المسيحية في شمال افريقيا

آباء الصحراء: أوائل المسيحيين الرهبان

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة فادي حفيظي

في الفترة التي بدأ فيها المسيحية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في المجتمع الروماني، قرر بعض المؤمنين، الذين خاب أملهم من نزعة الكنيسة إلى الدنيا، الانسحاب إلى الصحراء بحثًا عن حياة روحية أكثر صفاءً. كانوا يعيشون بعيدًا عن المجتمع، فرادى أو في جماعات، وينصرفون إلى الصلاة والتأمل. وقد وُلد هذا التيار في مصر، ثم انتشر في جميع أنحاء شمال أفريقيا وفي سائر أنحاء العالم الروماني.

الروّاد

دير القديس بولس، المشيَّد فوق المغارة التي عاش فيها بولس الطيبي

ظهر أوائل النُّسّاك المسيحيين في صحراء مصر. كانوا يعيشون حياة عزلة وفقر اختياري، مكرّسين وقتهم للصلاة. ويُعرفون بـ آباء الصحراء.

بولس الطيبي

وُلِد بولس الطيبي حوالي سنة 227م في منطقة الطيبة. وبعد وفاة والديه، قام زوج أخته بالإبلاغ عنه لدى السلطات الرومانية بوصفه مسيحيًا، طمعًا في الاستحواذ على نصيبه من الميراث. فهرب بولس إلى الصحراء نحو سنة 250م، أثناء الاضطهاد. عاش في مغارة وسط الصحراء، لا يقتات إلا من ثمار نخلة قريبة، ولا يلبس إلا من خوصها. وقد استمر على هذه الحال ما يقرب من مئة سنة؛ ويُقال إنه مات عن عمر ناهز 113 عامًا! وخلال حياته، اقتدى به آخرون.

أيقونة قبطية لأنطونيوس الكبير

وإذا كان بولس الطيبي هو أول آباء الصحراء، فإن الشخصية الأكثر تأثيرًا في هذا التيار هي أنطونيوس الكبير. وُلد حوالي سنة 250م في قمن العروس في صعيد مصر، في أسرة مسيحية ثرية. وكان في نحو العشرين عندما تُوفِّي والداه. وبعد ذلك بقليل تأثّر بقول المسيح: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلَاكَ، وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَعَالَ اتْبَعْنِي.» فقرّر أن يبيع كل ميراثه، ويوزّع المال على الفقراء، ثم ينطلق ليقضي بقية حياته في الصحراء. وبحسب إحدى الروايات، كان غراب يأتيه بالخبز يوميًا. كما تروي روايات عديدة أنواع التجارب التي تعرّض لها والمعجزات التي نُسبت إليه. وقد خرج من عزلته فترة قصيرة سنة 338م متوجّهًا إلى الإسكندرية للمساهمة في مكافحة بدعة الأريوسية. وكتب الأسقف أثناسيوس الإسكندري، الذي كان يُعجب به كثيرًا، سيرةً عن حياته. وقد تُوفّي أنطونيوس عن عمر بلغ 105 سنوات.

صورة للأب الصحراء أونوفريوس

خلال حياة أنطونيوس الكبير، كان المجتمع الروماني يمرّ بتغيّرات عميقة. عندما دخل أنطونيوس إلى الصحراء، كانت المسيحية ما تزال دينًا محظورًا رسميًا، وكان المسيحيون يتعرّضون لاضطهاد عنيف في عهد الإمبراطور دقلديانوس. لكن في سنة 312م تغيّر الوضع جذريًا، إذ اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الكنيسة مرتبطة بمؤسسات الدولة الرومانية، وبدأت تكتسب نفوذًا وثروة. بدأت جموع كبيرة من الناس، كثير منهم غير متعمّقين في الإيمان، بالتوافد إلى الكنائس. في المقابل، شعر عدد من الشباب بأن روح المسيحية الأصيلة بدأت تضيع وسط الثراء والسلطة، فتأثروا بمثال أنطونيوس وغيره، وتركوا المدن والكنائس المزدحمة، وذهبوا إلى الصحراء بحثًا عن حياة مسيحية حقيقية. ورغم أن كثيرين منهم كانوا أغنياء، إلا أنهم تخلّوا عن ثرواتهم استجابة لنداء المسيح.

سينكليتيكا الإسكندرية

لم تقتصر هذه الحركة على الرجال فقط، بل شاركت فيها النساء أيضًا. وأشهر أمّ من أمهات الصحراء كانت سينكليتيكا الإسكندرية. كانت في الأصل من مقدونيا، وتنتمي إلى عائلة نبيلة ثرية، وكان مصدر ثروتها تأجير السفن التجارية. بعد وفاة والديها، وزّعت أموالها على الفقراء، وقصّت شعرها، وانتقلت لتعيش في غرفة صغيرة خارج مدينة الإسكندرية مع أختها العمياء. مع مرور الوقت، بدأت نساء شابات أخريات بالاستقرار بالقرب منها، متأثرات بتعاليمها وحكمتها، فتكوّن حولها تجمع نسائي رهباني.

بافنوتيوس الطيبى

كان بافنوتيوس الطيبى أحد تلاميذ أنطونيوس الكبير. عاش راهبًا في الصحراء لسنوات عديدة قبل أن يصبح أسقفًا على طيبة. وقد تعرّض للاضطهاد في عهد الإمبراطور مكسيمينوس دايا، فتعذّب من أجل إيمانه: فَقَد عينه اليسرى، وقُطِع وتر قدمه اليمنى. وبعد ذلك شارك في مجمع نيقية، حيث كرّمه الإمبراطور قسطنطين وجميع الحاضرين بسبب ما تحمّله من عذابات من أجل اسم المسيح. وقد عارض أيضًا رغبة بعض الأساقفة في فرض العزوبة إلزاميًا على جميع رجال الإكليروس، مؤكّدًا كرامة الزواج، وأن العزوبة ليست دعوة لجميع الناس، بل هي دعوة خاصة لبعضهم فقط.

باخوميوس الكبير

كان أوائل النسّاك المسيحيين يعيشون في عزلة تامة (نسك). لكن في بداية القرن الرابع، أسّس باخوميوس الكبير نمطًا جديدًا من الرهبنة، وهو الحياة الرهبانية الجماعية. في هذه الجماعات، كان يعيش نحو مئة راهب معًا تحت قيادة أب روحي يُدعى رئيس الدير (الأب). التزم الرهبان بنظام صارم يشمل الصلاة الجماعية، والصوم في أوقات محددة، والعمل اليدوي (غالبًا في الزراعة)، إلى جانب فترات طويلة من الصمت والتأمل. أُسّس أول دير من هذا النوع حوالي سنة 318م. كما أُنشئت أديرة للنساء، تحت قيادة ثيودورا الإسكندرية، التي هربت إلى الصحراء متنكرة في زيّ رجل لتلتحق بحياة الرهبنة. وكان بعض الزُهَّاد يعيشون في مجموعات صغيرة من 2 إلى 6 أشخاص، ويلتقون بغيرهم مرة أسبوعيًا.

مقاريوس الكبير

يُعدّ مقاريوس الكبير آخر شخصية كبرى في تاريخ الرهبنة المصرية المبكرة. وُلد في صعيد مصر حوالي سنة 300م. في شبابه، ترك العالم وذهب إلى الصحراء، وكان يعتاش من صنع سلال القش. في إحدى المرات، اتهمته امرأة حامل زورًا باغتصابها. اختار مقاريوس ألا يدافع عن نفسه، وقَبِلَ الإهانة بصمت. وعندما حان وقت الولادة، عانت المرأة من مخاض شديد، ولم تستطع أن تلد حتى اعترفت ببراءته. تجمّع الناس ليطلبوا منه الصفح، لكنه هرب إلى صحراء النطرون، حيث أسّس مركزًا رهبانيًا في وادي النطرون، الذي ما يزال حتى اليوم قلب الرهبنة القبطية في مصر.

إلى جانب الأناجيل، تأثرت الحركة الرهبانية أيضًا بالممارسات الزهدية لبعض المدارس الفلسفية اليونانية، مثل الفيثاغوريين، والكلبيين، والرواقيين، وكذلك ببعض أفكار المانوية.

انتشار الرهبنة في إفريقيا وخارجها

مقبرة قبطية في الصحراء الليبية (المصدر)
دير سانت كاترين

ويُعد دير سانت كاترين أقدم دير ما يزال قائمًا حتى اليوم، وقد أُسِّس سنة 565م عند سفح جبل سيناء، حيث تلقّى موسى من الله الوصايا العشر. وقد خُصِّص هذا الدير لـ كاترين الإسكندرانية، وهي شابة استشهدت في مطلع القرن الرابع. ويُحفَظ في دير سانت كاترين المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus)، وهو أقدم مخطوط كامل للكتاب المقدّس المسيحي.

