الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

هبة ماسينيسّا من القمح إلى جزيرة يونانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

خلال فترة حكمه، طور ماسينيسا الإنتاج الزراعي في نوميديا بشكل كبير. وفي عام 179 قبل الميلاد، تبرع بمئة طن من القمح إلى جزيرة ديلوس اليونانية.

أنشأ ماسينيسا خلال حكمه نظاماً من المزارع الملكية الكبرى التي كانت تنتج القمح على نطاق واسع. وساهمت هذه السياسة، إضافة إلى تعزيز ثراء المملكة، في تثبيت السكان وجعلهم أكثر استقراراً. وقد مكّن فائض الإنتاج نوميديا من تصدير القمح إلى روما، خصوصاً لتزويد الجيش الروماني، حتى أصبحت شمال إفريقيا لاحقاً مخزناً رئيسياً للقمح للإمبراطورية الرومانية.

ديلوس بأرخبيل السيكلادس

تعد ديلوس جزيرة يونانية ضمن أرخبيل اللسيكلادس، وكانت مقدسة عند الإغريق لاعتبارها موطناً لولادة الإلهين أبولو وأرتميس. وفي عهد ماسينيسا، كانت الجزيرة مستقلة بعد أن كانت تحت سيطرة أثينا. وكحال كثير من المدن الساحلية الصغيرة، لم تكن ديلوس قادرة على إنتاج ما يكفي من القمح لسكانها، فاضطرت لاستيراده (المصدر)، وكان ميناؤها مركزاً لتوزيع القمح إلى الجزر المجاورة.

وفي عام 179 قبل الميلاد، منح ماسينيسا الدليين أكثر من 100 طن من القمح. وكان هذا التبرع خطوة استراتيجية لنوميديا لتصريف فائض الإنتاج، وكذا تعزيز مكانتها كشريك تجاري موثوق للعالم اليوناني. ولم يكن هذا العمل هبة إنسانية لتفادي المجاعة، كما يزعم البعض، بل كان جزءاً من سياسات التجارة والدبلوماسية التي اعتمدها الملك، حيث زوّدت نوميديا الجزيرة بالقمح بلا مقابل، وفي المقابل أقامت روابط تجارية متميزة مع العالم اليوناني.

قاعدة تمثال ماسينيسّا، بمتحف ديلوس (المصدر)

تخليدا لهذا العطاء، أقام الدليون نصباً تذكارياً تكريماً لماسينيسا. احتوى على تمثال له، ضاع التمثال نفسه، إلا أن القاعدة ما زالت موجودة وتحمل النقش: “[β]ασιλέα Μασαννά[σαν] βασιλέως Γαία ‘Ερμων Σόλωνος τὸν αὑτοῦ φίλον Ἀπόλλωνι. Πολιάνθης ἐπόει.” وترجمته: “كرّس هيرمون ابن سولون التمثال للملك ماساناسا ابن الملك غايا، صديقه، للإله أبولو. صنعه بوليانثيس.” كان هيرمون ابن سولون من كبار الدليين، وبوليانثيس نحات مشهور في الجزيرة.

كما وثقت نقوش أخرى على الجرار توزيع القمح بأسعار مخفضة لسكان ديلوس والجزر المجاورة تحت إشراف لجنة من ثلاثة رجال، بينهم هيرمون. وتفيد بعض النقوش أن جزءاً من القمح وصل حتى جزيرة رودس.

(المصدر)

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

دور ماسينيسا خلال الحروب المقدونية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

ابتداءً من عهد ماسينيسا، كانت مملكة نوميديا حليفًا وفيًا لروما. وقد شاركت الفرسان النوميديون المشهورون، الذين كانت تخشاهم كل الشعوب في العالم القديم، في حروب عديدة إلى جانب الجيش الروماني. شارك ماسينيسا بشكل خاص في الحرب بين الرومان ومملكة مقدونيا، مساهِمًا بذلك في الفتح الروماني لليونان.

حوض البحر الأبيض المتوسط خلال 218 ق.م

السياق العام

منذ فتوحات الإسكندر الأكبر، أصبحت اليونان الحضارة المهيمنة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت اللغة اليونانية اللغة المشتركة في المنطقة كلها.

