أجل السلطة.

من أجل تجنب اندلاع حرب أهلية أخرى، شكل الاثنان حكومة ثلاثية مع سياسي روماني آخر، ليبيدوس، وقرروا تقسيم الأراضي الرومانية بينهم. ولإبرام هذه الاتفاقية، تزوج مارك أنطوني من أوكتيفيا، أخت أوكتافيان، والتي اعتبرها المؤرخون الرومان المرأة الرومانية المثالية.

اوكتافيان أغسطس

بعد فترة وجيزة، غادر مارك أنطوني إلى مصر، حيث على غرار قيصر من قبله، أصبح على علاقة غرامية مع الملكة كليوباترا، وأنجبا عدة أطفال من بينهم كليوباترا سيليني؛ وهي زوجة الملك يوبا الثاني، ملك موريتانيا المستقبلية. وفي مصر، وقع مارك أنطوني تحت تأثير سحر كليوباترا، بل وحتى عادات الشرق الملتهبة… الشيء الذي كان جريمة لا تغتفر عند الرومان الرصينين والفخورين.

انتهز منافسه أوكتافيان هذه الفرصة لانتقاد مارك أنطوني باعتباره رجلًا غير أخلاقي؛ تخلى عن زوجته المخلصة وأطفالهما ليعيش حياة الفجور مع ملكة أجنبية. وفي عام 32 قبل الميلاد، أعلن مجلس الشيوخ الروماني الحرب على مارك أنطوني، بمبادرة من أوكتافيان.

حرب أكتيوم

جرت المعارك الأولى بين جيوش أوكتافيان ومارك أنطوني في اليونان.

في 31 من شهر شتنبر، اشتبك الأسطولان في البحر خلال معركة أكتيوم. وتعتبر هذه المعركة نصرًا حاسمًا لأوكتافيان: حيث تم تدمير أسطول مارك أنطوني، وهو الذي كان يعد أكبر أسطول في التاريخ الروماني بالكامل. أما بعد ذلك، فهرب مارك أنطوني وكليوباترا إلى الإسكندرية.

في الربيع الموالي، طارد أوكتافيان مارك أنطوني إلى مصر. وفي 30 من شهر يوليوز، وصل أوكتافيان إلى الإسكندرية وحاصر المدينة. إثر انهزامهما، قام مارك أنطوني وكليوباترا بأخذ حياتهما، حيث قام مارك أنطوني بإلقاء نفسه على سيفه وعضت أفعى صدر كليوباترا.

بعد الحرب

قُتل قيصرون، ابن كليوباترا وقيصر، والذي حكم مصر مع والدته، بعد فترة وجيزة. وتم إحضار أطفال كليوباترا ومارك أنطوني إلى روما لتربيهم أوكتيفيا وفقًا للعادات الرومانية.

تمثل هزيمة كليوباترا نهاية مملكة البطالمة: حيث تم إعلان أوكتافيان فرعونًا وأصبحت مصر ملكًا شخصيًا له. وفي عام 27، عند تأسيس الإمبراطورية الرومانية، أصبحت مصر مقاطعة رومانية.

بعد ذلك

بعد هزيمة مارك أنطوني، أصبح أوكتافيان سيدًا بلا منازع في روما. وفي الوقت نفسه، أنهى انتصاره سلسلة الحروب الأهلية بين الأشقاء التي اجتاحت العالم الروماني، مما أعطى الشعوب الخاضعة للسيطرة الرومانية ما أرادته حقا: وهو السلام.

وفي الأشهر التي تلت، وضع أوكتافيان سلسلة من القوانين التي أعطت الجمهورية الرومانية صلاحيات لم يسبق لها مثيل في التاريخ الروماني، دون إحداث تغييرات أخرى عليها. وفي عام 27، أعلن الإمبراطورية الرومانية وأصبح الإمبراطور الأول تحت اسم أغسطس.

تزوجت كليوباترا سيليني، ابنة مارك أنطوني وكليوباترا، من يوبا الثاني وأصبحت ملكة موريتانيا. وسعت في قيصرية (شرشال) إلى إحياء تراث والدتها ومصر الهلنستية. وسيصبح ابنها بطليموس آخر ملوك موريتانيا قبل ضمها إلى الإمبراطورية الرومانية.‎

يهود في شمال افريقيا

تاريخ يهود قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

تعد الجالية اليهودية في قورينائية واحدة من أقدم المجتمعات في شمال إفريقيا. ومن قورينة والمدن المجاورة، انتشر اليهود في جميع أنحاء ليبيا الحديثة. في هذا المقال، سنكتشف معا تاريخ يهود قورينة وقورينائية.

