شمال إفريقيا الرومانية

الغزو الروماني لشمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

حدث الغزو الروماني لشمال أفريقيا بشكل تدريجي وعلى مدار قرنين تقريبًا، في الفترة ما بين 146 قبل الميلاد و40 بعد الميلاد. وفي هذا المقال سنستعرض مراحل الغزو الروماني.

أفريقيا (حول قرطاج)

كانت أول ملكية رومانية في القارة الأفريقية هي مقاطعة أفريقيا، المكونة مما تبقى من الأراضي السابقة للإمبراطورية القرطاجية بعد تدمير قرطاج عام 146 قبل الميلاد. وكانت عاصمتها الأولى هي أوتيك، حتى أعيد بناء قرطاج عام 44.

طرابلس

خلال حروب يوغرطة، كانت مدينة لبدة الكبرى إلى الجانب الروماني. وبعد انتهاء الحرب في عام 105، سيطرت روما على طرابلس، وضمتها إلى مقاطعة إفريقيا. ومكافأة لدعمها، أصبحت لبدة الكبرى مدينة حرة.

قورينائية

توفي بطليموس أبيون، آخر ملوك قورينائية، بدون وريث عام 96. وترك خلفه مملكته التي أصبحت ملك روما. ومع ذلك، فإن أول حاكم روماني وصل إلى قورينة فقط في عام 74.

أفريقيا نوفا

أفريقيا البروقنصلية، المكونة من أفريقيا فيتوس، وطرابلس، وأفريقيا نوفا

في عام 46، بعد الحرب الأهلية الرومانية، استولى يوليوس قيصر على الجزء الشرقي من نوميديا، حول زامة، وأصبحت هذه الأخيرة مقاطعة أفريقيا نوفا الرومانية (أفريقيا الجديدة)، على عكس أفريقيا فيتوس (أفريقيا القديمة).

وقد تم إعادة دمج المنطقة بعد ذلك بقليل في مملكة نوميديا، في عهد الملك يوبا الثاني، من 30 إلى 25، لتصبح المنطقة الرومانية الوحيدة في شمال إفريقيا التي تستعيد استقلالها بعد أن كانت تحت السيادة الرومانية. ألغيت مملكة نوميديا ​​في عام 25: حيث أصبحت نوفا أفريقيا السابقة رومانية مرة أخرى، في حين تم إلحاق نوميديا ​​الغربية بموريطنية. وألغيت مقاطعة أفريقيا نوفا: حيث تم دمج المقاطعتين الأفريقيتين في المقاطعة الجديدة لأفريقيا البروقنصلية.

مصر

دعمت كليوباترا، الملكة الأخيرة لمصر (51 ــــ 30)، جانب يوليوس قيصر في حربه ضد بومبيوس الكبير. وبعد وفاة قيصر، وقفت إلى جانب مارك أنطوني ضد منافسه أوكتافيان (الإمبراطور المستقبلي أغسطس). غزا أوكتافيان مصر في 31. وهُزم مارك أنطوني وكليوباترا وأنهيا كلاهما حياتهما في 30. وسيطر أوكتافيان على مصر كملكية شخصية. وفي عام 27، بعد إعلان الإمبراطورية الرومانية، أصبحت مصر مقاطعة رومانية.

نوميديا ​​الغربية وموريطنية

شمال أفريقيا الرومانية في القرن الأول

حكم آخر ملوك موريطنية، يوبا الثاني وابنه بطليموس، مساحة كبيرة امتدت من نوميديا ​​الغربية السابقة (حول سيرتا) إلى موريطنية التاريخية (حول وليلي وتنجيس). بعد وفاة بطليموس عام 40 م، استولت روما أيضًا على آخر مملكة مستقلة في شمال إفريقيا. تم دمج نوميديا ​​الغربية في مقاطعة أفريقيا، في حين تم تقسيم موريطنية إلى مقاطعتين: موريطنية قيصرية وموريطنية الطنجية.

أين وقعت حدود موريطنية الرومانية؟
استولت الإمبراطورية الرومانية بشكل رسمي على كل مملكة موريطنية السابقة. ومع ذلك، كانت السيطرة الرومانية الفعالة مقتصرة في الواقع على شمال المغرب الحديث. ومن المرجح أن معظم الموريين ظلوا متحررين من السيطرة الرومانية.
ومن المحتمل أن تكون قد تواجدت الحدود في مكان ما بين الرباط والدار البيضاء. وكانت سالا (سلا) آخر مدينة تحت الإدارة الرومانية بلا منازع. وقام الرومان أيضًا ببناء ميناء في أنفا (الدار البيضاء)، ولكن من غير المؤكد إلى أي مدى كانوا يسيطرون بالفعل على المدينة والمناطق المحيطة بها.

الغزوات المؤقتة

في عام 202، غزا الإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس أراضي الجرمنتيين. لكن السيطرة الرومانية على المنطقة ظلت ضعيفة ولم تستمر طويلا.

الأمازيغ، أول سكان شمال إفريقيا

رجال الصحراء الزرق: تاريخ الطوارق

Français – عربي – ⵜⵎⴰⵣⵗⵜ – Tamacheq – English

ترجمة صفاء المنصاري

إن الطوارق شعب أمازيغي من البدو الرحل الذين يعيشون في الصحراء الكبرى. ويسمح لهم أسلوب حياتهم البدوي وعزلتهم في الصحراء بالحفاظ على تقاليد أسالفهم إلى حد كبير. في هذا المقال، سنكتشف معا تاريخ الطوارق.

ظهر الطوارق في حوالي القرنين الرابع والخامس. ويتفق أغلب المتخصصين على أن أجدادهم األوائل قد هاجروا من تافياللت إلى منطقة الساحل، بينما يعتقد متخصصون آخرون أن الطوارق ينحدرون من ساللة الجرمنتيين بفزان، الذين اضطروا إلى ترك مدنهم بسبب تغير المناخ واستنزاف الموارد المائية، وعادوا إلى حياة البدو الرحل. وليس من المستبعد أن تكون هاتان المجموعتان قد اختلطتا و نتج عن ذلك شعب الطوارق.

لوحة لتين هنان للرسام الجزائري حسين الزياني

تين هنان، والمسماة أيضا تامينوكالت، هي الملكة األسطورية للطوارق التي عاشت في القرن الرابع. يعني اسمها حرفيًا “امرأة الخيام”، ولكن يمكن كذلك ترجمته مجازيًا إلى “أمنا جميعا”. حسب أساطير الطوارق، كانت هذه الملكة أميرة في حالة فرار، إذ كانت قد طردت من شمال الصحراء، وكادت قافلتها أن تموت جوعا في الصحراء إلى أن صادفوا حبوبا داخل أعشاش النمل في طريقهم. في وقت الحق، أصبح أطفال هذه األخيرة والذي يختلف عددهم حسب األساطير، أسالف الطوارق.