عموديّين

في سوريا، ظهر نمط جديد يُعرف بـ العموديّين (Stylites)، وهم رهبان عاشوا فوق أعمدة حجرية، وكانوا يُنزَل إليهم الطعام في سلال بواسطة الحبال، ويخاطبون الناس الذين يأتون لسماع عظاتهم. مؤسس هذا التيار هو سمعان العمودي، الذي عاش فوق عمود لمدة 36 سنة، واشتهر بتبشيره القبائل العربية الرحّل في بادية الشام.

في شمال إفريقيا، أُسّست أديرة في الصحراء الليبية، ثم في نوميديا وموريتانيا. عاش أوغسطينوس أسقف هيبون عدة سنوات في جماعة رهبانية في بيت عائلته في طاغاست (سوق أهراس) قبل أن يصبح أسقفًا. وكانت أخته رئيسة لدير نسائي في هيبّون (عنابة).

في القرن الخامس، كان فولجينتيوس الرُّسبي، الذي قاوم العقيدة الأريوسية التي فرضها الوندال، راهبًا.

وفي القرن الحادي عشر، أصبح قسطنطين الإفريقي، وهو مسيحي من قرطاج وطبيب، رئيسًا لدير في إيطاليا، وترجم مؤلفات الطب العربي إلى اللاتينية، وكان له دور محوري في تطور الطب الأوروبي في العصور الوسطى. (المصدر)

تواضروس الثاني

ما تزال الرهبنة تلعب دورًا محوريًا في الكنيسة القبطية المصرية حتى يومنا هذا، خاصة في وادي النطرون. كان البابا تواضروس الثاني في الأصل راهبًا في أحد أديرة وادي النطرون، تمامًا مثل سلفه المؤثر البابا شنودة الثالث. ولا شك أن الحياة الرهبانية ساهمت بشكل كبير في بقاء الكنيسة القبطية وصمودها عبر قرون طويلة من الحكم الإسلامي.

المسيحية في شمال افريقيا

سيدي يحيى بن يونس: قديس مسيحي دفن بمدينة بوجدة؟

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

سيدي يحيى بن يونس هو قديس مدينة وجدة المغربية، ويقع ضريحه في واحة سيدي يحيى. حسب الأساطير المحلية فإن سيدي يحيى هو في الحقيقة يوحنا المعمدان، النبي المذكور في الإنجيل باعتباره قريب يسوع المسيح!

ضريح سيدي يحيى بن يونس

سيدي يحيى قديس وجدة

تأسست مدينة وجدة، عاصمة الإقليم الشرقي في المغرب، عام 994 على يد زيري بن عطية، زعيم قبيلة المغراوة زناتة. تقع المدينة في سهل أنجاد، موطن قبيلة أهل أنجاد العربية، الذين يسكنون على جانبي الحدود المغربية الجزائرية. لطالما ربطت الإقليم علاقات وثيقة بالجزائر المجاورة، إذ وُلد الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة في وجدة.

يُعتبر سيدي يحيى بن يونس قديس مدينة وجدة. وتقع واحة سيدي يحيى، على بُعد 5 كيلومترات من مركز المدينة، وتضم ضريح الولي. كما دُفن العديد من الأولياء الآخرين بالقرب منها، ويُعتقد أن وجودهم يجلب البركة للمدينة.

تُعدّ واحة سيدي يحيى وجهةً مفضلةً للاسترخاء لدى سكان وجدة. يروي الكاتب والشاعر يحيى عمارة، والذي أصله من مدينة وجدة، كيف “خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت المياه تتدفق بغزارة في سيدي يحيى، وكان جميع سكان وجدة يأتون إليها للاستجمام خلال فصل الصيف. كانت سيدي يحيى بمثابة مرسى للفقراء الذين لم يكونوا قادرين على الذهاب إلى مدينة السعيدية الساحلية. آنذاك، كانت سيدي يحيى بمثابة بحر الفقراء لدينا.” (المصدر)

لا تزال الخلفية التاريخية لسيدي يحيى بن يونس غامضة. فبالنسبة لليهود في المنطقة، كان سيدي يحيى حاخامًا انتقل من إسبانيا إلى وجدة عام 1391. بينما تزعم مصادر أخرى، مسيحية وإسلامية، أنه في الواقع النبي يوحنا المعمدان، قريب يسوع المسيح وسلفه!

يوحنا المعمدان، نبي

يوحنا المعمدان يبشر في الصحراء

حسب الإنجيل، كان يوحنا المعمدان قريب اليسوع، ونبيًا أُرسل ليبشر بقدوم المسيح الوشيك. بينما كان والده، الكاهن زكريا، يخدم في المعبد، ظهر له ملاكٌ وبشّره بأنه سيرزق بولد، مع العلم أنه وزوجته إليزابيث كانا قد تقدما في السن ولم يرزقا بأطفال. ولأنه لم يؤمن بهذا الوعد، عاقبه الله بسلبه القدرة على الكلام، ثم استعاد هذه القدرة بعد ولادة الطفل، وسماه يوحنا.

عندما كبر يوحنا، ذهب إلى الصحراء، حيث بشّر اليهود ودعاهم إلى التوبة. وكدليل على تغيير حياتهم، عمّد تلاميذه في نهر الأردن، ولذلك سُمّي يوحنا المعمدان. كما بشّر بظهور نبي آخر بعده، وهو المسيح المنتظر. ولما جاء يسوع إليه ليعتمد منه، شهد يوحنا بأنه هو الذي كان يتحدث عنه، وأمر أتباعه أن يتبعوه.

يذكر القرآن الكريم اسم يوحنا المعمدان باسم يحيى بن زكريا.

يوحنا المعمدان وسيدي يحيى

رأس يوحنا المعمدان على طبق

وحسب ما جاء في الإنجيل، فقد سُجن يوحنا المعمدان، ثم أُعدم لاحقاً على يد الملك هيرودوس أنتيباس، بسبب إدانته زواج هيرودوس الزاني من زوجة أخيه.

تقول الأسطورة إن هيرودوس أنتيباس كان يخشى قيامة يوحنا المعمدان من الموت، فأمر بدفن رأسه وجسده منفصلين. ومنذ ذلك الحين، يمكن العثور على رفات يوحنا المعمدان متناثرة في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط: يُقال إن رأسه مدفون في روما أو دمشق، بينما يحتوي قصر توبكابي في إسطنبول على عظام يُعتقد أنها تعود ليوحنا المعمدان. (المصدر)

وأخيرًا، يعتقد البعض أن يوحنا المعمدان (أو جزءًا من جسده) مدفون في وجدة، في ضريح سيدي يحيى بن يونس. ورغم أنه لا أحد يستطيع تفسير كيفية وصوله إلى هناك، أو كيف أصبح “ابن زكريا” “ابن يونس”، إلا أن هذه الفكرة راسخة في أذهان السكان، وهي جزء من التراث الثقافي والروحي للمدينة.

على الرغم من أنه من غير المرجح، من منظور تاريخي، أن تضم واحة سيدي يحيى قبر يوحنا المعمدان، إلا أن الرواية التي تفيد بأن شخصية بارزة كهذه في الديانة المسيحية دُفنت في المغرب، البلد الإسلامي، لا تزال تعكس تراث المنطقة المتعدد الثقافات والأديان. ويُعد ضريح سيدي يحيى في وجدة رمزًا للتعايش بين مختلف الطوائف الإسلامية واليهودية والمسيحية التي سكنت المدينة في أزمنة مختلفة. (المصدر)

المسيحية في شمال افريقيا

أريوس الليبي: لاهوت مسيحي بديل

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة محمد المباركي 

في مطلع القرن الرابع، ومع بدء ترسّخ المسيحية كدين مهيمن جديد داخل الإمبراطورية الرومانية، اندلعت جدالات كبرى داخل الكنيسة حول طبيعة المسيح. وكان أريوس، مؤسّس العقيدة الأريوسية، من أصل ليبي.

السياق

ترتليان القرطاجي، أول من ذكر عقيدة الثالوث

كان المسيحيون في القرون الأولى يؤمنون بأن يسوع المسيح هو الله الذي تجسّد وصار إنسانًا؛ وهي عقيدة التجسّد. تستعمل النصوصُ المقدَّسةُ عبارةَ «ابنُ الله» — لا بمعنى بنوّةٍ جسديّة، كأنّ اللهَ كان له طفلٌ من امرأةٍ بشريّة، بل بمعنى يعبّر عن الأصل والهوية، كما يمكن أن يُسمّى مواطنُ أمةٍ ما «ابنَ الوطن». تقوم عقيدة الثالوث على هذه الطبيعة المزدوجة للمسيح. وأول من استخدم مصطلح “ثالوث” هو الكاتب المسيحي الأمازيغي ترتليان القرطاجي.

