الفينيقيون في شمال إفريقيا, الفرس في شمال أفريقيا

الذهب الأحمر: الزعفران، زراعة ضاربة في القدم

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

يُعرَف الزعفران بلونه الأحمر وطعمه القوي، وهو من أشهر التوابل في شمال إفريقيا. وبما أنّه يُزرع ويُقطف كلّه يدويًا، فهو أغلى التوابل في العالم، ولذلك يُلقَّب بـ”الذهب الأحمر”. أصله من إيران، وقد أدخله الفينيقيون إلى شمال إفريقيا. واليوم يُعَدّ الزعفران المغربي، وخاصةً زعفران تالوين، من أجود الأنواع في العالم. وله حضور مهم في المطبخ المغربي التقليدي، إذ يمنح الكسكس والطاجين والحلويات لونًا ذهبيًا ورائحةً لطيفة.

الزعفران: زراعة قديمة

حصاد الزعفران – المصدر

يُستخرج الزعفران من زهرة تُعرَف باسم زهرة الزعفران. للحصول على التابل، تُنتَزع خيوطها الحمراء (المياسم) وتجفَّف بعناية.

وتتم عملية الجني تقليديًا باليد. وعند حلول الموسم، ما بين أكتوبر وديسمبر، يخرج الفلاحون—غالبًا النساء—مع بزوغ الفجر لقطف الأزهار قبل أن تتفتح بالكامل تحت أشعة الشمس، حفاظًا على جودة المياسم. ثم تُنتزَع المياسم الثلاثة لكل زهرة يدويًا، وتُجفَّف في الشمس ثلاثة إلى خمسة أيام. وتفقد المياسم نحو 80% من حجمها عند التجفيف: فمئة غرام من المياسم الطازجة تعطي نحو 20 غرامًا فقط من الزعفران الجاف. وبعد ذلك، يُحفَظ الزعفران بعيدًا عن الضوء والحرارة للحفاظ على جودته.

وفي المغرب، يتراوح سعر الغرام بين 35 و175 درهمًا، حسب الجودة. ويُعزى غلاؤه إلى طول عملية إنتاجه وصعوبتها: فإنتاج كيلوغرام واحد فقط من الزعفران قد يتطلب ما يصل إلى 40 ساعة من العمل اليدوي المرهق! كما أن الجزء المستعمل من النبتة هو فقط المياسم. ومع احتساب تقلّص حجمها بعد التجفيف، قد تحتاج من 150 إلى 200 زهرة للحصول على غرام واحد فقط من الزعفران الجاف.

الأصول

نبتة Crocus cartwrightianus، السلفُ المرجّح لزهرة الزعفران

يرجّح أن زهرة الزعفران ذات أصل يوناني، ربما من جزيرة كريت. ويُعتبر نوع من الزعافر يُسمّى Crocus cartwrightianus، المنتشر اليوم في اليونان، السلفَ الأقرب لزهرة الزعفران المستعملة حاليًا.

امرأة تجمع الزعفران، جدارية مينوية، كأنثيرا (سانتوريني)

وقد دُجِّنت هذه النبتة قبل نحو 3500 سنة على يد الحضارة المينوية في كريت. وتعود أقدم الرسوم التي تمثل الزعفران إلى القرن 16 أو 17 قبل الميلاد، في جداريات مينوية من كنوسوس وكأنثيرا (سانتوريني).

ومن اليونان، انتشر الزعفران في الشرق الأدنى، ثم في آسيا وصولًا إلى الهند. أما السومريون فكانوا يجمعون أزهار الزعفران البري، في حين كان الفراعنة يستوردون الزعفران من اليونان.

في تلك الحقبة القديمة، كان الإنسان يستخدم فقط زهرة الزعفران نفسها، دون أن يعرف بعد طريقة استخراج التابل منها. ولم يبدأ إنتاج الزعفران بوصفه تابلًا قائمًا على تجفيف مياسم الزهرة إلا في فترة متأخرة، حوالي سنة 1500 قبل الميلاد، في منطقة إيران الحالية، وربما بالتحديد في إقليم خراسان. ومع مرور الزمن، أصبح الزعفران شائعًا إلى درجة كبيرة داخل الإمبراطورية الفارسية القديمة، حتى غدا من أبرز المنتجات المرتبطة بالهوية الفارسية منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا. أمّا اسمه بالفارسية، «زَعْفَرَان»، فهو مشتق من الكلمة الأقدم «زَرپَرَان» التي تعني حرفيًا: “ذات الريش الذهبي”.

ونقله الفينيقيون عبر سفنهم التجارية إلى مختلف أنحاء المتوسط، ومنها إلى سواحل شمال إفريقيا، وخصوصًا قرطاج.

الاستخدام

كان الإغريق في العصر المينوي يستعملون الزعفران كعطر، وكمنتج تجميلي، وكذلك لصباغة الأقمشة، ولا يوجد ما يدلّ على أنهم استخدموه في الطبخ آنذاك. غير أنّ الأمر تغيّر لاحقًا، إذ أصبح الإغريق في العصر الكلاسيكي (القرنان الخامس والرابع قبل الميلاد) يستعملون الزعفران كتابل في الطعام، كما كانوا يضيفونه لتطييب النبيذ وتعطيره.

السومريون استعملوا الزعفران البري لصنع الأدوية والجرعات السحرية. أما الفينيقيون فطوّروا منه زيوتًا عطرية.

