Blog

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

معركة الرأس الطيب: آخر هزائم الرومان في إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة عبدالرحيم ابوالشيخ

انهارت السيطرة الرومانية على شمال افريقيا التي استمرت لأزيد من أربغة قرون، لما غزاها الوندال. وشكلت خسارة إفريقيا، التي شكلت سلة القمح للإمبراطورية، ضربة قاسية للرومان، الذين حاولوا استعادتها عدى مرات. وقد تحالف إمبراطوران رومانيان، سنة 468م، أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، لشن حملة ضد الوندال. وشكلت هزيمتهما في معركة الرأس الطيبآخر المحاولات الرومانية لاستعادة افريقيا.

السياق

عملة ذهبية تحمل صورة ماجوريان

استعادت الإمبراطورية الرومانية، إبان عهد الإمبراطور ماجوريان (461-457)، السيطرة على إسبانيا. ما دفع ماجوريان إلى السعي نحو إستعادة شمال أفريقيا من أيدي الوندال، لكنه مني بالفشل ، لكن الضابط في جيشه المدعو مارسيلينوس نجح في استعادة صقلية.

حاول الملك الوندالي جنسريك غزوالبيلوبونيز سنة 467. ومع توسع الأسطول الوندالي أكثر فأكثر نحو الشرق، خشي الرومان من الهجوم على الإسكندرية. وأخيرا، قرر الإمبراطور الروماني الشرقي ليون الأول، الذي كان مترددا فيما قبل في دعم الإمبراطورية الغربية ضد الوندال، التدخل.

الهجوم الروماني

إلتأم إمبراطور الغرب أنثيميوس، وإمبراطور الشرق ليون الأول، ومارسيلينوس – وهو ضابطيحكم إقليما شبه مستقل في إيليريا – في صقلية للتحضير لهجوم مشترك واسع النطاق ضد قرطاج.

عملة ذهبية تحمل صورة بازيليسكوس

قرر الرومان مهاجمة الوندال على ثلاث جبهات : سيهاجم بازيليسكوس ، القائد الأعلى للجيش الروماني الشرقي، قرطاج عبر البحر مع الجزء الأكبر من القوات، وسيهاجم مارسيلينوس سردينيا انطلاقا من صقلية قبل أن ينضم إلى بازيليسكوس، بينما سيتولى والي مصر هيراكليوس أمر الهجوم على قرطاج من الشرق، انطلاقا من ليبيا.

يحتل  مارسيلينوس سردينيا، بينما يسيطر هيراكليوس على طرابلس. ويرسو أسطول بازيليسكوس قبالة رأس بون، في انتظار وصول مارسيلينوس. غير أن معظم أسطول مارسيلينوس، والذي كان تحت إمرة الجنرال ذو الأصول الجرمانية ريسيمر، رفضوا الإبحار. ومن المرجح أن ريسيمر كان يتعمد إفشال العملية.

ويعد الإنزال الروماني عند رأس بون واحدة من أهم العمليات العسكرية من هذا النوع في التاريخ القديم، حيث شارك فيه أزيد من خمسين ألف مقاتل وألف سفينة.

طلب الملك جينسيريك هدنة للتفاوض. وفي تلك الأثناء، ملأ الوندال سفنهم بمواد قابلة للاشتعال، ثم أطلقوا تلك السفن الملتهبة ليلا نحو الأسطول الروماني الذي فوجئ بهذه الهجمة. وأدى ذلك إلى احتراق أكثر من نصف الأسطول الروماني.

لاحقا

هرب بازيليسكوس ومارسيلينوس إلى صفلية مع الناجين من جيشهما، بينما نزح هيراكليوس هاربا عبر الصحراء الليبية. وفي صقلية، اغتال ريسيمر مارسيلينوس.

أصبح يوليوس نيبوس، ابن أخ مارسيلينوس، إمبراطور الغرب بين عامي 474 و475. أما بازيليسكوس، فسيصبح إمبراطورا للشرق للفترة الممتدة بين 475-476م.

شكلت هذه الهزيمة الرومانية المرحلة الأخيرة ن انحدار الإمبراطورية الرومانية الغربية، التي لم تعد تسيطر إلا على إيطاليا وصقلية. وقد تمت الإطاحة بآخر إمبراطور، المدعو رومولوس أوغستولوس، سن 476 على يد الزعيم الجرماني أودواكر.

المسيحية في شمال افريقيا

بولينوس من نولا: أسيرٌ لدى الوندال في شمال إفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان بولينوس من نولا عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني، ثم أصبح أسقفًا لمدينة نولا في إيطاليا. ووفقًا لإحدى الروايات التقليدية، فإنه أثناء إحدى غارات الوندال على جنوب إيطاليا، باع نفسه عبدًا لهم مقابل إطلاق سراح ابن أرملة كان قد أُسر. ثم عمل بستانيًا في خدمة صهر ملك الوندال، قبل أن يُطلق سراحه عندما اكتشف سيده هويته الحقيقية.

من هو بولينوس من نولا؟

بولينوس من نولا

كان بونتيوس ميروبيوس بولينوس من كبار الأرستقراطيين الرومان. وُلِد سنة 352 في بورديغالا (بوردو الحالية)، ونشأ في أسرة ثرية ونافذة كانت تمتلك أراضي في بلاد الغال وإسبانيا وجنوب إيطاليا. وقد تلقّى تعليمه على يد الشاعر الغالو-روماني الشهير أوسونيوس.