في القرن الثالث قبل الميلاد، هيمنت ثلاث قوى كبرى، نتاج تقسيم إمبراطورية الإسكندر، على العالم الهلنستي، مملكة مقدونيا تحت حكم السلالة الأنتيغونية، مصر البطلمية، الإمبراطورية السلوقية في سوريا. وإلى جانب هذه القوى الكبرى، استمرت ممالك يونانية أصغر مثل سرقوسة في صقلية، ومملكة برغامون في آسيا الصغرى، وجزيرة رودس.

الحروب بين روما واليونانيين

خاضت روما عدة حروب ضد الممالك اليونانية المختلفة، مما سمح لها بتوسيع نفوذها في شرق البحر المتوسط، بينما كانت الحروب البونيقية تعزز هيمنتها على غرب المتوسط.

قطعة نقدية تحمل صورة الملك المقدوني فيليب الخامس

خلال الحرب البونيقية الثانية، تحالف الملك فيليب الخامس مع حنبعل. عندها أرسلت روما جيشًا لمهاجمة السواحل المقدونية: فاندلعت الحرب المقدونية الأولى. لم يكن هدف الرومان احتلال مقدونيا، بل فقط شغل فيليب الخامس في بلاده ومنعه من مساعدة حنبعل.

بعد ذلك، شنّ الرومان ثلاث حروب أخرى ضد مملكة مقدونيا (200–196، 171–168، و150–148) وحربًا واحدة ضد الإمبراطورية السلوقية (192–188) التي استعانت بحنبعل كمستشار عسكري. وغالبًا ما كانوا يقاتلون إلى جانب حلفائهم المحليين مثل برغامون ورودس. بعد كل انتصار، كانوا ينسحبون، إذ لم يكونوا بعد مستعدين لاحتلال أراضٍ جديدة.

وخلال الحرب المقدونية الثالثة (171-168)، تلقى الرومان الدعم من حليفهم الجديد: نوميديا بقيادة الملك ماسينيسا.

دور ماسينيسا في الحرب المقدونية الثالثة

ماسينيسا، ملك نوميديا
قطعة نقدية تحمل صورة برسيوس المقدوني

بعد وفاة فيليب الخامس سنة 179، انتهج ابنه برسيوس سياسة عدائية تجاه جيرانه، سعيًا إلى استعادة قوة مملكته السابقة. وحين حاول اغتيال الملك أومنيس الثاني من برغامون، وهو حليف لروما، أعلن مجلس الشيوخ الروماني الحرب على مقدونيا.

وشاركت نوميديا في تلك الحرب إلى جانب حلفائها الرومان: إذ أرسل ماسينيسا فرقة من فرسان النوميديين إلى مقدونيا بقيادة ابنه ميسايين.

قائد فرسان نوميدي (المصدر)

لم يُعرف ميسايين كما عُرف إخوته: إذ لم يُذكر بعد حملته في مقدونيا، ما يدل على أنه توفي على الأرجح بعد وقت قصير. ولذلك لم يخلف والده على العرش، لأنه مات قبله. ومع ذلك، أظهر اشتراكه ضد برسيوس في مقدونيا أنه كان وارثًا جديرًا بمجد ملك نوميديا العظيم. وقد قدّم فرسانه النوميديون خدمات عظيمة لحلفائهم بفضل سرعتهم، وخفتهم، وكفاءة مناوشاتهم.

ولم يقتصر دور النوميديين على القتال، بل زوّدوا الجيش الروماني أيضًا بالمؤن، خاصة القمح الذي كانوا يزرعونه بكثرة.

أما معركة بيدنا، المعركة الحاسمة التي فصلت في نتيجة الحرب، فقد دارت رحاها مواجهةً مباشرة بين الفالانكس المقدونية والفيالق الرومانية. وفي مثل هذا المشهد، ضاق مجال دور الفرسان النوميديين. ومع ذلك، ساهموا في النصر الروماني ككشافة، ولحقوا بالفارين المقدونيين لمنعهم من إعادة التجمّع.

وبعد النصر، قُسّمت مقدونيا إلى أربع ممالك تابعة لروما. وعاد الجنود النوميديون إلى إفريقيا بحرًا، لكن عاصفة بعثرت سفنهم وأغرقت بعضها. أما ميسايين نفسه، أصيب بالمرض، فلجأ إلى بروندسيوم (برينديزي) في أبوليا، حيث استقبله القسطور سترتينيُس استقبالًا كريمًا، وأهداه هدايا ووفّر له مسكنًا.

