المسيحية في شمال افريقيا

آباء الصحراء: أوائل المسيحيين الرهبان

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة فادي حفيظي

في الفترة التي بدأ فيها المسيحية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في المجتمع الروماني، قرر بعض المؤمنين، الذين خاب أملهم من نزعة الكنيسة إلى الدنيا، الانسحاب إلى الصحراء بحثًا عن حياة روحية أكثر صفاءً. كانوا يعيشون بعيدًا عن المجتمع، فرادى أو في جماعات، وينصرفون إلى الصلاة والتأمل. وقد وُلد هذا التيار في مصر، ثم انتشر في جميع أنحاء شمال أفريقيا وفي سائر أنحاء العالم الروماني.

الروّاد

دير القديس بولس، المشيَّد فوق المغارة التي عاش فيها بولس الطيبي

ظهر أوائل النُّسّاك المسيحيين في صحراء مصر. كانوا يعيشون حياة عزلة وفقر اختياري، مكرّسين وقتهم للصلاة. ويُعرفون بـ آباء الصحراء.

بولس الطيبي

وُلِد بولس الطيبي حوالي سنة 227م في منطقة الطيبة. وبعد وفاة والديه، قام زوج أخته بالإبلاغ عنه لدى السلطات الرومانية بوصفه مسيحيًا، طمعًا في الاستحواذ على نصيبه من الميراث. فهرب بولس إلى الصحراء نحو سنة 250م، أثناء الاضطهاد. عاش في مغارة وسط الصحراء، لا يقتات إلا من ثمار نخلة قريبة، ولا يلبس إلا من خوصها. وقد استمر على هذه الحال ما يقرب من مئة سنة؛ ويُقال إنه مات عن عمر ناهز 113 عامًا! وخلال حياته، اقتدى به آخرون.

أيقونة قبطية لأنطونيوس الكبير

وإذا كان بولس الطيبي هو أول آباء الصحراء، فإن الشخصية الأكثر تأثيرًا في هذا التيار هي أنطونيوس الكبير. وُلد حوالي سنة 250م في قمن العروس في صعيد مصر، في أسرة مسيحية ثرية. وكان في نحو العشرين عندما تُوفِّي والداه. وبعد ذلك بقليل تأثّر بقول المسيح: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلَاكَ، وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَعَالَ اتْبَعْنِي.» فقرّر أن يبيع كل ميراثه، ويوزّع المال على الفقراء، ثم ينطلق ليقضي بقية حياته في الصحراء. وبحسب إحدى الروايات، كان غراب يأتيه بالخبز يوميًا. كما تروي روايات عديدة أنواع التجارب التي تعرّض لها والمعجزات التي نُسبت إليه. وقد خرج من عزلته فترة قصيرة سنة 338م متوجّهًا إلى الإسكندرية للمساهمة في مكافحة بدعة الأريوسية. وكتب الأسقف أثناسيوس الإسكندري، الذي كان يُعجب به كثيرًا، سيرةً عن حياته. وقد تُوفّي أنطونيوس عن عمر بلغ 105 سنوات.

صورة للأب الصحراء أونوفريوس

خلال حياة أنطونيوس الكبير، كان المجتمع الروماني يمرّ بتغيّرات عميقة. عندما دخل أنطونيوس إلى الصحراء، كانت المسيحية ما تزال دينًا محظورًا رسميًا، وكان المسيحيون يتعرّضون لاضطهاد عنيف في عهد الإمبراطور دقلديانوس. لكن في سنة 312م تغيّر الوضع جذريًا، إذ اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الكنيسة مرتبطة بمؤسسات الدولة الرومانية، وبدأت تكتسب نفوذًا وثروة. بدأت جموع كبيرة من الناس، كثير منهم غير متعمّقين في الإيمان، بالتوافد إلى الكنائس. في المقابل، شعر عدد من الشباب بأن روح المسيحية الأصيلة بدأت تضيع وسط الثراء والسلطة، فتأثروا بمثال أنطونيوس وغيره، وتركوا المدن والكنائس المزدحمة، وذهبوا إلى الصحراء بحثًا عن حياة مسيحية حقيقية. ورغم أن كثيرين منهم كانوا أغنياء، إلا أنهم تخلّوا عن ثرواتهم استجابة لنداء المسيح.

سينكليتيكا الإسكندرية

لم تقتصر هذه الحركة على الرجال فقط، بل شاركت فيها النساء أيضًا. وأشهر أمّ من أمهات الصحراء كانت سينكليتيكا الإسكندرية. كانت في الأصل من مقدونيا، وتنتمي إلى عائلة نبيلة ثرية، وكان مصدر ثروتها تأجير السفن التجارية. بعد وفاة والديها، وزّعت أموالها على الفقراء، وقصّت شعرها، وانتقلت لتعيش في غرفة صغيرة خارج مدينة الإسكندرية مع أختها العمياء. مع مرور الوقت، بدأت نساء شابات أخريات بالاستقرار بالقرب منها، متأثرات بتعاليمها وحكمتها، فتكوّن حولها تجمع نسائي رهباني.