في شبابه، بدأ بولينوس، شأنه شأن معظم أبناء طبقته، مسيرةً في الإدارة الرومانية. ففي سنة 377، عيّنه الإمبراطور غراتيان قنصلًا، ثم أصبح سنة 380 حاكمًا لإقليم كامبانيا في جنوب إيطاليا. وفي سنة 384، تزوّج من ثيراسيا، وهي سيدة نبيلة من أصل إسباني، وانتقل للإقامة معها في إسبانيا.

تمثال بولينوس من نولا

كان بولينوس مسيحيًا، وقد تعمّد على يد أسقف بورديغالا، ثم درس اللاهوت في ميلانو على يد الأسقف أمبروسيوس. وبعد زواجه، أخذ هو وزوجته يتأثران أكثر فأكثر بدعوة المسيح للشاب الغني في الأناجيل: “اذْهَبْ، بِعْ كُلَّ مَا عِنْدَكَ، وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَعَالَ اتْبَعْنِي.” وبعد وفاة طفلهما الوحيد، بعد ثمانية أيام فقط من ولادته، قرّرا الاستجابة لهذه الدعوة. فباعا أراضيهما وجميع ممتلكاتهما، ووزّعا الأموال على الفقراء، واعتزلا حياة الدنيا. ومنذ ذلك الحين، كرّسا بقية حياتهما لخدمة المسيح.

في سنة 395، غادر بولينوس وثيراسيا إسبانيا واستقرا في مدينة نولا في كامبانيا. وكان بولينوس يعتبر القديس فيليكس، وهو أسقف نولا الذي قُتل بسبب إيمانه حوالي سنة 260 في عهد الإمبراطور دقيانوس، قدوته ومثله الأعلى، إذ كان فيليكس قد باع هو أيضًا جميع ممتلكاته ووزّع ثمنها على الفقراء. وبعد وصوله إلى نولا، أشرف بولينوس على ترميم وتوسعة الكنيسة المكرسة للقديس فيليكس، وكان يؤلف كل عام قصيدة تكريمًا له.

توفيت ثيراسيا حوالي سنة 410، وبعد ذلك بوقت قصير، رُسِم بولينوس أسقفًا على نولا. وقضى ما تبقى من حياته في هذه المدينة، إلى أن توفي سنة 431.

بولينوس من نولا في إفريقيا؟

بولينوس من نولا عبدًا في إفريقيا – صورة أنشأها ChatGPT

تروي إحدى الروايات المسيحية أن بولينوس، عندما كان أسقفًا على نولا، استخدم كنز الكنيسة لافتداء سكان المنطقة الذين استعبدهم الوندال خلال إحدى غاراتهم على جنوب إيطاليا. ثم جاءت إليه أرملة كان ابنها قد اختطفه الوندال، لكن أموال الكنيسة لم تعد تكفي لدفع فديته، فاختار بولينوس أن يبيع نفسه عبدًا مقابل إطلاق سراح ابنها.

وعندما وصل إلى إفريقيا وسُئل عن المهنة التي يُجيدها، أجاب بأنه ماهر في البستنة. فأُعطي عبدًا لصهر ملك الوندال (وربما كان الملك جنسريك) الذي كان مولعًا بالحدائق. وبعد مدة، اكتشف الملك هوية هذا العبد من خلال حلم، فأمر بإطلاق سراحه.

وقد أورد هذه القصة البابا غريغوريوس الأول، الذي عاش بعد بولينوس من نولا بأكثر من قرن. ولذلك تبقى صحتها التاريخية غير مؤكدة، لكنها تبدو معقولة في ضوء الروايات الأخرى التي تتناول حياة بولينوس من نولا.

شمال إفريقيا الرومانية, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

أوليبريوس: إمبراطور مقرّب من الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان أوليبريوس أحد آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية الغربية، وقد ارتبط بعلاقة مصاهرة مع ملك الوندال في قرطاج جيسريك. وبعد أن حاول عدة مرات الاستيلاء على العرش بدعم من الوندال، تمكن أخيراً من اعتلاء العرش، لكنه لم يحكم سوى بضعة أشهر سنة 472.

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أوليبريوس

وُلد أنيكيوس أوليبريوس في روما، وسط إحدى أعرق العائلات الأرستقراطية الرومانية. وتزوّج من بلاسيديا، ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، قبيل نهب الوندال لمدينة روما. ومن المحتمل أيضاً أن أوليبريوس وبلاسيديا كانا مخطوبين فقط آنذاك، وأن زواجهما لم يتم إلا بعد عودة بلاسيديا إلى روما.

في سنة 455، اختطف الوندال بلاسيديا إلى قرطاج مع شقيقتها يودوكيا، التي أصبحت لاحقاً زوجة هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك. وقد أُطلق سراح بلاسيديا سنة 461.

بعد وفاة الإمبراطور ماجوريان سنة 461، أصبح القائد العسكري ريسيمر الحاكم الفعلي للإمبراطورية، لكنه لم يكن قادراً على أن يصبح إمبراطوراً بسبب أصوله الجرمانية. عندئذ طالب أوليبريوس بالعرش الإمبراطوري، وحظي بدعم جيسريك الذي كان يأمل أن يكون حكمه أكثر توافقاً مع مصالح الوندال. إلا أن ريسيمر اختار إمبراطوراً آخر هو ليبيوس سيفيروس. وفي سنة 464، تولّى أوليبريوس منصب القنصل.