تكريم ماسينيسا وأبنائه

نص النقش (المصدر)

كان لدور الفرسان النوميديين في النصر الروماني من الأهمية ما دفع إلى تشييد نصب تكريمي لأبناء ماسينيسا في جزيرة ديلوس اليونانية. وضاع النصب، غير أن قاعدته حُفظت. وذكر نقش غير كامل اسم غلوسا، وهو ابن آخر لماسينيسا، تولّى قيادة الجيش النوميدي خلال الحرب البونيقية الثالثة. وجاء اسمه ثانيًا بعد اسم مفقود، يُرجَّح أنه اسم أخيه ميسايين، قائد الفرسان النوميديين في مقدونيا. ولو صح ذلك، لكان غلوسا قد خدم تحت إمرة أخيه الأكبر، وهي خبرة نافعة لدوره المستقبلي كقائد للجيش النوميدي بعد وفاة أخيه.

وربما احتوى النصب على تمثال للعائلة الملكية النوميدية – ماسينيسا وابنيه – أهداه شعب ديلوس. (المصدر)

نصب إيميليوس باولوس في دلفي

وتذكر بعض المصادر على الإنترنت أنّ تمثالًا لميسايين أقيم أيضًا في معبد أبولون بدلفي، أحد أرقى مواقع اليونان القديمة، مرفقًا بنقش يقول: “كرّم الأمفيكتيون في دلفي ميسايين بن ماسينيسا اعترافًا بخدماته العسكرية.” غير أنّ مثل هذا النقش لم يُعثر عليه. وذكر المؤرخ الروماني بلوتارخ أن إيميليوس باولوس، قائد الجيش الروماني في مقدونيا، أقام تمثالًا لنفسه في دلفي على عمود من رخام أبيض كان قد أُعد أصلًا لتمثال برسيوس عدوه. ويبدو أن الاعتقاد الخاطئ بوجود تمثال لميسايين في دلفي نشأ من الخلط بين تمثال إيميليوس باولوس ونصب ديلوس.

عقب ذلك

قطعة نقدية تحمل صورة أندريسكوس

دارت الحرب المقدونية الرابعة (150-148) بالتزامن مع الحرب البونيقية الثالثة، ضد أندريسكوس، وهو مغتصب للعرش حاول استعادة المملكة المقدونية. ولم تشارك نوميديا مباشرة في تلك الحرب، غير أن قتالها ضد قرطاج مكّن الرومان من تحرير قوات لزجها في مقدونيا.

وهذه المرة، بعد النصر، استولى الرومان على مقدونيا تمامًا. وبعد عامين، سنة 146، وحين فرغوا من تدمير قرطاج، حشدوا جيوشهم ضد الرابطة الآخية، وهي اتحاد لمدن اليونان الجنوبية. ومنحهم النصر في معركة كورنث سيطرة كاملة على اليونان، بالتوازي مع سيطرتهم على أراضي قرطاج السابقة في إفريقيا.

شمال إفريقيا الرومانية

قَرَقَلَّة: الإمبراطور الشمولي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

كان قَرَقَلَّة إمبراطورًا رومانيًا أصل أمازيغي من شمال إفريقيا من جهة والده، وأصل عربي من سوريا من جهة والدته. وُلد في لوغدونوم (ليون) في بلاد الغال، وتوّج إمبراطورًا في بريطانيا الرومانية. ومثل إمبراطوره، كانت الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت أكثر تنوعًا من أي وقت مضى. لذلك، لم يكن مستغربًا أن يمنح قَرَقَلَّة، لأول مرة، الجنسية الرومانية لجميع الرجال الأحرار في الإمبراطورية، بغضّ النظر عن أصولهم.

الأصول وتولّي الحكم

لوحة العائلة الإمبراطورية: سيبتيموس سيفيروس وجوليا دومنا، مع ابنيهما قَرَقَلَّة وغيتا (وقد مُحي وجه غيتا بعد وفاته)

كان لوسيوس سيبتيميوس باسيانوس، المعروف باسم قَرَقَلَّة، الابن البكر لسيبتيموس سيفيروس، أول إمبراطور روماني من أصول شمال إفريقية. أما والدته، الإمبراطورة جوليا دومنا، فكانت من أصول عربية، وتنتمي إلى السلالة الملكية لإيميسا (حمص) في سوريا. وُلد سنة 188 في لوغدونوم (ليون الحالية)، حينما كان والده حاكمًا لبلاد الغال. لقب ” قَرَقَلَّة” جاء من السترة ذات القُبّة ذات الأصل الغالي التي كان يفضل ارتداءها وساهم في نشرها.