كان العبرانيون القدماء يستعملون الزعفران ضمن مكوّنات البخور الذي كان يُحرَق في هيكل القدس. ويصل ذكر الزعفران حتى إلى الكتاب المقدس، إذ يرد اسمه في «نشيد الأنشاد» المنسوب إلى النبي سليمان.

مستحضرات تجميل مصرية قائمة على الزعفران – المصدر

وفي مصر القديمة، حيث لم يكن يُزرَع بل يُستورد من اليونان، كان يُعتبَر منتجًا فاخرًا يُستخدم في صناعة العطور ومساحيق التجميل. كما استعمله الأطباء، وكان له حضور في بعض الطقوس الدينية. ولونه الذهبي كان يرمز لإله الشمس رع.

إنتاج الزعفران واستعماله في العصور الفارسية القديمة – صورة مُنشأة بواسطة Stable Diffusion Web
إمبراطور فارسي يحمل قَربانًا من الزعفران – المصدر

أما في الإمبراطورية الفارسية، فقد تنوّعت استخداماته كثيرًا. ففي المطبخ، استُخدم لتنكيه الأرز واللحوم وصنع الحلويات. وصُنعت منه عطور، ومواد تجميل، وأصباغ للشعر. وكان الملك داريوش يشتهر باستحمامه بالحليب الممزوج بالزعفران لتنعيم بشرته وتعطير جسده. كما اكتشفت الطبابة الفارسية مزاياه الصحية.

رهبان بوذيون يرتدون أردية بلون الزعفران

ومع أنّ استعمال الزعفران في الطقوس الدينية داخل المعابد كان موجودًا على الأرجح منذ فترات أقدم، فإنّه اكتسب مكانة خاصة في الديانة الرسمية للإمبراطورية الفارسية. فقد استخدمه الفرس القدماء قرابين لآلهتهم، كما استعملوه في مختلف المناسبات والاحتفالات، مثل عيد النوروز (رأس السنة الفارسية)، وكذلك في مراسم دفن موتاهم. وكان الكهنة يوظفونه في معابد النار ضمن الطقوس الدينية. كما كانت ملابسهم الطقسية تُصبغ بالزعفران، فتأخذ لونًا أصفر مائلًا إلى البرتقالي الزاهي، وهو لون كان يرمز إلى القداسة والطهارة والازدهار. ولا تزال هذه الدلالات حاضرة إلى اليوم في التقاليد البوذية والهندوسية والسيخية.

في قرطاج، كان القماش الأرجواني، وهو النسيج الرمزي للمدينة، يُمزَج أحيانًا بصبغة الزعفران.

كليوباترا تستحم بالزعفران – صورة مُنشأة بواسطة ChatGPT

كانت الملكة كليوباترا ملكة مصر مشهورة بحمّاماتها بالزعفران، حيث كانت تنقعه في الماء أو في حليب الفرس (حليب الفرسة) لاستخدامه في العناية ببشرتها وتحسين نضارة لونها. كما كانت تُقدّر خصائصه المنسوبة إلى زيادة الرغبة، ويُقال إنها كانت تستحم بالزعفران قبل لقاء أحد عشّاقها لتعزيز جاذبيتها وإثارة الشهوة.

في العالم الروماني، كان الزعفران يُعَدّ منتجًا فاخرًا يرمز إلى الثراء والبذخ. وكانت النخبة الرومانية تستخدمه في الطهي، وكذلك لتعطير الحمّامات والنبيذ. كما كان الرومان يستوردون كميات كبيرة من الزعفران لاستعماله في تعطير الأماكن العامة، مثل الحمّامات والمسارح.

زراعة الزعفران اليوم

أنواع مختلفة من الزعفران

لا يزال إيران المنتج الأول عالميًا للزعفران، بما يزيد عن 90% من الإنتاج العالمي، خصوصًا في خراسان. وتأتي أفغانستان في المرتبة الثانية (3–5%)، حيث يُروَّج للزعفران كبديل شرعي عن الأفيون. ثم الهند (نحو 2%) في كشمير. (المصدر)

بعد هذه الدول الآسيوية الثلاث، التي تمثّل وحدها أكثر من 95٪ من الإنتاج العالمي، تأتي ثلاث دول متوسطية—إسبانيا واليونان والمغرب—إذ يُنتج كلٌّ منها نحو 1٪ من الإنتاج العالمي للزعفران. وفي المغرب، يتركّز هذا الإنتاج أساسًا في الأطلس الكبير، ولا سيّما في محيط الجماعتين القرويتين تالوين (إقليم تارودانت) وتازناخت (إقليم ورزازات). (المصدر)

شيباكية مغربية

وعلى الرغم من أنّ إنتاج الزعفران في المغرب يبقى محدودًا على المستوى العالمي، فإنّ الزعفران المغربي مشهور بجودته العالية. فهو غالبًا ما يكون أفتح لونًا وأقلّ حدّة في النكهة، مع طعمٍ أكثر رقّة وزهريّة مقارنة بالزعفران الإيراني، مما يمنحه خصوصيةً مميّزة وتجربةً نكهية أكثر دقّةً ولطافة. (المصدر) ويُستخدم الزعفران المغربي على نطاق واسع في المطبخ المغربي، إذ يدخل ضمن مكوّنات العديد من الحلويات التقليدية، مثل البريوات والشيباكية.

اترك رد