نموذج لقبر تين هنان، متحف باردو، الجزائر

يوجد قبر تين هنان في واحة أبلسة، في جبال هقار، بجنوب الجزائر. هذا القبر التذكاري، والذي تم اكتشافه عام ،1925 يحتوي على هيكل عظمي المرأة، مصحوب بقطع نقدية تحمل صورة اإلمبراطور الروماني قسطنطين، وبمجوهرات ذهبية و فضية، و كذلك بأثاث جنائزي. أما الجدران، فهي منقوشة بحروف التيفيناغ (الحروف األمازيغية).

صليب أغادیز

إن الدين التقليدي للطوارق مستوحى من أساطير أمازيغية نجدها في جميع أنحاء أفريقيا الشمالية. وقد كانوا يعشقون الشمس والقمر خصيصا. كانت بعض قبائل الطوارق مسيحيين فإن الجرمنتيين، وهم أسالفهم المحتملون، قد كانوا مسيحيين قبل اختفائهم. يمكن أن يكون صليب أغاديز، و هو رمز مشهور جًدا لدى الطوارق، مستوحى من الصليب المسيحي الذي أضيفت له لمسات تقليدية منسوبة إلى الطوارق. وبعد الفتوحات اإلسالمية في القرن السابع، اعتنق دائ ًم ما يتم خلطه الطوارق اإلسالم ثم ساهموا في انتشاره في غرب أفريقيا. غير أن إسالمهم ا بمعتقدات وممارسات األسالف، وال سيما تبجيل األسالف واألوثان. حاليا تعتنق أقلية صغيرة من الطوارق المسيحية، خاصة في النيجر.

على مر القرون، أصبح الطوارق أغنياء بفضل القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى، من مراكش إلى تمبكتو. سمح لهم أسلوب حياتهم البدوي وعزلتهم في الصحراء بالحفاظ على تقاليد أسالفهم، وأبرزها حروف التيفيناغ والتقويم الشمسي األمازيغي.

تمبكتو

تأسست مدينة تمبكتو األسطورية، الملقبة بـ ”لؤلؤة الصحراء“، في القرن الثاني عشر، من قبل طوارق المغشران. وظلت تمبكتو تحت سيطرة الطوارق حتى القرن الخامس عشر، عندما احتلتها إمبراطورية سونغاي عام 1468.

و إلى يومنا هذا، يواصل حوالي 4 ماليين من الطوارق التنقل عبر مساحات الصحراء الشاسعة على جمالهم. يعيش أكثر من نصفهم في شمال النيجر، حول أغاديز، حيث يمثلون %11 من سكان البالد، بينما يعيش آخرون في مالي والجزائر وليبيا وموريتانيا وفي أقصى الشمال مثل بوركينا فاسو ونيجيريا. ويعاني الطوارق من آثار التصحر الذي يهدد ماشيتهم وتجارتهم. لطالما أذهل أسلوب حياتهم التقليدي، الذي يتكيف بشكل مثالي مع الحياة في الصحراء، المستكشفين وعشاق الحرية على حد السواء.

شمال إفريقيا الرومانية

الإلهة أفريقيا: تجسيد للقارة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

غالبًا ما ربط الرومان المناطق الجديدة التي احتلوها بالآلهات. وخلال القرون الأولى من عصرنا، ظهرت إلهة جديدة تدعى أفريقيا، وهي تجسيد للقارة الأفريقية، في شمال أفريقيا الرومانية.

الملكة عليسة قرطاجة والإلهة أفريقيا (إلى اليمين)، لوحة جدارية رومانية في بومبي

تم تصوير الإلهة أفريقيا على أنها امرأة، ربما أمازيغية، ترتدي ثوب رأس الفيل. وهي إلهة الخصوبة والوفرة، في منطقة تسودها الأراضي الخصبة. و إلى جانب ثوب رأس الفيل، كانت تحمل عادةً قرنًا من الوفرة وغالبًا ما كان يرافقها أسد.

يعود ثوب رأس الفيل إلى ما قبل العصر الروماني حيث ظهر لأول مرة على العملات المعدنية التي كانت تخلد ذكرى غزو الإسكندر الأكبر للهند، ثم بعد ذلك ظهرت أيضا على العملات المصرية. وتم اعتماد الصورة لاحقًا من قبل أغاثقلس من سرقوسة، بعد حملته الأفريقية، إشارة إلى فيلة الحرب القرطاجية. وأخيرًا وليس آخرا، يمكن إيجادها أيضا على العملات المعدنية التي سكها الغاصب النوميدي حرباص. وقد استولى الرومان على هذا الرمز بعد انتصارهم عليه.

وبما أن الرومان كان لديهم بالفعل آلهة الخصوبة الخاصة بهم، فإن عبادة الإلهة ‘أفريقيا’ لم تلقى شعبية كبيرة خارج أفريقيا الرومانية نفسها.

شمال إفريقيا الرومانية

كولونيا جونونيا: مستعمرة رومانية في موقع قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

بعد بضعة عقود من سقوط قرطاج، حاول سياسي روماني ومصلح اجتماعي يُدعى غايوس سمبرونيوس جراكوس إنشاء مستعمرة رومانية في موقع مدينة قرطاج القديمة. و بقيت هذه الأخيرة كمستعمرة لمدة 30 عاما نظرا لعدم شعبية الموقع لدى روما.

غايوس سمبرونيوس جراكوس

وُلِد جايوس سمبرونيوس جراكوس حوالي عام 153 قبل الميلاد، من عائلة رومانية نافذة: كان والده قنصلاً، وكانت والدته كورنيليا ابنة شيبيون الإفريقي، القائد الروماني الذي هزم قرطاج في الحرب البونيقية الثانية. كان ينتمي إلى الدهماء، الطبقة الاجتماعية المكونة من المواطنين الرومان الأحرار الذين لم يكونوا من النبلاء (الأرستقراطيين).

وبعد خدمته في الجيش، بدأ حياته السياسية؛ في ذلك الوقت، في عام 133، وكان شقيقه تيبيريوس يعمل كمدافع عن العامة. وحاول الشقيقان معًا تنفيذ تدابير معينة لصالح أفقر الرومان. وكانا يرغبان بشكل خاص في تبني إصلاح زراعي، وإعادة توزيع الأراضي المملوكة للدولة أو لأغنى ملاك الأراضي. وقد أثار هذا الإصلاح عداء مجلس الشيوخ، حيث كان أعضاؤه من النبلاء الأثرياء الذين لم يرغبوا في خسارة امتيازاتهم. ‎أجبر تيبيريوس غراكوس تبني مشروعه و فعل ذلك بتجاوز صلاحياته كأطربون وانتزاع سلطات مجلس الشيوخ، الأمر الذي أثار الخوف من التحول الاستبدادي على الرغم من شعبية إصلاحه. وبعد محاولته الترشح مرة أخرى لولاية ثانية، قُتل في النهاية مع أنصاره. ورأى المؤرخون الرومان أن وفاته كانت بداية انحدار الجمهورية الرومانية.‎

كما انتُخب غايوس جراكوس أيضًا كمدافع للعامة في عام 123. وفي ذلك الوقت، كانت هذه الوظيفة هي الضاغط الرئيسي على سلطة مجلس الشيوخ في جمهورية رومانية أرستقراطية للغاية. دافع غايوس جراكوس عن إصلاح زراعي جديد حقق من خلاله أكثر مما حققه إصلاح أخيه. وكان مدركًا أيضًا أن الأراضي المتاحة في إيطاليا لم تكن كافية لجميع سكان شبه الجزيرة، ولهذا السبب أصبح أول من اقترح إنشاء مستعمرات رومانية خارج إيطاليا.