تنوع أصوله يعكس طبيعة الإمبراطورية الرومانية آنذاك: إقليم شاسع متعدد الثقافات، تعيش فيه شعوب من مختلف الخلفيات.

في سن العاشرة تقريبًا، بدأ قَرَقَلَّة الحكم كإمبراطور مشارك إلى جانب والده، ومعه أخوه الأصغر غيتا.

توفي سيبتيموس سيفيروس سنة 211، في بريطانيا، خلال حملة عسكرية لغزو كاليدونيا (اسكتلندا الحالية). تولّى ابناه قَرَقَلَّة وغيتا الحكم من بعده. في البداية، عقدا اتفاق سلام مع الكاليدونيين. ورغم أن والدهما أراد لهما أن يحكما معًا، إلا أن الأخوين لم يتمكنا من تقاسم السلطة. وفي النهاية، أمر قَرَقَلَّة باغتيال غيتا ليحكم وحده.

المواطَنة للجميع

قَرَقَلَّة

قبل عهد قَرَقَلَّة، لم يكن يتمتع بالجنسية الرومانية سوى أقل من 10% من سكان الإمبراطورية، وكان ذلك الامتياز محصورًا في سكان إيطاليا، والمستعمرات الرومانية، ونخبة قليلة من وجهاء الأقاليم. أما الغالبية الساحقة من سكان الأقاليم، فلم تكن لهم حقوق مدنية.

 قَرَقَلَّة، ابن الأقاليم من الطرفين، كان يؤمن بأن الجنسية الرومانية لا يجب أن ترتبط بالأصل أو بالانتماء العرقي. والده، بصفته أول إمبراطور من أصل غير إيطالي، كان قد بدأ فعليًا بدمج أبناء الأقاليم في الإدارة الإمبراطورية. ومنذ بداية حكمه، سنة 212، سنّ قَرَقَلَّة قانونًا ثوريًا يمنح الجنسية الرومانية لكل الرجال الأحرار في الإمبراطورية.

وقد لقي هذا القرار ترحيبًا واسعًا في شمال إفريقيا، وسوريا، وبلاد الغال، وهي أقاليم والديه ومسقط رأسه، وتُعتبر من أكثر أقاليم الإمبراطورية اندماجًا في النمط الروماني.

نظر المؤرخون الرومان المنتمون إلى النخبة اللاتينية التقليدية، إلى هذه الخطوة بتشكّك، واعتبروا أن هدف قَرَقَلَّة الأساسي كان توسيع قاعدة دافعي الضرائب. لكن يبدو أنه كان مقتنعًا بأن سكان الأقاليم من مختلف الأصول يستحقون الاعتراف بهم كشركاء متساوين للرومان.

إمبراطور ذو نظرة شمولية

بعد إقراره إصلاح المواطَنة، غادر قَرَقَلَّة روما متوجهًا إلى حملة عسكرية ضد القبائل الجرمانية. ولم يعد إلى العاصمة الإمبراطورية أبدًا.

بعد انتصاره على الجرمان، بدأ جولة واسعة عبر أقاليم إمبراطوريته الشاسعة. وفي سنة 215، وصل إلى الإسكندرية بمصر، حيث قدّم احترامه للإله سيرابيس، الحامي الرئيسي للمدينة. وقد كان قَرَقَلَّة يكنّ احترامًا كبيرًا لسيرابيس طوال حياته، إذ قام في شبابه، حينما كان لا يزال إمبراطورًا مشاركًا، بتجديد معبد سيرابيس في الإسكندرية (السرابيوم). لاحقًا، أمر بسكّ عملات تحمل صورته على وجه، وسيرابيس على الوجه الآخر.

عملة – الوجه الخلفي: سيرابيس (المصدر)
عملة – الوجه الأمامي: رأس قرقلا (المصدر)

بدا أن قَرَقَلَّة كان يطمح إلى أن يجعل من سيرابيس الإله الحامي للإمبراطورية الرومانية. ووفقًا للفكر الديني في العالم القديم، فإن إمبراطورية عالمية تحتاج إلى إله عالمي. وليس المقصود هنا إلهًا واحدًا بالمعنى التوحيدي، بل إلهًا جامعًا للشعوب المختلفة. وكان سيرابيس، بكونه مزيجًا من المعتقدات اليونانية والمصرية، يبدو مناسبًا لهذا الدور.