الوجه الخلفي لقطعة نقدية ذهبية لأوليبريوس: صليب مسيحي تحيط به أوراق الغار

بعد وفاة ليبيوس سيفيروس سنة 465، طالب أوليبريوس مرة أخرى بالعرش، بدعم متجدد من جيسريك، لكن الاختيار وقع على أنثيميوس. أما المحاولة الثالثة فكانت ناجحة؛ إذ أصبح أوليبريوس إمبراطوراً بعد وفاة أنثيميوس سنة 472. ولم يمضِ وقت طويل حتى توفي ريسيمر، الذي كان يسيطر على تعيين الأباطرة منذ عهد ماجوريان، بعد اعتلاء أوليبريوس العرش.

وبفضل زواجه من بلاسيديا، كان أوليبريوس الوريث الشرعي للسلالة الثيودوسية، آخر السلالات الإمبراطورية الرومانية الكبرى. وقد كان حكمه قصيراً وهادئاً، واشتهر بتدينه الشديد. كما أن تصويره على عملاته النقدية من دون رمح أو خوذة يوحي بأنه لم يكن مهتماً كثيراً بالشؤون العسكرية. وتوفي أوليبريوس بعد أربعة أشهر فقط من حكمه، إثر إصابته بالاستسقاء.

وتعود الكلمة الفرنسية «olibrius»، التي تُستعمل لوصف شخص متغطرس ومثير للسخرية، إلى السمعة التي اكتسبها هذا الإمبراطور في التاريخ، بسبب قِصر مدة حكمه وخلوّها من أحداث بارزة.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

ماجوريان: الإمبراطور الروماني الذي سعى لاستعادة شمال أفريقيا

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة إبراهيم أيت دامي

انهارت السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا، التي دامت أكثر من أربعة قرون، حين غزا الوندالُ المنطقةَ. وبعد نحو ثلاثين عامًا، قاد إمبراطورٌ جديد، هو ماجوريان، حملةً مكّنته من استعادة السيطرة على إسبانيا. وأراد بعد ذلك استرجاع شمال أفريقيا، لكنه لم يملك الوسائل الكافية لذلك.

السياق

قطعة نقدية ذهبية تحمل صورة أفيتوس

بعد نهب روما على يد الوندال عام 455، غدا الإمبراطورية الرومانية أضعفَ من أي وقت مضى. فرَض ثيودوريك الثاني، ملك القوط، أفيتوسَ، وهو شيخ مجلس شيوخ من أصل غاليّ مقرَّبٌ منه، إمبراطورًا جديدًا. وخلال حكم أفيتوس، غزا القوطُ إسبانيا، بحجّة إعادتها إلى السيطرة الرومانية، لكن في الحقيقة لأنفسهم. وإذ تخلّى عنه ثيودوريك، قُتِل أفيتوس عام 456، بعد سنةٍ واحدة من الحكم.

ماجوريان: لنجعل روما عظيمةً من جديد

الأراضي التي استعادها ماجوريان – اضغط لتكبير الصورة

قرّر القائد ماجوريان، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا، إطلاقَ حملةٍ واسعة لاسترجاع الأراضي التي خسرتها روما. فبدأ بطرد البرغنديّين من جنوب بلاد الغال، ثم هاجم القوط في إسبانيا. وفي ثلاث سنوات، استعاد السيطرة على معظم إسبانيا. كما أرسل ضابطه مارسيلينوس لاستعادة صقلية من الوندال.

أراد ماجوريان أن يتّخذ من إسبانيا قاعدةً لمهاجمة الوندال في أفريقيا. لكن أثناء حملته في إسبانيا، تمكّن الوندال من تدمير السفن التي كان يُعِدّها للغزو. فحُرِم ماجوريان من أسطوله، واضطُرّ إلى إلغاء خططه. وفي عام 460، عقَد اتفاق سلام مع الملك الوندالي جِنْسِريك، وحلَّ جيوشه.

وعند عودته إلى إيطاليا، أسَره ريسيمر، وهو قائد رومانيٌّ من أصل جرماني. واغتِيل ماجوريان عام 461.

بعد ذلك

خاتم ريسيمر

في السنوات التالية، ظلّ ريسيمر، الذي لم يستطع أن يصبح إمبراطورًا بنفسه بسبب أصله الجرماني، السيّدَ الحقيقيَّ للإمبراطورية، حتى وفاته عام 472. أمّا الأباطرة الذين حكموا خلال تلك السنوات فلم يكونوا سوى دُمًى. وكان أحدهم، أوليبريوس، مرتبطًا بمصاهرةٍ بالملك الوندالي جِنْسِريك.

وفي عام 476، خلَع الزعيمُ الجرماني أودواكر آخرَ إمبراطور روماني، رومولوس أوغستولوس: وكانت تلك نهاية الإمبراطورية الرومانية.

شمال إفريقيا الرومانية, بين العصور القديمة والعصور الوسطى: نَقَلَةُ الثقافة

إيليوس دوناتوس: نحوي روماني أفريقي

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان إيليوس دوناتوس نحويًا في القرن الرابع الميلادي، ينحدر من شمال إفريقيا. وقد لعبت مؤلفاته في قواعد اللغة اللاتينية دورًا مهمًا في تعليم اللاتينية خلال العصور الوسطى.