فهم الثالوث بشكل أوضح

تقدّم الأناجيل المسيح بوصفه الله الخالق، الذي اختار أن يتّحد بالبشر ويدخل خليقته ليُظهر لهم طريق الخلاص؛ وهذه هي عقيدة التجسّد. وحتى في إنسانيته، فإن ولادته المعجزية من امرأة عذراء، مريم، تُعدّ دليلاً على ألوهيته. عندما صار إنسانًا، لم يتوقّف قطّ عن أن يكون الله. وبما أنّه الله فقد وُجد منذ الأزل، وبالمسيح خُلق العالم؛ وبما أنّه إنسان فقد كان شبيهًا بنا في كل شيء: عرف الجوع والعطش والتعب والألم. ولأنه إنسان، تعرّض لكل التجارب التي نعرفها نحن البشر ويفهم ضعفنا؛ ولأنه الله، عاش حياة كاملة بلا خطيئة. ثم مات على الصليب كذبيحة كاملة لفداء البشرية، وقام من الموت منتصرًا ليمنح الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

ولشرح العلاقة بين الله الآب والمسيح الابن وروح الله القدوس، طوّر اللاهوتيون الأوائل عقيدة الثالوث (التثليث). ورغم أن كلمة “ثالوث” لا تظهر في الكتاب المقدس، فإن جوهر العقيدة مُعلن بوضوح. وأول من استعمل المصطلح هو الكاتب الأمازيغي ترتليان القرطاجي.

كان جميع الكتّاب المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى يؤمنون بهذه العقيدة.
وكان بعضهم، ومعظمهم من الثقافة اليونانية، يضعون مزيدًا من التركيز على وحدة المسيح مع الله الآب: فهو لا يشبه «أبناء الآلهة» الكثيرين في الأساطير، بل هو إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل، الإله الواحد، الأزلي، القادر على كل شيء، الذي تجسّد.
وكان آخرون، ولا سيّما المدرسة اللاهوتية في أنطاكية، يشدّدون على التمييز بين أقانيم الثالوث: فالله الآب هو مصدر المخطّط الإلهي، والابن هو تحقيق هذا المخطّط من خلال التجسّد، والروح القدس هو الذي يعلن هذا المخطّط.
وكان آخرون يهتمّون بالعلاقة بين لاهوت المسيح وناسوته: فالمسيح هو الله، لكنّه خلال حياته الأرضية كان خاضعًا للحدود الإنسانية، مثل ملكٍ يختار أن يغادر قصره ليعيش بين رعيّته، فيبقى ملكًا، لكن لا يستطيع ممارسة سلطانه الملكي. وهذا ما يفسّر لماذا كان يصلّي ويصوم ويعيش في اعتمادٍ على الله.
ومع ذلك، كان الجميع متّفقين على أنّ المسيح هو الله المتجسّد.

حياة أريوس

أريوس

وُلِد أريوس نحو سنة 250 في بطلميس، في قورينائية الرومانية، وهي من أكثر مناطق الإمبراطورية انتشارًا للمسيحية. وكان من أسرةٍ مسيحية ذات أصل أمازيغي. وقد يكون اسمه الشكلَ اللاتيني للاسم الأمازيغي «أريوك». وكان اسمُ والده أمونيوس، وهو اسم شائع في مصر وقورينائية في ذلك العصر، ويُشير إلى الإله المصري آمون، ممّا يدلّ على أنّ خلفيّته كانت على الأرجح وثنية.

في طفولته، كان أريوس يقرأ النصوصَ المقدّسة مع والده، ويُظهر منذ ذلك الحين شغفًا بالتعلّم. وفي شبابه، سافر لمتابعة دراسته في سورية. ودرس اللاهوت المسيحي على يد لوسيان الأنطاكي، وهو معلّم ذو تأثير، استُشهِد سنة 312. ومن المحتمل أيضًا أنّه تلقّى تكوينًا فلسفيًّا؛ فقد تكون تعاليمه متأثّرة ببعض المفكّرين الأفلاطونيين الجدد الذين كانوا رائجين في ذلك الوقت، مثل يامبليخوس، الذي كان يعيش في سورية.

استشهاد مرقس

انتقل أريوس بعد ذلك إلى الإسكندرية، حيث تولّى مسؤوليات داخل المجتمع المسيحي. وأثناء اضطهاد دقلديانوس، اشتهر بشجاعته أمام عداء السلطات الرومانية. وفي سنة 313، أصبح كاهنًا في كنيسة الإسكندرية. وخدم في حي بوكاليس قرب ميناء الإسكندرية، حيث يُقال إن مرقس الإنجيلي قد أُعدم. وأصبح واعظًا شعبيًا، ذائع الصيت بحياته النسكية، وقد سمحت له شعبيته بنشر أفكاره. وفي سنة 318، بدأ يعارض بشكل علني أسقف الإسكندرية ألكسندروس بشأن عقيدة الثالوث.

حياة أريوس معروفة فقط من خلال خصومه. ومع ذلك، حتى الصورة العدائية التي رسموها له تبرز صورة رجل تقي، طاهر ومستقيم، واسع المعرفة بالنصوص المقدسة، ذو دقة في التفكير، وكان يعرف كيف يعرض أفكاره بوضوح وبطريقة مقنعة. ويُوصف بأنه طويل القامة، بصوت لطيف، ويرتدي دائمًا ملابس بسيطة، من رداء قصير وقميص بلا أكمام.

كتب الكاتب الأمريكي ناثان تشابمان كونز رواية تاريخية بعنوان أريوس الليبي، مستوحاة من حياة أريوس، تُحيي الخلفية التاريخية والثقافية لشمال إفريقيا القديمة بطريقة رائعة. ويمكن قراءة هذه الرواية على الإنترنت (باللغة الإنجليزية) على هذه الصفحة.

العقيدة الأريوسية

يؤمن أريوس بأن المسيح هو أوّل كائن خلقه الله قبل خلق العالم، لكنه مخلوق، متميّز عن الله، وليس الله ذاته. وبالتالي، فقد وُجد مع الله منذ زمن بعيد قبل تجسّده، لكنه ليس أزليًّا: فقد خُلِق، وكان هناك وقت لم يكن فيه موجودًا. وعاش حياة إنسانية كاملة بمساعدة الله، لا بطبيعته الإلهية. وهكذا، كان المسيح “إلهيًا” لأن الله أعطاه جزءًا من لاهوته، لكنه لم يكن الله ذاته.

تستند هذه العقيدة إلى تعليم المدرسة اللاهوتية في أنطاكية، التي كانت تشدّد على التمييز بين أقانيم الثالوث وعلى تبعية الابن للآب. لكنها تذهب أبعد من ذلك بكثير، منكرةً أنّ الآب والابن واحد. ويعتقد بعض المختصين أنّ المؤلف الحقيقي للعقيدة الأريوسية هو لوسيان الأنطاكي، الذي درّسها لأريوس.

تمّ حفظ ثلاث مصادر كتبها أريوس يشرح فيها عقيدته: اعتراف إيمانه الموجّه إلى أسقف الإسكندرية، واعتراف إيمانه الموجّه إلى الإمبراطور قسطنطين، ورسالة إلى الأسقف يوسابيوس النيقوميدي. وقد أُحرِقَت كتاباته الأخرى عند إدانته.

جدل شديد العنف

لوحة شخصية لأريوس في مجمع نيقية

تعارض عقيدة أريوس العقيدة الثالوثية، التي كانت مقبولة مع بعض الفروق من قبل كامل الكنيسة المسيحية قبله. وهي تثير مشكلة تهدّد أسس الإيمان المسيحي نفسه: فإذا لم يكن المسيح الله، فكيف يمكن أن يكون الفادي الكامل الذي تحتاجه البشرية؟

لهذا السبب، واجه أريوس معارضة شديدة. وقد أُدين من قبل مجمع من كهنة الإسكندرية. ومع ذلك، كانت عقيدته قد انتشرت بالفعل إلى ما هو أبعد من مدينته، في كامل الجزء الشرقي من العالم الروماني، لا سيّما أنّ أريوس سعى لتسهيل نشر أفكاره من خلال وضعها في موسيقى وأبيات على لحن الأغاني الشعبية. وكانت الآريوسية شائعة بشكل خاص في قورينائية، منطقة أريوس الأصلية. وقد دعمه بعض الأساقفة المؤثرين، ومن بينهم يوسابيوس النيقوميدي (إزميد، في تركيا الحالية)، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية قبل تأسيس القسطنطينية.

الإمبراطور قسطنطين

اشتدّت الجدل لدرجة أن الإمبراطور قسطنطين، الذي اعتنق المسيحية سنة 312، قرّر التدخّل. ولم يكن الإمبراطور مهتمًا بالخلاف اللاهوتي بشكل خاص، لكنه أراد الحفاظ على وحدة الكنيسة المسيحية لأسباب سياسية. وفي سنة 325، دعا إلى مجمع في نيقية (إزنيق، في تركيا الحالية) لحلّ القضية.