كنيس بنغازي ـــ بطاقة بريدية ـــ حقوق الصورة : Dynasty Auction House ـــ مستخدمة بإذن

*يعود وجود اليهود في قورينائية إلى مصر البطلمية: فبعد احتلال فلسطين، قام بطليموس الأول سوتير بترحيل اليهود إلى الإسكندرية، وجميع أنحاء مصر، وصولاً إلى قورينائية. وتبعهم آخرون كمهاجرين اقتصاديين. وكان أشهر اليهود القورنيين في هذا العهد هو ياسون القوريني، الذي كتب كتاباً تاريخياً في خمسة مجلدات عن التمرد المكابي (ثورة يهودية ضد الإمبراطورية السلوقية، أدت إلى تشكيل مملكة يهودية مستقلة في فلسطين).

تمتعت الطائفة اليهودية بقورينائية بعدة قرون من الازدهار: حيث تشهد النقوش، خاصة في برنيكي (بنغازي)، على مجتمعات غنية وراسخة ومؤثرة. وكان يهود بنغازي، على عكس يهود المدن الأخرى في المنطقة، يحكمهم الأركون (الحاكم) الخاص بهم، والذي كان هو نفسه يهوديًا.‎

كما أصبحت قورينة، وخاصة الجالية اليهودية فيها، أول مدينة في شمال إفريقيا تصل إليها المسيحية. وكان مرقس، مؤلف أحد الأناجيل، يهودياً من قورينة. وحسب التقاليد المسيحية، كان يبشر بالرسالة المسيحية في قورينة، ثم في الإسكندرية. وتذكر الكتب المسيحية العديد من المؤمنين اليهود القورينيين الآخرين.

حجرة دراسة يهودية في بنغازي في بداية القرن العشرين

في عام 73، عندما كانت الجيوش الرومانية تحاصر القدس، تعرضت قورينة لانتفاضة يهودية بقيادة جوناثان الحائك الذي تم التبليغ عنه إلى الوالي الروماني آنذاك وقتل مع العديد من اليهود ذوي النفوذ الآخرين.

واندلعت انتفاضة يهودية جديدة بعد ذلك، تُعرف باسم حرب كيتوس، في قورينا في الأعوام 115 ـــ 117. امتدت هذه الثورة، وهي أكبر انتفاضة يهودية ضد الرومان، إلى مناطق أخرى من الإمبراطورية.

وبعد ثورة بار كوخبا (132ـــ135)، وهي آخر انتفاضة يهودية في فلسطين، قام الرومان بترحيل اثنتي عشرة سفينة مليئة باللاجئين من فلسطين إلى قورينائية. وتضاف أعدادهم إلى النصف مليون يهودي الذين كانوا يعيشون بالفعل في المنطقة.

كنيس دار بيشي، طرابلس، 1923

بقي اليهود في قورينائية وانتشروا في جميع أنحاء ليبيا خلال قرون الهيمنة الرومانية والبيزنطية والعربية. وكان اليهود كثر بشكل خاص في منطقة جبال نفوسة.

خلال العهد العثماني، انتقل العديد من اليهود من طرابلس إلى بنغازي. وكان السنوسية مؤيدين لليهود، حيث قدروا مساهمتهم الاقتصادية وموقفهم السلمي.

خلال الحرب العالمية الثانية، قام المحتلون الإيطاليون بسجن حوالي 2000 يهودي ليبي في معسكر اعتقال جادو، في جبال نفوسة، وتوفي حوالي 500 منهم.

كنيس دار بيشي سابقا، طرابلس

كما هو الحال في جميع أنحاء شمال أفريقيا، هاجر معظم اليهود الليبيين خلال القرن العشرين. اليوم، لم يعد هناك أي يهود في ليبيا: لم يتبق سوى حوالي 100 يهودي في وقت الثورة الليبية عام 1969، وآخر اليهود المتبقين غادروا خلال الثمانينيات. ومن المؤسف أن معظم معابدهم وبقية التراث اليهودي الليبي قد دمرت بعد مغادرتهم. منذ عام 2011، والمحلل النفسي اليهودي الليبي ديفيد جيربي الذي يعيش الآن في إيطاليا، يناضل من أجل استعادة التراث اليهودي الليبي.

لمعرفة المزيد