تمثال إيليوس دوناتوس، النافورة الجميلة، نورنبرغ، ألمانيا

وُلِد إيليوس دوناتوس حوالي عامي 310-320م في إفريقيا الرومانية، وربما في تيبازة. وعمل في روما نحويًا وخطيبًا بين عامي 354 و363م. وبعد تقاعده، تفرغ للتأليف. وكان مقربًا من الفيلسوف ماريوس فيكتورينوس، وهو أيضًا من أبناء إفريقيا الرومانية. وتوفي نحو عام 380م.

جيروم الستريدوني، تلميذ إيليوس دوناتوس

تزامنت مسيرة إيليوس دوناتوس مع المرحلة التي بدأت فيها المسيحية تحل تدريجيًا محل الوثنية التقليدية بوصفها الديانة السائدة في العالم الروماني. وكانت شمال إفريقيا من أكثر أقاليم الإمبراطورية الرومانية اعتناقًا للمسيحية، ولذلك فمن المؤكد تقريبًا أن إيليوس دوناتوس احتك بالمسيحيين منذ شبابه. وعلى عكس صديقه ماريوس فيكتورينوس، الذي اعتنق المسيحية في شيخوخته، ظل إيليوس دوناتوس وثنيًا طوال حياته. ومع ذلك، فقد كان له تأثير في الكنيسة المسيحية، إذ كان معلم أب الكنيسة جيروم الستريدوني، الذي اشتهر خصوصًا بترجمته البارعة للكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية. ولا شك أن الدروس النحوية التي تلقاها على يد إيليوس دوناتوس كانت ذات فائدة كبيرة له في إنجاز هذه المهمة.

كانت الكتيبات الصغيرة، وغالبًا ما كانت في النحو، التي كانت تُطبع باستخدام قوالب خشبية قبل اختراع غوتنبرغ للطباعة بالحروف المتحركة، تُعرف باسم “Donats”، نسبةً إلى إيليوس دوناتوس.

يُعد كتاب فن النحو (Ars Grammatica) أشهر مؤلفات إيليوس دوناتوس، وهو رسالة في قواعد اللغة اللاتينية أصبحت أكثر كتب النحو استخدامًا لأكثر من ألف عام، وأسهمت بدرجة كبيرة في توحيد معايير اللغة اللاتينية. وكان هذا الكتاب يُدرَّس في المدارس إلى جانب مؤلفات بريسيان، وهو نحوي متأخر آخر من أصل شمال إفريقي.

إلى جانب مؤلفاته النحوية، كتب إيليوس دوناتوس شرحًا لمسرحيات ترنتيوس، وهو مؤلف روماني إفريقي آخر، أبرز فيه الصلات بين ترنتيوس والكاتب المسرحي اليوناني ميناندروس. كما ألّف سيرة للشاعر فيرجيل، ووضع شرحًا لملحمة الإنيادة. أما الشرح الآخر الأشهر للإنيادة، والذي يُنسب إليه كثيرًا، فهو في الواقع من تأليف تيبيريوس كلوديوس دوناتوس، الذي عاش بعده بنحو خمسين عامًا، لكنه استلهم كثيرًا من أعماله.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة, شمال إفريقيا الرومانية

زيركون: القزم الموري في خدمة ملك الهون

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كان زيركون قزمًا من أصلٍ موري، وكان عبدًا لدى أتيلا، ملك الهون، حيث عمل مهرّجًا في بلاطه. وبسبب هيئته التي كانت تُعدّ مضحكة في نظر معاصريه، كان يُستخدم لتسلية جيش سيده. ورغم هذه الحياة القاسية وغير المنصفة، استطاع زيركون أن يحظى بشعبية كبيرة بين الهون، وأن يحوّل ما اعتبره الآخرون نقطة ضعف إلى مصدر قوة، مكّنه من استعادة شيء من السيطرة على مصيره.

زيركون – صورة من إنشاء ChatGPT

كان زيركون من بلاد موريتانيا. وكان قصير القامة، أحدب الظهر، ذا قدمين معوجّتين وأنفٍ أفطس. وبسبب مظهره، بيع عبدًا ليُستخدم في إمتاع أسياده.

كان أول أسياد زيركون هو القائد الروماني أسبار، الذي اشتراه خلال حملته العسكرية ضد الوندال، والتي قادها سنة 432 مع حاكم إفريقية الرومانية بونيفاتيوس. ثم عاد زيركون مع أسبار إلى القسطنطينية، ورافقه بعد ذلك في حملاته العسكرية.

حوالي سنة 442، وقع زيركون في أسر الهون، فأصبح بليدا، شقيق أتيلا، سيده الجديد. وقد أُعجب بليدا بزيركون إلى درجة أنه كان يصطحبه معه أينما ذهب، بل أمر بصنع درع خاص يتناسب مع بنيته الجسدية. وفي أحد الأيام، هرب زيركون مع مجموعة من الأسرى. فأطلق بليدا سراح الآخرين، لكنه أعاد زيركون. وعندما سأله عن سبب هروبه، أجاب بأنه كان يبحث عن زوجة. فزوّجه بليدا إحدى وصيفات الملكة.

بعد وفاة بليدا، آل زيركون إلى أتيلا. وعلى خلاف أخيه، كان أتيلا يكره زيركون، لكنه لم يكن قادرًا على التخلص منه، بسبب الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها داخل جيشه.