شارك في هذا المجمع أكثر من 300 أسقف من جميع أنحاء الإمبراطورية لمناقشة القضية. وأدار النقاشات الأسقف هوسيوس من قرطبة، في إسبانيا. وعلى عكس ما يُعتقد شائعًا، لم يسع الإمبراطور لفرض عقيدته الخاصة من خلال هذا المجمع: فقد تدخل قليلًا جدًا في النقاشات، مقتصرًا على تشجيع الأساقفة على التوصل إلى اتفاق لتجنب الانقسام.

نيقولاوس من ميرا يصفع أريوس

دام مجمع نيقية أكثر من شهرين. وقد اقترحت فئة معتدلة، بقيادة الأسقف والمؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري، صياغة وسطية يمكن أن يتفق عليها أنصار أريوس ومعارضوه، لكن المناهضين للأريوسية رفضوا، معتبرين أن القضية أساسية جدًا بحيث لا يمكن التساهل فيها. ووفقًا لأسطورة، صفع الأسقف نيقولاوس من ميرا، في ليكية (جنوب غرب تركيا الحالية)، أريوس أثناء المجمع. ومن باب الطرفة، يُعتبر نيقولاوس من ميرا الشخصية التاريخية التي أدّت إلى ظهور تقليد بابا نويل.

العقيدة النيقية

في ختام النقاشات، اعتمد مجمع نيقية اعترافًا بالإيمان يؤكّد بوضوح العقيدة الثالوثية. وأُدينت الأريوسية باعتبارها بدعةً هرطقية. ومن بين أكثر من 300 أسقف حاضر، رفض أسقفان فقط، وكلاهما من قورينائية، قبول هذا الاعتراف بالإيمان: سکوندوس من بطلميس وثاؤنا من مارماريكا. أمّا الأسقف زبيروس من باركي (المرج)، فوافق على الاعتراف بالإيمان لكنه رفض توقيع إدانة أريوس. ويظل اعتراف نيقية بالإيمان اعترافًا مشتركًا لجميع الكنائس المسيحية حتى اليوم.

بعد مجمع نيقية، لجأ أريوس، المنفي، إلى فلسطين.

بعد المجمع

أثناسيوس الإسكندري

توفي الأسقف ألكسندروس الإسكندري، صانع إدانة أريوس، في سنة 327. وخلفه أثناسيوس، الذي سيصبح مدافعًا عن العقيدة النيقية، والمنافس الرئيسي للأريوسية خلال العقود القادمة، قبل وفاة أريوس وبعدها.

في السنوات التي تلت ذلك، سمح الإمبراطور قسطنطين، حرصًا على التهدئة، لأنصار أريوس بالعودة من المنفى. وأُعيد أريوس نفسه إلى جماعة الكنيسة سنة 336، بعد أن وافق على إعادة صياغة بعض أفكاره الأكثر إشكالية. وقد تمّ نفي الأسقف أثناسيوس الإسكندري، الذي كان يعارض إعادة قبول أريوس.

توفي أريوس سنة 336، قبل وقت قصير من إعادة قبوله رسميًا ضمن الكنيسة. ومن الممكن أنّه تمّ تسميمه.

الأريوسية بعد أريوس

معمودية قسطنطين

لم تختفِ العقيدة الأريوسية مع ذلك. فالأسقف يوسابيوس النيقوميدي، الذي لم يقبل عقيدة نيقية إلا تحت ضغط الإمبراطور، واصل الدفاع عن عقيدة أريوس. وكان الاثنان يعرفان بعضهما منذ شبابهما، فقد درسا معًا على يد لوسيان الأنطاكي. وقد اختار الإمبراطور قسطنطين الأسقف الأريوسي يوسابيوس النيقوميدي ليعمّده على فراش الموت سنة 337.

يوسابيوس النيقوميدي

قنسطانطيوس الثاني (337-361)، ابن وخلف قسطنطين، كان أريوسيًّا. وبمساعدة يوسابيوس النيقوميدي، سعى لفرض الأريوسية في جميع أنحاء إمبراطوريته. وقد نُفي أثناسيوس الإسكندري خمس مرات، وقضى في المجمل 17 سنة في المنفى. وفي نهاية عهد قنسطانطيوس الثاني، كانت العقيدة الأريوسية هي الغالبة في نصف الإمبراطورية الشرقي. أما في الغرب، حيث لم تكن الأريوسية شائعة أبدًا، فقد رفض الأساقفة المخلصون للعقيدة النيقية، بقيادة هوسيوس من قرطبة، السماح للإمبراطور بفرض لاهوتهم. وفي شمال إفريقيا، كانت الأريوسية شبه منعدمة، باستثناء قورينائية. وقد كتب الأسقف الأمازيغي أوغسطينوس الهيبوني كتابًا ضد الأريوسية.

يوليان، خليفة قنسطانطيوس الثاني (361-363)، حاول بلا جدوى إعادة الوثنية في إمبراطوريته. وقد جعل الإمبراطور ثيودوسيوس (379-395) المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية سنة 380. وفي السنة التالية، أُدينت العقيدة الأريوسية مرة أخرى من قبل مجمع القسطنطينية. ومنذ ذلك الحين، بدأت الأريوسية تختفي تدريجيًا من العالم الروماني. وفي قورينائية، يبدو أنها كانت قد اختفت بالفعل في بداية القرن الخامس، عندما كان سينيسيوس القوريني أسقفًا لبطلميس.

اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ اﻟﻮﻧﺪاﻟﯿﺔ ﻓﻲ “ھﻨﺸﯿﺮ اﻟﻘﻮﺳﺎت”، تونس (اﻟﻤﺼﺪر: زاھﺮ ﻛﻤﻮن)

ومع ذلك، استمرت الأريوسية في البقاء خارج حدود الإمبراطورية الرومانية: فقد بشّر أولفيلاس، تلميذ يوسابيوس النيقوميدي، بالمسيحية الأريوسية بين القوط، وترجم الإنجيل إلى لغتهم. وتحت تأثير القوط، اعتنقت شعوب جرمانية أخرى الأريوسية. وكان الفاندال، الذين غزوا شمال إفريقيا سنة 429، أريوسيين واضطهدوا المسيحيين الأصليين في شمال إفريقيا.

في شمال إفريقيا، من المحتمل أن تكون الأريوسية، المرتبطة بالفاندال، قد اختفت خلال الحقبة البيزنطية، قبل وصول الإسلام. أما في أوروبا، فكان آخر الشعوب الأريوسية القوط الغربيون في إسبانيا، الذين اعتنقوا المسيحية النيقية سنة 589، واللومبارد في شمال إيطاليا، الذين اعتنقوا المسيحية سنة 671.

في عصرنا الحالي، يتبنّى شهود يهوه عقيدة قريبة من الأريوسية.

أريوس والإسلام

أريوس مسلم – صورة أُنشئت بواسطة ChatGPT

في العالم الإسلامي، يُنظَر إلى أريوس غالبًا بوصفه ممهِّدًا للإسلام، ومدافعًا عن التوحيد الخالص؛ ويُنسب إليه أنه كان يرى في المسيح نبيًّا إنسانًا، وأنه حارب ما يُعَدّ عبادةً وثنية للمسيح داخل الكنيسة، ورفض ما يُسمّى «الشِّرك» المتمثّل في عقيدة الثالوث.

في الواقع، كانت معتقدات أريوس مختلفة جدًّا عن الإسلام. فقد كان يؤمن بأنّ المسيح كان موجودًا بالفعل لدى الله قبل ولادته الأرضية، بل قبل خلق العالم. كما كان يؤمن بأنّه مات على الصليب من أجل فداء البشرية وأنّه قام من بين الأموات. أمّا القرآن فينفي موت المسيح وصلبه وقيامته.

ومن المفارقات أن العقيدة الأريوسية، التي تجعل المسيح نوعًا من نصف إله، كائنًا إلهيًا مستقلاً عن الله، تقترب أكثر من التعدّد الإلهي من العقيدة الثالوثية التي كان يحاربها!

المسيحية في شمال افريقيا

أساقفة روما من أصل شمال أفريقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة فادي حفيظي

كان لأساقفة روما، عاصمة الإمبراطورية، تأثيرٌ خاص في الكنيسة المسيحية القديمة، وهو تأثيرٌ تحوّل مع الزمن إلى سلطة رسمية. وكان عددٌ من أساقفة روما في القرون الأولى من أصلٍ ينتمي إلى إفريقيا الرومانية.

أول أسقف لروما من شمال أفريقيا كان فكتور، وذلك في أواخر القرن الثاني (189–199م). وُلد في مدينة لبدة الكبرى، مثل الإمبراطور سبتيموس سيفيروس الذي اعتلى العرش سنة 192م، وكان سابقًا أسقفًا لبدة الكبرى.