بافنوتيوس الطيبى

كان بافنوتيوس الطيبى أحد تلاميذ أنطونيوس الكبير. عاش راهبًا في الصحراء لسنوات عديدة قبل أن يصبح أسقفًا على طيبة. وقد تعرّض للاضطهاد في عهد الإمبراطور مكسيمينوس دايا، فتعذّب من أجل إيمانه: فَقَد عينه اليسرى، وقُطِع وتر قدمه اليمنى. وبعد ذلك شارك في مجمع نيقية، حيث كرّمه الإمبراطور قسطنطين وجميع الحاضرين بسبب ما تحمّله من عذابات من أجل اسم المسيح. وقد عارض أيضًا رغبة بعض الأساقفة في فرض العزوبة إلزاميًا على جميع رجال الإكليروس، مؤكّدًا كرامة الزواج، وأن العزوبة ليست دعوة لجميع الناس، بل هي دعوة خاصة لبعضهم فقط.

باخوميوس الكبير

كان أوائل النسّاك المسيحيين يعيشون في عزلة تامة (نسك). لكن في بداية القرن الرابع، أسّس باخوميوس الكبير نمطًا جديدًا من الرهبنة، وهو الحياة الرهبانية الجماعية. في هذه الجماعات، كان يعيش نحو مئة راهب معًا تحت قيادة أب روحي يُدعى رئيس الدير (الأب). التزم الرهبان بنظام صارم يشمل الصلاة الجماعية، والصوم في أوقات محددة، والعمل اليدوي (غالبًا في الزراعة)، إلى جانب فترات طويلة من الصمت والتأمل. أُسّس أول دير من هذا النوع حوالي سنة 318م. كما أُنشئت أديرة للنساء، تحت قيادة ثيودورا الإسكندرية، التي هربت إلى الصحراء متنكرة في زيّ رجل لتلتحق بحياة الرهبنة. وكان بعض الزُهَّاد يعيشون في مجموعات صغيرة من 2 إلى 6 أشخاص، ويلتقون بغيرهم مرة أسبوعيًا.

مقاريوس الكبير

يُعدّ مقاريوس الكبير آخر شخصية كبرى في تاريخ الرهبنة المصرية المبكرة. وُلد في صعيد مصر حوالي سنة 300م. في شبابه، ترك العالم وذهب إلى الصحراء، وكان يعتاش من صنع سلال القش. في إحدى المرات، اتهمته امرأة حامل زورًا باغتصابها. اختار مقاريوس ألا يدافع عن نفسه، وقَبِلَ الإهانة بصمت. وعندما حان وقت الولادة، عانت المرأة من مخاض شديد، ولم تستطع أن تلد حتى اعترفت ببراءته. تجمّع الناس ليطلبوا منه الصفح، لكنه هرب إلى صحراء النطرون، حيث أسّس مركزًا رهبانيًا في وادي النطرون، الذي ما يزال حتى اليوم قلب الرهبنة القبطية في مصر.

إلى جانب الأناجيل، تأثرت الحركة الرهبانية أيضًا بالممارسات الزهدية لبعض المدارس الفلسفية اليونانية، مثل الفيثاغوريين، والكلبيين، والرواقيين، وكذلك ببعض أفكار المانوية.

انتشار الرهبنة في إفريقيا وخارجها

مقبرة قبطية في الصحراء الليبية (المصدر)
دير سانت كاترين

ويُعد دير سانت كاترين أقدم دير ما يزال قائمًا حتى اليوم، وقد أُسِّس سنة 565م عند سفح جبل سيناء، حيث تلقّى موسى من الله الوصايا العشر. وقد خُصِّص هذا الدير لـ كاترين الإسكندرانية، وهي شابة استشهدت في مطلع القرن الرابع. ويُحفَظ في دير سانت كاترين المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus)، وهو أقدم مخطوط كامل للكتاب المقدّس المسيحي.

عموديّين

في سوريا، ظهر نمط جديد يُعرف بـ العموديّين (Stylites)، وهم رهبان عاشوا فوق أعمدة حجرية، وكانوا يُنزَل إليهم الطعام في سلال بواسطة الحبال، ويخاطبون الناس الذين يأتون لسماع عظاتهم. مؤسس هذا التيار هو سمعان العمودي، الذي عاش فوق عمود لمدة 36 سنة، واشتهر بتبشيره القبائل العربية الرحّل في بادية الشام.

في شمال إفريقيا، أُسّست أديرة في الصحراء الليبية، ثم في نوميديا وموريتانيا. عاش أوغسطينوس أسقف هيبون عدة سنوات في جماعة رهبانية في بيت عائلته في طاغاست (سوق أهراس) قبل أن يصبح أسقفًا. وكانت أخته رئيسة لدير نسائي في هيبّون (عنابة).

في القرن الخامس، كان فولجينتيوس الرُّسبي، الذي قاوم العقيدة الأريوسية التي فرضها الوندال، راهبًا.

وفي القرن الحادي عشر، أصبح قسطنطين الإفريقي، وهو مسيحي من قرطاج وطبيب، رئيسًا لدير في إيطاليا، وترجم مؤلفات الطب العربي إلى اللاتينية، وكان له دور محوري في تطور الطب الأوروبي في العصور الوسطى. (المصدر)

تواضروس الثاني

ما تزال الرهبنة تلعب دورًا محوريًا في الكنيسة القبطية المصرية حتى يومنا هذا، خاصة في وادي النطرون. كان البابا تواضروس الثاني في الأصل راهبًا في أحد أديرة وادي النطرون، تمامًا مثل سلفه المؤثر البابا شنودة الثالث. ولا شك أن الحياة الرهبانية ساهمت بشكل كبير في بقاء الكنيسة القبطية وصمودها عبر قرون طويلة من الحكم الإسلامي.

اترك رد