Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة محمد المباركي
يؤكد عدد من الكُتّاب القدماء أن القرطاجيين كانوا يحرقون الأطفال حديثي الولادة على مذبح إلههم بعل وإلهتهم تانيت. وبينما كان هذا الرأي مقبولاً على نطاق واسع في الماضي، فإن بعض المؤرخين المعاصرين يشككون في أن هذه الممارسات كانت موجودة فعلاً في قرطاج، أو يعتقدون أنها كانت نادرة للغاية.

كانت مدينة صور، “المدينة الأم” لقرطاج، تمارس في بداياتها تقديم القرابين البشرية، وكذلك فعلت مدن فينيقية أخرى. لكن يبدو أن هذه الممارسة توقفت في صور في الفترة نفسها تقريباً التي تأسست فيها قرطاج.
وتوجد نظرية تقول إن هناك علاقة بين توقف تقديم القرابين البشرية في صور وتأسيس قرطاج. فحين قررت صور التوقف عن هذه الممارسات، غادرها المحافظون المتمسكون بها وأسّسوا قرطاج على الساحل الشمالي لأفريقيا. ويُحتمل أن أسطورة انتحار عليسة، الملكة المؤسسة الأسطورية لقرطاج، كانت في الأصل تضحية بالنفس لكسب رضا الآلهة على المدينة الجديدة. وربما كانت مكانة قرطاج الرفيعة مقارنةً بباقي المستعمرات الفينيقية ناتجة عن هذا الدور الديني، بصفتها مدينة مقدسة أسّستها امرأة ضحّت بنفسها. غير أن هذه النظرية، رغم ما فيها من تشويق، لا يمكن إثباتها بشكل قاطع.

وقد وصف عدد من الكُتّاب اليونانيين والرومان، مثل بلوتارخ وديودور الصقلي، ممارسات تقديم القرابين البشرية لدى القرطاجيين، لا سيما حرق الأطفال حديثي الولادة وهم أحياء خلال طقوس دينية. ومع ذلك، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن هؤلاء الكتّاب كانوا من أعداء قرطاج، وأن أعمالهم لا تخلو من الدعاية والتضليل. وهذا لا يعني بالضرورة أن القرابين البشرية لم تكن موجودة، لكن ربما كانت أقل شيوعاً بكثير مما تصوره رواياتهم.
أما توفاة في قلب مدينة قرطاج القديمة، فكان منطقة مقدسة مكرّسة لبعل وتانيت. وقد كشفت التنقيبات الأثرية فيه عن عدد كبير من الجرار الجنائزية التي تحتوي على بقايا أطفال، بعضهم من حديثي الولادة. كما وُجدت نقوش تشير إلى تقديم قرابين من الحيوانات أو الأطفال للآلهة (مولوخ)، لكن من غير المؤكد إن كانت هذه العروض تعني القتل فعلاً. ومن المحتمل أن توفاة كان مكاناً تُقدَّم فيه قرابين من الأطفال.
واقترح بعض الباحثين أن توفاة لم يكن معبداً للقرابين، بل مقبرة للأطفال الذين وُلدوا موتى أو ماتوا وفاة طبيعية. كما أن فحص بقايا الهياكل العظمية للأطفال لم يُظهر آثار عنف تشير إلى موتهم قتلاً.
أما انتحار الملك القرطاجي حملقار الأول بعد هزيمته في صقلية، فقد يُفهم على أنه صقلية من أشكال التضحية بالنفس لقلب موازين المعركة.

بعد الهزيمة النهائية لقرطاج، سلّم القائد القرطاجي الأخير، صدربعل البويتارخ، نفسه للرومان. لكن زوجته شتمته بسبب جبنه، ثم ذبحت أطفالها، وألقت بهم في معبد مشتعل، وألقت بنفسها في النار. وقد يُفهم هذا التصرف اليائس كتضحية طقسية تهدف إلى إنقاذ المدينة التي كانت على وشك السقوط. وربما استلهم فرجيل من هذا المشهد قصة انتحار عليسة في الإنيادة.
يقبل معظم الباحثين اليوم أن القرطاجيين كانوا يمارسون تقديم القرابين البشرية، بما في ذلك الأطفال. ومع ذلك، من المرجح أن مثل هذه التضحيات كانت نادرة للغاية، ومحصورة في أحلك الأزمات وأكثرها خطورة فقط.