يُعرف فكتور بشكل خاص بسبب خلافه مع كنائس آسيا حول موعد الاحتفال بعيد الفصح. فخلال ما يقارب قرنًا كاملًا، كان المسيحيون في روما يحتفلون بالفصح دائمًا يوم الأحد، بينما كانت كنائس آسيا تحتفل به في أي يوم من أيام الأسبوع. حاول فكتور فرض تقليد روما على كنائس آسيا، لكنه تراجع عن ذلك بسبب المعارضة القوية من أساقفة أوروبيين آخرين، مثل إيرينيئوس أسقف ليون، الذي رأى أن هذا الاختلاف كان موجودًا منذ زمن طويل، ولم يكن سببًا مبررًا لقطع الشركة بين الكنائس. ويُعد هذا الحدث أول مرة يحاول فيها أسقف روما فرض سلطته على كنائس أخرى، وهي خطوة مبكرة في اتجاه ما عُرف لاحقًا بـ أولوية روما.

أسقف آخر من شمال أفريقيا لروما كان ملتيادس (311–314م). وقد تم اختياره أسقفًا مباشرة بعد انتهاء الاضطهادات وَقَدْ قاد الكنيسة خلال السنوات الحاسمة التي تكيفت فيها مع دورها الجديد كديانة مُفَضَّلَة من قبل الإدارة الإمبراطورية. كان الإمبراطور قسطنطين قد اعتنق المسيحية حديثًا، ومنح ملتيادس قصر اللاتيران (انظر الصورة الغلافية)، وهو القصر السابق للإمبراطورة فوستا، ليكون مقرًا لأسقف روما.

تميزت فترة أسقفية ملتيادس بجدل الدوناتيين، وهم حركة مسيحية نشأت في شمال أفريقيا ورفضت التنازلات التي قدمتها الكنيسة الرومانية للسلطة السياسية. وقد وقف ملتيادس ضد الدوناتيين ودافع عن موقف الكنيسة في روما.

أما آخر أسقف لروما من شمال أفريقيا فكان غاليليوس (492–496م). وُلد في إفريقيا الرومانية، واضطر إلى الفرار إلى روما بعد الغزو الوندالي. وقبل أن يصبح أسقفًا، كان أقرب مساعد وسكرتير لسلفه.

في زمنه، كانت الإمبراطورية الرومانية قد انهارت، وكان المشهد السياسي في أوروبا يشهد تحولات كبيرة. وقد ناضل غاليليوس من أجل الحفاظ على استقلال الكنيسة عن السلطة السياسية.

المسيحية في شمال افريقيا, الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا

الثلاثة العظماء من الشخصيات المسيحية في شمال إفريقيا: أوغسطينوس أسقف هيبون، صاحب النعمة

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

خلال القرون الأولى من العصر المسيحي، شكّلت شمال إفريقيا، من مدنها الكبرى والمتعددة الثقافات إلى مناطقها الريفية النائية، أرضًا خصبة بشكل خاص للدين المسيحي الناشئ. وقد كانت ثلاث من أعظم الشخصيات المسيحية في ذلك الوقت من شمال إفريقيا. في هذه المقالة، سنتعرف على حياة أوغسطينوس، أسقف هيبون، أعظم لاهوتيي الكنيسة اللاتينية، الملقب بـ”صاحب النعمة”.

حياته

أوغسطينوس أسقف هيبون

وُلد أوريليوس أوغسطينوس هيبوننينسيس في 13 نوفمبر 354، في طاغاست (سوق أهراس)، في نوميديا الرومانية. كان والده باتريسيوس، وهو ضابط صغير في الجيش الروماني، يملك ملكية متواضعة في طاغاست. أما والدته مونيكا فكانت من أصول أمازيغية وكانت مسيحية متدينة، بينما كان والده وثنيًا.

فيما يتعلق بأصول أوغسطينوس العرقية، من المتعارف عليه أن والده كان رومانيًا ووالدته أمازيغية. اسم والدته، مونيكا، مشتق من اللغة الأمازيغية، وهو الاسم الحديث الشائع الوحيد ذو الأصول الأمازيغية. مع أن عائلة أوغسطينوس كانت متأثرة بشدة بالثقافة الرومانية، إلا أنه كان يتحدث بفخر عن أصوله الأفريقية وصلاته بمؤلفين رومانيين أفارقة آخرين، مثل أبوليوس وماريوس فيكتورينوس. يُرجح أن لغته الأم كانت اللاتينية، ولكنه كان يتقن أيضًا اللغة الليبية (الأمازيغية). لم يتقن اليونانية قط، بسبب علاقة متوترة مع معلمه اليوناني في صغره.

الشاب أوغسطينوس في المدرسة، من أعمال نيكولو دي بيترو

في الحادية عشرة من عمره، أرسله والده للدراسة في مادوروس (مداوروش)، حيث اكتشف الأدب اللاتيني. وفي السابعة عشرة، ذهب لدراسة البلاغة في قرطاج. ورغم تحذيرات والدته، انغمس في صحبة السوء وعاش حياةً ماجنة. وفي عام 372، رُزق بابنٍ سماه أديوداتوس (هبة من الله). وظلت والدة الطفل، التي كانت تقيم في قرطاج، عشيقته لأكثر من خمسة عشر عامًا، لكنه لم يتزوجها قط.

أثناء دراسته في قرطاج، قرأ حوار هورتنسيوس لشيشرون، وأثارت هذه القراءة لديه شغفاً عميقاً بالفلسفة. وفي نفس الفترة تقريباً، اعتنق المانوية، والتي كانت آنذاك ديانة شرقية جديدة. وظلّ مانوياً لمدة عشر سنوات قبل أن يتخلى عن هذا المذهب.

في عام 373، عاد إلى طاغاست ودرّس البلاغة هناك لمدة عام. ثم افتتح مدرسته الخاصة للبلاغة في قرطاج. وفي عام 383، انتقل إلى روما، حيث كان يأمل في العثور على أفضل البلاغيين، لكنه خاب أمله بسبب افتقار طلابه إلى الجدية. وخلال إقامته في روما، بدأ ينأى تدريجيًا عن المانوية.

بعد وصوله إلى روما بفترة وجيزة، التقى سيماخوس، حاكم المدينة. وفي عام 384، اختير أستاذاً للبلاغة في البلاط الإمبراطوري، الذي كان مقره آنذاك في ميلانو. وفي سن الثلاثين، شغل أرفع منصب أكاديمي في العالم الروماني.

أقدم صورة معروفة لأوغسطينوس، القرن السادس الميلادي، روما

في ميلانو، اكتشف أوغسطينوس الأفلاطونية المحدثة من خلال قراءة مؤلفات أفلوطين و فرفوريوس، التي ترجمها إلى اللاتينية مواطنه الأفريقي ماريوس فيكتورينوس. كما زار أمبروسيوس، أسقف ميلانو المسيحي، بعد أن سمع بشهرته كخطيب مفوه. توطدت العلاقة بين الرجلين لدرجة أن أوغسطينوس، بعد وفاة والده، اعتبر أمبروسيوس بمثابة أبٍ له. قادته دراسته للفلسفة الأفلاطونية المحدثة وصداقته مع أمبروسيوس إلى اهتمام جاد بالمسيحية لأول مرة، على الرغم من أنه كان يعرف هذه العقيدة طوال حياته، إذ كانت والدته مسيحية.

كانت عائلة أوغسطينوس، التي لحقت به إلى ميلانو، تحثه الآن على إيجاد زوجة محترمة. ولتحقيق ذلك، كان عليه أولاً أن ينفصل عن عشيقته التي أنجب منها طفلاً. وقد فطر هذا الانفصال قلبه: فبينما لم يستطع الزواج منها رسمياً بسبب مكانتها الاجتماعية المتدنية، كان يعتبر علاقتهما بمثابة زواج.

في أغسطس من عام 386، مرّ بتجربة روحية قادته إلى اعتناق المسيحية: فبعد أن سمع صوت طفل يقول: “خذ واقرأ”، فتح مخطوطاته الكتابية وقرأ نصا من رسالة القديس بولس إلى أهل روما: “کَما بي النَّهار، خِل نِتْعامَل بي شِکِل صَحیح. چا لا نْگَضي وَکِتنا بي الْحَفلات وَ الشِّرِب وَ الْفِساد وَ الْوَناسه وَ جَدَل وَ حَسَد، بِل ألِبسوا عیسیٰ مَسیح الرَّب وَ لا تْکونون وَرَاء شَهَوات نَفِسکُم.” ثم كرّس نفسه للمسيح على الفور.