بحلول نهاية ولايته التي دامت مدة عام واحد، غادر غايوس جراكوس روما للإشراف على إنشاء مستعمرة جديدة في إفريقيا: كولونيا جونونيا، في موقع مدينة قرطاج القديمة، وكانت أول مستعمرة رومانية في الخارج. ولم يترشح غايوس جراكوس مرة أخرى لولاية ثانية، لكنه كان يتمتع بشعبية كبيرة لدرجة أنه أعيد انتخابه دون حضوره أو ترشحه.

وعلى الرغم من شعبيته إلا أنه واجه صعوبة في إقناع زملائه الرومان بمشروعه الاستعماري، حيث أنهم كانوا لا يزالون معادين لقرطاج. بل وأن كثيرا من الناس آنذاك كان يعتقد أن موقع المدينة ملعون؛ وتذكر بعض المصادر الخرافية نذير شؤم أثناء بناء المستعمرة.

خلال فترة ولايته الثانية، اقترح غايوس جراكوس قانونًا يوسع نطاق الحصول على الجنسية الرومانية، وكان لهذا القانون تأثير سلبي على شعبيته، حتى أنه لم يُعاد انتخابه لولاية ثالثة. وواصل بعد ذلك الدعوة إلى إنشاء مستعمرات جديدة في أماكن أخرى من حوض البحر الأبيض المتوسط.

بعد انتهاء فترة ولايته، بدأ معارضوه في مهاجمة خططه، وأرادوا بشكل خاص وضع حد للمستعمرة في قرطاج. بعد حادثة وقعت في احتفال ديني، عندما سخر أحد المارة من غايوس جراكوس، ثم طعنه أنصاره، سمح مجلس الشيوخ للقنصل لوسيوس أوبيميوس باستخدام القوة ضد غايوس جراكوس وحلفائه. وقُتل غايوس جراكوس، مثل أخيه الذي سبقه.

بعد وفاة غايوس جراكوس، نُسي مشروعه الاستعماري. وظل الرومان البالغ عددهم 3000 نسمة الذين كانوا يعيشون هناك بالفعل في ذلك المكان دون أن ينضم إليهم المزيد. واختفت كولونيا جونونيا في الأخير بعد حوالي 30 عامًا. وبعد جيلين، أعاد يوليوس قيصر بناء قرطاج.

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

مملكة ماسينيسا: العصر الذهبي لنوميديا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

بعد مساعدة الرومان على هزيمة قرطاج، استولى ماسينيسا على أراضي منافسيه، ليصبح أول ملك نوميدي يوحد كل نوميديا ​​تحت سلطته. أصبح حكمه الذي دام أكثر من 50 عامًا العصر الذهبي لمملكة نوميديا.

توحيد ماسينيسا لنوميديا

ماسينيسا

ولد ماسينيسا حوالي عام 238 قبل الميلاد، وكان والده غايا ملك مملكة ماسيلي، وهي مملكة نوميدية. ونشأ في قرطاج، إذ كان والده حليفاً للقرطاجيين.

وعندما بلغ 17 من عمره، أصبح قائد جيش أبيه. فخلال الحرب البونيقية الثانية، حارب الماسيسيليا، وهي مملكة نوميدية منافسة وحليفة للرومان. وفي وقت لاحق، انضم إلى حلفائه القرطاجيين في إسبانيا، حيث شن فرسانه النوميديون الأقوياء حملة حرب عصابات هائلة ضد القوات الرومانية. كما كان مخطوبة لصفنبعل، ابنة قائد قرطاجي.

بعد هزيمة القرطاجيين في إسبانيا، أدرك ماسينيسا، الذي خلف والده كملك على الماسيليين، أنه في مصلحته أن ينفصل عن قرطاج وينضم إلى الجانب الروماني. وبعد انشقاقه، عقد القرطاجيون تحالفًا مع منافسه صيفاقس ملك الماسيسيليين، وقاموا بتزويجه صفنبعل، خطيبة ماسينيسا.

انضم ماسينيسا وجيشه إلى القوات الرومانية عند وصولهم إلى أفريقيا. وحققوا معًا نصرًا حاسمًا على القرطاجيين والماسيسيليين، وتم أسر صيفاقس، وواصل ماسينيسا محاربة ابنه ورمندة الذي خلفه، حتى فتح مملكته. وبذلك أصبح أول من حقق طموح أسلافه: بتوحيد نوميديا. وفي عام 202، أسس مملكة نوميديا ​​وجعل عاصمتها سيرتا (قسنطينة)، عاصمة ماسيسيلي السابقة.

وأمضى السنوات القليلة اللاحقة في احتلال الأراضي القرطاجية في ليبيا، والتي كان يعتقد أن قرطاج سرقتها من أسلافه.

مملكة ماسينيسا

مملكة نوميديا ​​في عهد ماسينيسا

حكم ماسينيسا نوميديا ​​لأكثر من 50 عامًا. وقد كان قائدًا يتمتع بشخصية جذابة، ومكانة عظيمة، وكان محاربًا قويًا، والذي واصل القتال في المعارك وهو في سن جد متقدمة. وظل طوال حياته حليفًا موثوقًا للرومان.

كان الإنجاز الرئيسي لماسينيسا هو تطوير الزراعة: فبينما كانت القبائل النوميدية قبله شبه بدوية، طبق ماسينيسا نظامًا للملكيات الكبيرة لإنتاج القمح على نطاق واسع. كما قام بتطوير زراعة الزيتون والكروم. وبفضل هذه السياسة، استقر السكان شبه الرحل تدريجياً. وفي العصر الروماني، أصبحت نوميديا ​​سلة غذاء الإمبراطورية.

تمثال أبولو، إيول (شرشال) ‎

كما فضل ماسينيسا الانتشار الفني والثقافي في مملكته. وكانت تأثيراته بونيقية ورومانية على السواء. بعد تدمير قرطاج، تلقى ماسينيسا المخطوطات البونيقية التي أنقذتها الجيوش الرومانية من النيران. كما طور أيضًا روابط مع العالم الهلنسيتي، حتى أن المجتمع اليوناني استقر في سيرتا. تلقى أحد أبنائه، ماستانابال، تعليمًا يونانيًا. إن مشاركة ماستانابال في مهرجان عموم أثينا، حيث فاز بسباق العربات، هي أفضل علامة على اندماج نوميديا ​​بالكامل في دائرة الحضارات العظيمة للعالم القديم.

مقبرة ماسينيسا، الخروب، ولاية قسنطينة

وبحلول نهاية حياته، كان ماسينيسا يطمح إلى احتلال قرطاج وجعلها عاصمته. ومن المحتمل أن القرار الروماني بتدمير قرطاج كان مدفوعًا جزئيًا بخوفهم من أن يصبح حليفهم قويًا جدًا بالنسبة لهم.