وبعد فترة، قدّم أتيلا زيركون هديةً إلى القائد الروماني أتيوس لتأكيد اتفاق سلام بينهما. لكن أتيوس أعاده إلى سيده السابق أسبار. ومع ذلك، ظل زيركون يتمنى العودة إلى الهون. ولذلك طلب أن يرافق السفارة الرومانية التي أُرسلت إلى أتيلا بقيادة الدبلوماسي والمؤرخ بريسكوس، إلا أن طلبه رُفض. ومن خلال كتابات بريسكوس وصلتنا أخبار زيركون.

ويُرجّح أن زيركون أنهى حياته في القسطنطينية، ولا يُعرف شيء آخر عن مصيره.

لماذا نتحدث عنه؟
نحن ندين بشدة جميع أشكال الإساءة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما عندما تُستغل إعاقتهم لأغراض الترفيه.
لكن مثل هذه الممارسات كانت موجودة بالفعل، والحديث عنها لا يعني تبريرها أو قبولها.
ويُعد زيركون جزءًا من تاريخ شمال إفريقيا. ومن خلال نشر هذا المقال، نأمل أن تكون قصته، وما أظهره من قدرة على الحفاظ على كرامته رغم المحن التي واجهها، مصدر إلهام للآخرين.
الوندال في شمال أفريقيا

جانسريك الوندالي وأتيلا الهوني: تحالف استراتيجي ضد روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة صفاء المنصاري

كان مؤسس المملكة الوندالية في شمال أفريقيا جنسريك، معاصرًا لملك بربري آخر كان الرومان يخشونه بشدة: أتيلا الهوني الرهيب، الملقب بـ”سوط الله”. لم يُنسّق الرجلان أبدًا أفعالهما ضد عدوهما المشترك، لكن كلًا منهما استفاد من انتصارات الآخر لخدمة أهدافه الخاصة.

السياق التاريخي

جنسريك في طريقه إلى أفريقيا

جنسريك (427 ـ 477) هو ملك الوندال، الذي قاد شعبه لغزو شمال أفريقيا. في عام 429، عبر مضيق جبل طارق ونزل في طنجة. وبعد عشر سنوات، استولى على قرطاج، التي جعل منها عاصمته.

أتيلا (434 ـ 453) هو ملك الهون، وهم شعب رحّال قدم أصلاً من سهوب آسيا الوسطى، وبدأ بالهجرة نحو أوروبا الشرقية خلال القرن الرابع. دفع وصول الهون القوطَ، الذين كانوا مستقرين على الضفة الأخرى من نهر الدانوب، إلى البحث عن ملجأ داخل الأراضي الرومانية. وبحلول بداية القرن الخامس، أصبح الهون على حدود الإمبراطورية الرومانية. كان الهون محاربين شرسين، وكان أتيلا أعظم ملوكهم.

أتيلا وجنسريك ضد الرومان

ضد الإمبراطورية الشرقية

أتيلا الهوني

حكم أتيلا وأخوه بليدا الهون معًا بعد وفاة عمهما روجيلا في عام 435.

في عام 439، هاجم جنسريك، الذي كان في سلام مع الرومان منذ سنوات، قرطاج على حين غرة واستولى على المدينة.

وبعد ذلك بقليل، ظهر الهون مجددًا على حدود الإمبراطورية الرومانية، عقب حملة فاشلة ضد الإمبراطورية الفارسية. هاجموا التجار الرومان على الضفة الشمالية لنهر الدانوب، ثم عبروا النهر وغزوا الإمبراطورية الرومانية. وكانت القوات الرومانية التي كانت متمركزة عادة على نهر الدانوب قد أُرسلت لمحاربة الوندال في أفريقيا وصقلية، مما سمح للهون، بقيادة بليدا أخي أتيلا، بالتقدم بسرعة دون مقاومة تُذكر في منطقة البلقان.

مملكة الوندال في أوج قوتها

في مواجهة هذا التهديد الجديد، استدعى الإمبراطور الروماني الشرقي ثيودوسيوس الثاني قواته التي كانت تحارب الوندال. وسمح هذا الانسحاب الروماني لجنسريك بغزو صقلية وسردينيا وكورسيكا وجزر البليار. لم تكن هجمات الوندال والهون منسّقة، لكنها أضعفت الجيش الروماني بإجباره على القتال على جبهتين في آنٍ واحد.

وحقق جيش الهون، المزوّد لأول مرة في تاريخه بالمنجنيقات، انتصارًا تلو الآخر. وفي عام 443، وصل إلى أبواب القسطنطينية. واضطر ثيودوسيوس إلى توقيع معاهدة سلام ودفع جزية. انسحب الهون إلى حين عودتهم.

وبُعيد انسحاب الهون، قُتل بليدا على يد أتيلا، الذي أصبح الملك الوحيد للهون.

ضد الإمبراطورية الغربية

فيلا رومانية نهبها الهون

في عام 447، استأنف أتيلا حملته في البلقان، وتقدم حتى بلغ اليونان، لكنه صُدّ هناك.

عملة ذهبية تحمل صورة هونوريا

في عام 450، أقامت هونوريا، شقيقة الإمبراطور الروماني الغربي فالنتينيان الثالث، علاقة مع أحد خدم القصر وحملت منه. أُعدم عشيقها، وأُجبرت هونوريا على الزواج من السناتور باسوس هركولانوس. فأرسلت آنذاك رسالة إلى أتيلا تتوسل إليه أن يأتي لإنقاذها من هذا الزواج الذي لم ترغب فيه، وأرفقت برسالتها خاتم خطوبتها. فسّر أتيلا إرسال الخاتم على أنه طلب زواج، وهو أمر لم يكن بالتأكيد ما قصدته هونوريا. قرر أتيلا غزو الإمبراطورية الرومانية الغربية للذهاب لأخذ خطيبته.

