Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English
ترجمة محمد المباركي
في القرن الخامس قبل الميلاد، خضعت قورينائية لفترة وجيزة لهيمنة الإمبراطورية الفارسية. ومنذ ذلك الحين، لاحظ بعض الباحثين ازدياد وجود عناصر طقسية جديدة مرتبطة بالنار في المعابد اليونانية في قورينة وبقية مدن المنطقة. وقد يكون ذلك نتيجة تأثير للعبادات الشرقية، وربما عبادة النار الرسمية في الإمبراطورية الفارسية.

كانت المزدائية، وهي الديانة الرسمية للإمبراطورية الفارسية، تتمحور حول عبادة النار المقدسة، باعتبارها رمزًا للتطهير. وفي “معابد النار”، كانت تُحافظ على نار مقدسة مشتعلة بشكل دائم. كما وُجدت عبادات أخرى للنار المقدسة في مناطق شرقية مختلفة. ولا تزال إحدى صور هذه الديانة، وهي الزرادشتية المستوحاة من تعاليم النبي الفارسي زرادشت، موجودة حتى اليوم في إيران.
وعلى عكس جارتها مصر، لم تخضع قورينائية للاحتلال الفارسي المباشر. فقد استمر ملوك قورينة في الحكم بصفة ملوك تابعين للفرس، الذين مارسوا هيمنة سياسية واقتصادية مرنة. ومن المرجّح أن النخبة اليونانية في قورينائية كانت على صلة بالبلاط الإمبراطوري الفارسي، وقد تأثرت بممارسات دينية فارسية. في الوقت نفسه، كان التجار الفرس، وربما حتى بعض الكهنة، يتنقّلون في قورينائية عبر مصر. وفي منطقة كانت دائمًا ملتقىً للحضارات ومنفتحة على تنوع الأفكار الدينية والفلسفية، وجدت عبادات النار المقدسة الشرقية مكانًا لها بسهولة.
ورغم ذلك، فإن وجود مزدائي مباشر في قورينائية يبدو غير مرجّح، إذ لم يُعثر حتى اليوم على أي “معبد نار” في ليبيا. غير أن أبحاثًا حديثة أظهرت أن عددًا من العناصر الطقسية المرتبطة بالنار أو الضوء بدأت في الظهور خلال تلك الحقبة. فقد لاحظ البروفيسور روبرت ج. غودتشايلد، أحد رواد علم الآثار في قورينائية، أن الترتيبات المعمارية المرتبطة بالنار الطقسية، مثل المواقد أو المذابح الدائرية في بعض المزارات، قد تعكس عبادات ذات رمزية ضوئية أو تطهيرية قوية (راجع مقاله مزار أبولون في قورينة في مجلة الدراسات الليبية). وفي أبولونيا، تتميّز بعض المعابد حتى بتصميم داخلي يسمح بالحفاظ على نار مشتعلة بشكل دائم.
ولا تُعد هذه الاستخدامات الطقسية للنار من الممارسات الشائعة في الديانة اليونانية الكلاسيكية، مما يشير إلى تأثير تزامني لعبادات شرقية، وربما للمزدائية الفارسية، على الديانة اليونانية التقليدية.