توفي ماسينيسا في عام 148 عن عمر يناهز 90 عامًا. وبعد وفاته، تقاسم أبناؤه الثلاثة سلطاته الملكية فيما بينهم: كان ميسيبسا، الابن الأكبر، مسؤولاً عن إدارة المملكة، وكان غلوسا قائداً للجيش، بينما كان ماستانابال مسؤولاً عن إقامة العدل.

اليونانيون في شمال أفريقيا

ماجاس ملك قورينائية ومملكة قورينائية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

في عام 332، غزا الإسكندر الأكبر مصر وخضع له يونانيو قورينائية فرحين بوجود ملك يوناني يطمح إلى توحيد كل اليونانيين. بعد وفاته في عام 323، قسمت إمبراطوريته بين جنرالاته. وكانت قورينائية في البداية جزءًا من مصر البطلمية، قبل أن تصبح مملكة مستقلة في عام 276، تحت حكم ماجاس، ملك قورينائية.

ماجاس ملك قورينائية

كان ماجاس ملك قورينائية نبيلًا يونانيًا من أصل مقدوني. وتوفي والده فيليب، والذي كان أحد ضباط الإسكندر الأكبر، وهو لا يزال طفلا.

عملة معدنية يظهر عليها بطليموس الأول وبرنيكي

وبعد وفاة والده، ذهبت والدته برنيكي لتعيش مع أولادها في الإسكندرية، في بلاط الملك بطليموس الأول سوتير، والذي كانت زوجته يوريديس ابنة عم برنيكي.

وسرعان ما أصبحت برنيكي عشيقة بطليموس الأول. بل وفي عام 317، طلق بطليموس الأول يوريديس ليتزوجها. وباعتبارها ملكة مصر، أصبحت والدة الملك المستقبلي بطليموس الثاني.

ومن خلال زواج والدته، أصبح ماجاس الصغير عضوًا في الأسرة البطلمية، باعتباره ابنًا للملكة .ولما كان ماجاس في العشرين من عمره تقريبًا، عُين حاكمًا على قورينة، إذ تولّى المنصب بعد أوفيلاس.

عملة يظهر عليها ماجاس ملك قورينائية

بعد وفاة بطليموس الأول عام 283، وأصبح بطليموس الثاني فيلادلفوس، الأخ غير الشقيق لماجاس، ملكًا جديدًا لمصر، بدأ ماجاس العمل على تحقيق استقلال قورينائية. ولهذا تحالف مع ملك سوريا أنطيوخس الأول من السلالة السلوقية، والمنافسة للسلالة البطلمية، بالزواج من ابنته، أباما الثانية. وفي عام 276، أعلن ماجاس نفسه أخيرًا ملكًا على قورينائية.

وفي عام 274، هاجم ماجاس وأنطيوخوس مصر معًا من الشرق والغرب. غير أنّ ماجاس اضطرّ إلى التراجع بسبب تمرّد القبائل الأمازيغية الليبية في مارماريكا.

بعد هذه الثورة، اضطر بطليموس الثاني إلى الاعتراف باستقلال قورينائية. ولإتمام التحالف بينهما، خطبت برنيس الثانية، ابنة ماجاس، لابن بطليموس الثاني، والذي سيصبح الملك المستقبلي بطليموس الثالث إيرغيتيس. ومنذ ذلك الحين ساد السلام بين الأخوين غير الشقيقين.

وظلت قورينائية مملكة مستقلة طوال حياة ماجاس. وفي عهده، فضل تطوير الفنون والثقافة، وخاصة المدرسة الفلسفية القورينية. ويُقال أيضًا إنه استقبل مبعوثين بوذيين قدموا من الهند، أرسلهم الإمبراطور أشوكا. وفي السنوات الأخيرة من حياته، أصبح بدينًا إلى درجة لم يعد يستطيع معها التحرك. وتوفي سنة 250، ربما نتيجة إفراطه في تناول الطعام.

التداعيات

عملة معدنية عليها صورة برنيس الثانية

وبعد وفاة ماجاس، فسخت أرملته الخطوبة بين برنيس الثانية وبطليموس الثالث، وعرضت يد ابنتها للزواج من ديمتريوس ذا فير (أي الجذاب)، والذي كان الابن الأصغر لملك مقدونيا ديمتريوس الأول. قبل ديمتريوس وأصبح ملك قورينائية الجديد، لكنه سرعان ما اغتيل على يد برنيس الثانية نفسها، التي عادت إلى خطيبها الأول. تزوج بطليموس الثالث وبرنيس الثانية وأصبحا ملكًا وملكة على مصر. تمت إعادة تسمية مدينة يوهسبريدس (بنغازي) إلى برنيكي، تكريمًا للملكة الجديدة. أصبحت قورينائية مرة أخرى جزءًا من مصر البطلمية، وكان لها في هذه المرة حكم ذاتي قوي. بنى بطليموس الثالث مدينة جديدة، سميت بطلميس، لتكون موطنًا لحاكم قورينائية.

في عام 163، استقر بطليموس الثامن فيزيكون في قورينة، بعد طرده من مصر على يد شقيقه بطليموس السادس فيلوماتور. وحكم على قورينائية باعتباره تابعًا لأخيه إلى غاية عام 145، عندما أعيد تعيينه ملكًا على مصر. وفي عام 105، وضع ابنه بطليموس أبيون على عرش قورينائية. توفي بطليموس أبيون عام 96، وبما أنه لم يكن له وريث، أورثت مملكته لروما.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

حرب المرتزقة: تمرد أفريقيا على قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

بعد هزيمة قرطاج في الحرب البونيقية الأولى، بدأ الجنود الأجانب الذين قاتلوا في الجيش القرطاجي في صقلية تمردًا، مطالبين بأجورهم. فاغتنمت بعد ذلك مدن شمال إفريقيا، والتي يهيمن عليها القرطاجيون، الفرصة للتمرد على قرطاج.

السياق

زعيم المتمردين ماتوس، رسمه فيكتور أرماند بوارسون، من أجل الرواية التاريخية سلامبو، بقلم جوستاف فلوبير

بينما كانت قرطاج في حالة حرب ضد روما في صقلية، قاد الجنرال القرطاجي حنون الكبير عدة حملات عسكرية لتوسيع الأراضي القرطاجية في إفريقيا. ومن أجل تمويل المجهود الحربي، فرض هذا الأخير ضريبة صارمة على المدن والمناطق الخاضعة للسيطرة القرطاجية: حيث اضطر الناس هنالك إلى إعطاء نصف إنتاجهم الزراعي كضريبة حرب. وكان من شأن هذه التدابير أن تسبب مجاعات في مناطق معينة.

كان الجيش القرطاجي يتكون في الغالب من مقاتلين أجانب، حيث أن المواطنين القرطاجيين لم يقاتلوا إلا في حالة وجود تهديد مباشر ضد مدينة قرطاج. وكان معظم المقاتلين من شمال أفريقيا الليبيين والنوميديين، مع عدد قليل من الإيبيريين والغاليين.