غير أن سكان الإسكندرية لم يتأثروا برمزية هذه المبادرة. فقد كانوا لا يزالون يحملون له الضغينة بسبب قتله لأخيه وجرائم أخرى. فردّ قَرَقَلَّة على ذلك بإرسال جيشه لنهب المدينة وذبح سكانها لعدة أيام.

بعد ذلك، توجّه إلى أنطاكية في سوريا، حيث بدأ التحضير لحملة عسكرية ضد الفرس. وقد طلب يد ابنة الإمبراطور الفارسي للزواج، بهدف توحيد الإمبراطوريتين. ولما رفض الإمبراطور الفارسي، استغل قَرَقَلَّة ذلك كذريعة لشن الحرب عليه.

الوفاة والخلافة

في الثامن من أبريل سنة 217، وأثناء الحملة الفارسية، طُعن قَرَقَلَّة بسكين من قبل جندي أثناء توقفه لقضاء حاجته. فتولى الحكم مكانه القائد الأعلى للحرس، ماكرينوس، الذي كان هو الآخر من أصل شمال إفريقي.

دعمت العائلة الإمبراطورية المعزولة إيل جبل، ابن إحدى قريبات قَرَقَلَّة، والذي زعمت والدته أنه الابن غير الشرعي للإمبراطور الراحل. ومع أن معظم المؤرخين المعاصرين يشككون في ذلك. فقد تم قتل ماكرينوس، وتولى إيل جبل الحكم بعده.

الممالك الأمازيغية قبل الغزو الروماني

حرباص وميثراداتس: تحالف مضاد لروما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

في الزمن الذي بدأت فيه الطموحات الإمبريالية الرومانية تتعاظم، برز ملك من ملوك الأناضول يُدعى ميثراداتس ليقاوم الزحف الروماني نحو آسيا. وفي أقصى الغرب الإفريقي، في مملكة نوميديا، ظهر زعيم غامض يُدعى حرباص، انقلب على الملك الشرعي، وتحالف مع ميثراداتس في محاولة مشتركة للتصدي للتوسع الروماني.

السياق العام

 خريطة التوسّع الروماني – المصدر

شكّلت الحروب البونيقية بداية التوسع الإمبراطوري الروماني، حيث سيطرت روما على صقلية بعد الحرب البونيقية الأولى، ثم على إسبانيا بعد الحرب البونيقية الثانية، وأخيراً على إفريقيا (تونس الحالية) بعد الحرب البونيقية الثالثة. وفي ذات الحقبة، بسطت روما نفوذها على بلاد اليونان بعد انتصارها في معركة كورنث، شهورا قليلة عقب سقوط قرطاج. وهكذا امتدت هيمنتها حتى آسيا (تركيا المعاصرة).

كان ميثراداتس السادس (يوباتور)، ملك البنطس الطموح (وهي منطقة في شمال تركيا الحالية)، من أشد أعداء روما. خاض ثلاث حروب متتالية في مسعى للتصدي لتوسعها في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

ميثراداتس: عدو روما اللدود

ميثراداتس

كان ميثراداتس السادس ملكاً ذا أصل فارسي وثقافة هلنستية. اسمه يعني “عطية ميثرا”، وهو إله الشمس الفارسي، أما لقبه الإغريقي يوباتور فيعني “من أب النبيل”. وُلد سنة 135 ق.م في مدينة سينوب (بتركيا حاليا).

كان أبوه قد مات مسمومًا، وذاع صيت ميثراداتس بسبب عادته في أخذ جرعات صغيرة منتظمة من الزرنيخ ليحصن نفسه ضد محاولات التسميم، وهي طريقة تعرف اليوم بـ”الميثريداتية”، و من المفارقات أن محاولة انتحاره بعد هزيمته باءت بالفشل بسبب مناعته للسم.

خريطة: مملكة وفتوحات ميثراداتس السادس المتعاقبة
البنفسجي الداكن: مملكة بونت قبل ميثراداتس السادس
البنفسجي الفاتح: فتوحات ميثراداتس السادس
الأخضر: مملكة أرمينيا، حليف ميثراداتس السادس

بعد استقراره على العرش، طمح ميثراداتس إلى جعل مملكته القوة المهيمنة في الأناضول ومنطقة البحر الأسود، وهناك كان أول صدام له مع الجمهورية الرومانية التي كانت تسعى أيضًا لتوسيع نفوذها في آسيا.

