قرطاج و الإمبراطورية القرطاجية, اليونانيون في شمال أفريقيا

أغاثوقليس السيراقوسي: الطاغية اليوناني الذي حاصر قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة هشام دريدي

سيرقوسة هي مستعمرة يونانية في صقلية، خاضت خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد عدة حروب ضد قرطاج ومستعمراتها الصقلية من أجل السيطرة على الجزيرة. قبل قرن من الحروب البونيقية، حاول الطاغية أغاثوقليس السيرقوسي بالفعل غزو قرطاج، واستولى على عدة مدن بونية في المنطقة.

المدن التي احتلها أغاثوقليس (بالأزرق) ويوماخوس (بالأخضر)
أغاثوقليس السيرقوسي

منذ بداية القرن الخامس قبل الميلاد، كانت سيرقوسة تحت حكم الطغاة، وهم حكام مستبدون، على عكس النموذج الديمقراطي الإغريقي. بدأ أغاثوقليس مسيرته كضابط عسكري ضمن الفصيل الديمقراطي. كان من أصول متواضعة، وكان يحب أن يقدم نفسه كرجل من عامة الشعب. لكنه بعد أن استولى على الحكم بانقلاب سنة 317 ق.م، أظهر أنه أكثر استبدادًا من أسلافه. وقبل كل شيء، اتبع سياسة عسكرية عدوانية جدًا: كان يطمح إلى أن يكون مثل الإسكندر الأكبر، حامي العالم الإغريقي في وجه “البرابرة”، أي القرطاجيين في هذه الحالة.

ما إن تولّى الحكم، حتى أعلن أغاثوقليس الحرب على قرطاج. وفي سنة 311 ق.م، هُزم على يد الجيش القرطاجي، الذي حاصر سيرقوسة. فاتخذ قرارًا يائسًا: بما تبقى له من قوات داخل المدينة، اخترق الحصار القرطاجي وغزا إفريقيا، بهدف مهاجمة قرطاج نفسها. كان يأمل أن يضطر الجيش القرطاجي المحاصر لسيرقوسة إلى رفع الحصار والعودة للدفاع عن الوطن.

قطعة فضية تحمل صورة أغاثوقليس السيرقوسي

نزل جيش أغاثوقليس في رأس الطيب (Cap Bon) في أغسطس سنة 310 ق.م. وحقق أول انتصار له، مما سمح له بإقامة معسكره قرب تونس. حاصر قرطاج، لكن المدينة كانت محصنة جيدًا فلم يكن بوسعه أن يأمل في الاستيلاء عليها.

عندئذ، قرر أغاثوقليس التوجه شرقًا والسيطرة على المدن البونية الساحلية مثل نيابوليس (نابل)، حضرموت (سوسة)، وتابسوس (البقالطة). وفي هذه الحملة، تحالف مع أيليماس، ملك النوميديين الماسيليين وأحد أجداد ماسينيسا. واحتلّا معًا شمال تونس الحالية بأكمله. لكنه لاحقًا، عندما قرر التوسع نحو الداخل، قتل حليفه أيليماس الذي أصبح عقبة أمام طموحه، واستولى على الجيش النوميدي وعرباته الحربية.

قطعة ذهبية تحمل صورة أوفيلاس القوريني

بعد قطع تحالفه مع أيليماس، بحث أغاثوقليس عن حلفاء جدد، فاتصل بأوفيلاس، وهو ضابط سابق في جيش الإسكندر الأكبر، وكان قد أصبح حاكمًا على قورينائية باسم بطليموس الإسكندري. ولكي يقنعه بالمساعدة في الحرب ضد القرطاجيين، وعده أغاثوقليس بأن يترك له كل الأراضي التي تم احتلالها في إفريقيا، ويحتفظ هو فقط بصقلية. فقام أوفيلاس بجمع جيش كبير، وسار به غربًا للالتحاق بأغاثوقليس قرب قرطاج، وأصبح بذلك أول من قاد جيشًا عبر صحراء ليبيا الوسطى. لكن بعد أيام من وصوله، أمر أغاثوقليس بقتله. فانضم الجيش القوريني إلى أغاثوقليس بعد أن فقد قائده.

وقلد القرطاجيون خطته، فأرسلوا جيشًا جديدًا إلى سيرقوسة. فعاد أغاثوقليس إلى صقلية، وترك في إفريقيا نائبه يوماخوس، الذي واصل التوسع نحو الغرب، حتى وصل إلى هيبون (عنابة).

قطعة فضية تحمل صورة أغاثوقليس السيرقوسي

في سنة 307 ق.م، عاد أغاثوقليس إلى إفريقيا لمحاولة تحقيق النصر النهائي على قرطاج. ولتهدئة جنوده الغاضبين بسبب تأخر دفع رواتبهم، وعدهم بغنائم كبيرة إن انتصروا. لكن بعد سلسلة من الهزائم، تخلّى عنه جيشه، فاضطر إلى الفرار إلى صقلية، وتخلى عن كل فتوحاته في إفريقيا. وفي السنة التالية، وقّع معاهدة سلام مع القرطاجيين، استعادت بموجبها قرطاج كل أراضيها.

بعد حملته الإفريقية، أعلن أغاثوقليس نفسه ملكًا على صقلية. وكرّس ما تبقى من حياته لفرض سيطرته على المدن اليونانية في الجزيرة، ثم على ماجنا غراسيا، وهي منطقة جنوب إيطاليا التي تضم العديد من المستعمرات الإغريقية. ويقال إنه عند وفاته سنة 289 ق.م، كان يحضّر لهجوم جديد على قرطاج.

اترك رد