في نهاية الحرب البونيقية الأولى، كان الجيش القرطاجي في صقلية يتكون من حوالي 20.000 رجل تم إجلاؤهم إلى قرطاج. وكانت المدينة لا تزال مدينة لهم عدة أشهر من الأجور غير المدفوعة، والتي كانوا يتوقعون تسلمها فور وصولهم إلى قرطاج. عندما حاولت السلطات القرطاجية التفاوض معهم على قدر أقل مما اتفقوا عليه، أدى هذا الأخير إلى ثورتهم.

عندما انتشرت الأخبار، رأى الليبيون والنوميديون الذين كانوا يعانون تحت السيطرة القرطاجية لعدة قرون في هذه الثورة فرصة لاستعادة حريتهم. وانضم جيش من 70.000 رجل من جميع أنحاء شمال إفريقيا إلى المتمردين الأوائل.

وكان قادة جيش المتمردين سبنديوس، وهو عبد روماني سابق ؛ ماثوس، جندي ليبي ؛ وأوتاريتوس، زعيم المرتزقة الغالي.

حرب المرتزقة (238 – 241)

تحركات القوات خلال الحرب

كان أول تعهد للمتمردين هو حصار مدينتي أوتيك وهيبو ديارتوس (بنزرت)، وهما مدينتان حليفتان لقرطاج. وكان الرد القرطاجي بقيادة حانون الكبير.

في بداية عام 240، فرض حانون الكبير حصارًا على أوتيك ودخل المدينة منتصرًا. كان جيشه لا يزال يحتفل بانتصارهم عندما هاجمهم المتمردون وطردوهم من المدينة. ولبقية ذلك العام، كان الجيش يقاتل المتمردين بشكل متقطع، ودون تحقيق نصر كبير.

بسبب إخفاقات حانون الكبير المتكررة، قامت قرطاج بتكوين جيش آخر أصغر بقيادة حملقار برقا (وهو آخر قائد للقوات القرطاجية في صقلية ووالد حنبعل برقا). قاتل جيشه إلى غرب وجنوب قرطاج. وكان حملقار و حانون من قائدان مشتركان رسميًا، إلا أنهما لم يعملا معا. بينما كان حانون متشددًا مع المتمردين، أظهر حملقار أنه أكثر دبلوماسية، ووعد بالعفو عن قادة المتمردين الذين انضموا إليه وكان مستعدًا لتقديم تنازلات لصالح المدن المتمردة. وقد مكنه ذلك من إعادة عدة مدن إلى ولائها لقرطاج دون استخدام القوة.

انفصل الزعيم النوميدي نارافاس (شقيق غايا، والد ماسينيسا)، والذي حارب إلى جانب حملقار في صقلية وأعجب بشجاعته، عن المتمردين وانضم إلى الجيش القرطاجي مصحوبا ب 2000 من فرسانه. ولتجنب حدوث انشقاقات أخرى، قام جيش المتمردين بتعذيب 700 سجين قرطاجي حتى الموت، بما في ذلك الجنرال جيسكو، الذي وقع معاهدة السلام مع روما في صقلية. ورد بعد ذلك حملقار بقتل جميع السجناء. بعد هذه المذابح، كانت الكراهية بين الجانبين قوية لدرجة أنه لم يعد من الممكن التوصل إلى تسوية.

في أوائل عام 239، تمردت الحاميات القرطاجية في سردينيا أيضًا وقتلت الحاكم القرطاجي للجزيرة. أما القوات التي أرسلت لاستعادة الجزيرة فقد انضمت إلى التمرد وقتلت من تبقى من السكان القرطاجيين.

قطعة نقدية تحمل صورة قادة المتمردين

جاءت الضربة التالية للقرطاجيين عندما انضم أوتيك و هيبو ديارتوس إلى التمرد، بين مارس وشتنبر من العام 239. وعرض سكان أوتيك مدينتهم على روما، لكن روما رفضت، لأنهم لم يكونوا مستعدين لخوض حرب أخرى ضد قرطاج.

خلال نفس العام، تم لم شمل جيوش حملقار وحانون، لكن القائدين اختلفا حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها. ووفقًا للعادات القرطاجية، صوت الجيش لتحديد من سيكون قائدهم، و فاز حملقار باللقب.

في أوائل عام 238، اضطر المتمردون إلى رفع الحصار عن قرطاج والعودة إلى تونس. بعد ذلك بوقت قصير، في معركة المنشار، تمكن حملقار من نصب كمين لجزء من جيش المتمردين في ممر جبلي. تم قتل جميع المتمردين، وسحقهم تحت أقدام الفيلة الحربية القرطاجية. حيث قُتلوا كلهم. وستلعب هذه المعركة دورًا حاسمًا في النصر النهائي.

صلب قادة المتمردين أثناء حصار تونس

بعد هذه المعركة، حاصر حملقار تونس، والذي كان المقر الرئيسي لهذا التمرد، لكن هجوم المتمردين ليلاً أجبره على رفع الحصار.

خلال هذا الوقت، تفاوض مجلس الشيوخ القرطاجي على مصالحة بين حملقار وحنون. واتفق الجنرالان على الخدمة معًا. أدرك المتمردون أنهم لن يكونوا قادرين على مقاومة الجيش القرطاجي الموحد، فهربوا من تونس إلى لبتس برفا (لمطة، بالقرب من منستير)، إحدى أولى المدن المتمردة. طاردهم الجيش القرطاجي، ودارت المعركة الأخيرة في أواخر عام 238، حيث قُتل جميع المقاتلين المتمردين المتبقين. وكانت هذه نهاية التمرد.

سعت آخر المدن المتمردة المتبقية على الفور إلى التوصل إلى اتفاق مع قرطاج. سيكون آخرهم أوتيك و هيبو ديارتوس، لأنهم كانوا يخشون دفع ثمن خيانتهم.

التداعيات

في سردينيا، انتفض السكان الأصليون ضد القوات المتمردة عام 237 وطردوهم من الجزيرة. بعد ذلك، فر المتمردون إلى القارة وطلبوا المساعدة من روما. هذه المرة، وافقت روما على التدخل، وسيطرت على سردينيا وكورسيكا. وقد ساهم الاستياء القرطاجي بسبب هذا الغزو الروماني لسردينيا بقوة في استئناف الحرب بين روما وقرطاج لاحقا.

بعد انتهاء حرب المرتزقة، ذهب حملقار إلى إسبانيا، حيث أمضى بقية حياته في محاولة لتعزيز الهيمنة القرطاجية، تحسبًا لحرب أخرى ضد روما.

ألهمت حرب المرتزقة الرواية التاريخية سلامبو للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير.

اليونانيون في شمال أفريقيا

دوريوس من إسبرطة: أمير يوناني في ليبيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان دوريوس أميرًا يونانيًا لمدينة إسبرطة. وبينما كان شقيقه ليونيداس معروفا كقائد للجيش اليوناني الموحد الذي قاوم الغزاة الفارسيين في معركة ترموبيل، فإن دوريوس قد عرف في الغالب بصفته مؤسسا لمستعمرة يونانية قصيرة العمر في ليبيا.

النشأة

أنقاض إسبرطة

وُلد دوريوس حوالي عام 540 قبل الميلاد في إسبرطة؛ والتي كانت إحدى أكثر المدن اليونانية تأثيرًا والمنافسة الكبرى لأثينا. كان والده الملك أنكسندرداس الثاني ملك إسبرطة من سلالة أجيادية.