حملة أتيلا في بلاد الغال

أرسل جنسريك، الدبلوماسي الماهر، مبعوثين إلى أتيلا لتشجيعه على مهاجمة ثيودوريك، ملك القوط المستقرين في بلاد الغال. وبينما كان أتيلا يطمح إلى غزو إيطاليا لاحقًا انطلاقًا من بلاد الغال، أراد جنسريك بالدرجة الأولى استغلاله لإضعاف عدوه القديم ثيودوريك. غزا أتيلا بلاد الغال ونشر فيها الدمار، مما أجبر ثيودوريك على التحالف مع روما للدفاع عن نفسه. وفي عام 451، تواجه الرومان والقوط مع جيش أتيلا في معركة الحقول القطلاونية (كاتالونيوم): قُتل ثيودوريك في المعركة، واضطر أتيلا إلى الانسحاب من بلاد الغال، واستفاد الرومان من نصر شكلي.

وفي عام 452، عاد أتيلا وغزا إيطاليا. وفي تلك الأثناء، توقف مارقيان، الإمبراطور الروماني الشرقي الجديد، عن دفع الجزية المستحقة للهون. فانسحب أتيلا من إيطاليا واتجه نحو القسطنطينية.

جنسريك بعد أتيلا

بينما كان أتيلا في أوج مجده، توفي فجأة عام 453: ففي وليمة أُقيمت بمناسبة زفافه، ثمِل، ثم بدأ ينزف من أنفه واختنق بدمه. تقاسم أبناؤه إمبراطوريته، التي لم تعد أبدًا تشكل تهديدًا لروما.

نهب روما على يد جنسريك

بعد وفاة أتيلا، أصبح جنسريك العدو الأول لروما. وفي عام 455، اغتيل الإمبراطور فالنتينيان الثالث، الذي كان قد وعد بتزويج ابنته أودوكيا من هونريك، ابن جنسريك. وأجبر قاتله أودوكيا على الزواج من ابنه. فاستغل جنسريك هذه الذريعة لغزو روما ونهب المدينة. وأخذ أودوكيا مع والدتها إلى قرطاج، حيث تزوجت من هونريك.

وبعد رحيل الوندال، فرض ثيودوريك الثاني، ملك القوط الجديد، أفيتوس، وهو سناتور من أصل غالي مقرّب منه، إمبراطورًا جديدًا. وخضع خلفاؤه لسيطرة القوط.

وقد سرّع نهب روما على يد جنسريك بشكل كبير من انحدار الإمبراطورية الرومانية الغربية، حتى سقوطها النهائي: إذ خُلع آخر أباطرتها، رومولوس أوغسطولوس، عام 476 على يد الزعيم الجرماني أودوأكر. وتوفي جنسريك في قرطاج في العام التالي، بعد شيخوخة طويلة وهانئة، عن عمر ناهز 87 عامًا.

الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

يودوكيا: أميرة رومانية في قرطاج

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

كانت يودوكيا ابنة الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث. وبصفتها زوجة هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريق، عاشت في قرطاج، وكان من المفترض أن تصبح ملكة الوندال في قرطاج. وفيما بعد، أصبح ابنها هلدريك ملكًا على الوندال.

يودوكيا

الأصول والنشأة

تمثال نصفي لفالنتينيان الثالث، والد يودوكيا

وُلدت يودوكيا في روما حوالي سنة 440م. وكانت الابنة الكبرى للإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث وزوجته ليسينيا يودوكسيا. وتنحدر من سلالة إمبراطورية خالصة من كلا الجانبين؛ فوالدها هو ابن القائد الروماني قسطنطينيوس وغالا بلاسيديا، ابنة الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، أما والدتها فهي ابنة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني.

وفي سنة 442م، أبرمت الإمبراطورية الرومانية معاهدة سلام مع الوندال اعترفت بموجبها بسيادتهم على شمال إفريقيا. ولتأكيد هذا الاتفاق، خُطبت يودوكيا، التي كانت لا تزال طفلة، إلى هونريك، ابن الملك الوندالي جنسريك.

يودوكيا في قرطاج

في سنة 455م، اغتال عضو مجلس الشيوخ بترونيوس ماكسيموس الإمبراطور فالنتينيان الثالث واستولى على العرش. ثم تزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بلاديوس.

عملة تحمل صورة هونريك

اعتبر الوندال أن فسخ خطوبة يودوكيا من هونريك يُبطل معاهدة السلام. وعندما علم الملك الوندالي جنسريق بذلك، قرر مهاجمة روما ونهب المدينة. وأُسرت يودوكيا مع والدتها وشقيقتها بلاسيديا، ونُقلن إلى قرطاج، حيث تزوجت هونريك.

ولا تُعرف الكثير من التفاصيل عن السنوات التي قضتها يودوكيا في قرطاج. وكل ما يُعرف هو أن علاقتها بزوجها هونريك كانت مضطربة. فإلى جانب أنها أُجبرت على الزواج منه رغمًا عنها، كان السبب الرئيسي للتوتر بينهما اختلافهما الديني؛ إذ كان هونريك يعتنق المذهب الآريوسي، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية.