معمودية أوغسطينوس، من أعمال بينوزو جوزولي

تعمّد أوغسطينوس وابنه أديوداتوس معًا في عيد الفصح من العام الموالي، عام 387. وكانت والدته، التي لم تتوقف عن الدعاء لهداية ابنها، في غاية السعادة.

بعد اهتدائه، ترك أوغسطينوس وظيفته كخطيب ليتفرغ للوعظ. كما قرر إلغاء خطط زواجه والالتزام بالعزوبية.

في عام 387، وبعد معموديته، قرر أوغسطينوس وعائلته العودة إلى أفريقيا. توفيت والدته مونيكا في طريق عودتهم. وبعد وصولهم إلى طاغاست بفترة وجيزة، توفي ابنه أديوداتوس أيضًا. تأثر أوغسطينوس بشدة، فباع ممتلكات العائلة وتبرع بالمال للفقراء. واحتفظ بالمنزل فقط، وعاش فيه مع مجموعة من أصدقائه المسيحيين، في جماعة روحية.

بازيليكا القديس أوغسطينوس، عنابة

في عام 391، رُسِّمَ أوغسطينوس قسيسا في هيبون (عنابة). كان يطمح إلى توظيف معارفه الفلسفية والبلاغية في دراسة أعمق للنصوص المقدسة والوعظ بها على نحو أفضل. وفي عام 395، أصبح أسقف هيبون وبقي فيها حتى وفاته.

قبل وفاة أوغسطينوس بقليل، وصل الوندال إلى شمال أفريقيا. وفي ربيع عام 430، حاصروا هيبون. مرض أوغسطينوس وتوفي أثناء الحصار، وقضى أيامه الأخيرة في الصلاة. بعد وفاته، استولى الوندال على المدينة وأحرقوها بالكامل، باستثناء كنيسة أوغسطينوس ومكتبته اللتين أبقوهما سليمتين. بُنيت بازيليكا القديس أوغسطينوس في عنابة عام 1881، بالقرب من بقايا كنيسته.

أعماله

مخطوطة مدينة الله

باستثناء المسيح والحواريين، لم يكن لأحد تأثيرٌ بالغٌ على الكنيسة المسيحية كتأثير أوغسطينوس، أسقف هيبون، من شمال أفريقيا.

بدأ الكتابة فور اعتناقه المسيحية. وبعد عودته إلى أفريقيا، ألّف عدة كتبٍ ينتقد فيها المانويين، مُقاومًا نفوذ هذه الديانة الجديدة المتنامي. وبصفته أسقف هيبون، خاض سلسلةً من المناظرات العامة مع طائفة المانويين في المدينة. كما ألّف كتابًا للرد على فاوستوس الميليفي، زعيم المانويين في أفريقيا، الذي كان قد عرفه في قرطاج حين كان مانويًا.

أهم أعماله كتابا “اعترافات” و”مدينة الله”.

مخطوطة اعترافات

كتاب “اعترافات”، الذي كُتب حوالي عام 400 ميلادي، هو سيرة حياة القديس أوغسطينوس. في هذا الكتاب، يستعرض رحلته الروحية حتى اهتدائه. يُمكن اعتبار هذا الكتاب أول سيرة ذاتية في التاريخ. إلا أن ما يُميزه هو مخاطبته لله مباشرةً: إذ يُفصح له عن حياته، وعيوبه، وتيهه، والدروس التي استخلصها من كل ذلك.

أما كتاب “مدينة الله” فهو بلا شك أكثر كتابات القديس أوغسطينوس تأثيرًا. هذا العمل المؤلف من 22 كتبًا كُتبت على مدى 14 عامًا، يُقدم رؤيته لمجتمع مسيحي مثالي قائم على الشريعة الإلهية. ويُكثر من الاستشهاد بكتابات المؤلفين اليونانيين والرومانيين الكلاسيكيين، أكثر مما فعل في أعماله الأخرى، ليُبين كيف يتفوق التعليم المسيحي عليهم جميعًا.

كما ألّف شروحًا للكتاب المقدس، وكتبًا عقائدية (“في العقيدة المسيحية”)، وكتبًا فلسفية، وكتبًا جدلية ضدّ مختلف البدع المسيحية وضد اليهود.

وأخيرًا، اشتهر بخطبه بقدر شهرته بمؤلفاته؛ فقد ألقى نحو 6000 خطبة خلال حياته، ولا يزال 500 منها متوفرًا حتى اليوم.

أنتج المخرج المصري سمير سيف فيلم “أوغسطينوس: ابن دموعها”، الذي يتناول حياة أوغسطينوس، بالتعاون مع وزارة الثقافة الجزائرية. يشير هذا العنوان إلى دموع والدة أوغسطينوس عندما كانت تصلي من أجل اهتداء ابنها. ويؤدي الممثل الجزائري عماد بنشني الدور الرئيسي. نشارك هذا الفيلم هنا.

المسيحية في شمال افريقيا

لاكتانتيوس والتسامح الديني

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

يُعدّ لاكتانتيوس أحد أبرز كتّاب وخطباء شمال إفريقيا في القرن الرابع للميلاد حيث انطلقت مسيرته الفكرية في موطنه الإفريقي، قبل أن ينتهي به المطاف مستشارًا للإمبراطور الروماني قسطنطين. وقد كان لتجربته الشخصية، بوصفه مسيحيًا عايش الاضطهاد الديني في عهد أسلاف قسطنطين، أثرٌ عميق في أفكاره، إذ أسهم في توجيه سياسة أول إمبراطور مسيحي نحو إقرار مبدأ التسامح الديني بين رعايا الدولة، على اختلاف معتقداتهم، مسيحيين كانوا أم يهودًا أم وثنيين.

سيرة لاكتانتيوس

Lactance

وُلد لوسيوس كايكيليوس فيرميانوس، المعروف باسم لاكتانتيوس، نحو سنة 250م في إفريقيا الرومانية، في أسرة يُرجَّح أن أصولها أمازيغية أو بونيقية، بحسب اختلاف الروايات. ولا يُعرف على وجه اليقين موضع مولده، غير أن نقشًا وُجد في مدينة سيرتا، قسنطينة الحالية، يذكر شخصًا يحمل الاسم ذاته، دون أن يُحسم ما إذا كان المقصود به هو لاكتانتيوس نفسه.

تلقّى تعليمه في البلاغة على يد أرنوبيوس من سيكا، ولا يزال الغموض يلفّ مسألة اعتناقه المسيحية، أكان ذلك بتأثير أستاذه أم قبل لقائه به. ثم اشتغل بالتدريس في مدينته، قبل أن يستدعيه الإمبراطور دقلديانوس، حوالي سنة 300م، للتدريس في البلاط الإمبراطوري. وهناك تعرّف إلى عدد من كبار رجال الدولة، من بينهم قسطنطين، الذي سيغدو لاحقًا إمبراطورًا.

في سنة 303م، أصدر دقلديانوس مرسومًا شديدًا ضد المسيحيين، قضى بهدم أماكن عبادتهم، وإحراق كتبهم المقدسة، ومنع تجمعاتهم، وإقصاء المسيحيين العاملين في أجهزة الدولة. وكان لاكتانتيوس قد أدرك قرب صدور هذا القرار، فآثر الاستقالة من منصبه قبيل إعلانه. وخلال السنوات التالية، قُتل الآلاف من المسيحيين في مختلف أنحاء الإمبراطورية، وكان لإفريقيا نصيب وافر من تلك الاضطهادات. وقد عايش لاكتانتيوس هذه الأحداث عن قرب، وخلّف لاحقًا مؤلفًا يوثق تلك المرحلة القاسية.

تنازل دقلديانوس عن الحكم سنة 305م، وخلفه غاليريوس الذي واصل سياسة الاضطهاد، قبل أن يضطر، تحت ضغط متزايد من قسطنطين، إلى إصدار مرسوم للتسامح سنة 311م، قبل وفاته بقليل. وبذلك، أصبحت المسيحية، لأول مرة في التاريخ الروماني، ديانة معترفًا بها رسميًا.

في بلاط قسطنطين

قسطنطين

اعتنق قسطنطين المسيحية سنة 312م، غير أن اهتمامه بها سبق ذلك بسنوات، إذ اختار لاكتانتيوس، وهو مسيحي، ليكون مربّيًا لابنه منذ سنة 310م، في زمن كانت فيه الاضطهادات لا تزال قائمة. وبعد اعتناق الإمبراطور للدين الجديد، أصبح لاكتانتيوس أبرز مستشاريه في شؤون السياسة الدينية.