يروي المؤرخ اليوناني هيرودوت أنه نظرًا لأن الملك أنكسندرداس لم يكن لديه أي أطفال بعد عدة سنوات من الزواج، فقد نصحه مجلس الإيفور، وهو مجلس من خمسة قضاة يحكمون المدينة، بالطلاق من زوجته والزواج من واحدة أخرى، وذلك خوفًا من انتهاء النسب الملكي . وعندما رفض الملك، نصحوه بأن يتخذ على الأقل زوجة ثانية، رغم أن تعدد الزوجات لم يكن جزءًا من العادات الإسبرطية. وبعد وقت قصير من الزفاف الثاني للملك، حملت كلتا زوجتيه. ولد ابن الزوجة الثانية، كليومينس، قبل عدة أشهر من ولادة دوريوس ابن الزوجة الأولى. وفي وقت لاحق، أنجبت زوجة الملك الأولى طفلين آخرين: ليونيداس وكليومبروتوس، في حين لم يكن لزوجته الثانية المزيد من الأطفال.

بعد وفاة والدهم، اختار مجلس الإيفور الابن الأكبر كليومينس كخليفة. اعترض دوريوس على هذا القرار، بحجة أن ابن زوجة الملك الأولى هو الوريث الشرعي إلا أن اعتراضه سرعان ما نقض.

لا تعتبر رواية هيرودوت موثوقة بشكل كلي، حيث أن المؤرخ معادٍ لكليومينس بشكل علني.

دوريوس في ليبيا

بعد حرمانه من العرش الإسبرطي، اختار دوريوس مغادرة مدينته ساعيا لتأسيس مستعمرة في مكان آخر. ووفقًا لهيرودوت، فقد غادر في نوبة غضب، ودون استشارة عرافة دلفي أولاً، لذلك يعزو هيرودوت فشل مشروعه الاستعماري إلى هذا الخطأ الذي ارتكبه. ويكتب أيضًا أنه لو بقي دوريوس في إسبرطة، لكان قد تولى الحكم بعد كليومينس في النهاية.

موقع كنبس

حوالي عام 515، استقر دوريوس في ليبيا، في طرابلس الحديثة، حيث أسس مستعمرة: كنبس (Κίνυψ). وكانت هذه المستعمرة تقع عند مصب وادي كنبس (وادي كعام)، بالقرب من الخمس الحالية. في ذلك الوقت، كانت هناك بالفعل عدة مستعمرات يونانية في الشرق، في قورينائية، ولكن لم يكن هناك أي منها في هذه المنطقة.

أنشئت بالفعل عديد من المستعمرات الفينيقية في المنطقة، بل وأصبحت بعد ذلك جزءًا من الإمبراطورية القرطاجية. وكانت المدينة الفينيقية الرئيسية في المنطقة لبدة الكبرى قريبة جدًا من كنبس. وبطبيعة الحال، كان سكانها غير راضين عن القادمين الجدد .من ناحية أخرى، كان اليونانيون من قورينائية يدعمون المستعمرة الجديدة، كوسيلة لقطع الطريق على القرطاجيين الذين كانوا يتوسعون شرقًا. في هذا السياق، لم تدم مغامرة دوريوس الاستعمارية طويلاً: فبعد ثلاث سنوات، طرد دوريوس ورفاقه على يد قبيلة أمازيغية محلية متحالفة مع الفينيقيين في لبدة الكبرى.

دوريوس في صقلية

صقلية في القدم

عند عودته إلى إسبرطة، سمع دوريوس عن منطقة في صقلية، والتي وفقًا للأساطير كانت ملكا لهرقل، وبالتالي كانت إرثًا قانونيًا لأحفاده ‘الهرقليد’ ، بما في ذلك عائلته. في هذه المرة، استشار دوريوس عرافة دلفي، وقيل له أن هذه الأرض يجب أن يأخذها. فجمع رفاقه وأبحر إلى صقلية.

عندما وصول دوريوس، كانت المدينتان اليونانيتان في جنوب إيطاليا، ‘كروتوني ‘ و ‘سيباريس ‘ في حالة حرب. طلبت كروتوني المساعدة من دوريوس، فوافق وشارك في هجومهم ضد سيباريس. وفي وقت لاحق، استقر في إيريكس حيث أسس مستعمرة. و رغم عزلتها عن المستعمرات اليونانية الأخرى في صقلية، كانت مدينته تواجه العداء من المدن القرطاجية المجاورة. وبعد بضع سنوات، تعرض دوريوس ورفاقه للهجوم والقتل على يد سكان مدينة سيجيستا المجاورة و التي كانت حليفة قرطاجة .فر الناجون إلى جنوب إيطاليا، حيث استولوا على مدينة هيراكليا مينوا اليونانية. أما دوريوس فمن المقدر أنه لقى حتفه حوالي عام 510.

بعد وفاته

منحوتة ليونيداس

توفي كليومنس، ملك إسبرطة، بعد أخيه الغير الشقيق دوريوس بحوالي 20 عامًا، وتولى الحكم بعده ليونيداس، شقيق دوريوس من نفس الأم.

في عام 480، عندما حاولت الإمبراطورية الفارسية مرة أخرى غزو اليونان، بعد 10 سنوات من محاولتها وهزيمتها السابقة في معركة ماراثون، اختير ليونيداس كزعيم لتحالف المدن اليونانية التي حاربت الغزاة. في معركة ترموبيل، وهي واحدة من أشهر المعارك في التاريخ، صمد جيش مكون من 7000 يوناني، وبقيادة ليونيداس، لمدة ثلاثة أيام ضد جيش فارسي أكبر بعشر مرات على الأقل عند ممر جبل ترموبيل. وعلى الرغم من هزيمتهم في نهاية المطاف، إلا أن شجاعتهم ألهمت اليونانيين لمواصلة المقاومة، إلى غاية انتصارهم النهائي في العام الموالي. قُتل ليونيداس بنفسه، لكنه بعد المعركة قد كرمه اليونانيون عبر بناء تمثال للأسد في موقع ترموبيل. يصر هيرودوت على أنه لو بقي دوريوس في إسبرطة، لكان قد تولى الحكم بعد أخيه في نهاية المطاف وأصبح هو نفسه بطل معركة ترموبيل.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

جزيرة المعادن: قرطاجيون في بريطانيا

Français – عربي – Taqbaylit – English

ترجمة صفاء المنصاري

في الوقت الذي كانت فيه قرطاج في أوج قوتها، أبحرت السفن القرطاجية في المحيط الأطلسي إلى إسبانيا وشمال أوروبا لشراء الفضة والمعادن الأخرى التي كانت متوفرة بكثرة في المنطقة. حيث كانت وجهتهم النهائية هي بريطانيا البعيدة، حيث تموضع بعض التجار القرطاجيين لتسهيل تجارة المعادن. و لا يزال من الممكن العثور على بقايا هذا الوجود القرطاجي في بريطانيا إلى يومنا هذا: من قطع نقدية، بل و كذلك أسماء أماكن ذات أصل بونيقي محتمل.