عملة تحمل صورة هلدريك

حوالي سنة 460م، أنجبت يودوكيا ابنًا سُمّي هلدريك. وبعد وقت قصير من ولادته، لم تعد تحتمل التوترات مع زوجها، فقررت مغادرة قرطاج. ولذلك لم تصبح يودوكيا ملكة للوندال قط، لأنها تركت هونريك قبل أن يتولى العرش. أما ابنها هلدريك، فقد نشأ في بلاط والده، وأصبح ملكًا على الوندال بين سنتي 523 و530م.

يودوكية، جدة يودوكسيا

بعد مغادرتها قرطاج، استقرت يودوكيا في القدس، حيث كانت جدتها يودوكسيا، زوجة إمبراطور الروم الشرقي ثيودوسيوس الثاني، تمتلك ضيعة. وكانت يودوكية شاعرة يونانية مرموقة، وقد نُفيت من البلاط الإمبراطوري بعد أن وُجهت إليها ظلمًا تهمة الخيانة الزوجية. فاعتزلت في القدس، وكرست السنوات الأخيرة من حياتها للأدب والدين.

وعندما وصلت يودوكيا إلى القدس، كانت جدتها قد توفيت بالفعل، لكنها أقامت في ضيعتها. وعند وفاتها، دُفنت في قبر جدتها.

شمال إفريقيا الرومانية, الوندال في شمال أفريقيا, الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

انتقام الوندال: جنسريك ينهب روما

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

ترجمة لطيفة هبولة

في مطلع القرن الخامس الميلادي، غزا الوندال، الشعب الجرماني، شمال أفريقيا منهين بذلك أكثر من أربعة قرون من الهيمنة الرومانية على المنطقة. وفي عام 455، دخل ملك الوندال جنسريك روما وقام بنهب المدينة واختطاف ابنة الإمبراطور فالنتينيان الثالث، التي أصبحت زوجة ابنه.

السياق

في القرن الخامس الميلادي، انقسمت الإمبراطورية الرومانية بين الجزأين الشرقي والغربي وأنهكتها سلسلة طويلة من الحروب ضد قبائل أجنبية جديدة – غالباً من أصول جرمانية – ما أدى إلى إضعاف أراضيها. وقامت إحدى هذه القبائل، القوط، بنهب روما عام 410. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستولي فيها جيش أجنبي على العاصمة الإمبراطورية.

مملكة الواندال

استقر الوندال في إسبانيا، ثم بعد ذلك عبروا مضيق جبل طارق عام 429 وغزوا شمال أفريقيا. وفي عام 439، أسسوا مملكةً عاصمتها قرطاج. وفي عام 442، أُبرمت معاهدة سلام اعترفت بموجبها روما بسيطرة الوندال على أفريقيا. ووعد الإمبراطور الروماني فالنتينيان الثالث ابنته إيودوكيا بالزواج من هونريك، ابن ملك الوندال جنسريك.

وفي عام 455، اغتيل فالنتينيان الثالث على يد بترونيوس ماكسيموس، الذي استولى على العرش. وتزوج الإمبراطور الجديد من ليسينيا يودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث، وأجبر ابنتهما يودوكيا على الزواج من ابنه بالاديوس. واعتبر جنسريك أن فسخ خطوبة يودوكيا وابنه هونريك سببا يُبطل معاهدة السلام. وعندما طلبت منه ليسينيا يودوكسيا الانتقام لزوجها، قرر جنسريك مهاجمة روما.

الواندال في روما

نهب روما على يد الوندال

أبحر الوندال من قرطاج ونزلوا في أوستيا، المدينة الساحلية لروما. وحاول بترونيوس ماكسيموس الفرار من روما، لكن حشدًا غاضبًا رجمه حتى الموت. ودمر الوندال قنوات المياه التي كانت تزود روما بالماء.

بدأ ليو الأول، أسقف روما، مفاوضات مع جنسريك وأقنعه بالعفو عن السكان الذين لم يبدوا أي مقاومة وعدم حرق المباني وتعذيب السجناء ولكن الواندل نهبوا المدينة لمدة أسبوعين.

نهب القوط لروما عام 410

كان وقع نهب روما على يد الوندال أشد تدميراً من نهب القوط عام 410. فقد اقتلع الوندال نصف سقف معبد جوبيتر الكابيتولي، أكبر معابد روما، بهدف سرقة بلاطاته البرونزية المذهبة. ويُعزى أصل كلمة “vandalism” “التخريب” إلى نزعة الوندال الميالة للنهب، والتي تعني تدمير ممتلكات الآخرين. ومع ذلك، لم تُفرض أي عقوبات على السكان حيث التزم جنسريك بوعده لأسقف روما وكبح جماح قواته.

وبحسب بعض المصادر، بعد أن نهب الملك الواندالي جنسريك روما عام 455، أعاد إلى قرطاج الأواني المقدسة لهيكل القدس والتي كانت محفوظة في خزائن المدينة الرومانية. وبعد أن استعاد البيزنطيون قرطاج عام 533، أمر القائد الروماني بيليساريوس بنقلها إلى القسطنطينية، ومنها أُعيدت لاحقًا إلى القدس. وكان الاعتقاد السائد أن امتلاك هذه الأشياء المقدسة علامة على البركة الإلهية.