كان السياق الذي مارس فيه لاكتانتيوس هذه المسؤوليات بالغ الخصوصية والتعقيد؛ فالمسيحيون لم يعودوا عرضةً للاضطهاد، بل إن الإدارة الإمبراطورية نفسها باتت تميل إلى دعم الديانة الجديدة، في حين ظلّت الغالبية الساحقة من سكان الإمبراطورية وثنية. أما النخبة، على وجه الخصوص، فكانت لا تزال متشبثة بالتقاليد الدينية القديمة. في هذا الواقع المستجد، وجد الإمبراطور نفسه أمام تساؤل حاسم: كيف ينبغي أن يتعامل مع رعاياه الذين لا يشاركونه إيمانه؟ هل يسعى إلى فرض عقيدته بالقوة، فيضطهد الوثنيين كما اضطهد أسلافه الوثنيون المسيحيين من قبل؟

كان موقف لاكتانتيوس على النقيض من ذلك تمامًا، إذ نصحه بانتهاج سياسة تقوم على التسامح الديني، أساسها الطابع الاختياري للعبادة. فالإكراه، في نظره، لا يصنع مؤمنين جدد، وإنما لا يُنتج إلا نفاقًا خاليًا من الصدق.

مخطوطة المؤسسات الالهية

يعرض لاكتانتيوس تصوّره للتسامح الديني في الكتاب الخامس من مؤلَّفه «المؤسسات الإلهية». وفيما يلي مقتطفات تُجمل فكره وتلخّص موقفه: “لا ينبغي اللجوء إلى القوّة، لأن الدين لا يكون إلا حرًّا. ينبغي استعمال الكلمة بدل الضرب، حتى يقبل من يقبله عن طواعية واختيار. […] فبين القسوة والتقوى بون شاسع، إذ لا تجتمع الحقيقة والعدل مع الشدّة ولا مع العنف. […] يجب الدفاع عن الدين لا بقتل الآخرين، بل بالموت في سبيله، لا بقسوة العذاب، بل بالصبر، لا بالجرائم، بل بالإيمان. ولما كان الدين خيرًا في ذاته، فإنه لا يقبل أن يُدافَع عنه بالشر. فإذا سعيتم إلى حمايته بسفك الدماء، وممارسة القسوة، وارتكاب الجرائم، فإنكم لا تدافعون عنه، بل تنتهكون حرمته. وليس شيء أَولى بالاختيار الحرّ من الدين، إذ إنّه يفسد كلّ الفساد متى أُكره من يقدّم عبادته على غير إرادته. وأفضل وسيلة للدفاع عن الدين هي أن يموت المرء من أجله؛ فبهذا يُثبَت أمام الناس، وفي الوقت نفسه تُحفَظ الأمانة التي وُهِبت لله. […] إن الإيمان الذي نحفظه لله تعقبه مكافأة أشدّ ثباتًا وأعظم إشراقًا، لأنه لا يدوم بقدر هذه الحياة الحاضرة، وهي قصيرة، فحسب، بل بقدر الحياة الآتية، وهي أبدية.”

وينطلق هذا التصور من فهم مسيحي لله والإنسان، حيث يُدعى الإنسان إلى عبادة الله عن قناعة وصدق، لا عن خوف وإجبار. فالعبادة القسرية، في نظره، عبادة باطلة، لأن الإيمان فعل ضمير. كما اعتبر أن لجوء الوثنيين إلى اضطهاد المسيحيين دليل على خطئهم، إذ إن العنف يتنافى مع عدالة الله.

حرص قسطنطين، إلى حدٍّ كبير، على ترجمة هذه المبادئ في سياسته الدينية. فقد أكدت قوانينه وخطاباته الرسمية صدق المسيحية، دون أن تفرض عقوبات على من رفض اعتناقها. كما عوقب أولئك المسيحيون الذين استغلوا نفوذهم الجديد للإساءة إلى اليهود أو الوثنيين. ولم تكن هذه سياسة حياد ديني بالمفهوم الحديث، بل تصورًا للحرية الدينية قائمًا على الاعتراف بحق الإنسان في الخطأ.

ويجد هذا المبدأ ما يوازيه في الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ كما تجلّى عمليًا في عهد عمر بن الخطاب مع الجماعات المسيحية واليهودية في بلاد الشام، حيث ضُمنت حقوقهم الدينية في إطار الدولة الإسلامية. غير أن لاكتانتيوس يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى الدين شأنًا فرديًا خالصًا، مرتبطًا بضمير الإنسان، لا بمجرد انتمائه إلى جماعة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول حدود الحرية الدينية.

وجوب صيام رمضان: مسألة نقاش دائم في المجتمعات المغاربية

في عالمنا المعاصر، حيث يعود عدد متزايد من أبناء شمال إفريقيا المقيمين في الخارج إلى بلدانهم بسبب تصاعد التمييز ضد المسلمين في الغرب، وفي وقت تعالت فيه الأصوات المطالِبة باحترام الحريات الفردية وحرية المعتقد داخل مجتمعاتنا، تكتسب أفكار لاكتانتيوس، راهنية خاصة. فهي تقدم نموذجًا تاريخيًا بديلًا للتعايش، يقوم على قبول الاختلاف، واحترام الضمير الإنساني، في مجتمع تتعدد فيه القناعات وتتنوع فيه أنماط العيش.

المسيحية في شمال افريقيا

أرنوبيوس من سيكا: اعتناق خطيب

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان أرنوبيوس من سيكا خطيبًا نوميديًا شهيرًا يُدرّس في سيكا (الكاف). وفي أواخر حياته، أثار دهشة كبيرة في الأوساط المسيحية المحلية عندما أعلن اعتناقه المسيحية، وهي ديانة حاربها طوال حياته. ولتهدئة مخاوف المشككين في صدقه، شرع في تأليف كتاب يدحض فيه معتقداته الوثنية السابقة.

لوحة تصويرية لأرنوبيوس

وُلِد أرنوبيوس حوالي عام 240، في كيفيتاس بوبثينسيس (هنشير القصيبة، قرب أولاد مومن، بولاية سوق أهراس الجزائرية). بعد دراساته المتميزة في الأدب اللاتيني، درّس البلاغة في سيكا (الكاف)، واشتهر في المنطقة بعلمه الواسع. وكانت مدينة سيكا فخورة جدًا بساكنها الشهير.

على الرغم من تعليمه اللاتيني، كان أرنوبيوس ابنًا بارًا لشمال إفريقيا وفخورًا جدًا بأصوله الأمازيغية، كما اعتبر الغزو الروماني لأفريقيا حدثًا تاريخيًا عابرًا. كتاباته مليئة بالإشارات إلى جمال المنطقة الطبيعي ووفرة محاصيلها وقطعان الأغنام التي ترعى في الجبال وأشجار الزيتون التي تنمو في السهول، بالإضافة إلى موجات الجفاف وغزوات الجراد التي أتلفت المحاصيل.

في ذلك الوقت، كانت سيكا، كسائر مدن شمال أفريقيا، تضم جالية مسيحية قوية. كان أرنوبيوس يحتقر المسيحيين، إذ كان يعتبرهم جهلاء، ولم يتردد في مهاجمة إيمانهم في خطاباته. أما القادة المسيحيون المحليون، الذين كانوا على الأرجح مزارعين أو حرفيين غير متعلمين، فقد عجزوا عن الرد على حجج خصمٍ عنيدٍ كهذا.

أطلال سيكا

ومع ذلك، حوالي عام 295، عندما كان قد كبر في السن، فاجأ أرنوبيوس الجماعة المسيحية في سيكا بإعلانه اعتناقه المسيحية! بدلًا من الفرح بانضمام رجلٍ جليلٍ كهذا إلى إيمانهم بعد صراعٍ طويل، رفض المسيحيون في البداية تصديقه: خافوا من محاولته اختراقهم وتدميرهم من الداخل. حتى أن أسقف سيكا رفض تعميده.

كان أرنوبيوس متلهفًا جدًا لقبوله في المجتمع المسيحي، لذلك قرر أن يؤلف كتابا دفاعيا لدحض معتقداته الوثنية السابقة. وكانت النتيجة، “ضد الأمم”، دعوةً قويةً للإيمان المسيحي وضد أكاذيب الأساطير والفلسفات الوثنية. أما بالنسبة لأرنوبيوس نفسه، كان الهدف من هذا الكتاب إقناع المسيحيين بصدق إيمانه بقدر ما كان إقناع الوثنيين بحقيقة المسيحية. ومن المحتمل جدًا أيضًا أن كتابه يروي رحلته الروحية، والأسباب التي دفعته إلى التخلي عن معتقداته السابقة واعتناق المسيحية ــ إذ يذكر كيف أن العديد من الأحلام التي راودته دفعته إلى اعتناق المسيحية.