درع باترسي، درع برونزي قلطي بريطاني

ومنذ القرون القليلة الأولى بعد تأسيس قرطاج، أقامت المدينة روابط تجارية مع التارتسيين في إسبانيا لشراء المعادن منهم. وإضافة إلى الذهب والفضة، كان الطلب أعلى على القصدير والنحاس، اللذين كانا يستخدمان لإنتاج البرونز. بفضل احتكارها لسوق القصدير الأطلسي، أصبحت قرطاج المنتج الرئيسي الوحيد للبرونز في المنطقة. ‎في حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، أدت حاجة القرطاجيين المتزايدة لمزيد من المعادن إلى استكشافهم سواحل أوروبا الشمالية، وذلك وصولاً إلى بريطانيا.‎

يمكن العثور على العملات البونيقية في جميع أنحاء بريطانيا (انظر الخريطة)، معظمها في المناطق الساحلية، ولكن أيضًا في المناطق الداخلية، مما يدل على أن التجار القرطاجيين لم يبقوا على طول السواحل، بل سافروا في جميع أنحاء الجزيرة. وبعد سقوط قرطاج، حل محلهم التجار النوميديون. فعُثر في بريطانيا على عملات نوميدية تعود إلى عهد الملك ماسينيسا وخلفائه حتى يوبا الثاني (انظر الخريطة). عثر كذلك على أحدث العملات المعدنية في الشمال، مما يدل على أن التجار النوميديين اتجهوا نحو الشمال مع مرور الوقت.

قطعة من المرساة تم العثور عليها في البحر بالقرب من بليموث (المصدر: ProMare)

دليل آخر محتمل على الوجود البونيقي في بريطانيا هو مرساة من النوع المتوسطي، يعود تاريخها إلى ما بين القرن الخامس والثاني قبل الميلاد، والتي تم اكتشافها بالقرب من بليموث، في شبه جزيرة كورنوال، وهي منطقة بها رواسب كبيرة من القصدير. كانت المرساة تابعة لسفينة، ربما بونيقية أو ربما يونانية، كانت قد رست في كورنوال.

اكتشفت جمجمة لمكاك بربري في إيمهاين مهشا في أيرلندا. حيث كانت تباع تلك الحيوانات، والتي تعود أصولها إلى جبال الأطلس، كحيوانات أليفة. ومن المؤكد أن التجار القرطاجيين أحضروا هذا القرد إلى ذلك المكان.

جزيرة ثانيت

يبدو أيضًا أن أسماء أماكن معينة، في بريطانيا وأيرلندا، لها جذور بونيقية. الأكثر وضوحا هي جزيرة ثانيت، كينت: يمكن أن يكون اسمها مشتقا من تانيت، الإلهة القرطاجية الرئيسية. كما تم بناء جاديس (قادس)، أول مستعمرة قرطاجية في إسبانيا، على جزيرة تسمى جزيرة تانيت. ومن المحتمل أن التجار القرطاجيين الذين استوطنوا هناك أطلقوا هذا الاسم على الجزيرة بسبب التشابه الجغرافي مع جاديس.

كتبت المؤرخة وعالمة الآثار كايتلين جرين، التي تدرس في جامعة كامبريدج، سلسلة من المقالات البحثية التفصيلية حول الوجود البونيقي والنوميدي في بريطانيا قبل العصر الروماني. وقد أعدت قائمة تضم 15 إسما للأماكن ذات الأصول البونيقية المحتملة. وتقع جميع هذه الأماكن على السواحل البريطانية، والعديد منها عبارة عن جزر، بما في ذلك جزر سيلي، سارك، إحدى جزر القناة الإنجليزية؛ وجزر الهبريدس الاسكتلندية.

تُظهر خريطة كايتلين جرين لهذه الأماكن أنها تنقسم إلى مجموعتين: مجموعة على الساحل الجنوبي، وخاصة كينت وحول شبه جزيرة كورنوال، والمجموعة الأخرى إلى الشمال، في اسكتلندا الحديثة. إن وجود التجار القرطاجيين في جنوب بريطانيا، حيث وصلوا لأول مرة، أمر منطقي للغاية، خاصة في كورنوال التي كانت في ذلك الوقت منطقة رئيسية لإنتاج القصدير. وحقيقة أنهم استقروا أيضًا في الجزر الاسكتلندية، على الرغم من أنها أكثر إثارة للدهشة، يمكن تفسيرها بقرب رواسب القصدير الكبيرة.

أخيرًا، تم اقتراح وجود أصل بونيقي لأسماء بريطانيا وأيرلندا: بريطانيا يمكن أن تأتي من البريتان، وتعني “القصدير” في اللغة البونيقية، في حين أن أيرلندا (*إويريون في اللغة السلتية القديمة) يمكن أن تأتي من يويريجو، “جزيرة النحاس”. بالطبيعة الحال هنالك أصول أخرى محتملة. ومع ذلك، فإن التكامل بين الاسمين المقترحين، أرض القصدير وجزيرة النحاس، وهما المعدنان المستخدمان في صناعة البرونز، يجعل هذه النظرية مثيرة للاهتمام بشكل خاص. في حين أن معظم المتخصصين يعتقدون أن أسماء بريطانيا وأيرلندا لها جذور قلطية، لا ينبغي استبعاد احتمال الأصل البونيقي بسرعة كبيرة.

قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية

المجتمع القرطاجي: ديمقراطية وليدة ؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

إن مدينة قرطاج، و التي كانت عاصمة الإمبراطورية القرطاجية القوية التي سيطرت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لعدة قرون، قد كانت كذلك منبت أول حضارة عظمى في شمال إفريقيا. وقد أنشأ المجتمع القرطاجي مؤسسات حرصت على توازن السلطات وحرصت كذلك على وجود درجة من الديمقراطية نادرا ما كان من الممكن تحقيقها في العالم القديم.

أسطورة التأسيس

الملكة عليسة

تقول الأسطورة أن الأميرة عليسة، و التي جاءت من المدينة الدولة صور الفينيقية، هي من قامت بتأسيس قرطاج. فبعد أن قام شقيقها بيغماليون، ملك صور، بقتل زوجها عاشرباص (زكاربعل)، رئيس كهنة المدينة، فرت عليسة وحلفاؤها من فينيقيا واستقروا في شمال إفريقيا، حيث أسسوا قرطاج التي أصبحت عليسة أول ملكة لها. من الصعب هنا تحديد الأساس التاريخي لهذه القصة الأسطورية.

اشتهرت أسطورة عليسة من الإنياذة (الملحمة الشعرية) للشاعر الروماني فرجيل، والتي تحكي عن أينياس، المؤسس الأسطوري لروما .وفقًا للإنياذة، وقعت عليسة في حب أينياس خلال الفترة التي قضاها في قرطاج وتزوجا سرًا، فانتهكت عليسة بذلك الوعد الذي قطعته لزوجها الراحل بعدم الزواج مرة أخرى .ثم تخلى عنها بعد ذلك أينياس وعاد إلى إيطاليا ليؤسس روما. وفي حالة من اليأس، أخذت عليسة حياتها. يقدم حب عليسة المخيب للآمال على أنه مصدر التنافس بين قرطاج وروما.