العودة إلى قرطاج

هونريك وإيودوكيا – صورة من تصميم ChatGPT

بعد مرور أسبوعين، عاد الوندال إلى قرطاج. وأُعيدت إيودوكيا، ابنة فالنتينيان الثالث، إلى قرطاج أسيرة برفقة والدتها وشقيقتها بلاسيديا. وبعد ذلك بوقت قصير، تزوجت إيودوكيا من هونريك. ولكن هذا الزواج كان قد اتسم بالصعوبة نظرا للاختلاف الديني. فهونريك كان آريوسياً، بينما كانت يودوكيا مسيحية كاثوليكية. ونظراً للتوتر الذي طرأ بينهما، تركت يودوكيا هونريك قبل أن يصبح ملكاً وأنهت حياتها في القدس. وكان الملك الوندالي هلدريك (523-530) ابن هونريك ويودوكيا.

وصلت العديد من السفن محملة بالأسرى إلى قرطاج، حيث تم تسليمهم كعبيد لمحاربي الوندال. وقام أسقف قرطاج، ديوغراتياس، ببيع جميع ممتلكات الكنيسة لاستعادة أكبر عدد ممكن منهم، ثم استضافهم في الكنائس الكبيرة في قرطاج وأعادهم إلى روما.

عملة ذهبية عليها صورة مارقيان

لم يُبدِ مارقيان، إمبراطور الشرق، أي رد فعل عنيف بعد هجوم الوندال، بل اكتفى بالمطالبة بالإفراج عن إيودوكيا ووالدتها. وكان مارقيان، الذي خدم جنديا في الحروب الوندالية -الرومانية في شمال إفريقيا، قد وقع أسيرًا لدى الوندال عام 432. وتقول الأسطورة إنه أُطلق سراحه عندما تنبأ جنسريك بأنه سيصبح إمبراطورًا، وأنه في مقابل حريته، وعد بعدم مهاجمة الوندال أبدًا.

لاحقا

بعد رحيل الوندال، أعلن الملك القوطي ثيودوريك أفيتوس، السيناتور من أصل غالي، إمبراطورًا. وخضع آخر أباطرة الرومان الغربيين للقوط.

وأُطلق سراح الإمبراطورة السابقة ليسينيا أودوكسيا، أرملة فالنتينيان الثالث ووالدة أودوكيا، عام 461 بعد أن دفع الإمبراطور الشرقي ليو الأول فديةً عنها. وعاشت بقية حياتها في القسطنطينية.

عملة ذهبية عليها صورة أوليبريوس

كان أوليبيريوس، أحد آخر أباطرة الرومان، متزوجًا من بلاسيديا، شقيقة إيودوكيا. وبعد تحرير بلاسيديا، حاول الاستيلاء على السلطة عدة مرات بدعم من الوندال وقد تحقق حلمه بالحكم أخيرًا لبضعة أشهر عام 472.

ساهم نهب جنسريك لروما بشكل كبير في تسريع انهيار المدينة حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية نهائيًا عام 476.

الإمبراطورية الرومانية المتأخرة

مارقيان: إمبراطورٌ مستقبلي وقع أسيرًا في يد الوندال

Français – عربي – ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ – English

خلال حرب الفتح الوندالي لشمال إفريقيا، وقع الإمبراطور المستقبلي مارقيان أسيرًا في يد الوندال. وتروي إحدى الروايات أن ملك الوندال جينسريق تنبأ بأنه سيصبح إمبراطورًا. وفي مقابل إطلاق سراحه، تعهّد مارقيان، بحسب هذه الرواية، بألا يشن حربًا على الوندال.

السياق

قطعة ذهبية تحمل صورة مارقيان

في سنة 429، عبر الوندال مضيق جبل طارق وغزوا شمال إفريقيا. وهُزمت القوات الرومانية، بقيادة بونيفاتيوس، آخر حاكم لإفريقيا الرومانية، في معركة كالاما (قالمة).

في سنة 432، أرسل الرومان تعزيزات عسكرية بقيادة أسبار، القائد العام للإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان أسبار نفسه من أصل جرماني (ألاني من جهة والده وقوطي من جهة والدته)، وأراد استغلال هذه القرابة العرقية مع الوندال لتحقيق النصر عليهم.

ورغم ذلك، حقق الوندال انتصارًا جديدًا. وخلال هذه الحملة، وقع الإمبراطور الروماني المستقبلي مارقيان، الذي كان آنذاك ضابطًا في جيش أسبار، أسيرًا في أيديهم.

مارقيان أسيرًا لدى الوندال

نهب روما على يد جينسريق

أدى أسر الإمبراطور المستقبلي إلى ظهور أسطورة أوردها عدد من المؤرخين القدامى. فبينما كان مارقيان في الأسر، حلّق نسر فوقه وألقى عليه بظله، في حين ظل بقية الأسرى معرضين لأشعة الشمس. وعندما رأى ملك الوندال جِنْسِريك ذلك، تنبأ بأن مارقيان سيصبح إمبراطورًا، فأطلق سراحه بعد أن أخذ عليه عهدًا بألا يحارب الوندال إذا اعتلى العرش.

ومن المرجح أن هذه القصة مختلقة، لكنها أصبحت جزءًا من الدعاية الإمبراطورية لمارقيان عندما تولى العرش بعد نحو عشرين عامًا، سنة 450. وعندما نهب ملك الوندال جِنْسِريك مدينة روما سنة 455، وأسر زوجة الإمبراطور الروماني الغربي فالنتينيان الثالث وابنته، لم يسعَ مارقيان، الذي كان آنذاك إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلى الدفاع عن روما، بل اكتفى بالمطالبة بإطلاق سراح الأسيرتين.