في عام 89 قبل الميلاد، استغل ميثراداتس  انشغال روما بالحرب الاجتماعية في إيطاليا ليشن حربًا على جاره الملك نيكوميدس من بيثينيا، الحليف الروماني. وبعد انتصاره، أمر بمذبحة للمستوطنين الرومان والإيطاليين في الأناضول. وانضم إليه اليونانيون، الذين فرحوا بوجود ملك قادر على تحدي روما، واستقبلوا جيشه في اليونان.

عملة ذهبية تحمل صورة ميثراداتس

أرسلت روما جيشًا بقيادة الجنرال سولا لمحاربة ميثراداتس. انتهت الحرب الأولى بين ميثراداتس والرومان (88-84 ق.م) برفض سولا لميثراداتس من اليونان، لكنه أبقى سيطرته على الأناضول. أما الحرب الثانية (83-81 ق.م) فقد انتهت بانتصار ميثراداتس ، لكن الحرب الثالثة، التي كانت الأطول (73-63 ق.م)، انتهت بهزيمته النهائية على يد الجيش الروماني بقيادة بومبيوس (المنافس المستقبلي ليوليوس قيصر) في معركة ليكوس عام 65 ق.م.

بعد هزيمته، فرَّ ميثراداتس إلى القرم، وفي السنة التالية حاول شن هجوم جديد على روما. وعندما رفض ابنه ماكارس، الذي كان قد عينه ملكًا على البوسفور، مساعدته، أمر بقتله. وفي عام 63 ق.م، تمرد ابنه الآخر فارناك عليه. فتراجع ميثراداتس إلى قلعة بانتكابايوم في القرم، وهناك انتحر بعد فشل محاولته التسمم، فقتل نفسه بالسيف.

حرباص: الحليف الإفريقي لميثراداتس

في هذه الحقبة، كانت نوميديا مملكة تابعة لروما، تحكمها نسُل ماسينيسا.

عملات نقدية تحمل صورة حرباص (غير مؤكدة)  – المصدر

حوالي عام 88 ق.م، أطاح حرباص بالملك هيمبسال (ابن جاودا، أخ يوغرطة) وحكم بدلًا منه. أما أصول حرباص فغير واضحة؛ فبعض المصادر تذكره كزعيم قبيلة الماكسيطاني، وبعضها الآخر تصفُه كأخ هيمبسال، ولكن من المرجح أنه لم يكن من العائلة الملكية. وربما كان من أصل جيتولي، فقد وصفه الشاعر الروماني فيرجيل في الـ”لإنياذة” بأنه جيتولي.

وأثناء الحرب الأهلية التي اندلعت بين ماريوس وسولا في روما، دعم ماريوس وأنصاره حرباص، في حين وقف سولا إلى جانب هيمبسال.

يذكر المؤرخ اليوناني الروماني أبيان، الذي كتب عن حروب ميثراداتس، أن ميثراداتس أرسل ضابطًا يُدعى هرقليد إلى نوميديا للتفاوض على تحالف مع حرباص، لتشكيل جبهة موحدة لمقاومة التوسع الروماني. وامتد تحالفهم ليشمل سيرتوريوس، قائد ثورة ضد روما في إسبانيا. وكانت هذه التحالفات مجرد مواقف مؤقتة، إذ لم تكن هناك أية أواصر أيديولوجية بين القادة الثلاثة.

قطعة نقدية تحمل صورة سرتوريوس

كانت الجبهة المضادة للرومان بين ميثراداتس وهيامبسل وسيرتورياس قصيرة العمر، وبعد انتصاره في روما، أرسل سولا جيشًا بقيادة بومبيوس لاستعادة هيامبسل ملكًا على نوميديا. ولا يُعرف مصير حرباص بعد ذلك. واصل سيرتورياس حربه ضد الرومان في إسبانيا لما يقرب من عقد من الزمن بدعم من ميثراداتس  والمصارع الثائر سبارتاكوس، حتى قُتل.

لم يُكتب كثير عن شخصية حرباص في تلك الحقبة، لكن تحالفه مع ميثراداتس يدل على أنه لم يكن مجرد مغتصب للعرش، بل كان قائدًا لمقاومة نوميدية ضد الهيمنة الرومانية وضد الملوك النوميديين الذين خضعوا لروما. وبعد حوالي عشرين عامًا من ثورة يوغرطة، ظلت ذكراه حاضرة، وكان من المؤكد أن كثيرًا من النوميديين ما زالوا يطمحون للعيش أحرارًا بعيدًا عن سلطة القانون الروماني.