من التأسيس إلى الاستقلال

علامة تانيت، رمز قرطاج

تأسست قرطاج حوالي عام 814 قبل الميلاد كمركز تجاري فينيقي .فقد كان الفينيقيون شعبًا من التجار، يشترون المنتجات الزراعية والحرفية من السكان المحليين ويصدرونها من موانئهم. ‎وكان السكان القرطاجيون، منذ البداية، يتألفون من مزيج من الفينيقيين والسكان الأمازيغ المحليين.

بحلول القرن السابع الميلادي، كانت مدينة الأم، ‘صور ‘، في حالة تدهور. وفي الوقت نفسه، طورت الثقافة القرطاجية خصائص متميزة عن الثقافة الفينيقية. سمحت هذه الظروف لقرطاج بالحصول على الاستقلال حوالي عام 650 ق.م. ، وذلك قبل أن تبدأ حملاتها الاستعمارية في غرب البحر الأبيض المتوسط. وكسرًا للتقاليد التجارية السلمية للفينيقيين، سعى القرطاجيون سريعًا إلى بسط قوتهم في المنطقة بالقوة.

النظام الملكي القرطاجي

خلال القرون الأولى من استقلالها، كان لقرطاج نظام ملكي. إن الوظائف الدقيقة للملك ليست معروفة؛ ومن الممكن أن يكون المؤرخون اليونانيون والرومانيون قد وصفوا نظام قرطاج بالملكي عن طريق الخطأ و بسبب جهلهم بالنظام السياسي القرطاجي.

جاء ملوك قرطاج الأوائل من الجيش. وكانت السلالة الملكية الأكثر تأثيرًا هي السلالة الماجونية (550-340) التي استمر أحفادها في تحمل مسؤوليتها بعد ذلك.

في عام 480، بعد وفاة الملك حملقار الأول، حدت قرطاج من السلطات الملكية من خلال إنشاء “مجلس الحكماء” (أديريم). في عام 308، وبعد أن حاول الملك الأخير، بوميلقار، ودون جدوى أن يستعيد السلطات الملكية الكاملة، أصبحت قرطاج جمهورية.

الجمهورية القرطاجية

إعادة بناء قرطاج

على رأس الجمهورية القرطاجية، كان هناك اثنان من شوفت (القضاة)، يُنتخبان لمدة عام واحد، ويمارسان سلطتهما بطريقة جماعية. أداروا الشؤون اليومية للدولة، وترأسوا الأديريم (مجلس الحكماء) وعملوا كقضاة أثناء المحاكمات. وقد كانت وظيفتهم قبل كل شيء احتفالية.

وخلافًا للوظائف المماثلة في الدول القديمة الأخرى، فلم يمارس الشوفت (القضاة) أي قوة عسكرية. تمتع الجيش القرطاجي باستقلالية مهمة عن السلطة المدنية. وفي الوقت نفسه، مارس عدد قليل من الأفراد العسكريين مسؤوليات مدنية (باستثناء حنبعل والذي كان من الشوفت). كان انتخاب الجنرالات أو تعيينهم يتم من قبل الإدارة، وذلك عادةً طوال مدة الحرب بدلا من فترة ولاية محددة بوضوح. ‎

معظم السلطات السياسية، ولا سيما إدارة الميزانية والدبلوماسية، كانت تمارس من قبل الأديريم، وهو ما شبهه المؤرخون الرومان بمجلس الشيوخ. وكان هذا المجلس يتألف من 30 عضواً انتخبوا من بين العائلات القرطاجية الأكثر نفوذاً .تتطلب بعض القرارات المهمة بشكل خاص موافقة بالإجماع من جميع الأعضاء والشوفت الاثنين. وخلال الحرب البونيقية الثانية، بدأ الأديريم في ممارسة بعض السلطة على الجيش لأول مرة.

كان مجلس المائة (ميات) هو الهيئة القانونية العليا. وكانت مسؤوليته الأساسية هي مراقبة عمل الجيش والسلطات المدنية، للتأكد من امتثالهم للدستور وخدمتهم مصالح الأمة. ‎كان لهذا المجلس سلطة فرض غرامات، أو حتى الحكم بالإعدام بالصلب. و كان يمارس أعضاؤه سلطتهم مدى الحياة، ذلك حتى جاء حنبعل، بصفته كشوفت، بإصلاحات وغير مدة الولاية إلى عام واحد.

قطع نقدية قرطاجية

اعتمد الاقتصاد القرطاجي على الاتفاقيات التجارية مع مختلف الشركاء في جميع أنحاء العالم المتوسطي، وكذلك على الجزية التي تلقاها من مستعمراته والشعوب الخاضعة له. إن احتكار القرطاجيين لتجارة القصدير، التي اشتروها من التارتيسيين في إسبانيا، جعل قرطاج المنتج الرئيسي الوحيد للبرونز في المنطقة  .كان أسطولها التجاري، الذي كان أكبر عددًا من أسطول الدول المدن الفينيقية القديمة، يتجول بانتظام في جميع الموانئ الرئيسية للبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى ساحل المحيط الأطلسي في أفريقيا، وحتى بريطانيا. ويمكن لواحدة من هذه السفن نقل ما يصل إلى 100 طن من المنتجات. وبفضل هذه الإمبراطورية التجارية، أصبحت قرطاج مدينة شديدة الثراء.

هل قرطاج ديمقراطية ؟

هل يمكن اعتبار المجتمع القرطاجي ديمقراطيًا ؟

انتخب جميع المواطنين القرطاجيين أعضاء الأديريم و الشوفت. ويسعى الفصل بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية، وكذلك تقسيم السلطات بين المؤسسات المدنية، إلى تحقيق توازن بين السلطات، حتى لا يسمح لأي مؤسسة بممارسة السلطة المطلقة. وفي حالة استمرار الخلاف بين أعضاء الأديريم، يعقد مجلس شعبي لاتخاذ القرار النهائي عن طريق التصويت. من المؤكد أن الشعب القرطاجي كان له تأثير على الشؤون العامة أكبر مما كان عليه في روما، أو حتى في معظم المدن اليونانية.

ومع ذلك، لا يمكن انتخاب سوى أفراد من عائلات أرستقراطية معينة كأعضاء في الأديريم أو مجلس المئات. ولذلك تم استبعاد غالبية السكان من جميع الوظائف العامة الأكثر أهمية. لذلك ينبغي اعتبار المجتمع القرطاجي حكم الأثرياء، ولكن مع عناصر ديمقراطية أكثر تطورًا من معظم المجتمعات القديمة الأخرى. أعجب الفيلسوف اليوناني أرسطو بالدستور القرطاجي، الذي اعتبره مزيجًا متوازنًا بين عناصر الملكية والأرستقراطية والديمقراطية.

علاوة على ذلك، في حال أنشئت مؤسسات مماثلة في المدن الأخرى تحت السيادة القرطاجية، لم يكن هناك تمثيل لها على المستوى المركزي: فقد كانت خاضعة بالكامل للسلطة القرطاجية ومجبرة على دفع جزية سنوية.