كان جوهر حجج أرنوبيوس أن الدين الحقيقي يجمع بالضرورة بين القوة الروحية والفضيلة الأخلاقية. وكان على دراية تامة بالطوائف الوثنية الأفريقية واليونانية الرومانية، بكل طقوسها وتضحياتها، إذ مارسها لسنوات طويلة. ورغم إدراكه العميق للقوة الروحية الحقيقية التي يتمتع بها الكهنة الوثنيون وطقوسهم، إلا أنه لم يجد فيها خيرًا ولا فضيلة. بل على العكس تمامًا: كانت الأساطير مليئة بقصص آلهة فاسدة أخلاقيًا، زناة وقاتلين عنيفين. اشتهرت مدينة سيكا بمعبد فينوس الذي كان يعج بكاهنات يمارسن البغاء! أما الفلسفة، فقد علّمت مبادئ أخلاقية رائعة، لكنها تركت الإنسان عاجزًا عن التغلب على أنانيته وممارسة تلك الفضائل.

شاهد قبر مسيحي في سيكا

في هذه المرحلة، اكتشف أرنوبيوس المسيح، والذي تُظهر معجزاته قوة روحية تفوق قوة الكهنة الوثنيين، بينما تعاليمه عن محبة الأعداء ورفض الانتقام، كانت هي الأخرى أسمى من أسمى الفلسفات. وأخيرًا، من خلال قيامة المسيح، حظي المسيحيون بأملٍ أكيدٍ في الحياة الأبدية ــ وهو ما سعى إليه جميع الفلاسفة، مع أن أحدًا منهم لم يجده.

كتب أرنوبيوس كتابه وهو لا يزال حديث العهد باعتناقه، دفاعًا عن عقيدة لم يكن يعرفها جيدًا. كتاباته عاطفية ومثقفة وخيالية، لكن حججه كان من الممكن أن تُصقل لو خصص وقتًا أطول للتفكير فيها.

استغرق أرنوبيوس عدة سنوات في تأليف هذا الكتاب الذي لم يُكمله قبل وفاته. بعد فترة، قبله المسيحيون في سيكا أخيرًا أخًا لهم. وأصبح لاكتانتيوس، أحد تلاميذه، وهو مسيحي أيضًا، مستشارًا للإمبراطور قسطنطين.

اقرأ المزيد

المسيحية في شمال افريقيا, شمال إفريقيا الرومانية

فيرموس الطاغاستي: حقّ اللجوء في إفريقيا الرومانية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

في القرن الثالث الميلادي، استقبل الأسقف فيرموس الطاغاستي، في نوميدية، رجلًا كانت السلطات الرومانية تبحث عنه بأمر من الإمبراطور مكسيميانوس. وعندما أرسل الإمبراطور جنوده لإلقاء القبض عليه، رفض فيرموس تسليمه لهم، رغم الخطر الذي كان يهدد حياته. فأُعجب الإمبراطور بشجاعته، ومنحه العفو عن ذلك الرجل. وألهمت هذه الحادثة المبدأ الحديث لحقّ اللجوء.

يُعدّ فيرموس أقدم أسقف معروف لمدينة طاغاست (سوق أهراس حاليًا)، وهي مدينة نوميدية ستشتهر لاحقًا لأنها مسقط رأس أوغسطينوس الهيبوني. وقد استقبل هذا اللاجئ سنة 289م، في عهد الإمبراطور مكسيميانوس. في ذلك الوقت، كان يُحتمل أن يكون المسيحية قد أصبحت الديانة الغالبة في جزء واسع من إفريقيا الرومانية، إلا أن هذا الدين الجديد لم يكن معترفًا به بعد، وكان المسيحيون ما يزالون يتعرّضون للاضطهاد بانتظام. وقد مات فيرموس نفسه شهيدًا بعد سنوات.

وهكذا يروي أوغسطينوس الهيبوني هذه الحادثة: «هذا ما فعله في زمنٍ مضى أسقف طاغاست، فيرموس بالاسم، والأصلب إرادة. فقد جاءه أعوان السلطة يحملون أمر الإمبراطور بتسليم رجل كانوا يبحثون عنه وقد لجأ إلى بيته، فأجابهم بكل ما يستطيع من ثبات بأنه لا يمكنه أن يكذب ولا أن يسلّمه لهم. ومهما تعرّض للتعذيب (إذ لم يكن الأباطرة مسيحيين بعد)، ظلّ مصرًّا على موقفه. ثم أُحضر أمام الإمبراطور، فبدا له جديرًا بالإعجاب، فنال بسهولة عفوًا لذلك الذي كان قد آواه.»

ولا نعرف شيئًا آخر عن هوية هذا الرجل الفارّ، ولا عن سبب رغبة الإمبراطور في القبض عليه. ولجوؤه إلى أسقف يُشير على الأرجح إلى أنه كان مسيحيًا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه كان مُضطهدًا بسبب إيمانه. قد يكون فيرموس قد استلهم أيضًا تقليدًا للّجوء موجودًا في القانون العرفي الأمازيغي.

وفي القرون اللاحقة، أثّرت هذه الحادثة تأثيرًا كبيرًا في التقاليد المسيحية المتعلقة بحقّ اللجوء، وخاصة في مبدأ حرمة أماكن العبادة وعدم انتهاكها.

المسيحية في شمال افريقيا

مكسيمليان التيفيستي : أول رافض للخدمة العسكرية

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان جيش الإمبراطورية الرومانية الهائل مصدر قوتها، نظرا لحسن تجهيزه و شدة انضباطه. من المقدر أن الجيش الروماني كان يتألف في ذروته من حوالي 450000 جندي. ومع اقتراب نهاية القرن الثالث، أُعدم ماكسيميليان، وهو مسيحي من مدينة تيفست (تبسة) في نوميديا، نظرا لرفضه الخدمة في الجيش. ويُعتبر أول معارض للخدمة العسكرية ومستنكف ضميري، وقدوة لكل من رفض بعده حمل السلاح والقتل في سبيل قضية لم يؤمنوا بها.

وُلد ماكسيمليان التيفستي عام 274 في تيفست (تبسة حاليًا، في الجزائر). كان والده فابيوس فيكتور من قدامى المحاربين في الجيش الروماني. ولأنه ابن جندي سابق، كان ماكسيمليان مُلزمًا بموجب القانون الروماني بالانخراط في الجيش في سن الحادية والعشرين.

خلال ذلك الوقت، تباينت النظرة المسيحية للخدمة العسكرية تباينًا كبيرًا. فإلى جانب استخدام العنف، شكّلت التضحيات في الاحتفالات العسكرية مشكلة أخرى للضمير المسيحي. وبصورة عامة، لم يُسمح عادة للمسيحيين المعمدين بالالتحاق بالجيش (أو على الأقل ثُبطوا عن ذلك)، بينما كان بإمكان الجنود الذين اعتنقوا المسيحية مواصلة خدمتهم. كان لدى بعض المسيحيين، مثل يوليوس أفريكانوس الذي خدم ضابطًا عسكريًا في عهد سيبتيموس سيفيروس، نظرة إيجابية للخدمة العسكرية. وفي عهد حكم دقلديانوس، الذي أعاد الانضباط العسكري الصارم، اتخذت الكنيسة المسيحية موقفا مناهضا للنزعة العسكرية بشدة.

في 12 مارس من عام 295، وهو عيد ميلاده الحادي والعشرين، أخذه والده إلى والي أفريقيا للالتحاق بالجيش. كان والده مسيحيًا، ومن الواضح أنه لم ير أي تناقض بين إيمانه ودعوته العسكرية. مع ذلك، رفض ماكسيميليان الخدمة في الجيش قائلًا: “لا أستطيع الخدمة، لا أستطيع فعل الشر، أنا مسيحي”. كما لم يرغب في ارتداء ميدالية تحمل صورة الإمبراطور دقلديانوس حول عنقه، وهو أمر يلزم به جميع المجندين، لأنه اعتبر ذلك خيانة للمسيح.

بسبب رفضه، ألقي القبض على ماكسيميليان و سجن. وعندما استجوبه الوالي عن سبب رفضه الالتحاق بالجيش، أجاب قائلا أنه يؤمن بأن الإنجيل المسيحي يحرم جميع أشكال العنف، وبالتالي فإن الخدمة في الجيش تخالف ضميره. هدده الوالي بالحكم عليه بالإعدام إذا أصر على ما هو عليه، لكنه أجاب قائلا: “لن أخدم، حتى ولو قطعتم رأسي؛ فأنا لست جنديًا في جيش هذا العالم، بل في جيش إلهي”. خشي الوالي أن يحذو المسيحيون الآخرون حذوه، فأمر بقطع رأسه. حصلت سيدة مسيحية تدعى بومبيانا على جثمانه ودفنته في قرطاج.

يُذكر ماكسيميليان التيفستي كأول معارض للخدمة العسكرية لأسباب ضميرية. ولا شك أن مسيحيين آخرين أُعدموا في الفترة نفسها تقريبا لرفضهم الخدمة في الجيش. وخلال حرب فييتنام، اتخذت مجموعة من القادة الدينيين الأمريكيين المعارضين للحرب اسم “رهبنة ماكسيميليان”، تخليدًا لذكرى سلفهم المجيد من شمال أفريقيا.